يصادف يوم 13 حزيران/ يونيو 2026، الذكرى السادسة لرحيل الناشطة الكويرية المصرية سارة حجازي، التي انتحرت بعدما ضاق بها العالم بسبب أفكارها. في رسالتها الأخيرة كتبت: “إلى العالم، كنت قاسيًا إلى حد عظيم، ولكنني أسامح”. وبعد ست سنوات، ما زالت كلماتها تعيدني إلى الأسئلة ذاتها؛ ليس لأن سارة تختصر قصص كثيرين منا بل لأن رحيلها كشف حجم الخسارات التي نحملها معنا بصمت.
أستعيد ذكرى سارة حجازي لا بوصفها رمزًا مجردًا، بل كإنسانة تركت أثرًا لا يمكن تجاهله. ومن هذا الأثر تحديدًا، أجد نفسي أفكر في كل الذين خسرناهم في المنفى، بعدما ضاقت بهم الأوطان التي كان يفترض أن تحميهم. ومع كل ذكرى جديدة، يعود السؤال نفسه: هل قتل المنفى هؤلاء حقًا، أم أن القتل بدأ قبل ذلك بكثير؟
بينما كنت أحضّر لكلمة الافتتاح التي ألقيتها في اختتام إحدى البرامج التي عملت عليها في السنوات الماضية، كتبت جملة قلت فيها إننا مدينون لكل ما نستطيع فعله الآن للواتي والذين مهّدوا الطريق لنا لنصل الى ما نحن عليه اليوم. بينما كنت ألقي الكلمة، ظهر أمامي شريطٌ شاهدت فيه كلّ من خسرناهم. أذكر كل مرّة أخبرني فيها صديقي عن شخصٍ عرفناه في دوائرنا وقد أنهى حياته بعدما وصل “الى الأمان”.
لا أعرف ما هو تعريف الأمان أو ما إذا كان هناك تعريفٌ واحد له، لكنّه حتماً ليس موت من نحبّ.
أنظمة بلداننا: المجرم الأساسي في عمليات القتل هذه
تتفنن أنظمة بلداننا في التمييز ضد أفراد الميم عين لام+، وتمارس عبر مؤسساتها وأدواتها شتى أشكال الإقصاء والعنف الممنهج والنفي. يجد كثيرون أنفسهم داخل قوقعة مؤقتة، بانتظار فرصة للمغادرة، فيما تتحول أوطانهم إلى سجون مفتوحة تضيق بهم يومًا بعد يوم.
فما معنى أن يُسلب الإنسان أبسط حقوقه؟ وأي إنسانية ندّعيها بينما تُقتل امرأة عابرة في أحد شوارعنا من دون محاسبة حقيقية؟ وكيف يمكن الحديث عن الحماية فيما يُترك من يستهدف أفراد الميم عين بالخطف أو التعذيب أو الترهيب ليتحرك بحرية، أو يحظى أحيانًا بمن يدافع عنه؟ لا تظهر هذه الأنظمة إلا عندما يتعلق الأمر بملاحقة أفراد الميم عين أو تحويل وجودهم إلى مادة إعلامية رخيصة. أما حين يكون المطلوب هو الحماية أو العدالة أو المساءلة، فإنها تختفي تماماً، في أحسن الأحوال.
بهذا المعنى، لا يبدأ المنفى عند الحدود، بل قبلها بسنوات؛ يوم يصبح البقاء مستحيلًا، ويغدو الرحيل الخيار الوحيد المتاح.
لا تدرك هذه الأنظمة أن البلدان التي تبصق أبناءها وبناتها خارجها لا يمكن أن تكون صالحة للحياة. فكل شخص يُجبر على الرحيل هو شاهد إضافي على فشلها، وكل خسارة جديدة تجعل هذا الفشل أعمق وأصعب على الترميم.
بلدان الحلم: خيبة أمل فادحة
الوصول إلى أوروبا أو كندا أو أي مكان آخر لا يمحو سنوات العنف التي سبقت الرحيل. لا تُلغى آثار الخوف بعبور الحدود، ولا تتوقف الخسارات عند ختم جواز السفر. كثيرون وكثيرات وصلوا إلى حيث كان يفترض أن تبدأ الحياة، لكنهم وصلوا منهكين، وحيدين، مثقلين بما حملوه من أوطانهم. فلا توجد حرية كافية لمحو آثار السياط التي خلفتها سجون الوطن.
وبدل أن يجد كثيرون وطناً جديداً، يصطدمون بأشكال أخرى من الإقصاء: بيروقراطية لا تنتهي، سياسات انتقائية، وعنصرية تجعلهم غرباء حتى بعد الوصول. وكأن النفي لا ينتهي عند مغادرة الوطن، بل يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة.
كل هذا النفي والتعذيب والتغريب يجرّد هؤلاء من روح الحياة التي حاربوا طويلًا من أجلها. فالانتحار لا يمكن فهمه بمعزل عن الظروف التي تصنعها الأنظمة. فهو ليس حدثًا منفصلًا عن الإقصاء والعنف والنفي المتراكم، بل قد يكون، في كثير من الأحيان، إحدى أكثر نتائجها قسوة. وهكذا، بين جحيم الوطن وصقيع الغربة، حيث لم يكن المنفى يومًا حلمًا بل خيارًا اضطراريًا فرضته أنظمة جعلت البقاء مستحيلًا، تتبيّن حقيقة أن مسؤولية هذه الخسارات لا تتوقف عند الحدود التي غادرناها.
نحن مدينون للواتي والذين مهّدوا الطريق لنا، لكننا مدينون أيضًا للذين لم يتمكنوا من إكماله. للذين عبروا الحدود ولم يجدوا الأمان الذي وُعدوا به. ولعل أقل ما يمكن أن نفعله هو أن نرفض التعامل مع خسارتهم كقدر، وأن نسمي المسؤول عنها باسمها: أنظمة جعلت الحياة مستحيلة، ثم تبرأت من آثار ما فعلته.
إقرأوا أيضاً:










