ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

فوضى الجماعات المسلّحة في طرابلس الليبية… عندما تكون الدولة رهناً للولاءات الميليشياوية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

قد تكون مسألة إنهاء الميليشيات في ليبيا، بخاصّة في العاصمة طرابلس، أحد أبرز ضمانات قيام دولة مستقرّة وآمنة، ولكن لن يكون مجدياً أن يتمّ ذلك عبر رجل قام بصناعة هذه الميليشيات وتقويتها واستخدامها، واحتمى بها، ودفع لها أموالاً طائلة لتُطيل أمد بقائه في السلطة. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تشهد العاصمة الليبية طرابلس هذه الأيّام، توتّرات أمنية غير مسبوقة، أثارها مقتل قائد “جهاز دعم الاستقرار” وأحد أبرز أمراء الحرب في الغرب الليبي عبد الغني الككلي، الملّقب بـ”غنيوة”، في 12 أيّار/ مايو الجاري. 

حيث أثارت الاشتباكات المتصاعدة، المخاوف من اشتعال فتيل نزاعات جديدة ومواجهة كبرى، بين ميليشيات محسوبة على أطراف متنافسة داخل منظومة السلطة في طرابلس، في ظلّ وضع أمني هشّ في العاصمة الليبية، ظلّ منذ سنة 2015 رهن شبكة من الولاءات الميليشياوية، بغطاء رسمي من مؤسّسات الدولة.  

واندلعت مواجهة شاملة بين ميليشيات محسوبة على السلطة في طرابلس، وتحديداً بين فصيلي “قوّات الردع” و”اللواء 444″، استُخدمت فيها أسلحة رشّاشة ثقيلة وقذائف صاروخية، وتحوّلت بعض الأحياء المدنية في العاصمة إلى ساحات قتال، أعادت إلى الليبيين مشاهد الاقتتال الدموي الذي عاشت على وقعه البلاد لسنوات. 

وكانت التوتّرات الأمنية في طرابلس، قد بدأت ليلة الاثنين في 12 من الشهر الحالي، على خلفية مقتل “غنيوة”، حيث شهدت العاصمة اضطراباً وفوضى أمنيين لم تعرفهما منذ سنوات، وانتشرت الدبابات والآليّات عسكرية، واندلعت اشتباكات عنيفة جدّاً بين تشكيلات مسلّحة في الأحياء الجنوبية للمدينة، مما أدّى إلى إيقاف حركة الطيران في مطار طرابلس، وتعليق الدراسة، وصدور دعوات للمواطنين من وزارة الداخلية بالبقاء في منازلهم.

وعاد الهدوء إلى العاصمة صباح اليوم التالي، مع إعلان وزارتي الدفاع والداخلية استعادة السيطرة على الأوضاع، وتأكيد رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها عبد الحميد الدبيبة، تمكّن الوزارتين المذكورتين من بسط الأمن، لكنّ هذا الهدوء لم يصمد لأكثر من بضع ساعات، لتتجدّد المعارك مساء الثلاثاء، وتستمرّ حتى مساء الأربعاء، بعد أن قرّر  الدبيبة حلّ قوّة “الردع” لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظّمة التابعة للمجلس الرئاسي، وهو القرار الذي رفضته الأخيرة، كما رفض رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي التصديق عليه. 

وخلال يومين شهدت العاصمة الليبية حرب شوارع طاحنة بين قوّات “اللواء 444″ الموالية للدبيبة بقيادة محمود حمزة، و”قوّات الردع” بقيادة عبد الرؤوف كارة ومتحالفين معها من مناطق مختلفة، هبّوا للقتال إلى جانبها، مخلّفة خسائر بشرية ومادية كبيرة.

وفي الساعات الأولى من صباح الخميس، خرجت مظاهرات حاشدة في مناطق عدّة من العاصمة الليبية على غرار بلديات أبو سليم وسوق الجمعة وعين زارة، مطالبة بإسقاط حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها، ووضع حدّ للصراعات المسلّحة التي تمزّق مدينتهم، كما أعربوا عن رفضهم لاستمرار الصراعات المسلّحة محمّلين الدبيبة المسؤولية المباشرة عن تفجّر الأوضاع الأمنية، ولكن جوبه المتظاهرون بإطلاق نار من قِبل مسلّحين مجهولين.

وما يزال الوضع الأمني في ليبيا هشّاً ومفتوحاً على أكثر من سيناريو. ورغم أن بعض التقديرات ذهبت للقول إن ما يجري هو محاولة من الدبيبة لإرساء الأمن في البلاد وإنهاء عهد الميليشيات، وأنه قد استفاد من ذلك، فإن العودة لما جرى على الأرض، يؤكّد أن ما يجري ما هو إلا صراع مفتوح من أجل النفوذ بين الميليشيات التي استخدمتها السلطة. ويبدو أن الدبيبة كان يعتقد أنه سينجح في تصفية أقوى الميليشيات في العاصمة وأوسعها نفوذاً (جهاز دعم الاستقرار وقوّات الردع) اللتين باتتا تشكّلان عائقاً لبسط نفوذه، وتعويضهما بميليشيات أكثر ولاء من مصراتة مسقط رأسه، ولكن يبدو أن  الأمور لم تمشِ كما أراد لها. 

مقتل “غنيوة”

في 12 من أيّار/ مايو الجاري تمّ الإعلان عن مقتل “غنيوة”، وسط تضارب الروايات حول عمليّة مقتله. حيث قالت الرواية الأولى إن الأخير قد قضى خلال اشتباك مع قيادات جماعات مسلّحة من مدينة مصراتة وطرابلس، أثناء مباحثات لخفض التوتّر وتجنّب الاشتباكات المسلّحة، إلا أن الاجتماع تحوّل إلى اشتباك بين الجانبين وسقط فيه “غنيوة” قتيلاً مع حرّاسه.

في المقابل، تنتشر على صعيد واسع رواية مفادها أن “غنيوة” تمّ اغتياله داخل معسكر التكبالي في ضاحية صلاح الدين في العاصمة، بعد أن تمّ استدراجه إلى كمين أعدّه آمر “اللواء 444” محمود حمزة بالتنسيق مع قيادات من مصراتة، للتخلّص منه رفقة عدد من مرافقيه عند بوّابة المعسكر، حيث تمّت دعوته إلى اجتماع طارئ بهدف تقييم الوضع العامّ، وإعادة توزيع مناطق النفوذ في غرب البلاد، ليذهب إلى الموعد على متن درّاجة نارية ويتمّ اغتياله فور دخوله.

ويبدو أن الرواية الثانية هي الأقرب إلى الحقيقة نظراً لعوامل عدّة، أولاً: التحرّك السريع لقوّات مصراتة بالتنسيق مع “اللواء 444″، وقتال “اللواء 111” مجحفل التابع للزنتان، وتمكّنه سريعاً من اقتحام مقرّات “غنيوة” ومواقعه الحسّاسة في العاصمة والسيطرة عليها، رغم أن قوّات الأخير تعتبَر من أهمّ الميليشيات في الغرب الليبي، وهذا ما يرجّح فرضيّة التحضير والتخطيط لتصفية الرجل، لا سيّما وأن العاصمة قد شهدت قبل أياّم حشد قوّات كبيرة تتّجه نحوها من مصراتة، قدّرتها بعض المصادر بنحو ألف آلية مسلّحة، وُضعت تحت إشراف آمر المنطقة الغربية أبو غدادة، ومستشار الدبيبة وابن شقيقته إبراهيم الدبيبة. 

ويبدو أن هذه القوّات قدمت أساساً لمعاضدة “اللواء 444” في السيطرة على مقرّات “جهاز دعم الاستقرار”، بعد مقتل قائدها على نحو مباغت، لأن الدخول في حرب مع هذه القوّات لن تكون مضمونة النتائج، نظراً لقوّة سلاحها، وتحالفات “غنيوة” الواسعة في أكثر من منطقة. ولهذا كان التفكير في اغتيال القائد على نحو مفاجئ، والإسراع في الإجهاز على قوّاته المنهارة تحت وقع الصدمة، الخطّة الأنسب، وهو ما تمّ.

ثانياً، هناك عوامل مرتبطة بشخصيّة “غنيوة” ونفوذه، تجعله هدفا للدبيبة وحاشيته في هذه المرحلة، بعد أن كان حليفاً استراتيجياً. فـ”غنيوة” من مواليد مدينة بنغازي ونشأ في طرابلس، وتحديداً في حيّ أبو سليم الشعبي، ولم يكمل تعليمه، وانغمس باكراً في أعمال غير مشروعة كتجارة المخدّرات، وقضى 14 عاماً في السجن بتهمة القتل. مع اندلاع ثورة 17 شباط/ فبراير 2011، أُفرج عنه، ليستفيد سريعاً من الفراغ الأمني حينها، والانتشار الكبير للسلاح، ويشكّل ميليشيا “الأمن المركزي”، ويصبح حيّ أبو سليم معقله الرئيسي، ونقطة انطلاق نفوذه الواسع في طرابلس.

وفي كانون الثاني/ يناير سنة 2021، أسّس المجلس الرئاسي الليبي السابق برئاسة فائز السراج “جهاز دعم الاستقرار”، وهو كيان أمني شبه رسمي، مهمّته المعلنة مكافحة الفساد وتهريب المخدّرات والهجرة غير المشروعة، وتمّ تعيين “غنيوة” رئيساً لهذا الجهاز في منصب يعادل مستشار الأمن القومي.

وانطلاقاً من هذه المحطّة تدرّج “غنيوة” من قاتل إلى رقم صعب في المعادلة السياسية والعسكرية في غرب ليبيا، وصانع حكّام طرابلس من السراج حتى الدبيبة، فهو يقود أحد أكبر وأقوى التنظيمات المسلّحة، وهو “جهاز دعم الاستقرار”، وقد تولّى دعم الرجلين وحمايتهما للبقاء في منصب رئاسة الحكومة، وقد لمع نجمه أكثر مع الدبيبة الذي كان حليفاً رئيسياً له.

حصل “غنيوة” على غطاء سياسي وأمني، مكّنه من بسط نفوذه بالقوّة، وواجه تهماً بالتعذيب والخطف والابتزاز، قوبلت بصمت رسمي من حكومتي السراج والدبيبة، نظراً لتأثيره الكبير داخل دوائر الحكم في طرابلس، وبعد سنوات من الوفاق بين الجانبين، المعلن على الأقلّ، بدأت العلاقات تشهد توتّرات في ظلّ التنامي الكبير لنفوذ “غنيوة” وسيطرته على مؤسّسات حيوية في طرابلس، وتعيين رجاله في مناصب مهمّة في الحكومة. بعدها انتقل للسيطرة على بعض المؤسّسات السيادية المهمّة في طرابلس، على غرار جهاز الأمن الداخلي وأمن المرافق الحيوية، مما مكّنه من تعزيز قبضته الأمنية على العاصمة الليبية.

وتدريجياً بدأت هذه التحرّكات تُغضب الدبيبة وحاشيته وحكومته، ودبّت التوتّرات والخلافات شيئاً فشيئاً، لتخرج إلى العلن في تشرين الأول/ أكتوبر 2024، على خلفيّة تسليم معسكر الثامنة في غريان إلى ميليشيا موالية لخصوم “غنيوة”، وتواتر أنباء عن تحرّكات يقوم بها مستشار الدبيبة إبراهيم الدبيبة، مع مليشيات معادية للرجل، بهدف الإطاحة به. 

وزادت حدّة الخلاف مع حديث بعض التقارير الليبية عن تحريض “غنيوة” لجمهور نادي أهلي طرابلس، لشنّ حملة ضدّ الدبيبة واتّهامه وابنه بتعاطي المخدّرات. وانهارت العلاقات تماماً بعد قيام قائد “جهاز دعم الاستقرار” باقتحام مقرّ الشركة القابضة للاتّصالات وخطف رئيسها يوسف أبو زيدة، المقرّب من الدبيبة والمنحدر من مدينة مصراتة، بدعوى أن المؤسّسة تتجسّس على اتّصالاته ومكالماته، لصالح جهات عسكرية تابعة لحكومة الوحدة الوطنية، في ظلّ الشكوك حول وجود علاقات بين “غنيوة” والمشير خليفة حفتر. وأثارت هذه الخطوة حفيظة الدبيبة والمقرّبين منه، واعتبروها تجاوزاً كبيراً وتحدّياً مباشراً لسلطته، ويبدو أنها القطرة التي أفاضت الكأس والتي عجّلت بقرار تصفيته.

صراع ميليشيات

ويبدو أن الدبيبة وحاشيته من حكومة وميليشيات في طرابلس ومصراتة، قد أعدّوا العدّة لا لاستهداف “جهاز دعم الاستقرار” وقائده فحسب، بل كانت النيّة القضاء أيضاً على “قوّات الردع”، لضمان عدم وجود تشكيلات مسلّحة قوّية قد تحول دون بسط نفوذه أكثر، وإدخال ميليشيات وقوّات مسلّحة من مسقط رأسه مصراتة لضمان السيطرة الكاملة على العاصمة. ولعلّ هذا ما يفسّر توجّهه مباشرة بعد إعلان السيطرة على مقرّات قوّات “غنيوة” لإعلانه شنّ عمليّة عسكرية ثانية ضدّ قوّات جهاز “الردع” والهجوم على مقرّاتها والاستيلاء عليها واعتقال قادة الجهاز، وإصداره جملة من القرارات بصفته وزيراً للدفاع يحلّ فيها جميع الأجهزة التابعة لها ويسرّح جنودها. 

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه منذ سنة 2016 ظهر في العاصمة طرابلس عدد كبير من الميليشيات المسلّحة، تفرض كلّ واحدة سيطرتها على منطقة، ولكن منذ بروز “غنيوة” وقوّاته “جهاز دعم الاستقرار”، أصبحت أبرز التشكيلات المسلّحة، وهيمنت على منطقة أبو سليم في العاصمة. وفي المقابل هناك ما يسمّى بـ”قوّات الردع الخاصّة” المعروفة ب”قوّة الردع” المتمركزة في سوق الجمعة في طرابلس ولها نفوذها الواسع في هذه المنطقة، ويقودها عبد الرؤوف كارة، وهو سلفي، وهناك قوّات “اللواء 444″ المتمركزة بدورها في سوق الجمعة والحليف الأبرز للدبيبة، ويقودها محمود حمزة، وعلاقاتها ليست جيدة بـ”قوة الردع”، وتذهب التقديرات إلى القول إن كارة و”غنيوة” هما أقوى شخصيّتين أمنيتين في طرابلس.

وظنّ الدبيبة أن الأمور ستمضي كما هو الحال مع قوّات “غنيوة”، لكن قوّات “الردع” كانت تتوقّع هذه الخطوة، واستعدّت لها جيّداّ فضلاً عن انضمام عدد كبير من مقاتلي ميليشيات سوق الجمعة، وبعض عناصر “جهاز دعم الاستقرار”، وميليشيات من مدينة الزاوية وغيرها من المناطق إلى صفوفها، ضدّ الميليشيات والتشكيلات المسلّحة التابعة لحكومة الدبيبة والحليفة لها. 

وبهذا فشلت محاولة إسقاط “قوّات الردع”، بل إن الأخيرة نجحت في حشد عدد كبير من الليبيين للتظاهر ضدّ حكومة الدبيبة، واتّهامه مباشرة بأنه يسعى إلى تمكين ميليشيات مصراتة. ومعها سقطت كذبة السعي لإنهاء الميليشيات وفرض النظام الذي يسعى الأخير لترويجها، لأنه يعي جيّداً أن استمراره في الحكم محكوم أساساً بوجود الميليشيات حوله.

قد تكون مسألة إنهاء الميليشيات في ليبيا، بخاصّة في العاصمة طرابلس، أحد أبرز ضمانات قيام دولة مستقرّة وآمنة، ولكن لن يكون مجدياً أن يتمّ ذلك عبر رجل قام بصناعة هذه الميليشيات وتقويتها واستخدامها، واحتمى بها، ودفع لها أموالاً طائلة لتُطيل أمد بقائه في السلطة. 

كيف لمن خصّص لميليشيات “غنيوة”، على سبيل المثال لا الحصر، ميزانية سنوية بنحو 180 مليون دينار ليبي، أن يقود حملة جدّية ضدّ الميليشيات؟ زد على ذلك أن الدبيبة يدّعي أنه سيُنهي عهد الميليشيات والحال أنه يقوم بتغييرها لا أكثر، فهو يحاول إبعاد ميليشيات بات ولاؤها مشكوكاً فيه، وإحلال أخرى أقرب وأكثر انسجاماً مع أفكاره، محلّها. وبالتالي فإن ما يجري مجرّد مسرحية ساخرة فشل الدبيبة في عرضها بإتقان على الليبيين. 

30.05.2025
زمن القراءة: 8 minutes

قد تكون مسألة إنهاء الميليشيات في ليبيا، بخاصّة في العاصمة طرابلس، أحد أبرز ضمانات قيام دولة مستقرّة وآمنة، ولكن لن يكون مجدياً أن يتمّ ذلك عبر رجل قام بصناعة هذه الميليشيات وتقويتها واستخدامها، واحتمى بها، ودفع لها أموالاً طائلة لتُطيل أمد بقائه في السلطة. 

تشهد العاصمة الليبية طرابلس هذه الأيّام، توتّرات أمنية غير مسبوقة، أثارها مقتل قائد “جهاز دعم الاستقرار” وأحد أبرز أمراء الحرب في الغرب الليبي عبد الغني الككلي، الملّقب بـ”غنيوة”، في 12 أيّار/ مايو الجاري. 

حيث أثارت الاشتباكات المتصاعدة، المخاوف من اشتعال فتيل نزاعات جديدة ومواجهة كبرى، بين ميليشيات محسوبة على أطراف متنافسة داخل منظومة السلطة في طرابلس، في ظلّ وضع أمني هشّ في العاصمة الليبية، ظلّ منذ سنة 2015 رهن شبكة من الولاءات الميليشياوية، بغطاء رسمي من مؤسّسات الدولة.  

واندلعت مواجهة شاملة بين ميليشيات محسوبة على السلطة في طرابلس، وتحديداً بين فصيلي “قوّات الردع” و”اللواء 444″، استُخدمت فيها أسلحة رشّاشة ثقيلة وقذائف صاروخية، وتحوّلت بعض الأحياء المدنية في العاصمة إلى ساحات قتال، أعادت إلى الليبيين مشاهد الاقتتال الدموي الذي عاشت على وقعه البلاد لسنوات. 

وكانت التوتّرات الأمنية في طرابلس، قد بدأت ليلة الاثنين في 12 من الشهر الحالي، على خلفية مقتل “غنيوة”، حيث شهدت العاصمة اضطراباً وفوضى أمنيين لم تعرفهما منذ سنوات، وانتشرت الدبابات والآليّات عسكرية، واندلعت اشتباكات عنيفة جدّاً بين تشكيلات مسلّحة في الأحياء الجنوبية للمدينة، مما أدّى إلى إيقاف حركة الطيران في مطار طرابلس، وتعليق الدراسة، وصدور دعوات للمواطنين من وزارة الداخلية بالبقاء في منازلهم.

وعاد الهدوء إلى العاصمة صباح اليوم التالي، مع إعلان وزارتي الدفاع والداخلية استعادة السيطرة على الأوضاع، وتأكيد رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها عبد الحميد الدبيبة، تمكّن الوزارتين المذكورتين من بسط الأمن، لكنّ هذا الهدوء لم يصمد لأكثر من بضع ساعات، لتتجدّد المعارك مساء الثلاثاء، وتستمرّ حتى مساء الأربعاء، بعد أن قرّر  الدبيبة حلّ قوّة “الردع” لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظّمة التابعة للمجلس الرئاسي، وهو القرار الذي رفضته الأخيرة، كما رفض رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي التصديق عليه. 

وخلال يومين شهدت العاصمة الليبية حرب شوارع طاحنة بين قوّات “اللواء 444″ الموالية للدبيبة بقيادة محمود حمزة، و”قوّات الردع” بقيادة عبد الرؤوف كارة ومتحالفين معها من مناطق مختلفة، هبّوا للقتال إلى جانبها، مخلّفة خسائر بشرية ومادية كبيرة.

وفي الساعات الأولى من صباح الخميس، خرجت مظاهرات حاشدة في مناطق عدّة من العاصمة الليبية على غرار بلديات أبو سليم وسوق الجمعة وعين زارة، مطالبة بإسقاط حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها، ووضع حدّ للصراعات المسلّحة التي تمزّق مدينتهم، كما أعربوا عن رفضهم لاستمرار الصراعات المسلّحة محمّلين الدبيبة المسؤولية المباشرة عن تفجّر الأوضاع الأمنية، ولكن جوبه المتظاهرون بإطلاق نار من قِبل مسلّحين مجهولين.

وما يزال الوضع الأمني في ليبيا هشّاً ومفتوحاً على أكثر من سيناريو. ورغم أن بعض التقديرات ذهبت للقول إن ما يجري هو محاولة من الدبيبة لإرساء الأمن في البلاد وإنهاء عهد الميليشيات، وأنه قد استفاد من ذلك، فإن العودة لما جرى على الأرض، يؤكّد أن ما يجري ما هو إلا صراع مفتوح من أجل النفوذ بين الميليشيات التي استخدمتها السلطة. ويبدو أن الدبيبة كان يعتقد أنه سينجح في تصفية أقوى الميليشيات في العاصمة وأوسعها نفوذاً (جهاز دعم الاستقرار وقوّات الردع) اللتين باتتا تشكّلان عائقاً لبسط نفوذه، وتعويضهما بميليشيات أكثر ولاء من مصراتة مسقط رأسه، ولكن يبدو أن  الأمور لم تمشِ كما أراد لها. 

مقتل “غنيوة”

في 12 من أيّار/ مايو الجاري تمّ الإعلان عن مقتل “غنيوة”، وسط تضارب الروايات حول عمليّة مقتله. حيث قالت الرواية الأولى إن الأخير قد قضى خلال اشتباك مع قيادات جماعات مسلّحة من مدينة مصراتة وطرابلس، أثناء مباحثات لخفض التوتّر وتجنّب الاشتباكات المسلّحة، إلا أن الاجتماع تحوّل إلى اشتباك بين الجانبين وسقط فيه “غنيوة” قتيلاً مع حرّاسه.

في المقابل، تنتشر على صعيد واسع رواية مفادها أن “غنيوة” تمّ اغتياله داخل معسكر التكبالي في ضاحية صلاح الدين في العاصمة، بعد أن تمّ استدراجه إلى كمين أعدّه آمر “اللواء 444” محمود حمزة بالتنسيق مع قيادات من مصراتة، للتخلّص منه رفقة عدد من مرافقيه عند بوّابة المعسكر، حيث تمّت دعوته إلى اجتماع طارئ بهدف تقييم الوضع العامّ، وإعادة توزيع مناطق النفوذ في غرب البلاد، ليذهب إلى الموعد على متن درّاجة نارية ويتمّ اغتياله فور دخوله.

ويبدو أن الرواية الثانية هي الأقرب إلى الحقيقة نظراً لعوامل عدّة، أولاً: التحرّك السريع لقوّات مصراتة بالتنسيق مع “اللواء 444″، وقتال “اللواء 111” مجحفل التابع للزنتان، وتمكّنه سريعاً من اقتحام مقرّات “غنيوة” ومواقعه الحسّاسة في العاصمة والسيطرة عليها، رغم أن قوّات الأخير تعتبَر من أهمّ الميليشيات في الغرب الليبي، وهذا ما يرجّح فرضيّة التحضير والتخطيط لتصفية الرجل، لا سيّما وأن العاصمة قد شهدت قبل أياّم حشد قوّات كبيرة تتّجه نحوها من مصراتة، قدّرتها بعض المصادر بنحو ألف آلية مسلّحة، وُضعت تحت إشراف آمر المنطقة الغربية أبو غدادة، ومستشار الدبيبة وابن شقيقته إبراهيم الدبيبة. 

ويبدو أن هذه القوّات قدمت أساساً لمعاضدة “اللواء 444” في السيطرة على مقرّات “جهاز دعم الاستقرار”، بعد مقتل قائدها على نحو مباغت، لأن الدخول في حرب مع هذه القوّات لن تكون مضمونة النتائج، نظراً لقوّة سلاحها، وتحالفات “غنيوة” الواسعة في أكثر من منطقة. ولهذا كان التفكير في اغتيال القائد على نحو مفاجئ، والإسراع في الإجهاز على قوّاته المنهارة تحت وقع الصدمة، الخطّة الأنسب، وهو ما تمّ.

ثانياً، هناك عوامل مرتبطة بشخصيّة “غنيوة” ونفوذه، تجعله هدفا للدبيبة وحاشيته في هذه المرحلة، بعد أن كان حليفاً استراتيجياً. فـ”غنيوة” من مواليد مدينة بنغازي ونشأ في طرابلس، وتحديداً في حيّ أبو سليم الشعبي، ولم يكمل تعليمه، وانغمس باكراً في أعمال غير مشروعة كتجارة المخدّرات، وقضى 14 عاماً في السجن بتهمة القتل. مع اندلاع ثورة 17 شباط/ فبراير 2011، أُفرج عنه، ليستفيد سريعاً من الفراغ الأمني حينها، والانتشار الكبير للسلاح، ويشكّل ميليشيا “الأمن المركزي”، ويصبح حيّ أبو سليم معقله الرئيسي، ونقطة انطلاق نفوذه الواسع في طرابلس.

وفي كانون الثاني/ يناير سنة 2021، أسّس المجلس الرئاسي الليبي السابق برئاسة فائز السراج “جهاز دعم الاستقرار”، وهو كيان أمني شبه رسمي، مهمّته المعلنة مكافحة الفساد وتهريب المخدّرات والهجرة غير المشروعة، وتمّ تعيين “غنيوة” رئيساً لهذا الجهاز في منصب يعادل مستشار الأمن القومي.

وانطلاقاً من هذه المحطّة تدرّج “غنيوة” من قاتل إلى رقم صعب في المعادلة السياسية والعسكرية في غرب ليبيا، وصانع حكّام طرابلس من السراج حتى الدبيبة، فهو يقود أحد أكبر وأقوى التنظيمات المسلّحة، وهو “جهاز دعم الاستقرار”، وقد تولّى دعم الرجلين وحمايتهما للبقاء في منصب رئاسة الحكومة، وقد لمع نجمه أكثر مع الدبيبة الذي كان حليفاً رئيسياً له.

حصل “غنيوة” على غطاء سياسي وأمني، مكّنه من بسط نفوذه بالقوّة، وواجه تهماً بالتعذيب والخطف والابتزاز، قوبلت بصمت رسمي من حكومتي السراج والدبيبة، نظراً لتأثيره الكبير داخل دوائر الحكم في طرابلس، وبعد سنوات من الوفاق بين الجانبين، المعلن على الأقلّ، بدأت العلاقات تشهد توتّرات في ظلّ التنامي الكبير لنفوذ “غنيوة” وسيطرته على مؤسّسات حيوية في طرابلس، وتعيين رجاله في مناصب مهمّة في الحكومة. بعدها انتقل للسيطرة على بعض المؤسّسات السيادية المهمّة في طرابلس، على غرار جهاز الأمن الداخلي وأمن المرافق الحيوية، مما مكّنه من تعزيز قبضته الأمنية على العاصمة الليبية.

وتدريجياً بدأت هذه التحرّكات تُغضب الدبيبة وحاشيته وحكومته، ودبّت التوتّرات والخلافات شيئاً فشيئاً، لتخرج إلى العلن في تشرين الأول/ أكتوبر 2024، على خلفيّة تسليم معسكر الثامنة في غريان إلى ميليشيا موالية لخصوم “غنيوة”، وتواتر أنباء عن تحرّكات يقوم بها مستشار الدبيبة إبراهيم الدبيبة، مع مليشيات معادية للرجل، بهدف الإطاحة به. 

وزادت حدّة الخلاف مع حديث بعض التقارير الليبية عن تحريض “غنيوة” لجمهور نادي أهلي طرابلس، لشنّ حملة ضدّ الدبيبة واتّهامه وابنه بتعاطي المخدّرات. وانهارت العلاقات تماماً بعد قيام قائد “جهاز دعم الاستقرار” باقتحام مقرّ الشركة القابضة للاتّصالات وخطف رئيسها يوسف أبو زيدة، المقرّب من الدبيبة والمنحدر من مدينة مصراتة، بدعوى أن المؤسّسة تتجسّس على اتّصالاته ومكالماته، لصالح جهات عسكرية تابعة لحكومة الوحدة الوطنية، في ظلّ الشكوك حول وجود علاقات بين “غنيوة” والمشير خليفة حفتر. وأثارت هذه الخطوة حفيظة الدبيبة والمقرّبين منه، واعتبروها تجاوزاً كبيراً وتحدّياً مباشراً لسلطته، ويبدو أنها القطرة التي أفاضت الكأس والتي عجّلت بقرار تصفيته.

صراع ميليشيات

ويبدو أن الدبيبة وحاشيته من حكومة وميليشيات في طرابلس ومصراتة، قد أعدّوا العدّة لا لاستهداف “جهاز دعم الاستقرار” وقائده فحسب، بل كانت النيّة القضاء أيضاً على “قوّات الردع”، لضمان عدم وجود تشكيلات مسلّحة قوّية قد تحول دون بسط نفوذه أكثر، وإدخال ميليشيات وقوّات مسلّحة من مسقط رأسه مصراتة لضمان السيطرة الكاملة على العاصمة. ولعلّ هذا ما يفسّر توجّهه مباشرة بعد إعلان السيطرة على مقرّات قوّات “غنيوة” لإعلانه شنّ عمليّة عسكرية ثانية ضدّ قوّات جهاز “الردع” والهجوم على مقرّاتها والاستيلاء عليها واعتقال قادة الجهاز، وإصداره جملة من القرارات بصفته وزيراً للدفاع يحلّ فيها جميع الأجهزة التابعة لها ويسرّح جنودها. 

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه منذ سنة 2016 ظهر في العاصمة طرابلس عدد كبير من الميليشيات المسلّحة، تفرض كلّ واحدة سيطرتها على منطقة، ولكن منذ بروز “غنيوة” وقوّاته “جهاز دعم الاستقرار”، أصبحت أبرز التشكيلات المسلّحة، وهيمنت على منطقة أبو سليم في العاصمة. وفي المقابل هناك ما يسمّى بـ”قوّات الردع الخاصّة” المعروفة ب”قوّة الردع” المتمركزة في سوق الجمعة في طرابلس ولها نفوذها الواسع في هذه المنطقة، ويقودها عبد الرؤوف كارة، وهو سلفي، وهناك قوّات “اللواء 444″ المتمركزة بدورها في سوق الجمعة والحليف الأبرز للدبيبة، ويقودها محمود حمزة، وعلاقاتها ليست جيدة بـ”قوة الردع”، وتذهب التقديرات إلى القول إن كارة و”غنيوة” هما أقوى شخصيّتين أمنيتين في طرابلس.

وظنّ الدبيبة أن الأمور ستمضي كما هو الحال مع قوّات “غنيوة”، لكن قوّات “الردع” كانت تتوقّع هذه الخطوة، واستعدّت لها جيّداّ فضلاً عن انضمام عدد كبير من مقاتلي ميليشيات سوق الجمعة، وبعض عناصر “جهاز دعم الاستقرار”، وميليشيات من مدينة الزاوية وغيرها من المناطق إلى صفوفها، ضدّ الميليشيات والتشكيلات المسلّحة التابعة لحكومة الدبيبة والحليفة لها. 

وبهذا فشلت محاولة إسقاط “قوّات الردع”، بل إن الأخيرة نجحت في حشد عدد كبير من الليبيين للتظاهر ضدّ حكومة الدبيبة، واتّهامه مباشرة بأنه يسعى إلى تمكين ميليشيات مصراتة. ومعها سقطت كذبة السعي لإنهاء الميليشيات وفرض النظام الذي يسعى الأخير لترويجها، لأنه يعي جيّداً أن استمراره في الحكم محكوم أساساً بوجود الميليشيات حوله.

قد تكون مسألة إنهاء الميليشيات في ليبيا، بخاصّة في العاصمة طرابلس، أحد أبرز ضمانات قيام دولة مستقرّة وآمنة، ولكن لن يكون مجدياً أن يتمّ ذلك عبر رجل قام بصناعة هذه الميليشيات وتقويتها واستخدامها، واحتمى بها، ودفع لها أموالاً طائلة لتُطيل أمد بقائه في السلطة. 

كيف لمن خصّص لميليشيات “غنيوة”، على سبيل المثال لا الحصر، ميزانية سنوية بنحو 180 مليون دينار ليبي، أن يقود حملة جدّية ضدّ الميليشيات؟ زد على ذلك أن الدبيبة يدّعي أنه سيُنهي عهد الميليشيات والحال أنه يقوم بتغييرها لا أكثر، فهو يحاول إبعاد ميليشيات بات ولاؤها مشكوكاً فيه، وإحلال أخرى أقرب وأكثر انسجاماً مع أفكاره، محلّها. وبالتالي فإن ما يجري مجرّد مسرحية ساخرة فشل الدبيبة في عرضها بإتقان على الليبيين. 

30.05.2025
زمن القراءة: 8 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية