انتشر فيديو تظهر فيه طفلات في طرابلس يتمّ تلقينهن أن الاحتفال بعيد الميلاد “شرك” وأمر يُخالف الدين. قبل ذلك بيومين، ظهر فيديو لمُعلّمة تُخبر تلاميذها أن رسالة وصلت إليهم من السيّد حسن نصرالله، مفادها أنه يحبّهم.
هذا المشهد أعادني إلى الطفل الصغير الذي وُضع في مؤسّسة رعائية كنتُ أديرها، وكان والداه مجهولين، ويحمل فراغ النَسَب كجرح مفتوح. عاد الطفل من المدرسة التابعة لـ”حزب الله” في يوم عيد الأمّ، يبكي إلى حدّ الإغماء، إذ قيل له إنه “ابن حرام”، وإن الطريق الوحيد إلى الجنّة يمرّ عبر الانضمام إلى صفوف المقاومة والاستشهاد.
أليست هذه المحاولة المتكرّرة بأشكال مختلفة، لاغتيال الطفل في داخلنا جميعاً هي نفسها محاولة تحويل الحاجة إلى الحبّ والانتماء إلى وقود للكراهية؟ وتحويل الأسئلة عن الهويّة إلى يقين قاتل؟ والحرمان العاطفي إلى مشروع موت؟ في الحالتين، لا يُخاطَب الطفل بوصفه طفلاً، بل بوصفه أداة، وسيلة لتعويض نقص لم يصنعه، وحرب لم يخترها.
من هم هؤلاء الذين يقتحمون عقول الأطفال بأثقال الأيديولوجيا والاصطفاف، ويزرعون فيهم الخوف من الآخر؟ أطفال في عمر اللعب والاكتشاف يُدفعون قسراً إلى معجم “المشرك”، و”الزعيم”، و”الولاء”، قبل أن يتعلّموا معنى الاختلاف أو الانتماء أو حتى السؤال عن الهويّة وأشكالها وتنويعاتها. هذه ليست تربية أو تعزيز للثقة، بل مصادرة مبكرة للعقل، وتحويل المدرسة من مساحة أمان ومعرفة واكتشاف وتفكير نقدي إلى أداة تعبئة.
حيواتنا تُصبح عبئاً حين يُزرع الخوف والانقسام في عقول الأطفال، وحين يُراد لهم أن يخافوا الآخر أو يقدّسوا الزعيم، قبل أن يعرفوا أنفسهم.
المشهد في طرابلس ليس حالة معزولة. انتشار الفيديوهات التي تُظهر الأطفال وهم يردّدون شعارات سياسية أو دينية يذكّرنا بممارسات إعلامية متكرّرة، حيث تُعرض مشاهد مشابهة في برامج تلفزيونية وأخرى على وسائل التواصل الاجتماعي. كلّ قناة أو برنامج يسعى إلى فضح الطرف الآخر واتّهامه بالتطرّف أو الانحراف، بينما الأطفال يتحوّلون إلى كبش فداء إعلامي، يُستغلَّون لتصفية حسابات سياسية، دون أي اعتبار لأثر ذلك عليهم نفسياً أو اجتماعياً. أخطر ما في هذه الفيديوهات ليس مضمونها فقط، بل اعتيادنا عليها وتداولها حتى ولو كان في معرض النقد. وكأن تعريض الأطفال للمخاطر الناتجة عن هذه الفيديوهات صار تفصيلاً عابراً في بلد يُعاد إنتاج أزماته من الصفوف الأولى.
هذه الظاهرة لا تقتصر على منطقة معيّنة أو حزب معيّن، لكنّها تحمل بعداً خاصّاً: هناك محاولة واضحة لاستغلال الأطفال لتوجيه الانتباه إلى أخطاء أو سوء تصرّفات مجتمعية أو سياسية في الطرف الآخر. كما أنها محاولة دائمة لإلباس طرابلس رداء ألأسلمة السياسية، بينما الواقع يُظهر أن طرابلس لطالما عملت على مقاومة التصنيف المسبق، والوصم الذي تفرضه بعض الأطراف السياسية ووسائل الإعلام. بهذا الشكل، يتمّ استغلال الأطفال مرّتين: أولاً بانتهاك حقوقهم الأساسية، وثانياً بتحويلهم إلى أدوات لتأكيد وجهة نظر معيّنة أو الهجوم على طرابلس.
إقرأوا أيضاً:
الاستغلال لا يقتصر على الفيديوهات القصيرة، بل يمتدّ إلى برامج تعليمية وتلفزيونية متعدّدة، حيث يُعرض الأطفال وهم يردّدون شعارات سياسية أو متطرّفة. كلّ وسيلة إعلامية تحاول بذلك تعظيم الخطأ أو الانحراف للطرف المقابل، بينما الأطفال يتحملّون العبء الكامل، دون حماية أو تقدير لأثر ذلك على نموّهم النفسي والاجتماعي. الطفولة تتحوّل إلى أداة للسياسات والصراعات، التي تتجاوز قدرات الأطفال على الفهم أو القرار، ليصبحوا وسيلة لتصفية حسابات الكبار على حساب حياتهم وحقوقهم الأساسية.
هذه الفيديوهات تؤكّد مدى انتهاك حقوق الأطفال الأساسية: الحقّ في الحماية، الحقّ في الخصوصية، والحقّ في النموّ بعيداً عن أيّ استغلال سياسي أو إعلامي. كما تشير إلى ضرورة إعادة النظر في دور الإعلام والمسؤوليّة الاجتماعية، والتأكيد أن الأطفال ليسوا أدوات لتسليط الضوء على الأخطاء المزعومة للطرف الآخر، بل أفراد لهم أولاً كرامتهم وحقوقهم.
الفيديوهات التي ظهرت فيها طفلات طرابلس ليست مجرّد مشاهد مؤسفة، بل تذكير صارخ بأن الطفولة تحتاج إلى الحبّ، والفضول، والحرّية في السؤال والاستكشاف، وإلى أيّ فرصة للفرح واللعب. لا ينبغي أن يُزرع في عقول الأطفال الحقد أو الشكّ أو الجدران التي تفصل بينهم وبين الآخرين، بل يحتاجون إلى عالم يسمح لهم بالنموّ بشغف وطمأنينة، بعيداً عن أعباء الأيديولوجيا والصراعات التي تتجاوز قدرتهم على الفهم.














