ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

فيضان الفرات: جريمة سياسية لا كارثة طبيعية!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يعيد طوفان الفرات الحالي صياغة المعادلة السورية بوضوح شديد: الكارثة لم تكن يوماً بيئية بحتة، بل هي سياسية بامتياز. بين عنجهية أنقرة التي تحبس النهر لتهلك الزرع عطشاً ثم تفتحه مباغتاً لتهلكه غرقاً، وبين ذهنية حكومية في دمشق تدمن المحاكاة الافتراضية والتبرير السياسي بينما تعجز عن صيانة ساتر ترابي أو تأمين عَبّارة نهرية، يقف السوري في الشرق وحيداً في مواجهة الطوفان.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم تكن بوابات المفيض في سدود تركيا هي وحدها ما فُتح فجأة لتغرق الحقول في الرقّة ودير الزور، بل فُتحت معها أيضاً ثغرات المنطق الذرائعي للسلطة السورية الجديدة، فبينما كان يسعى خطابها للنأي بنظام أنقرة عن المسؤولية وتصوير الطوفان كحدث قسري محض، كانت المراسلات الفنّية الرسمية خلف الكواليس تؤكّد أن الكارثة جرت بعلم مسبق وإشعارات لم تُحرّك ساكناً.

طوال سنوات عجاف، استنزف حبس تركيا مياه الفرات أراضي الشرق السوري، وتحوّل النهر إلى مجرّد مجرى شاحب يصارع الجفاف ويخنق أحلام المزارعين. واليوم، وفي مفارقة سريالية مأساوية، يغرق هؤلاء المزارعون أنفسهم تحت وطأة التدفّق المباغت ذاته، حيث قرّرت أنقرة ــ ولحماية منشآتها فقط، إطلاق آلاف الأمتار المكعّبة من المياه دفعة واحدة ، محوّلة النهر من شريان حياة جافّ إلى إعصار يجرف المنازل والمحاصيل.

لكنّ الكارثة الحالية ليست مجرّد “غضب طبيعة” أو إجراءات تقنية اضطرارية لإدارة السدود،ٍ إنها جريمة سياسية مزدوجة. فبين عنجهية تركية تتعامل مع الفرات كملك عقاري خاصّ تفتح صنبوره وتغلقه وفق مصالحها، وبين سلطة سورية جديدة تمارس “دبلوماسية التبرير” وتفتقر إلى أدنى مستويات التخطيط الوقائي وصيانة البنية التحتية رغم تحذيرها مسبقاً، يدفع المواطن السوري في دير الزور والرقّة الثمن مرّتين: مرّة حين يموت عطشاً، ومرّة حين يموت غرقاً.

تكتيك الصدمة التركي

تاريخياً، لم تتعامل أنقرة مع نهر الفرات في قطاعيه المارّين بدير الزور والرقّة كشريان دولي تحكمه القوانين الدولية لتقاسم المياه، بل كأوراق ضغط جيوسياسية متقلّبة. طوال العقد الماضي، خرقت تركيا بشكل صارخ اتّفاقية العام 1987 المؤقّتة، وهبطت بمعدّلات ضخّ الفرات إلى أقلّ من نصف الحصّة المحدّدة قانوناً بـ 500 متر مكعّب بالثانية، ممّا أفرغ بحيرات السدود السورية وحوّل القرى الزراعية إلى مساحات قاحلة. 

لكنّ الجريمة الحالية تتجاوز حبس المياه إلى تكتيك “الصدمة والمباغتة”، فبعد هطولات مطرية وذوبان للثلوج كان مرصوداً ومؤكّداً منذ أسابيع في المرتفعات التركية، فضّلت أنقرة الاحتفاظ بالمياه وملء سدودها حتى حافّة الخطر، لتفرغها فجأة وبمعدّلات تفوق 1800 متر مكعّب في الثانية. هذا الضخّ الهائل، الذي جاء بلا تدرّج زمني يتيح للجانب السوري المناورة، يكشف أن العقلية التركية لا ترى في جيرانها سوى حديقة خلفية لامتصاص أزماتها البيئية، حتى لو كان الثمن جرف المحاصيل وهدم بيوت المدنيين في ريفي الرقّة ودير الزور.

التبعية السياسية وسوء الإدارة المحلّية

في المقلب الآخر من المأساة، تكشف الكارثة الحالية عن عورة الخطاب السياسي والإداري للسلطة السورية. فبدلاً من اتّخاذ مواقف حازمة لحماية السيادة المائية ومصالح مواطنيها، اندفعت المنصّات الرسمية في دمشق إلى تسويق الرواية التركية، حيث سارع المسؤولون في تصريحاتهم التلفزيونية إلى غسل أيدي أنقرة من المسؤولية، وتأطير الطوفان بوصفه “قضاءً وقدراً” عابراً للحدود.

لكنّ الحقيقة التي يعرفها المزارعون في الشرق السوري جيّداً هي أن الظروف البيئية ليست وحدها السبب، بل يشاركها في الجرم الغياب الفاضح لخطط الطوارئ الاستباقية وسوء إدارة السدود المحلّية. إذ لم يعد الأمر مجرّد تكهّنات أو بيانات مناخية مرصودة عبر الأقمار الصناعية، بل إن وزارة الطاقة السورية، ممثّلة بالمؤسّسة العامّة لسدّ الفرات والجهات الفنّية المختصّة، كانت قد تلقّت بالفعل يوم الجمعة الماضي إشعاراً رسمياً ومباشراً من الجانب التركي يفيد بزيادة الإطلاقات المائية عبر نهر الفرات نتيجة الغزارة المطرية وارتفاع مناسيب السدود لديه، وفق ما نقلته وكالة “سانا” الإخبارية. هذا الإشعار المسبق يحوّل التقصير الحكومي من مجرّد “سوء تقدير” إلى إدانة صريحة وإهمال يرقى إلى مستوى الجريمة الإدارية.

هنا يبرز السؤال الإداري الفاضح: لماذا لم تبدأ إدارة السدود السورية بتفريغ تدريجي ومدروس لبحيرات السدود (كسدّ الفرات) قبل وصول الموجة بأسابيع لاستيعاب الصدمة؟ إن ترك البحيرات تمتلئ حتى نسبة 97% ثم الاضطرار لفتح بوابات المفيض السورية بالتزامن مع التدفّق التركي، يعكس فشلاً هيكلياً في التخطيط، يتكامل مع إهمال مزمن في صيانة السواتر الترابية وحماية محطّات ضخّ المياه البسيطة التي خرجت عن الخدمة عند أوّل اختبار.

أزمة الأولويات

إن غرق المعابر المؤقّتة التي جرفها السيل الأخير يضعنا مباشرة أمام العطب الحقيقي في وعي الإدارة السورية الجديدة، وهو عطب يتعلّق بـ “فقه الأولويات” والانفصال البنيوي عن المتطلّبات الراهنة والمباشرة للسكّان. ففي الوقت الذي تعيش فيه دير الزور وريفها عزلة خانقة نتيجة تدمير حواضرها وجسورها إبّان العمليّات العسكرية السابقة، تُرك الأهالي طيلة عام ونصف يواجهون مصيرهم بوسائلهم الذاتية، مستخدمين مدخّراتهم لإنشاء ممرّات ترابية وسواتر بدائية لعبور النهر ونقل بضائعهم، وهي ذاتها التي ابتلعها الطوفان اليوم في غياب تامّ للمؤسّسات الرسمية.

هذا العجز الخدمي لم تفلح في تغطيته الوعود الدعائية التي أطلقها بعض المستثمرين ورجال الأعمال غداة التغيير السياسي الأخير لإعادة ترميم الجسر المعلّق المعلمي، إذ تبخّرت تلك التعهّدات سريعاً وسط دهاليز الخلافات مع الجهات الحكومية، أو لمجرّد كونها فقاعات إعلامية لا رصيد لها على أرض الواقع، لينتهي المطاف بالمنطقة بلا شريان برّي واحد يربط ضفّتيها.

المفارقة الصارخة هنا تكمن في خيارات السلطة، إذ بدلاً من توجيه الإمكانات المتاحة لتأمين سلامة تنقّل المواطنين، أو ترميم الطرق الحيوية المتهالكة التي تحصد الأرواح يومياً كطريق دير الزور- دمشق، فضلاً عن إزالة الركام ومكافحة الأوبئة، وضعت الحكومة ثقلها المالي لإعادة تأهيل مطار المدينة، وهو مرفق ترفي لن يستفيد من خدماته في هذه المرحلة أكثر من شريحة ضيّقة للغاية، ربما لن تتجاوز 10% من المجتمع المحلّي المحاصر بالأنقاض وأزمات السكن.

يعاني هذا العقل الحاكم من هوس مفرط باستنساخ تجارب ونماذج اقتصادية خارجية دون مراعاة لخصوصية الواقع السوري المنهار، فيطمح إلى تطبيق النموذج السنغافوري أو الخليجي عبر إطلاق مشاريع وهمية وندوات استعراضية تحت لافتات برّاقة مثل “رؤية دير الزور 2040″، التي لا تعدو كونها مخططات رقمية وتصاميم افتراضية معزولة عن الحاجات الملحّة للمواطن.

لذا، فإن محاولات التبرير الرسمية التي تعزو الكارثة الحالية إلى مجرّد “عوامل مناخية استثنائية” تفوق قدرة البشر، هي محاولات متهافتة تسقط أمام حقيقة الفشل التخطيطي الفادح، فالأزمة ليست في الفيضان كظاهرة طبيعية، بل في ذهنية إدارية قاصرة الكفاءة، تفتقر إلى الحساسية الإنسانية، وتفضّل الهروب نحو التصوّرات الرقمية والخطط المستقبلية الفضفاضة، بينما يعجز واقعها الميداني عن تأمين أبسط شروط الحياة اليومية للناس على ضفاف النهر. 

دلالات التملّص

هذا الانفصال عن الواقع الميداني تجسّد بوضوح في التصريحات الأخيرة لوزير الطاقة السوري محمّد البشير، الذي آثر الهروب إلى الأمام عبر تحميل الضحايا مسؤولية الكارثة، إذ اعتبر أن التدمير الممنهج انحصر في “مناطق التعدّيات والعشوائيات” والأراضي المشيّدة داخل الحرم الطبيعي للنهر وسريره.

يبدو أن الوزير، في معرض تبريره للتقصير الحكومي، تناسى عمداً سياقاً مائياً وجغرافياً امتدّ لنحو خمسة عقود، فالحصار المائي المتمادي الذي فرضته أنقرة طوال تلك العقود هو الذي شوّه المجرى الطبيعي للفرات، ودفع التوسّع العمراني والنشاط الزراعي محلّياً إلى التأقلم مع نهر جفّفت تركيا مناسيبه واستباحت تدفّقه، لتتحوّل تلك الضفاف الجافّة إلى المساحة المتاحة الوحيدة أمام الأهالي لزراعتها وبناء حياتهم حولها.

إن محاولة السلطة تأطير الكارثة بوصفها نتيجة لـ “اضطرار الأهالي للسكن والزراعة في حرم النهر”، هي قراءة بائسة تقفز فوق حجم الخسائر الفادحة التي تجاوزت غمر الحقول وتلف الأرزاق، لتصل إلى فقدان أرواح أطفال جرفتهم التيّارات العاتية، علاوة على شلل تامّ أصاب البنية التحتية الخدمية بعدما غرقت محطّات تزويد مياه الشرب الرئيسية وخرجت عن الخدمة بالكامل. 

إنها مفارقة تختصر مشهد الطوفان: حكومة تلوم مواطنيها لأنهم تعايشوا مع نهر جافّ، وتتركهم يواجهون مصيرهم عندما تلتقي الأنانية المائية لتركيا مع العجز والتبرير الحكومي في دمشق، ليحوّلا الفرات دفعة واحدة من شريان حياة إلى مقبرة مائية تبتلع البشر والحجر.

الضحيّة الدائمة بين فكّي الكماشة

في المحصّلة، يعيد طوفان الفرات الحالي صياغة المعادلة السورية بوضوح شديد: الكارثة لم تكن يوماً بيئية بحتة، بل هي سياسية بامتياز. بين عنجهية أنقرة التي تحبس النهر لتهلك الزرع عطشاً ثم تفتحه مباغتاً لتهلكه غرقاً، وبين ذهنية حكومية في دمشق تدمن المحاكاة الافتراضية والتبرير السياسي بينما تعجز عن صيانة ساتر ترابي أو تأمين عَبّارة نهرية، يقف السوري في الشرق وحيداً في مواجهة الطوفان.

إن مزارعي الرقّة ودير الزور، الذين قضوا سنواتهم العجاف يتأمّلون مجرى النهر الشاحب ويصارعون ملوحة التربة وتكاليف الريّ، لا تعنيهم اليوم مبرّرات وزير الطاقة حول “العشوائيات”، ولا تبهرهم رسوم “رؤية 2040” على شاشات الغرافيك، وهم يرون تعب العمر يجرفه السيل أمام أعينهم.

لقد أثبتت هذه الفيضانات أن تغيير الوجوه أو تبدّل العهود، لم يغيّر من حقيقة أن المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف في لعبة المصالح والتبعية، فبينما ينشغل المسؤولون بتنميق التصريحات التي لا تُحرج الجارة الشمالية، وتشييد المطارات فوق حطام المدن، تظلّ الحقيقة المُرّة عارية على ضفاف الفرات: في سوريا الجديدة، كما في القديمة، ما زال على الإنسان هناك أن يدفع من عرق جبينه، وأرزاق أطفاله، وحياته، ثمن استبداد الحدود وفصام السلطة.

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
30.05.2026
زمن القراءة: 6 minutes

يعيد طوفان الفرات الحالي صياغة المعادلة السورية بوضوح شديد: الكارثة لم تكن يوماً بيئية بحتة، بل هي سياسية بامتياز. بين عنجهية أنقرة التي تحبس النهر لتهلك الزرع عطشاً ثم تفتحه مباغتاً لتهلكه غرقاً، وبين ذهنية حكومية في دمشق تدمن المحاكاة الافتراضية والتبرير السياسي بينما تعجز عن صيانة ساتر ترابي أو تأمين عَبّارة نهرية، يقف السوري في الشرق وحيداً في مواجهة الطوفان.

لم تكن بوابات المفيض في سدود تركيا هي وحدها ما فُتح فجأة لتغرق الحقول في الرقّة ودير الزور، بل فُتحت معها أيضاً ثغرات المنطق الذرائعي للسلطة السورية الجديدة، فبينما كان يسعى خطابها للنأي بنظام أنقرة عن المسؤولية وتصوير الطوفان كحدث قسري محض، كانت المراسلات الفنّية الرسمية خلف الكواليس تؤكّد أن الكارثة جرت بعلم مسبق وإشعارات لم تُحرّك ساكناً.

طوال سنوات عجاف، استنزف حبس تركيا مياه الفرات أراضي الشرق السوري، وتحوّل النهر إلى مجرّد مجرى شاحب يصارع الجفاف ويخنق أحلام المزارعين. واليوم، وفي مفارقة سريالية مأساوية، يغرق هؤلاء المزارعون أنفسهم تحت وطأة التدفّق المباغت ذاته، حيث قرّرت أنقرة ــ ولحماية منشآتها فقط، إطلاق آلاف الأمتار المكعّبة من المياه دفعة واحدة ، محوّلة النهر من شريان حياة جافّ إلى إعصار يجرف المنازل والمحاصيل.

لكنّ الكارثة الحالية ليست مجرّد “غضب طبيعة” أو إجراءات تقنية اضطرارية لإدارة السدود،ٍ إنها جريمة سياسية مزدوجة. فبين عنجهية تركية تتعامل مع الفرات كملك عقاري خاصّ تفتح صنبوره وتغلقه وفق مصالحها، وبين سلطة سورية جديدة تمارس “دبلوماسية التبرير” وتفتقر إلى أدنى مستويات التخطيط الوقائي وصيانة البنية التحتية رغم تحذيرها مسبقاً، يدفع المواطن السوري في دير الزور والرقّة الثمن مرّتين: مرّة حين يموت عطشاً، ومرّة حين يموت غرقاً.

تكتيك الصدمة التركي

تاريخياً، لم تتعامل أنقرة مع نهر الفرات في قطاعيه المارّين بدير الزور والرقّة كشريان دولي تحكمه القوانين الدولية لتقاسم المياه، بل كأوراق ضغط جيوسياسية متقلّبة. طوال العقد الماضي، خرقت تركيا بشكل صارخ اتّفاقية العام 1987 المؤقّتة، وهبطت بمعدّلات ضخّ الفرات إلى أقلّ من نصف الحصّة المحدّدة قانوناً بـ 500 متر مكعّب بالثانية، ممّا أفرغ بحيرات السدود السورية وحوّل القرى الزراعية إلى مساحات قاحلة. 

لكنّ الجريمة الحالية تتجاوز حبس المياه إلى تكتيك “الصدمة والمباغتة”، فبعد هطولات مطرية وذوبان للثلوج كان مرصوداً ومؤكّداً منذ أسابيع في المرتفعات التركية، فضّلت أنقرة الاحتفاظ بالمياه وملء سدودها حتى حافّة الخطر، لتفرغها فجأة وبمعدّلات تفوق 1800 متر مكعّب في الثانية. هذا الضخّ الهائل، الذي جاء بلا تدرّج زمني يتيح للجانب السوري المناورة، يكشف أن العقلية التركية لا ترى في جيرانها سوى حديقة خلفية لامتصاص أزماتها البيئية، حتى لو كان الثمن جرف المحاصيل وهدم بيوت المدنيين في ريفي الرقّة ودير الزور.

التبعية السياسية وسوء الإدارة المحلّية

في المقلب الآخر من المأساة، تكشف الكارثة الحالية عن عورة الخطاب السياسي والإداري للسلطة السورية. فبدلاً من اتّخاذ مواقف حازمة لحماية السيادة المائية ومصالح مواطنيها، اندفعت المنصّات الرسمية في دمشق إلى تسويق الرواية التركية، حيث سارع المسؤولون في تصريحاتهم التلفزيونية إلى غسل أيدي أنقرة من المسؤولية، وتأطير الطوفان بوصفه “قضاءً وقدراً” عابراً للحدود.

لكنّ الحقيقة التي يعرفها المزارعون في الشرق السوري جيّداً هي أن الظروف البيئية ليست وحدها السبب، بل يشاركها في الجرم الغياب الفاضح لخطط الطوارئ الاستباقية وسوء إدارة السدود المحلّية. إذ لم يعد الأمر مجرّد تكهّنات أو بيانات مناخية مرصودة عبر الأقمار الصناعية، بل إن وزارة الطاقة السورية، ممثّلة بالمؤسّسة العامّة لسدّ الفرات والجهات الفنّية المختصّة، كانت قد تلقّت بالفعل يوم الجمعة الماضي إشعاراً رسمياً ومباشراً من الجانب التركي يفيد بزيادة الإطلاقات المائية عبر نهر الفرات نتيجة الغزارة المطرية وارتفاع مناسيب السدود لديه، وفق ما نقلته وكالة “سانا” الإخبارية. هذا الإشعار المسبق يحوّل التقصير الحكومي من مجرّد “سوء تقدير” إلى إدانة صريحة وإهمال يرقى إلى مستوى الجريمة الإدارية.

هنا يبرز السؤال الإداري الفاضح: لماذا لم تبدأ إدارة السدود السورية بتفريغ تدريجي ومدروس لبحيرات السدود (كسدّ الفرات) قبل وصول الموجة بأسابيع لاستيعاب الصدمة؟ إن ترك البحيرات تمتلئ حتى نسبة 97% ثم الاضطرار لفتح بوابات المفيض السورية بالتزامن مع التدفّق التركي، يعكس فشلاً هيكلياً في التخطيط، يتكامل مع إهمال مزمن في صيانة السواتر الترابية وحماية محطّات ضخّ المياه البسيطة التي خرجت عن الخدمة عند أوّل اختبار.

أزمة الأولويات

إن غرق المعابر المؤقّتة التي جرفها السيل الأخير يضعنا مباشرة أمام العطب الحقيقي في وعي الإدارة السورية الجديدة، وهو عطب يتعلّق بـ “فقه الأولويات” والانفصال البنيوي عن المتطلّبات الراهنة والمباشرة للسكّان. ففي الوقت الذي تعيش فيه دير الزور وريفها عزلة خانقة نتيجة تدمير حواضرها وجسورها إبّان العمليّات العسكرية السابقة، تُرك الأهالي طيلة عام ونصف يواجهون مصيرهم بوسائلهم الذاتية، مستخدمين مدخّراتهم لإنشاء ممرّات ترابية وسواتر بدائية لعبور النهر ونقل بضائعهم، وهي ذاتها التي ابتلعها الطوفان اليوم في غياب تامّ للمؤسّسات الرسمية.

هذا العجز الخدمي لم تفلح في تغطيته الوعود الدعائية التي أطلقها بعض المستثمرين ورجال الأعمال غداة التغيير السياسي الأخير لإعادة ترميم الجسر المعلّق المعلمي، إذ تبخّرت تلك التعهّدات سريعاً وسط دهاليز الخلافات مع الجهات الحكومية، أو لمجرّد كونها فقاعات إعلامية لا رصيد لها على أرض الواقع، لينتهي المطاف بالمنطقة بلا شريان برّي واحد يربط ضفّتيها.

المفارقة الصارخة هنا تكمن في خيارات السلطة، إذ بدلاً من توجيه الإمكانات المتاحة لتأمين سلامة تنقّل المواطنين، أو ترميم الطرق الحيوية المتهالكة التي تحصد الأرواح يومياً كطريق دير الزور- دمشق، فضلاً عن إزالة الركام ومكافحة الأوبئة، وضعت الحكومة ثقلها المالي لإعادة تأهيل مطار المدينة، وهو مرفق ترفي لن يستفيد من خدماته في هذه المرحلة أكثر من شريحة ضيّقة للغاية، ربما لن تتجاوز 10% من المجتمع المحلّي المحاصر بالأنقاض وأزمات السكن.

يعاني هذا العقل الحاكم من هوس مفرط باستنساخ تجارب ونماذج اقتصادية خارجية دون مراعاة لخصوصية الواقع السوري المنهار، فيطمح إلى تطبيق النموذج السنغافوري أو الخليجي عبر إطلاق مشاريع وهمية وندوات استعراضية تحت لافتات برّاقة مثل “رؤية دير الزور 2040″، التي لا تعدو كونها مخططات رقمية وتصاميم افتراضية معزولة عن الحاجات الملحّة للمواطن.

لذا، فإن محاولات التبرير الرسمية التي تعزو الكارثة الحالية إلى مجرّد “عوامل مناخية استثنائية” تفوق قدرة البشر، هي محاولات متهافتة تسقط أمام حقيقة الفشل التخطيطي الفادح، فالأزمة ليست في الفيضان كظاهرة طبيعية، بل في ذهنية إدارية قاصرة الكفاءة، تفتقر إلى الحساسية الإنسانية، وتفضّل الهروب نحو التصوّرات الرقمية والخطط المستقبلية الفضفاضة، بينما يعجز واقعها الميداني عن تأمين أبسط شروط الحياة اليومية للناس على ضفاف النهر. 

دلالات التملّص

هذا الانفصال عن الواقع الميداني تجسّد بوضوح في التصريحات الأخيرة لوزير الطاقة السوري محمّد البشير، الذي آثر الهروب إلى الأمام عبر تحميل الضحايا مسؤولية الكارثة، إذ اعتبر أن التدمير الممنهج انحصر في “مناطق التعدّيات والعشوائيات” والأراضي المشيّدة داخل الحرم الطبيعي للنهر وسريره.

يبدو أن الوزير، في معرض تبريره للتقصير الحكومي، تناسى عمداً سياقاً مائياً وجغرافياً امتدّ لنحو خمسة عقود، فالحصار المائي المتمادي الذي فرضته أنقرة طوال تلك العقود هو الذي شوّه المجرى الطبيعي للفرات، ودفع التوسّع العمراني والنشاط الزراعي محلّياً إلى التأقلم مع نهر جفّفت تركيا مناسيبه واستباحت تدفّقه، لتتحوّل تلك الضفاف الجافّة إلى المساحة المتاحة الوحيدة أمام الأهالي لزراعتها وبناء حياتهم حولها.

إن محاولة السلطة تأطير الكارثة بوصفها نتيجة لـ “اضطرار الأهالي للسكن والزراعة في حرم النهر”، هي قراءة بائسة تقفز فوق حجم الخسائر الفادحة التي تجاوزت غمر الحقول وتلف الأرزاق، لتصل إلى فقدان أرواح أطفال جرفتهم التيّارات العاتية، علاوة على شلل تامّ أصاب البنية التحتية الخدمية بعدما غرقت محطّات تزويد مياه الشرب الرئيسية وخرجت عن الخدمة بالكامل. 

إنها مفارقة تختصر مشهد الطوفان: حكومة تلوم مواطنيها لأنهم تعايشوا مع نهر جافّ، وتتركهم يواجهون مصيرهم عندما تلتقي الأنانية المائية لتركيا مع العجز والتبرير الحكومي في دمشق، ليحوّلا الفرات دفعة واحدة من شريان حياة إلى مقبرة مائية تبتلع البشر والحجر.

الضحيّة الدائمة بين فكّي الكماشة

في المحصّلة، يعيد طوفان الفرات الحالي صياغة المعادلة السورية بوضوح شديد: الكارثة لم تكن يوماً بيئية بحتة، بل هي سياسية بامتياز. بين عنجهية أنقرة التي تحبس النهر لتهلك الزرع عطشاً ثم تفتحه مباغتاً لتهلكه غرقاً، وبين ذهنية حكومية في دمشق تدمن المحاكاة الافتراضية والتبرير السياسي بينما تعجز عن صيانة ساتر ترابي أو تأمين عَبّارة نهرية، يقف السوري في الشرق وحيداً في مواجهة الطوفان.

إن مزارعي الرقّة ودير الزور، الذين قضوا سنواتهم العجاف يتأمّلون مجرى النهر الشاحب ويصارعون ملوحة التربة وتكاليف الريّ، لا تعنيهم اليوم مبرّرات وزير الطاقة حول “العشوائيات”، ولا تبهرهم رسوم “رؤية 2040” على شاشات الغرافيك، وهم يرون تعب العمر يجرفه السيل أمام أعينهم.

لقد أثبتت هذه الفيضانات أن تغيير الوجوه أو تبدّل العهود، لم يغيّر من حقيقة أن المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف في لعبة المصالح والتبعية، فبينما ينشغل المسؤولون بتنميق التصريحات التي لا تُحرج الجارة الشمالية، وتشييد المطارات فوق حطام المدن، تظلّ الحقيقة المُرّة عارية على ضفاف الفرات: في سوريا الجديدة، كما في القديمة، ما زال على الإنسان هناك أن يدفع من عرق جبينه، وأرزاق أطفاله، وحياته، ثمن استبداد الحدود وفصام السلطة.