ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

في أيّام قرطاج السينمائية: سينما عربية تطرح نظرة “سطحية” ومتحيّزة عن واقع غزّة 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تحقيق النجاح الجماهيري أو الحصول على جوائز في مهرجانات عالمية تحكمها مقاييس غربية، قد تختلف عن مقاييس المشاهد العربي، ليس بالضرورة عنوان جودة على المستوى السينماتوغرافي؛ في رأينا على الأقلّ، ذلك أن استغلال ظرفيّة حرب الإبادة وطرح قصّة حسّاسة ومؤلمة هي موت طفلة الستّ سنوات بالرصاص الإسرائيلي، يمسّ المشاعر ويحصد التعاطف والدعم لهذه القضيّة، ولكنّه لا يبني رؤية معمّقة وناقدة لما حصل…

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

خلال الدورة 36 لأيّام قرطاج السينمائية (13-20 كانون الأوّل/ ديسمبر 2025)، عُرض فيلمان، طرح كلّ واحد منهما إشكاليّات تحصل أو حصلت في غزّة، في محاولة لإعطاء رؤية فنّية للواقع، ومساعدة المشاهد على فهمه. 

الفيلم الأوّل هو “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنيّة، والفيلم الثاني “كان يا مكان في غزّة” للأخوين عرب وطرزان ناصر. كلا الفيلمين بُرمج في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة، وكلاهما حاصل على جوائز وتنويهات في مهرجانات عالمية، مثل مهرجان كان، أو مهرجان فينيسيا السينمائي، أو جوائز الأوسكار.

ولكن ما يثير الانتباه في العملين هو طريقة طرحهما لما يحصل في غزّة، ووجهة النظر التي يتمّ تغليبها. كلاهما صدر في 2025، أيّ أثناء أحداث الإبادة الجماعية في غزّة، مستغلاً تعطّش المشاهد، سواء العربي أو الغربي، لمعرفة ما يحصل حقيقة على الأرض، وسط الخطابات الإعلامية المحكومة بالمصالح ومنطق المبالغة أو التعتيم في سياق الحرب.  

كلاهما استفاد من حالة التعاطف الموجودة عالمياً مع القضيّة الفلسطينية، ليحقّق نجاحاً باهراً على مستوى المهرجانات السينمائية العالمية الغربية. ولكن بعيداً عن الظرفية المواتية التي خدمت مخرجي الفيلمين، يفتقد العملان إلى الكثير من العمق والرؤية التحليلية، التي يحتاجها المشاهد لفهم حقيقة الواقع الذي يعيشه الإنسان الفلسطيني اليوم، ومشاكله الحقيقية.

“صوت هند رجب” أو إعادة تجسيد الواقع

يطرح فيلم “صوت هند رجب” الساعات الأخيرة لمحاولات الهلال الأحمر الفلسطيني، إنقاذ الطفلة هند رجب ذات الستّ سنوات، التي وجدت نفسها وحيدة ومحاصرة في سيّارة، بعدما قتل الجيش الإسرائيلي أهلها في القصف، قبل أن تفارق هي نفسها الحياة.

استخدمت المخرجة التسجيلات الحقيقية التي دارت بين المسعفين وبين الطفلة وهي تطلب النجدة، وحاولت أن تُعيد تمثيل الأحداث عبر ممثّلين تقمّصوا أدوار العاملين الحقيقيين في الهلال الأحمر، لتجعل المشاهد يعيش الضغط النفسي والمعضلات الأخلاقية، التي تعرّض لها هؤلاء المسعفون أثناء محاولاتهم إنقاذ هند.

الفيلم ليس وثائقياً إنما روائي، وبالتالي كان المنتظر منه أن يعبّر عن الرؤية السينمائية للمخرجة للأحداث، أكثر من أن يُعيد تمثيل الواقع كما حصل تماماً. كما أن المشاهد كان ينتظر أن يرى المعالجة الإبداعية للقصّة المأساوية للطفلة هند، التي صارت معلومة للعموم، لأن تسجيلات الهلال الأحمر الفلسطيني كانت قد نُشرت سابقاً على السوشيل ميديا، ليرى الإضافة التي من الممكن أن تقدّمها الرؤية السينمائية للقصّة. لكن غاب كلّ ذلك في الفيلم، وبدا وكأن السيناريو غير موجود في هذا العمل الذي جاء فقيراً من الناحية السينماتوغرافية. وهنا لا بدّ من التذكير أن جوهر الفنّ هو تخيّل الواقع وإعادة إنتاجه برؤية شخصيّة تعكس نظرة المخرج وأفكاره وعالمه الفنّي، وليس تقديمه كما هو. 

في لقاء خاصّ مع الصحافة التونسية، نُظّم بتاريخ 21 تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي في تونس، مع المخرجة كوثر بن هنية، طرحنا عليها سؤالاً حول اللمسة الإبداعية لها في الفيلم، الذي لا يخرج عن إعادة تجسيد للأحداث. وكانت إجابتها أن رؤيتها الفنّية تكمن في اختيارها زاوية الطرح، حيث إنها رفضت تجسيد ما عاشته البنت داخل السيّارة وهي محاصرة، كما فعل مخرجون آخرون تناولوا القصّة في أفلامهم، وركّزت على استخدام صوت الطفلة وبناء الفيلم حول ذلك، وأوضحت أن اختيارها لتوثيق الأحداث كما هي، كان خوفاً منها من أن يُشكّك المُشاهد الأجنبي، بخاصّة الغربي، في حقيقة ما حصل، لتختم حديثها بأن الفيلم “يختزل معاناة الشعب الفلسطيني”، وأنها لم تتوقّع أن “يتفاعل معه الجمهور بهذه الطريقة الإيجابية”.

تحقيق النجاح الجماهيري أو الحصول على جوائز في مهرجانات عالمية تحكمها مقاييس غربية، قد تختلف عن مقاييس المشاهد العربي، ليس بالضرورة عنوان جودة على المستوى السينماتوغرافي؛ في رأينا على الأقلّ، ذلك أن استغلال ظرفيّة حرب الإبادة وطرح قصّة حسّاسة ومؤلمة هي موت طفلة الستّ سنوات بالرصاص الإسرائيلي، يمسّ المشاعر ويحصد التعاطف والدعم لهذه القضيّة، ولكنّه لا يبني رؤية معمّقة وناقدة لما حصل، من شأنها أن تُمكّن المشاهد من اكتساب الأدوات اللازمة لفهم واقع الحرب الفلسطينية الإسرائيلية، وتشّعب الأحداث داخلها، وكيف تُعاش حقيقة هذه الحرب من قِبل من يشاركون فيها ومن يدفعون ثمنها.

بدا الفيلم في الأخير مصنوعاً لكسب دعم المشاهد الغربي، عبر تقديم محتوى سينمائي يستجيب لشبكة مفاهيمه، ويقلّل ربما من إحساسه بالذنب تجاه حرب إبادة جماعية تساهم حكوماته في تمويلها ودعمها.

“كان يا مكان في غزّة”: صورة مصغّرة عن واقع فاسد

فيلم “كان يا مكان في غزّة” للأخوين عرب وطرزان ناصر، بدا هو أيضاً مصمماً ليعجب المشاهد الغربي ويستجيب لانتظاراته. تدور أحداث الفيلم في غزّة سنة 2017 أي قبل أحداث ” 7 أكتوبر”، ويطرح قصّة طالب شابّ يتورّط في شبكة بيع مخدّرات تتصادم مع مسؤول أمني فاسد، وينتهي الأمر بتصفية حسابات وموت الشابّ مصادفة، ليتمّ اعتباره شهيداً في النهاية.

في هذا الفيلم، غزّة لا تعدو كونها إطاراً مكانياً للأحداث وللملاحقات بين الشرطة وتجّار المخدّرات، أما سلطة الاحتلال فلا نكاد نشاهدها إلا عبر طائرات الدرون، التي تحوم في سماء المدينة. عدا ذلك تبدو الأحداث وكأنها أحداث عادية تُجسّد تجارة المخدّرات وتواطؤ الأمن الفاسد، ومن الممكن أن تحصل في أيّة بقعة من بقاع العالم، ليكون الفيلم أشبه بفيلم تشويق “Thriller ” تدور أحداثه في غزّة.

من الممكن أن نصنّف هذا الفيلم ضمن ما يسمى بـ”السينما العربية الجديدة”، وهي سينما تُحاول أن تخرج عن القضايا التقليدية مثل الحرب والشتات والذاكرة، لتُركّز أكثر على الأزمات الاجتماعية والسياسية بأسلوب فنّي بعيد عن المباشراتية، من أجل الوصول إلى أكبر عدد من الجمهور، لا سيّما على المنصّات الرقمية، وتفادي الرقابة. 

ولكن ما نعيبه على هذا الفيلم، هو التغييب الكامل تقريباً لوجود الاحتلال، سواء بشكل مباشر أو بشكل رمزي، والتركيز على تفشّي تجارة المخدّرات والفساد الأمني في قطاع غزّة، وهو قطاع مغلق منذ سنوات نتيجة الحصار الإسرائيلي. 

وهنا يُطرح السؤال عن كيفية دخول المخدّرات إلى هذا القطاع المغلق، وعن إمكانية تورّط الاحتلال في تسهيل وصولها، وهي نقطة لا تُطرح في الفيلم.

يحاول الفيلم أن يعطينا صورة مصغّرة عن واقع فاسد وبائس، ولكنّه ينسى أن يؤصّله في جذوره العميقة التي أدّت إلى وجوده. ويركّز أيضاً على إدانة من يمسكون بزمام الحكم في القطاع؛ والمقصود هنا هو حركة “حماس”، دون أن يذكرها صراحة، وكأنه يُحمّلها المسؤوليّة الكاملة عن كلّ ما يحصل من فساد. 

يُضاف إلى ذلك كلّه، توقيت خروج الفيلم، أي أثناء حرب الإبادة في غزّة، وكأنه يعزّز السردية الغربية التي تعتبر حركة “حماس” مسؤولة عن كلّ ما حدث في القطاع خلال الحرب الأخيرة وقبلها.

وعلى غرار ما رأيناه في فيلم “صوت هند رجب”، يعكس فيلم “كان يا مكان في غزّة” طرحاً سطحياً للقضيّة الفلسطينية، ويفتقر إلى العمق والغوص في تفاصيل معاناة المواطن الفلسطيني، ولا يساعد على فهم تعقيدات الحرب الفلسطينية الإسرائيلية وخصوصيّتها. 

الفيلمان يبحثان إما عن جلب التعاطف الجماهيري في أبسط تجلّياته، أو الإدانة السريعة لطرف دون آخر، وتحميله القسط الأكبر من المسؤوليّة عن الوضع المأساوي في قطاع غزّة. والكلّ يصبّ في خانة إغراء المشاهد الغربي والمموّلين العالميين الذين يدفعون لإنتاج هذه الأفلام.

وبين هذا وذاك، تغيب الرؤية الفنّية العميقة، والسينما الملتزمة بالقضايا الكونية.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
22.12.2025
زمن القراءة: 5 minutes

تحقيق النجاح الجماهيري أو الحصول على جوائز في مهرجانات عالمية تحكمها مقاييس غربية، قد تختلف عن مقاييس المشاهد العربي، ليس بالضرورة عنوان جودة على المستوى السينماتوغرافي؛ في رأينا على الأقلّ، ذلك أن استغلال ظرفيّة حرب الإبادة وطرح قصّة حسّاسة ومؤلمة هي موت طفلة الستّ سنوات بالرصاص الإسرائيلي، يمسّ المشاعر ويحصد التعاطف والدعم لهذه القضيّة، ولكنّه لا يبني رؤية معمّقة وناقدة لما حصل…

خلال الدورة 36 لأيّام قرطاج السينمائية (13-20 كانون الأوّل/ ديسمبر 2025)، عُرض فيلمان، طرح كلّ واحد منهما إشكاليّات تحصل أو حصلت في غزّة، في محاولة لإعطاء رؤية فنّية للواقع، ومساعدة المشاهد على فهمه. 

الفيلم الأوّل هو “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنيّة، والفيلم الثاني “كان يا مكان في غزّة” للأخوين عرب وطرزان ناصر. كلا الفيلمين بُرمج في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة، وكلاهما حاصل على جوائز وتنويهات في مهرجانات عالمية، مثل مهرجان كان، أو مهرجان فينيسيا السينمائي، أو جوائز الأوسكار.

ولكن ما يثير الانتباه في العملين هو طريقة طرحهما لما يحصل في غزّة، ووجهة النظر التي يتمّ تغليبها. كلاهما صدر في 2025، أيّ أثناء أحداث الإبادة الجماعية في غزّة، مستغلاً تعطّش المشاهد، سواء العربي أو الغربي، لمعرفة ما يحصل حقيقة على الأرض، وسط الخطابات الإعلامية المحكومة بالمصالح ومنطق المبالغة أو التعتيم في سياق الحرب.  

كلاهما استفاد من حالة التعاطف الموجودة عالمياً مع القضيّة الفلسطينية، ليحقّق نجاحاً باهراً على مستوى المهرجانات السينمائية العالمية الغربية. ولكن بعيداً عن الظرفية المواتية التي خدمت مخرجي الفيلمين، يفتقد العملان إلى الكثير من العمق والرؤية التحليلية، التي يحتاجها المشاهد لفهم حقيقة الواقع الذي يعيشه الإنسان الفلسطيني اليوم، ومشاكله الحقيقية.

“صوت هند رجب” أو إعادة تجسيد الواقع

يطرح فيلم “صوت هند رجب” الساعات الأخيرة لمحاولات الهلال الأحمر الفلسطيني، إنقاذ الطفلة هند رجب ذات الستّ سنوات، التي وجدت نفسها وحيدة ومحاصرة في سيّارة، بعدما قتل الجيش الإسرائيلي أهلها في القصف، قبل أن تفارق هي نفسها الحياة.

استخدمت المخرجة التسجيلات الحقيقية التي دارت بين المسعفين وبين الطفلة وهي تطلب النجدة، وحاولت أن تُعيد تمثيل الأحداث عبر ممثّلين تقمّصوا أدوار العاملين الحقيقيين في الهلال الأحمر، لتجعل المشاهد يعيش الضغط النفسي والمعضلات الأخلاقية، التي تعرّض لها هؤلاء المسعفون أثناء محاولاتهم إنقاذ هند.

الفيلم ليس وثائقياً إنما روائي، وبالتالي كان المنتظر منه أن يعبّر عن الرؤية السينمائية للمخرجة للأحداث، أكثر من أن يُعيد تمثيل الواقع كما حصل تماماً. كما أن المشاهد كان ينتظر أن يرى المعالجة الإبداعية للقصّة المأساوية للطفلة هند، التي صارت معلومة للعموم، لأن تسجيلات الهلال الأحمر الفلسطيني كانت قد نُشرت سابقاً على السوشيل ميديا، ليرى الإضافة التي من الممكن أن تقدّمها الرؤية السينمائية للقصّة. لكن غاب كلّ ذلك في الفيلم، وبدا وكأن السيناريو غير موجود في هذا العمل الذي جاء فقيراً من الناحية السينماتوغرافية. وهنا لا بدّ من التذكير أن جوهر الفنّ هو تخيّل الواقع وإعادة إنتاجه برؤية شخصيّة تعكس نظرة المخرج وأفكاره وعالمه الفنّي، وليس تقديمه كما هو. 

في لقاء خاصّ مع الصحافة التونسية، نُظّم بتاريخ 21 تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي في تونس، مع المخرجة كوثر بن هنية، طرحنا عليها سؤالاً حول اللمسة الإبداعية لها في الفيلم، الذي لا يخرج عن إعادة تجسيد للأحداث. وكانت إجابتها أن رؤيتها الفنّية تكمن في اختيارها زاوية الطرح، حيث إنها رفضت تجسيد ما عاشته البنت داخل السيّارة وهي محاصرة، كما فعل مخرجون آخرون تناولوا القصّة في أفلامهم، وركّزت على استخدام صوت الطفلة وبناء الفيلم حول ذلك، وأوضحت أن اختيارها لتوثيق الأحداث كما هي، كان خوفاً منها من أن يُشكّك المُشاهد الأجنبي، بخاصّة الغربي، في حقيقة ما حصل، لتختم حديثها بأن الفيلم “يختزل معاناة الشعب الفلسطيني”، وأنها لم تتوقّع أن “يتفاعل معه الجمهور بهذه الطريقة الإيجابية”.

تحقيق النجاح الجماهيري أو الحصول على جوائز في مهرجانات عالمية تحكمها مقاييس غربية، قد تختلف عن مقاييس المشاهد العربي، ليس بالضرورة عنوان جودة على المستوى السينماتوغرافي؛ في رأينا على الأقلّ، ذلك أن استغلال ظرفيّة حرب الإبادة وطرح قصّة حسّاسة ومؤلمة هي موت طفلة الستّ سنوات بالرصاص الإسرائيلي، يمسّ المشاعر ويحصد التعاطف والدعم لهذه القضيّة، ولكنّه لا يبني رؤية معمّقة وناقدة لما حصل، من شأنها أن تُمكّن المشاهد من اكتساب الأدوات اللازمة لفهم واقع الحرب الفلسطينية الإسرائيلية، وتشّعب الأحداث داخلها، وكيف تُعاش حقيقة هذه الحرب من قِبل من يشاركون فيها ومن يدفعون ثمنها.

بدا الفيلم في الأخير مصنوعاً لكسب دعم المشاهد الغربي، عبر تقديم محتوى سينمائي يستجيب لشبكة مفاهيمه، ويقلّل ربما من إحساسه بالذنب تجاه حرب إبادة جماعية تساهم حكوماته في تمويلها ودعمها.

“كان يا مكان في غزّة”: صورة مصغّرة عن واقع فاسد

فيلم “كان يا مكان في غزّة” للأخوين عرب وطرزان ناصر، بدا هو أيضاً مصمماً ليعجب المشاهد الغربي ويستجيب لانتظاراته. تدور أحداث الفيلم في غزّة سنة 2017 أي قبل أحداث ” 7 أكتوبر”، ويطرح قصّة طالب شابّ يتورّط في شبكة بيع مخدّرات تتصادم مع مسؤول أمني فاسد، وينتهي الأمر بتصفية حسابات وموت الشابّ مصادفة، ليتمّ اعتباره شهيداً في النهاية.

في هذا الفيلم، غزّة لا تعدو كونها إطاراً مكانياً للأحداث وللملاحقات بين الشرطة وتجّار المخدّرات، أما سلطة الاحتلال فلا نكاد نشاهدها إلا عبر طائرات الدرون، التي تحوم في سماء المدينة. عدا ذلك تبدو الأحداث وكأنها أحداث عادية تُجسّد تجارة المخدّرات وتواطؤ الأمن الفاسد، ومن الممكن أن تحصل في أيّة بقعة من بقاع العالم، ليكون الفيلم أشبه بفيلم تشويق “Thriller ” تدور أحداثه في غزّة.

من الممكن أن نصنّف هذا الفيلم ضمن ما يسمى بـ”السينما العربية الجديدة”، وهي سينما تُحاول أن تخرج عن القضايا التقليدية مثل الحرب والشتات والذاكرة، لتُركّز أكثر على الأزمات الاجتماعية والسياسية بأسلوب فنّي بعيد عن المباشراتية، من أجل الوصول إلى أكبر عدد من الجمهور، لا سيّما على المنصّات الرقمية، وتفادي الرقابة. 

ولكن ما نعيبه على هذا الفيلم، هو التغييب الكامل تقريباً لوجود الاحتلال، سواء بشكل مباشر أو بشكل رمزي، والتركيز على تفشّي تجارة المخدّرات والفساد الأمني في قطاع غزّة، وهو قطاع مغلق منذ سنوات نتيجة الحصار الإسرائيلي. 

وهنا يُطرح السؤال عن كيفية دخول المخدّرات إلى هذا القطاع المغلق، وعن إمكانية تورّط الاحتلال في تسهيل وصولها، وهي نقطة لا تُطرح في الفيلم.

يحاول الفيلم أن يعطينا صورة مصغّرة عن واقع فاسد وبائس، ولكنّه ينسى أن يؤصّله في جذوره العميقة التي أدّت إلى وجوده. ويركّز أيضاً على إدانة من يمسكون بزمام الحكم في القطاع؛ والمقصود هنا هو حركة “حماس”، دون أن يذكرها صراحة، وكأنه يُحمّلها المسؤوليّة الكاملة عن كلّ ما يحصل من فساد. 

يُضاف إلى ذلك كلّه، توقيت خروج الفيلم، أي أثناء حرب الإبادة في غزّة، وكأنه يعزّز السردية الغربية التي تعتبر حركة “حماس” مسؤولة عن كلّ ما حدث في القطاع خلال الحرب الأخيرة وقبلها.

وعلى غرار ما رأيناه في فيلم “صوت هند رجب”، يعكس فيلم “كان يا مكان في غزّة” طرحاً سطحياً للقضيّة الفلسطينية، ويفتقر إلى العمق والغوص في تفاصيل معاناة المواطن الفلسطيني، ولا يساعد على فهم تعقيدات الحرب الفلسطينية الإسرائيلية وخصوصيّتها. 

الفيلمان يبحثان إما عن جلب التعاطف الجماهيري في أبسط تجلّياته، أو الإدانة السريعة لطرف دون آخر، وتحميله القسط الأكبر من المسؤوليّة عن الوضع المأساوي في قطاع غزّة. والكلّ يصبّ في خانة إغراء المشاهد الغربي والمموّلين العالميين الذين يدفعون لإنتاج هذه الأفلام.

وبين هذا وذاك، تغيب الرؤية الفنّية العميقة، والسينما الملتزمة بالقضايا الكونية.