ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

في الأسبوع الثاني للحرب: أفيخاي أدرعي “يكهرب” بيروت

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هل هذه الحرب كسابقاتها؟ هذا ما راح يتساءل عنه كثيرون هنا في بيروت. ليس لديهم ما يفعلونه سوى أن يقارنوها بما سبق واختبروه. قصف كثيف على الضاحية الجنوبية للمدينة، ونازحون يفترشون الساحات العامة والشوارع

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ها نحن على مشارف الأسبوع الثاني من الحرب التي يخوضها “حزب الله” في بلدنا. بالأمس، قرر الحزب أن يستنسخ تجربة أفيخاي أدرعي. نشر خرائط لمستوطنات في أصبع الجليل، وطلب من سكانها إخلاءها! اللبنانيون، وقبلهم الإسرائيليون، يعرفون ألا قيمة ميدانية لهذه الخرائط، وكذلك، وإن بدرجة أقل، لا قيمة لصواريخه. هذا جزء من هزال الحرب. ومن هزالها أيضاً أن الحكومة بالأمس طلبت من عناصر الحرس الثوري الإيراني مغادرة لبنان، والغريب أيضاً أن مصادر إسرائيلية قالت إن هؤلاء العناصر بدأوا بمغادرة لبنان! 

نحن في بيروت لم يسبق أن التقينا بالحرس الثوري الإيراني. نسمع أنه موجود، وأن السفارة الإيرانية أشبه بثكنة عسكرية. لكن أن تقول لنا الحكومة إن هذا الحرس موجود بيننا، فهذا يقرّبنا خطوة من وجوه هؤلاء. علينا هنا أن نتذكر أنه في يوم تفجير البايجرز في العام 2024 انفجر واحد منها بوجه السفير الإيراني. السفير نفسه، وليس مساعده أو مسؤول الأمن بالسفارة! إلى هذا الحد نحن موصولون بإيران.

هل هذه الحرب كسابقاتها؟ هذا ما راح يتساءل عنه كثيرون هنا في بيروت. ليس لديهم ما يفعلونه سوى أن يقارنوها بما سبق واختبروه. قصف كثيف على الضاحية الجنوبية للمدينة، ونازحون يفترشون الساحات العامة والشوارع، ووزارة الشؤون الاجتماعية توزع بعض الحصص الإغاثية. 

لكن بالأمس، اختبر اللبنانيون نوعاً جديداً من الرعب. أفيخاي أدرعي أنذر الضاحية الجنوبية بكاملها. رحنا نتخيل كيف يمكن للضاحية بكاملها أن تُستهدف مرة واحدة. استعادة وقائع الحروب السابقة لن تسعفنا في التخيل، ذاك أنها لم تشهد واقعة بهذا الحجم. الناس في شوارع بيروت فقدوا بوصلة أجسامهم. لا أحد قادر على تحديد وجهته لكي يدفع بجسمه نحوها. اختناق الشوارع بالسيارات، وعائلات تحمل أمتعة وتركض نحو وجهة لا تعرفها، وجميع الناس يراقبون هواتفهم ويمشون مسرعين.

بيروت بالأمس شهدت ما لم يسبق أن اختبرته من حروب أو انفجارات. ليس الخوف وحده ما ارتسم على الوجوه، بل الحيرة والجهل بما يمكن أن تعنيه تغريدة أدرعي عن إجلاء عشرات الآلاف دفعة واحدة. الأرجح أن في هذه اللحظة تماماً استنتج “حزب الله” أن عليه أن يُبدع “أفيخاي أدرعه” الخاص، فراح يرسل الخرائط الموازية، وهو أرسلها لنا قبل أن يرسلها الى المستوطنين، فهؤلاء في خطاب الحزب ليسوا مدنيين لكي ينذرهم. الحزب يريد أن يجيب عبرها من يشككون بفعالية حربه، وهم غالبية اللبنانيين، والأرجح أنهم غالبية بيئته. 

ومن مفارقات الحرب أيضاً ومن جديدها، أن رئيس مجلس النواب نبيه بري غاضب من “حزب الله”، ولا يريد أن يجيب على اتصالات مسؤولين من الحزب به. هذا ما نقلته وسائل إعلام عنه. لكن غضب الرئيس التاريخي لمجلس النواب اللبناني ليس موثقاً، ومن الممكن أن ينفيه لاحقاً. هذه حال كل ما يُنسب الى بري، فللرجل أقْدَام في كل مكان، لكن القدم الأثبت هي لدى “حزب الله”.

ألدّ أعداء بري راهنوا على انشقاق الرئيس عن “حزب الله”. ليس ما نورده هنا تحليلاً، إنما عرض لما شهدته شوارع بيروت خلال أيام الحرب الأخيرة. بائع الخضار كان يسأل: “ماذا سيفعل بري”؟ الصحافيون في شارع بدارو والسياسيون في مكاتبهم، وحتى القوات اللبنانية والكتائب، جميعهم وجميعنا كانوا ينتظرون من الرئيس أن ينشقّ، ويوم أمس بدأوا يشعرون أن الرجل يراوغهم. يبدو أن المراهنة على انشقاق بري هو جزء من “خفة العقل” التي أصابتنا بفعل الحروب. 

اللبنانيون مذهولون بما فعله “حزب الله” بهم، والحزب بدوره يعرف أن مشاعر الجماعات الأهلية يمكن إدارتها. لا بأس بأيام قليلة من الغضب عليه، وهو ما ستعود الضغائن الأهلية لتصويبه. جماعاته بدأت بترويج فكرة أن إسرائيل كانت تعد نفسها للمبادرة إلى الحرب، وهو سبقها. ممانعو ما بعد 7 أكتوبر بدأوا باستقبال الرواية، وبتظهيرها في سرديتهم للحرب.

ما فعله “حزب الله” باللبنانيين عبر مباشرة حرب لا أفق لها سوى مزيد من الهزائم، فعل أضعافه بخطاب الدولة اللبنانية. خطاب القسم الذي بدأ به جوزاف عون عهده صار هباء منثوراً، وحكاية حصر السلاح بيد الدولة على ما ورد في البيان الوزاري تحوّل إلى نكتة في مقاهي بيروت. قد يكون ما حصل هو الطلقة الأخيرة للحرس الثوري الإيراني في لبنان، وهي أصابت رؤوسنا، وقدمت فرصة ثمينة لبنيامين نتانياهو كي يرسم خريطة المنطقة العازلة بوصفها حدوداً جديدة لإسرائيل.           

هل هذه الحرب كسابقاتها؟ هذا ما راح يتساءل عنه كثيرون هنا في بيروت. ليس لديهم ما يفعلونه سوى أن يقارنوها بما سبق واختبروه. قصف كثيف على الضاحية الجنوبية للمدينة، ونازحون يفترشون الساحات العامة والشوارع

ها نحن على مشارف الأسبوع الثاني من الحرب التي يخوضها “حزب الله” في بلدنا. بالأمس، قرر الحزب أن يستنسخ تجربة أفيخاي أدرعي. نشر خرائط لمستوطنات في أصبع الجليل، وطلب من سكانها إخلاءها! اللبنانيون، وقبلهم الإسرائيليون، يعرفون ألا قيمة ميدانية لهذه الخرائط، وكذلك، وإن بدرجة أقل، لا قيمة لصواريخه. هذا جزء من هزال الحرب. ومن هزالها أيضاً أن الحكومة بالأمس طلبت من عناصر الحرس الثوري الإيراني مغادرة لبنان، والغريب أيضاً أن مصادر إسرائيلية قالت إن هؤلاء العناصر بدأوا بمغادرة لبنان! 

نحن في بيروت لم يسبق أن التقينا بالحرس الثوري الإيراني. نسمع أنه موجود، وأن السفارة الإيرانية أشبه بثكنة عسكرية. لكن أن تقول لنا الحكومة إن هذا الحرس موجود بيننا، فهذا يقرّبنا خطوة من وجوه هؤلاء. علينا هنا أن نتذكر أنه في يوم تفجير البايجرز في العام 2024 انفجر واحد منها بوجه السفير الإيراني. السفير نفسه، وليس مساعده أو مسؤول الأمن بالسفارة! إلى هذا الحد نحن موصولون بإيران.

هل هذه الحرب كسابقاتها؟ هذا ما راح يتساءل عنه كثيرون هنا في بيروت. ليس لديهم ما يفعلونه سوى أن يقارنوها بما سبق واختبروه. قصف كثيف على الضاحية الجنوبية للمدينة، ونازحون يفترشون الساحات العامة والشوارع، ووزارة الشؤون الاجتماعية توزع بعض الحصص الإغاثية. 

لكن بالأمس، اختبر اللبنانيون نوعاً جديداً من الرعب. أفيخاي أدرعي أنذر الضاحية الجنوبية بكاملها. رحنا نتخيل كيف يمكن للضاحية بكاملها أن تُستهدف مرة واحدة. استعادة وقائع الحروب السابقة لن تسعفنا في التخيل، ذاك أنها لم تشهد واقعة بهذا الحجم. الناس في شوارع بيروت فقدوا بوصلة أجسامهم. لا أحد قادر على تحديد وجهته لكي يدفع بجسمه نحوها. اختناق الشوارع بالسيارات، وعائلات تحمل أمتعة وتركض نحو وجهة لا تعرفها، وجميع الناس يراقبون هواتفهم ويمشون مسرعين.

بيروت بالأمس شهدت ما لم يسبق أن اختبرته من حروب أو انفجارات. ليس الخوف وحده ما ارتسم على الوجوه، بل الحيرة والجهل بما يمكن أن تعنيه تغريدة أدرعي عن إجلاء عشرات الآلاف دفعة واحدة. الأرجح أن في هذه اللحظة تماماً استنتج “حزب الله” أن عليه أن يُبدع “أفيخاي أدرعه” الخاص، فراح يرسل الخرائط الموازية، وهو أرسلها لنا قبل أن يرسلها الى المستوطنين، فهؤلاء في خطاب الحزب ليسوا مدنيين لكي ينذرهم. الحزب يريد أن يجيب عبرها من يشككون بفعالية حربه، وهم غالبية اللبنانيين، والأرجح أنهم غالبية بيئته. 

ومن مفارقات الحرب أيضاً ومن جديدها، أن رئيس مجلس النواب نبيه بري غاضب من “حزب الله”، ولا يريد أن يجيب على اتصالات مسؤولين من الحزب به. هذا ما نقلته وسائل إعلام عنه. لكن غضب الرئيس التاريخي لمجلس النواب اللبناني ليس موثقاً، ومن الممكن أن ينفيه لاحقاً. هذه حال كل ما يُنسب الى بري، فللرجل أقْدَام في كل مكان، لكن القدم الأثبت هي لدى “حزب الله”.

ألدّ أعداء بري راهنوا على انشقاق الرئيس عن “حزب الله”. ليس ما نورده هنا تحليلاً، إنما عرض لما شهدته شوارع بيروت خلال أيام الحرب الأخيرة. بائع الخضار كان يسأل: “ماذا سيفعل بري”؟ الصحافيون في شارع بدارو والسياسيون في مكاتبهم، وحتى القوات اللبنانية والكتائب، جميعهم وجميعنا كانوا ينتظرون من الرئيس أن ينشقّ، ويوم أمس بدأوا يشعرون أن الرجل يراوغهم. يبدو أن المراهنة على انشقاق بري هو جزء من “خفة العقل” التي أصابتنا بفعل الحروب. 

اللبنانيون مذهولون بما فعله “حزب الله” بهم، والحزب بدوره يعرف أن مشاعر الجماعات الأهلية يمكن إدارتها. لا بأس بأيام قليلة من الغضب عليه، وهو ما ستعود الضغائن الأهلية لتصويبه. جماعاته بدأت بترويج فكرة أن إسرائيل كانت تعد نفسها للمبادرة إلى الحرب، وهو سبقها. ممانعو ما بعد 7 أكتوبر بدأوا باستقبال الرواية، وبتظهيرها في سرديتهم للحرب.

ما فعله “حزب الله” باللبنانيين عبر مباشرة حرب لا أفق لها سوى مزيد من الهزائم، فعل أضعافه بخطاب الدولة اللبنانية. خطاب القسم الذي بدأ به جوزاف عون عهده صار هباء منثوراً، وحكاية حصر السلاح بيد الدولة على ما ورد في البيان الوزاري تحوّل إلى نكتة في مقاهي بيروت. قد يكون ما حصل هو الطلقة الأخيرة للحرس الثوري الإيراني في لبنان، وهي أصابت رؤوسنا، وقدمت فرصة ثمينة لبنيامين نتانياهو كي يرسم خريطة المنطقة العازلة بوصفها حدوداً جديدة لإسرائيل.