تشهد المحافظات السورية على امتداد الجغرافيا تحركات احتجاجية متفاوتة العدد والزمن والحضور الجماهيري، معظمها لأسباب معيشية تتعلق بحياة الناس اليومية، أو تلك المرتبطة بالوظائف والمعاشات والخدمات، بالإضافة إلى تلك المرتبطة بملفي العدالة الانتقالية والمغيبين قسرًا والمعتقلين خلال حقبة النظام السابق، أو بما يتعلق بالانتقال السياسي، ضمن مناخ وهامش من الحرية لم يعهده السوريون خلال العقود السابقة
تبدو الصورة للحظة ورديّة للغاية، نظام ديكتاتوري يسقط على ضحاياه بعد سنوات نضال طويلة، انفراجة سياسية وحريات عامة ولو كانت ضمن الحدّ الأدنى، ولكن يمكن البناء عليها خلال عملية بناء طويلة وتراكمية للدولة الجديدة.
إلا أن بعض هذه التظاهرات أو الاعتصامات لم تمرّ مرور الكرام، إذ يتزامن المناخ السياسي “المنفتح” نوعًا ما، مع مخاوف من تكرار ما حصل في دول عربية أخرى عقب سقوط أنظمتها وهروب أو تنحي رؤسائها، عندما نجحت قوى محسوبة على هذه الأنظمة بالعودة بأشكال مختلفة، وبالتالي تثير حساسية عالية لدى شرائح مجتمعية سورية عدة، سواء خارج البلاد أم داخلها، وهو ما يدفع نحو تحرّك مضاد من شرائح وشخصيات عدة، منها من تقول إنها تنتمي الى تيار إسلامي، بشكل غير منظم بوضوح أو تحت اسم حركة سياسية واضحة.
أبرز هذه التحركات تأتي عبر مؤثرين إسلاميين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك على الأرض، ما يشي للحظة أن هناك عملًا منظمًا، وهو ما يؤدي الى الاعتقاد أن الشارع اليوم تملكه تيارات إسلامية وبرعاية حكومية مباشرة أو غير مباشرة، وإن كان هذا الرأي قد لا يبدو دقيقًا، إلا أنه وبكل الأحوال يثير مخاوف من صدامات مقبلة بين تيارات شعبية غير منظمة ومتباينة في الخلفية السياسية، بخاصة مع غياب آلية واضحة لتنظيم العمل الحزبي والنقابي في سوريا،، وغياب قانون واضح للأحزاب السياسية، الذي من المفترض أن يقرا في مجلس الشعب المُعين أخيراً.
ومنذ سقوط النظام، ظهرت تحركات عدة لجهات إسلامية على الأرض، منها السيارات الدعوية الجوّالة في بعض أحياء العاصمة دمشق، تصاحبها أناشيد إسلامية أو دعوات لتطبيق الشريعة عبر مكبّرات الصوت.
كما ظهرت تحركات قامت بها شخصيات إسلامية على الأرض، كحملات “الشيخ الذهبي”، وهو شيخ من أصول مصرية، نفّذ حملات عدة لنشر النقاب و”الحجاب الإسلامي” للسيدات، في مدن سورية عدة وفي الأرياف، وكذلك في جامعة دمشق، التي اضطرت لإصدار بيان توضيحي ردًا على الحادثة، بالإضافة إلى مهاجمته تصوير مسلسل درامي مشترك في سوريا مع ممثلين مصريين.
تنظيم في الشارع أم “فزعات” لعيون الحكومة؟
لا يبدو واضحًا إن كانت هذه التحركات منظّمة، أي أن هناك جهات وأجندات واضحة وراءها أم أنها تحركات فردية، لكنها بالتأكيد تشير الى محاولات تأكيد الوجود “السلفي” أو ذي الصبغة الإسلامية، سواء باعتباره “حقًا” أو ردة فعل على إقصاء طويل تعرض له هذا التيار -كغيره من التيارات السياسية- في عهد الأسدين. وعادةً ما يتم الردّ على نقد هذه التحركات بأنها تقع ضمن “حرية التعبير”، وهي حجّة تُستخدم عادة في حالة الدفاع، ويتم تناسيها في معظم حالات الهجوم على أي فعل قد لا يعجب بعض رؤوس هذه التيارات وأتباعها.
وإن كان الأمر على الأقل نظريًا، قد يقع في بعض جوانبه ضمن حرية التعبير، إلا أن شكلًا آخر لهذا الظهور بدأ بالانتشار بعد فترة قصيرة من سقوط النظام، مع انتشار مصطلح “الفزعات” بالتزامن مع الصراعات التي خاضتها الحكومة السورية الانتقالية منذ توليها زمام الحكم في البلاد عقب هروب الأسد وسقوط نظامه نهاية 2024. وعلى الرغم من أن المطلح ارتبط بـ”العشائر العربية” والمجازر في مناطق الساحل والسويداء والهجمات على مناطق سيطرة “قسد” شمال شرقي سوريا، إلا أنه انتشر لاحقًا ليشمل حتى الشق المدني ويخرج عن إطار العشائر، ويرتبط أيضًا بوسائل التواصل الاجتماعي، كرمزية لـ”الوقوف إلى جانب الحكومة ضد من يريد إسقاطها”.
وقد بقي هذا المصطلح ضمن التداول الشعبي وليس الرسمي، أي الحكومة، على الرغم من شكر الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، العشائر بعد مجازر السويداء في تموز/ يوليو 2025. ومع برود المعارك العسكرية على الأرض، انحصر الأمر بالتحرك في الشارع ضد بعض الدعوات للاعتصامات، سواء في الوجود في أماكن الاعتصامات نفسها أو عبر تسجيلات مصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
الكاتب والباحث في الحركات الإسلامية، حسام جزماتي، يخفف من ردود الفعل التي تحدثنا عنها في الأعلى، ويرى في حديثه لـ”درج” أن “الحديث عن رد فعل عنيف على أي تحرك في الشارع غير دقيق، مشيرًا الى وجود عشرات الاحتجاجات في مناطق عدة في سوريا سواء كانت مطلبية أو محلية أو محدودة، بخاصة منذ مطلع العام الحالي، لذا يجب أن ينحصر الحديث باعتصامي 17 نيسان/ أبريل وساحة المحافظة”.
ويضيف: “أيضًا لا يمكن الحديث عن ردة فعل عنيفة من شخصيات إسلامية، لأن جمهور السلطة الحالية كبير بالأساس والجميع كانت لديه ردات فعل متباينة. ربما يتسم هذا الجمهور بأنه محافظ، لكنه ليس فقط إسلامياً”.
وفق جزماتي، “لا ينظر هذا الجمهور إلى مطالب هذه الدعوات فقط بل أيضاً عمّن خلفها، ويبدو واضحًا أن هدف هذه الاحتجاجات التي يقف خلفها (الفلول) هو إثارة القلاقل تجاه الحكومة، متذرّعة بمطالب محقة، لذا ينتقل النقاش من مطالب يريدها الجميع إلى استخدامها لأهداف تختلف عن تلك المعلن عنها”.
يشير جزماتي الى “هناك نوازع إسلامية كبيرة لكنها ليست نتاج تنظيم وعمل سياسي بل نتاج ما حصل خلال السنوات الماضية من تصاعد لـ(الأسلمة) في أوساط (العرب السنة)، والانتصار الذي يزهو به هذا الجمهور ويخشى عليه. ولا شك في أن وسائل التواصل تلعب دوراً في هذا الإطار”، لكنه لا يرى أن خطابهم إسلامي بقدر ما هو قد يكون خطاب كراهية أو غير ذلك.
من جهته، يقول الباحث والأكاديمي المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية وسياسات الشرق الأوسط، عزام قصير لـ”درج”، إن “هناك سببين لهذه الظاهرة، الأول هو الطمع بالقرب من السلطة، فنظام الأسد سقط، لكن لم يسقط معه منطق التملق والمحاباة، إذ إن ذهنية التقرب من السلطة عبر المبالغة في التأييد لا تزال قائمة، وبالتالي، فإن الردود العنيفة على المطالبين لا تقتصر على الإسلاميين فقط”.
ويضيف: “من ناحية ثانية، هناك قلق دائم لدى شريحة واسعة من مؤيدي السلطة من خسارة الحكم، ونتيجة هذا القلق وغياب الثقة باستتباب الحكم، يظهر التخوف من أي نقد أو مطالب، ولو كانت محدودة وسلمية”.
وعلى مدى سنوات الثورة ظهرت تيارات سياسية واختفت أخرى، وكان واضحًا صعود التيار الإسلامي، على الأقل عسكريًا عبر الفصائل والحركات التي حملت أسماءً إسلامية أو كانت ذات خلفية إسلامية معلنة، وإن كان التنظيم العسكري حاضرًا وواضحًا، فإنه قد لا يكون كذلك على الصعيد السياسي، لكن ذلك لا يعني أن التيارات الإسلامية لم تكن حاضرة بطبيعة الحال.
رضى حكومي أم لعبة سياسية؟
في ظلّ المعارك على وسائل التواصل الاجتماعي وحالة الاحتقان التي تظهر مع كل جدال واشتباك يدور بين الناس في الفضاء الرقمي، تظهر مطالبات بتفعيل دور الحكومة الانتقالية سواء لمعاقبة من يروّج لخطاب كراهية أو خطاب عنفي، أو لجمهم على أقل تقدير على اعتبار أن البعض منهم محسوباً بشكل أو بآخر على الحكومة نفسها. وأعلنت “وزارة العدل السورية” في بيان في 21 حزيران/ يونيو الحالي عن تشكيلها لجاناً تهدف الى إعادة قانون الجرائم الإلكترونية الصادر في عهد الأسد.
ويبدو السؤال هنا مشروعًا: هل يأتي عدم لجم هذه الشخصيات أو محاسبتها ضمن لعبة سياسية ما تتبعها الحكومة الانتقالية السورية؟ أم أن هناك حالةً من الرضى لديها عن شخصيات تتحرك في هذا الاتجاه ولديها خلفيات إسلامية تعلن عنها، بغض النظر عن قوة حراكها على الأرض أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وفق جزماتي، فإن “الحكومة الحالية لديها رضى عن هذا التوجه نتيجة تركيبتها الحالية، سواء من المحافظين أو البراغماتيين أو الإسلاميين، وترى أن هذا الخطاب يشكل لها ضمانة عريضة من جمهور كبير ومتحمس ومستعد لإرهاب الخصوم بأشكال مختلفة”.
أما عزام قصير، فيقول إنه “في مقابل تخوفات مؤيدي السلطة، هناك حالة من الثقة لدى السلطة الجديدة ذاتها نتيجة إدراكها عدم وجود معارضة واضحة وقوية، ولأن هناك رغبة دولية في ضبط الوضع في سوريا واحتوائه. تلك الثقة تعني أن السلطة غير متخوفة من انقلاب الرأي العام، أو ظهور معارضة إسلامية، أو حصول انشقاقات. لكن ما حصل هو أن وصول مجموعة إسلامية ذات جذور (متطرفة) إلى الحكم ولّد مناخاً عاماً سمته المحافظة الدينية، وقوى شوكة التيار الإسلامي عموماً، بتنويعاته الإيديولوجية والتنظيمية”.
غياب التنظيم يغذّي خطاب الكراهية
يؤدي تعطيل عمل الأحزاب السياسية والنقابات إلى غياب حياة سياسية حقيقية وغياب التنظيم، وهو ما يعني انتقال الأفكار من النقاش في الفضاء العام والبرلمان (ما يساهم بدوره في تفعيل المشاركة في الحياة السياسية) إلى الشارع، وتاليًا إلى صدام بين الناس وانتشار خطاب الكراهية والإقصاء، وهو ما أشار إليه سياسيون وخبراء التقاهم “درج” في وقت سابق، فيما تتزايد الأحاديث حول طريقة الحكم الحالية والخلافات المحتملة بين تيارات مختلفة ضمن الحكومة نفسها.
أهمية هذا الأمر لا تأتي بالإشارة أو الاعتراف بانتشاره فقط ولا بالتصاقه أو ارتباطه بتيار بعينه، بل بالكيفية والأسباب كذلك.
يلفت عزام قصير في حديثه لـ”درج”، الى أن “هناك استقطاباً واضحاً في الشارع السوري يغذيه المؤثرون عبر وسائل التواصل”.
ويضيف: “إن استمر تأجيل دور السلطة التشريعية، ممثلةً بمجلس الشعب، وغياب الأحزاب السياسية المرخصة، بالإضافة إلى التشكيك في نوايا أي خطاب نقدي أو حركة مطلبية، فإن كل ذلك سيزيد من الاستقطاب والاحتقان، ويفسح المجال لمزيد من الصدام في الشارع”.
من جهته، يرى حسام جزماتي أن “غياب التنظيم يؤدي إلى تغذية خطاب الكراهية”، موضحاً أنه، مهما كان توجه الحزب السياسي وخلفيته وأفكاره، سيضطر إلى الجلوس على الطاولة والنقاش، وإصدار بيانات يفكر بها وتُكتب بشكل منضبط، ويُحاسَب عليها من الرأي العام أو المراقبين الغربيين. بعكس الحالة الحالية للمؤثرين المقربين من السلطة أو المدافعين عنها، إذ يرتكب أحدهم خطأ أو يشتم، ثم يعتذر أو يُنسى الموضوع، وبالتالي هناك مساحة أوسع بكثير لتغذية خطاب الكراهية”.
يؤكد قصير أن “التيار الإسلامي حاضر، على الأرض وفي المجال الافتراضي، ولكن ليس بشكل منظّم. كان التيار أكثر تنظيماً قبل سقوط النظام، لأن خطر النظام وحّد الفصائل والتيارات الإسلامية حول هدف مشترك، ولأن الصراع يؤمّن بيئة مناسبة للتيارات الإيديولوجية المتطرفة. لكن سقوط النظام ووصول هيئة تحرير الشام إلى الحكم خلخلا تماسك التيار الإسلامي”.
ويوضح أن “سوريا تشهد اليوم إعادة تموضع داخل المعسكر الإسلامي، فنرى تجمعات صغيرة حول عدد من المشايخ، مقابل حالة إسلامية عامة تتسم بالمحافظة الدينية والخطاب التقليدي، لكنها غير منظّمة. ويشير إلى أن هذا التشتت قد يتغير لاحقاً، إن لم تستطع السلطة جذب الإسلاميين أصحاب النفوذ والشعبية، وإقناعهم بالبقاء في صفّها وتأييد سياساتها ونهجها في الحكم”.
إقرأوا أيضاً:










