ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

في المغرب فقط.. الصحافي يمكن أن يقود انقلاباً! 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“صحافي انقلابي”، قد تضحك الكلمة في وجه من أطلقها، لكنّها تكشف عن وجه لا يضحك؛ وجه الدولة حين تقرّر أن تجعل من حرّية التعبير جريمة، ومن افتتاحية رأي عملاً عدائياً. حينها، لا يكون الصحافي متّهماً، بل الوطن كلّه متورّط في فِعل ضدّ نفسه.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“من يوقدِ الكذبةَ الحمراء ثائرةً

يعطِ الميادينَ أحراراً مساجينا

أكلما جاء دجّالٌ يبيعُ لنا

ثوبَ الأكاذيبِ عرَّينا الشرايينا؟”

أحمد بخيت 

حين تتحوّل الصحافة إلى انقلاب، والكلمة إلى مؤامرة، والقلم إلى سلاح تهديدي، نكون أمام لحظة فاضحة تكشف مدى ما بلغه العقل الأمني في المغرب من تخبّط وخوف.

الصحافي سليمان الريسوني، الذي اعتُقل قبل سنوات بسبب آرائه وكتاباته، وأُفرج عنه مؤخّراً بموجب عفو ملكي، صرّح في مقابلة صحافية أن وزير العدل الأسبق مصطفى الرميد، أخبره أن جهات في الدولة تعتبره بمثابة شخص كان “يُحضّر لانقلاب”. تخيّلوا هذا العبث، هذا المشهد السريالي؛ صحافي يكتب مقالات متنوّعة من الأجناس الصحافية، قلمه لاذع حدّ التشريح، يُتهم ضمنياً من قِبل السلطة بأنه يُخطّط لانقلاب على النظام!

“يا خالقي من عدمٍ تجلَّ” بصوت محمود درويش، هذا ما قلته وأنا أتابع الحلقة وأستمع إلى أطوار القصّة الغبيّة الساذجة… 

فهل صار النقد الصحافي يُعادل الخيانة العظمى؟ هل وصلت الدولة إلى هذا الحدّ من الهشاشة حتى ترى في مقالة افتتاحية، أو عمود رأي خطراً على كيانها السياسي؟ فما قاله الريسوني لا يمكن التعامل معه كتصريح عابر، حتى لو حاولوا تهميشه أو التقليل منه. فهو، وإن نُقل إليه عبر الرميد، يعكس طريقة تفكير مقلقة داخل بعض دوائر القرار؛ كلّ من يخرج عن “النصّ” المسطّر مسبقاً، ويكتب بجرأة، ويزعج السلطة، يصبح خطراً على الأمن القومي.

“لعلّ لي رباً لأعبده… لعلّ”، ويستمرّ قول درويش صدى في رأسي، وأبتسم، لعلّ لنا دولة نصدّقها… لعلّ!

فبهذا المنطق، الذي يستبدل الحوار بالقمع، والنقاش بالمحاكمة، والذي ليس من شيم الدول القوّية، ولا وجود له إلا في “جمهوريات الموز”، إذ هو دوماً الوصفة الجاهزة لتحويل الكلمة إلى قنبلة، والاختلاف إلى تهمة، والحرّية إلى تهديد. وفي المغرب الحديث صار ذلك ممكناً، فهي مملكة تحوّلت إلى جمهورية، تقودها عصابة مُكنّت من أدوات الدولة وسلطتها، ويمكنني أن أقول إنها حُوّلت إلى “جملكية” ظاهرها “إمارة المؤمنين” وباطنها “البنية السرّية”…

ما الذي يُراد إسقاطه فعلاً؟

من يقود “الانقلاب” الحقيقي؟ هل هو الصحافي الذي يكتب عن الفساد، والمحسوبية، وزواج المال بالسلطة، وغياب ربط المحاسبة بالمسؤولية، واستقلالية القضاء، وحرّية الرأي والتعبير؟ أم هو من يحوّل القضاء إلى أداة للانتقام، والإعلام إلى منبر للشيطنة والتشهير، والدستور إلى ورقة تزيينية تعتبر المغرب دوماً “استثناء”؟

سليمان الريسوني اليوم، هو جزء من هذا “الاستثناء”، فهو أول صحافي يقود انقلاباً بقلمه، رغم أنه لم يحمل يوماً بندقية، ولا نادى بثورة، بل مارس حقّه في التعبير، وقال ما لا يريده بعض أصحاب النفوذ أن يُقال، وتهمته الحقيقية أنه لم يسكت.

الصحافي ليس عدوّ الدولة

إذا كانت الدولة تعتبر الصحافة المستقلّة تهديداً، فعليها أن تراجع نفسها، عليها أن تراجع نفسها، أن تنسى البولسة والعسكرة، أن تُعيد بناء مفهوم الدولة من منطلق فشل تسويق “دولة العهد الحديث”، حيث كان من المفترض ألا تحاكم هذه الدولة الكُتّاب والصحافيين؛ لأن قوّة الدولة تُقاس بقدرتها على تحمّل النقد، لا بتلفيق التهم لكلّ من يجرؤ على قول “لا”، فليس كل صحافي “سبارتاكوس”.

والصحافي ليس مشروعاً انقلابياً، بل هو أحد أدوات حماية النظام من السقوط في مستنقعات الفساد والانحراف، لكن حين يُكافأ بالزنازين بدلاً من التكريم، فلا غرابة أن يتحوّل البلد إلى مسرح للعبث السياسي والأمني.

ولعلّ حادثة قتل الشاب ياسين الشبلي بكلّ سادية في مخفر للشرطة، ورحمة العدالة مع أولئك القتلة، خير دليل على أن الصحافي لا ينبغي أن يبقى على الحياد الذي تفرضه المهنية، وعدم التفكير في قلب النظام، بل عليه أحياناً أن يقول للنظام إنه: نظام ساقط يعلو فقط على أجساد المسحوقين من أبناء الشعب البسيط! 

ورغم أن بعض الصحافيين لمعوا في سماء الكلمة الحرّة، وتمكّنوا لاحقاً من اعتلاء سدّة الحكم، إلا أن تجربتهم السياسية غالباً ما اصطدمت بجدار الواقع الصلب؛ من بينهم وارن هاردينغ، الذي صعد من رئاسة تحرير صحيفة محلّية إلى رئاسة الولايات المتّحدة، ثم غرق في فضائح فساد كشفت هشاشة مشروعه رغم قوّة صوته الإعلامي. 

ثم لدينا في التاريخ الصحافي فاتسلاف هافيل، المفكّر والمثقّف، الذي واجه صعوبات هائلة في ترجمة مبادئه الأخلاقية إلى قرارات عملية في دولة تشيكوسلوفاكيا، الخارجة للتو من عباءة الشيوعية… فشل الرجل المثقّف الحالم في إصلاح الدولة بالكفاءة نفسها التي واجه بها الاستبداد، لأن المنظومة السياسية لا تتغيّر بقوّة النية أو البلاغة، بل عبر أدوات قد لا يمتلكها حتى أنقى المثقّفين الراديكاليين. 

هؤلاء، رغم وعيهم الإعلامي، اصطدموا بمؤسّسات لا تشبه غرف التحرير، ببنيات لا تشبه فقرات المقالات ولا تنصاع للبلاغة… إنها أنظمة تقودها عصابة، تختلف لغتها ولونها، ولكنّها تتشابه حدّ التماهي!

في المقابل، حين نضع قضيّة سليمان الريسوني في هذا السياق، تتضّح المفارقة المرّة، الرجل لم يطلب يوماً سلطة، لم يترشّح، لم يُمسك سوى بقلمه، ومع ذلك وُوجه بعقاب لا يليق إلا بمن يهدّد النظام فعلاً… فالذين فشلوا في الحكم رغم بريقهم الإعلامي، لم يُعاقبوا كما يُعاقَب صحافي فقط لأنه قال الحقيقة، وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل المشكلة في من يحكم، أم في من يقول ما لا يريد من يحكم سماعه؟

صحافي انقلابي! 

إن الدولة التي ترى في الكلمة الحرّة مشروع انقلاب، وتخاف من صحافي أكثر من خوفها من الساسة الفاشلين، لا تحارب التهديدات التي تواجهها من جنوب وشمال… بل تحارب المرآة التي تعكس ضعفها، ذلك الضعف الذي يُخفيه بريق نياشين “البوليس السياسي”، حيث تمكّن عبد اللطيف الحموشي (مسؤول أمني في المغرب) من وضع شامةِ الإعلام على خدّ الأمن بكلّ الرضا المطلق!

“صحافي انقلابي”، قد تضحك الكلمة في وجه من أطلقها، لكنّها تكشف عن وجه لا يضحك؛ وجه الدولة حين تقرّر أن تجعل من حرّية التعبير جريمة، ومن افتتاحية رأي عملاً عدائياً. حينها، لا يكون الصحافي متّهماً، بل الوطن كلّه متورّط في فِعل ضدّ نفسه. فإن كانت الدولة ترتجف من مقال كتبه سليمان الريسوني، رغم أنها تملك “هدهد” الحموشي، وأذرعاً أمنية لا تنام، فربما عليها أن تراجع هشاشتها قبل أن تراجع مقالاتنا… فالدولة التي تخاف من الكلمة، أوهن من “سبأ” يوم جاءها الخبر اليقين.

سليمان، أيّها الواهب روحه لقلمه، الميمّم روحه شطر حرّيته ملء صدقه، أيها الصحافي الصنديد، الذي جعل من جوعه قرباناً في إضرابه الطويل خلف جدران الرعب، لا لشيء سوى أن يقول — لنا ولهم — إن الكلمة ليست ترفاً، بل موقف شرف، وإن الحرّية ليست هِبة، بل معراجُ تضحية.

لقد أوجعتَ الساكتين بسجنك، وأربكتَ المواربين بثباتك، فكنتَ شاهداً على زمن يُكافَأ فيه الصدق بالسجن، وتُحاصر فيه الكلمة كما تُحاصر المدن!

وكأنك كنت تستنطق المتنبّي وتترجمه بصمودك:

“إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ 

فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ”

وها أنت تغامر بالحياة المترفة وبريقها، رافضاً كلّ العروض، تخوض غمار المنفى قسراً، كما خضت معارك الكرامة طوعاً؛ لتثبت أن القلم لا ينحني، أن قلمك ليس أطول من هامتك، وأن الكلمة متى نطقت من قلب حرّ، تصبح أقوى من “التشهير” والتلفيق، وأبقى من الجدران، وأن الصحافي متى صحّ منه العزم، لا يزعج فقط؛ بل يقلب حسابات الأنظمة الاستبدادية من دون “انقلاب”.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
28.05.2025
زمن القراءة: 5 minutes

“صحافي انقلابي”، قد تضحك الكلمة في وجه من أطلقها، لكنّها تكشف عن وجه لا يضحك؛ وجه الدولة حين تقرّر أن تجعل من حرّية التعبير جريمة، ومن افتتاحية رأي عملاً عدائياً. حينها، لا يكون الصحافي متّهماً، بل الوطن كلّه متورّط في فِعل ضدّ نفسه.

“من يوقدِ الكذبةَ الحمراء ثائرةً

يعطِ الميادينَ أحراراً مساجينا

أكلما جاء دجّالٌ يبيعُ لنا

ثوبَ الأكاذيبِ عرَّينا الشرايينا؟”

أحمد بخيت 

حين تتحوّل الصحافة إلى انقلاب، والكلمة إلى مؤامرة، والقلم إلى سلاح تهديدي، نكون أمام لحظة فاضحة تكشف مدى ما بلغه العقل الأمني في المغرب من تخبّط وخوف.

الصحافي سليمان الريسوني، الذي اعتُقل قبل سنوات بسبب آرائه وكتاباته، وأُفرج عنه مؤخّراً بموجب عفو ملكي، صرّح في مقابلة صحافية أن وزير العدل الأسبق مصطفى الرميد، أخبره أن جهات في الدولة تعتبره بمثابة شخص كان “يُحضّر لانقلاب”. تخيّلوا هذا العبث، هذا المشهد السريالي؛ صحافي يكتب مقالات متنوّعة من الأجناس الصحافية، قلمه لاذع حدّ التشريح، يُتهم ضمنياً من قِبل السلطة بأنه يُخطّط لانقلاب على النظام!

“يا خالقي من عدمٍ تجلَّ” بصوت محمود درويش، هذا ما قلته وأنا أتابع الحلقة وأستمع إلى أطوار القصّة الغبيّة الساذجة… 

فهل صار النقد الصحافي يُعادل الخيانة العظمى؟ هل وصلت الدولة إلى هذا الحدّ من الهشاشة حتى ترى في مقالة افتتاحية، أو عمود رأي خطراً على كيانها السياسي؟ فما قاله الريسوني لا يمكن التعامل معه كتصريح عابر، حتى لو حاولوا تهميشه أو التقليل منه. فهو، وإن نُقل إليه عبر الرميد، يعكس طريقة تفكير مقلقة داخل بعض دوائر القرار؛ كلّ من يخرج عن “النصّ” المسطّر مسبقاً، ويكتب بجرأة، ويزعج السلطة، يصبح خطراً على الأمن القومي.

“لعلّ لي رباً لأعبده… لعلّ”، ويستمرّ قول درويش صدى في رأسي، وأبتسم، لعلّ لنا دولة نصدّقها… لعلّ!

فبهذا المنطق، الذي يستبدل الحوار بالقمع، والنقاش بالمحاكمة، والذي ليس من شيم الدول القوّية، ولا وجود له إلا في “جمهوريات الموز”، إذ هو دوماً الوصفة الجاهزة لتحويل الكلمة إلى قنبلة، والاختلاف إلى تهمة، والحرّية إلى تهديد. وفي المغرب الحديث صار ذلك ممكناً، فهي مملكة تحوّلت إلى جمهورية، تقودها عصابة مُكنّت من أدوات الدولة وسلطتها، ويمكنني أن أقول إنها حُوّلت إلى “جملكية” ظاهرها “إمارة المؤمنين” وباطنها “البنية السرّية”…

ما الذي يُراد إسقاطه فعلاً؟

من يقود “الانقلاب” الحقيقي؟ هل هو الصحافي الذي يكتب عن الفساد، والمحسوبية، وزواج المال بالسلطة، وغياب ربط المحاسبة بالمسؤولية، واستقلالية القضاء، وحرّية الرأي والتعبير؟ أم هو من يحوّل القضاء إلى أداة للانتقام، والإعلام إلى منبر للشيطنة والتشهير، والدستور إلى ورقة تزيينية تعتبر المغرب دوماً “استثناء”؟

سليمان الريسوني اليوم، هو جزء من هذا “الاستثناء”، فهو أول صحافي يقود انقلاباً بقلمه، رغم أنه لم يحمل يوماً بندقية، ولا نادى بثورة، بل مارس حقّه في التعبير، وقال ما لا يريده بعض أصحاب النفوذ أن يُقال، وتهمته الحقيقية أنه لم يسكت.

الصحافي ليس عدوّ الدولة

إذا كانت الدولة تعتبر الصحافة المستقلّة تهديداً، فعليها أن تراجع نفسها، عليها أن تراجع نفسها، أن تنسى البولسة والعسكرة، أن تُعيد بناء مفهوم الدولة من منطلق فشل تسويق “دولة العهد الحديث”، حيث كان من المفترض ألا تحاكم هذه الدولة الكُتّاب والصحافيين؛ لأن قوّة الدولة تُقاس بقدرتها على تحمّل النقد، لا بتلفيق التهم لكلّ من يجرؤ على قول “لا”، فليس كل صحافي “سبارتاكوس”.

والصحافي ليس مشروعاً انقلابياً، بل هو أحد أدوات حماية النظام من السقوط في مستنقعات الفساد والانحراف، لكن حين يُكافأ بالزنازين بدلاً من التكريم، فلا غرابة أن يتحوّل البلد إلى مسرح للعبث السياسي والأمني.

ولعلّ حادثة قتل الشاب ياسين الشبلي بكلّ سادية في مخفر للشرطة، ورحمة العدالة مع أولئك القتلة، خير دليل على أن الصحافي لا ينبغي أن يبقى على الحياد الذي تفرضه المهنية، وعدم التفكير في قلب النظام، بل عليه أحياناً أن يقول للنظام إنه: نظام ساقط يعلو فقط على أجساد المسحوقين من أبناء الشعب البسيط! 

ورغم أن بعض الصحافيين لمعوا في سماء الكلمة الحرّة، وتمكّنوا لاحقاً من اعتلاء سدّة الحكم، إلا أن تجربتهم السياسية غالباً ما اصطدمت بجدار الواقع الصلب؛ من بينهم وارن هاردينغ، الذي صعد من رئاسة تحرير صحيفة محلّية إلى رئاسة الولايات المتّحدة، ثم غرق في فضائح فساد كشفت هشاشة مشروعه رغم قوّة صوته الإعلامي. 

ثم لدينا في التاريخ الصحافي فاتسلاف هافيل، المفكّر والمثقّف، الذي واجه صعوبات هائلة في ترجمة مبادئه الأخلاقية إلى قرارات عملية في دولة تشيكوسلوفاكيا، الخارجة للتو من عباءة الشيوعية… فشل الرجل المثقّف الحالم في إصلاح الدولة بالكفاءة نفسها التي واجه بها الاستبداد، لأن المنظومة السياسية لا تتغيّر بقوّة النية أو البلاغة، بل عبر أدوات قد لا يمتلكها حتى أنقى المثقّفين الراديكاليين. 

هؤلاء، رغم وعيهم الإعلامي، اصطدموا بمؤسّسات لا تشبه غرف التحرير، ببنيات لا تشبه فقرات المقالات ولا تنصاع للبلاغة… إنها أنظمة تقودها عصابة، تختلف لغتها ولونها، ولكنّها تتشابه حدّ التماهي!

في المقابل، حين نضع قضيّة سليمان الريسوني في هذا السياق، تتضّح المفارقة المرّة، الرجل لم يطلب يوماً سلطة، لم يترشّح، لم يُمسك سوى بقلمه، ومع ذلك وُوجه بعقاب لا يليق إلا بمن يهدّد النظام فعلاً… فالذين فشلوا في الحكم رغم بريقهم الإعلامي، لم يُعاقبوا كما يُعاقَب صحافي فقط لأنه قال الحقيقة، وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل المشكلة في من يحكم، أم في من يقول ما لا يريد من يحكم سماعه؟

صحافي انقلابي! 

إن الدولة التي ترى في الكلمة الحرّة مشروع انقلاب، وتخاف من صحافي أكثر من خوفها من الساسة الفاشلين، لا تحارب التهديدات التي تواجهها من جنوب وشمال… بل تحارب المرآة التي تعكس ضعفها، ذلك الضعف الذي يُخفيه بريق نياشين “البوليس السياسي”، حيث تمكّن عبد اللطيف الحموشي (مسؤول أمني في المغرب) من وضع شامةِ الإعلام على خدّ الأمن بكلّ الرضا المطلق!

“صحافي انقلابي”، قد تضحك الكلمة في وجه من أطلقها، لكنّها تكشف عن وجه لا يضحك؛ وجه الدولة حين تقرّر أن تجعل من حرّية التعبير جريمة، ومن افتتاحية رأي عملاً عدائياً. حينها، لا يكون الصحافي متّهماً، بل الوطن كلّه متورّط في فِعل ضدّ نفسه. فإن كانت الدولة ترتجف من مقال كتبه سليمان الريسوني، رغم أنها تملك “هدهد” الحموشي، وأذرعاً أمنية لا تنام، فربما عليها أن تراجع هشاشتها قبل أن تراجع مقالاتنا… فالدولة التي تخاف من الكلمة، أوهن من “سبأ” يوم جاءها الخبر اليقين.

سليمان، أيّها الواهب روحه لقلمه، الميمّم روحه شطر حرّيته ملء صدقه، أيها الصحافي الصنديد، الذي جعل من جوعه قرباناً في إضرابه الطويل خلف جدران الرعب، لا لشيء سوى أن يقول — لنا ولهم — إن الكلمة ليست ترفاً، بل موقف شرف، وإن الحرّية ليست هِبة، بل معراجُ تضحية.

لقد أوجعتَ الساكتين بسجنك، وأربكتَ المواربين بثباتك، فكنتَ شاهداً على زمن يُكافَأ فيه الصدق بالسجن، وتُحاصر فيه الكلمة كما تُحاصر المدن!

وكأنك كنت تستنطق المتنبّي وتترجمه بصمودك:

“إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ 

فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ”

وها أنت تغامر بالحياة المترفة وبريقها، رافضاً كلّ العروض، تخوض غمار المنفى قسراً، كما خضت معارك الكرامة طوعاً؛ لتثبت أن القلم لا ينحني، أن قلمك ليس أطول من هامتك، وأن الكلمة متى نطقت من قلب حرّ، تصبح أقوى من “التشهير” والتلفيق، وأبقى من الجدران، وأن الصحافي متى صحّ منه العزم، لا يزعج فقط؛ بل يقلب حسابات الأنظمة الاستبدادية من دون “انقلاب”.