ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

في تونس.. السجن يُلاحق من يحتجّ ضدّ التلوّث !

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أصدر القضاء التونسي أحكاماً بالسجن تتراوح بين شهرين وأربعة أشهر، ضدّ عدد من المتظاهرين، الذين شاركوا في تحرّك احتجاجي تنديداً بالتلوّث، ووُجّهت إلى الموقوفين تهماً تصل عقوبتها إلى عشر سنوات سجناً، لأسباب على غرار “التواجد ضمن جمع من أجل إقلاق الراحة العامّة القصد منه ارتكاب جريمة، والاعتداء بالعنف الشديد على موظّف عمومي حال مباشرته وظيفته، وتكوين وفاق إجرامي”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“الحياة في مدينتنا أصبحت لا تُطاق، نتنفّس هواء ساماً ونأكل خضاراً غير صحّية، الأمراض السرطانية والجلدية والتنفّسية وهشاشة العظام تنتشر بين السكّان، حتى البحر أغرقوه بأطنان من الفضلات الكيميائية. ورغم كلّ هذه الأثمان الباهظة التي ندفعها لا تبالي السلطات بمعاناتنا، وعوض أن تفكّر في إنقاذنا تتّجه إلى إغراقنا في المزيد من التلوّث بعناوين برّاقة. وعندما نخرج لنحتجّ ونطالب بوقف الكارثة نواجَه بالقمع البوليسي والسجن، لنجد أنفسنا بين سجنين، سجن التلوّث الكيميائي المميت، وسجن الدولة المتربّص بنا”.

بهذه الكلمات اختصرت ريم (اسم مستعار) إحدى المتظاهرات ضدّ التلوّث في محافظة قابس لـ”درج”، الوضع البيئي الخطير في مدينتها، وتعاطي السلطات التونسية مع الحراك المدني السلمي الرافض لهذا الوضع، والمطالب بالحقّ في بيئة نظيفة ووضع حدّ لحالة التلوّث الكبير المحيطة بالناس برّا وبحراً وهواء.     

“سياسات الترهيب”

في 28 أيّار/ مايو 2025، أصدر القضاء التونسي أحكاماً بالسجن تتراوح بين شهرين وأربعة أشهر، ضدّ عدد من المتظاهرين، الذين شاركوا في تحرّك احتجاجي انتظم في محافظة قابس (جنوب شرقي) في 23 من الشهر نفسه، تنديداً بالتلوّث، وللمطالبة بتفكيك وحدات المجمّع الكيميائي الملوّثة، وإيقاف مشروع الهيدروجين الأخضر الذي يعتبره أهالي المدينة سبب الكارثة البيئية التي يعيشون تحت وطأتها منذ عقود.

ووُجّهت إلى الموقوفين تهماً تصل عقوبتها إلى عشر سنوات سجناً، لأسباب على غرار “التواجد ضمن جمع من أجل إقلاق الراحة العامّة القصد منه ارتكاب جريمة، والاعتداء بالعنف الشديد على موظّف عمومي حال مباشرته وظيفته، وتكوين وفاق إجرامي”.

كان محمد علي رتيمي الناشط في الحراك البيئي في محافظة قابس والعضو في “جمعية دمج”، أحد الشبّان الثلاثة الذين أُودعوا في السجن، وحسب تصريحات ناشطين على عين المكان، فإن رتيمي قد اعتُقل عندما تدخّل لحماية أحد المواطنين الذين تعرّضوا للعنف من قِبل قوّات الأمن، بل تعرّض هو الآخر للاعتداء بالعنف الشديد وسوء المعاملة، تركت آثاراً جسدية، عاينها محاموه، علماً أن المعتقليْن الآخريْن قد تعرّضا بدورهما لاعتداءات مماثلة خلال عمليّة التوقيف وداخل منطقة الأمن.

يقول عزيز الشابّي عضو حراك “أوقفوا التلوّث” الناشط في محافظة قابس لـ”درج” إن “التهم الموجّهة إلى الموقوفين تأتي في إطار سياسة الترهيب التي تمارسها السلطة ضدّ نشطاء المجتمع عموماً، وهي في الحقيقة محاولة لخنق الأصوات المعارضة للسياسات البيئية الفاشلة التي أنهكت محافظة قابس لعقود، ولإخافة أبناء الجهة والضغط عليهم وإجبارهم على الصمت، حتى يتسنّى لها تمرير مشاريعها التي ستضاعف مأساة أبناء الجهة مع التلوّث، لا سيّما مشاريع الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر، التي تمّت برمجتها من دون استشارة أبناء الجهة، الذين يعانون على جميع الأصعدة جرّاء التلوّث الناتج عن وجود المجمّع الكيميائي في المدينة”. 

أزمة المجمّع الكيميائيّ

وتُعدّ محافظة قابس أحد أكثر المحافظات التي تعاني من مستويات كبيرة من التلوّث، نتيجة المجمّع الكيميائي الذي تمّ إنشاؤه سنة 1972، تحديداً في منطقة شطّ السلام التي تبعد نحو 4 كيلومترات عن مركز مدينة قابس، ويوجد في داخله وحدات لتصفية مادّة الفوسفات وصناعات كيميائية مختلفة إلى جانب أكبر مخازن الغاز الطبيعي، وأدّت أنشطة استخراج الفوسفات وتحويله إلى كارثة بيئية كبيرة في المحافظة.

فمنذ إنشائه تحوّلت المدينة تدريجياً إلى مستنقع للتلوّث، لم ينجُ منه لا البرّ ولا البحر ولا الأهالي، وبعد أن كانت المنطقة قبل سبعينيات القرن الماضي، تعوّل بشكل كبير على الفلاحة والصيد البحري كمورد رزق أساسي، انهار كلّ ذلك منذ حلول هذا المجمّع في المدينة، حيث أصبح خليج قابس مصبّاً للنفايات الكيميائية بما يقارب 29 طناً يومياً من مادّة الفوسفوجيبس التي تُرمى في عرض البحر، حسب تقرير جمعية “حماية واحة شاطئ السلام” في قابس، وهو ما أدّى إلى ضرب التنوّع البيولوجي للخليج، الذي بات يحتوي الآن على 50 نوعاً فقط أو أقلّ من الأسماك، بعد أن كان يحتوي على أكثر من 270 نوعاً قبل هذا التلوّث، كما تفشّت الأمراض السرطانية والتنفّسية بشكل لافت في المدينة، حتى  قال الأهالي إنها باتت تهدّد كلّ العائلات، هذا فضلاً عن تضرّر واحات النخيل. 

وهذا ما يؤكّده تقرير للاتحاد الأوروبي حول آثار التلوّث على الاقتصاد المحلّي في جهة قابس أعدّه خبراء أوروبيون، وكشف أن 95 في المئة من تلوّث الهواء في المنطقة متأتٍّ من المجمّع الصناعي الكيميائي، وأن انعكاساته حادّة على الفلاحة وعلى صحّة الإنسان. وأوضح التقرير أن الهواء يحتوي على حمض الكبريت وأوكسيد الكربون وموادّ سامّة أخرى، تتسبّب في تدمير الواحات وفي إصابة السكّان بالأمراض، ولفت إلى أن منطقة خليج قابس قد شهدت تطوّراً في الصناعات الملوّثة الثلاثية الأبعاد.

أمام هذا الوضع، يخوض النشطاء البيئيون في محافظة قابس منذ سنوات تحرّكات احتجاجية، للمطالبة بنقل الوحدات الصناعية المتسبّبة في التلوّث الكبير المحيط بهم، إلى مناطق أخرى بعيدة عن التجمّعات السكنية، وبعد جهود كبير وتحرّكات متتالية وضغوط ميدانية تفاعلت السلطات حينها إيجاباً، وأصدرت قراراً حكومياً يتمثّل في تفكيك الوحدات الملوّثة المرتبطة بإفراز مادّة الفوسفوجيبس، مقابل إحداث وحدات صناعية أخرى تحترم معايير الحفاظ على البيئة والمُحيط، وذلك في 29 حزيران/ يونيو 2017. 

استبشر الأهالي خيراً بالقرار، وظنّوا أن حقبة جديدة ستبدأ، وستنتهي تدريجياً مشاقّهم الكبيرة مع التلوّث، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، وظلّ القرار مجرّد حبر على ورق. والواقع أن هذا الأمر كان متوقّعاً، لا سيّما وأن وزير الشؤون المحلّية آنذاك قد صرّح  (2018 ) بأن تطبيق هذا القرار يحتاج إلى عشر سنوات على الأقلّ لتفعيله، ثم جاءت حقبة قيس سعيّد لتقطع مع تطبيقه نهائياً، بإصدار قرارات جديدة تعزّز نشاط الوحدات الملوّثة، إذ تمّ الإعلان عن خطّة لتطوير أداء المجمّع الكيميائي يتمّ خلالها ترفيع نشاط المصانع، ليبلغ 80 في المئة من الطاقة التصميمية حتى سنة 2028، ثم جاء القرار الصادم لأهالي المحافظة، وهو حذف الفوسفوجيبس من قائمة النفايات الخطرة وإدراجه كمادّة منتجة، رغم أن الدولة التونسية قد أقرّت في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2000 إدراج الفوسفوجيبس ضمن قائمة النفايات الخطرة.

وتجدر الإشارة إلى أن الفوسفوجيبس هو منتج ثانوي لصناعة الأسمدة المشتقّة من الفوسفات، ويتكوّن بشكل أساسي من كبريتات الكالسيوم مع كميّات متفاوتة من الفوسفور، والفلوريدات، والمعادن الثقيلة، وأحياناً من موادّ مشعّة طبيعية مثل الراديوم -226، الذي يتحللّ إلى غاز الرادون المشّع، مما يشكّل خطورة على صحّة الإنسان، وقد يحتوي الفوسفوجيبس على عناصر سامّة مثل الكادميوم والرصاص، التي يمكن أن تتسرّب إلى التربة والمياه الجوفية، مما يؤدّي إلى تلوّث البيئة ويؤثّر على الكائنات الحيّة، كما قد يؤدّي إلى تآكل التربة وتدمير التوازن البيئي في المناطق المحيطة بمواقع التخزين، وعند تصريف الفوسفوجيبس في البحار أو الأنهار من دون معالجة، فإنه قد يؤدّي إلى تغيير درجة الحموضة في الماء وقتل الحياة البحرية، كما أن تسرّب الموادّ السامّة إلى المياه الجوفية يمكن أن يؤدّي إلى تلوّث مياه الشرب.

الضغط للتراجع عن مشاريع الطاقة

من جهة أخرى، أبرمت السلطات التونسية اتّفاقات متعلّقة بتنفيذ مشاريع الهيدروجين الأخضر على أراض في محافظة قابس والمحافظات القريبة في جنوب البلاد مع عدّة دول أوروبية، بعد أن أعلنت تشرين الأول/ أكتوبر عن الاستراتيجية الوطنية التونسية لإنتاج الهيدروجين الأخضر، التي تهدف بمقتضاها إلى إنتاج 8.3 مليون طن من الهيدروجين الأخضر في أفق سنة 2025.

وأمام تعنّت السلطات ورفضها تشريك الأهالي في المنوال التنموي المناسب لهم، وأمام تجاهلها لمستويات التلوّث الخطيرة في المدينة وتبعاتها الكارثية على كلّ الأصعدة، جدّد ساكنو محافظة قابس حراكهم ضدّ السلطة للضغط عليها للتراجع عن مشاريعها التي يرون أنها ستضاعف أزماتهم، ولدفعها لرفع كلّ أسباب التلوّث الذي يعانون منه.

لا يبدو أن الحقبة الراهنة ستسمح بتكرار هذه التحرّكات، وستعمل على ضرب الأصوات التي تصدح بقوّة ضدّ مشاريعها وتزجّ بها في السجون وتنكّل بها حتى ترهب بقية الساكنين، وبالتالي تمرّر مخطّطاتها بالقوّة، وهذا ما تؤكّده الحملات الأمنية التي تطال نشطاء البيئة وسرعة تمرير الأحكام السجنية، التي عادة ما تتطلّب وقتاً أطول حتى تصدر، ولكنّها اليوم تصدر في أوقات قياسية، كما أن القرارات التمهيدية التي اتّخذتها السلطة على غرار حذف الفوسفوجيبس من قائمة النفايات الخطرة، التي تصبّ بدورها في هذا السياق، فهي بهذا تحاول خلق أرضية مناسبة حتى لا تترك للنشطاء والأهالي فرصة للاعتراض قانونياً، تحت ذريعة أن هذا مثبت من قِبل خبراء، والحال أن من أشرفوا على  هذه القرارات أسماء من دائرة السلطة وليسوا خبراء مستقلّين.

أصدر القضاء التونسي أحكاماً بالسجن تتراوح بين شهرين وأربعة أشهر، ضدّ عدد من المتظاهرين، الذين شاركوا في تحرّك احتجاجي تنديداً بالتلوّث، ووُجّهت إلى الموقوفين تهماً تصل عقوبتها إلى عشر سنوات سجناً، لأسباب على غرار “التواجد ضمن جمع من أجل إقلاق الراحة العامّة القصد منه ارتكاب جريمة، والاعتداء بالعنف الشديد على موظّف عمومي حال مباشرته وظيفته، وتكوين وفاق إجرامي”.

“الحياة في مدينتنا أصبحت لا تُطاق، نتنفّس هواء ساماً ونأكل خضاراً غير صحّية، الأمراض السرطانية والجلدية والتنفّسية وهشاشة العظام تنتشر بين السكّان، حتى البحر أغرقوه بأطنان من الفضلات الكيميائية. ورغم كلّ هذه الأثمان الباهظة التي ندفعها لا تبالي السلطات بمعاناتنا، وعوض أن تفكّر في إنقاذنا تتّجه إلى إغراقنا في المزيد من التلوّث بعناوين برّاقة. وعندما نخرج لنحتجّ ونطالب بوقف الكارثة نواجَه بالقمع البوليسي والسجن، لنجد أنفسنا بين سجنين، سجن التلوّث الكيميائي المميت، وسجن الدولة المتربّص بنا”.

بهذه الكلمات اختصرت ريم (اسم مستعار) إحدى المتظاهرات ضدّ التلوّث في محافظة قابس لـ”درج”، الوضع البيئي الخطير في مدينتها، وتعاطي السلطات التونسية مع الحراك المدني السلمي الرافض لهذا الوضع، والمطالب بالحقّ في بيئة نظيفة ووضع حدّ لحالة التلوّث الكبير المحيطة بالناس برّا وبحراً وهواء.     

“سياسات الترهيب”

في 28 أيّار/ مايو 2025، أصدر القضاء التونسي أحكاماً بالسجن تتراوح بين شهرين وأربعة أشهر، ضدّ عدد من المتظاهرين، الذين شاركوا في تحرّك احتجاجي انتظم في محافظة قابس (جنوب شرقي) في 23 من الشهر نفسه، تنديداً بالتلوّث، وللمطالبة بتفكيك وحدات المجمّع الكيميائي الملوّثة، وإيقاف مشروع الهيدروجين الأخضر الذي يعتبره أهالي المدينة سبب الكارثة البيئية التي يعيشون تحت وطأتها منذ عقود.

ووُجّهت إلى الموقوفين تهماً تصل عقوبتها إلى عشر سنوات سجناً، لأسباب على غرار “التواجد ضمن جمع من أجل إقلاق الراحة العامّة القصد منه ارتكاب جريمة، والاعتداء بالعنف الشديد على موظّف عمومي حال مباشرته وظيفته، وتكوين وفاق إجرامي”.

كان محمد علي رتيمي الناشط في الحراك البيئي في محافظة قابس والعضو في “جمعية دمج”، أحد الشبّان الثلاثة الذين أُودعوا في السجن، وحسب تصريحات ناشطين على عين المكان، فإن رتيمي قد اعتُقل عندما تدخّل لحماية أحد المواطنين الذين تعرّضوا للعنف من قِبل قوّات الأمن، بل تعرّض هو الآخر للاعتداء بالعنف الشديد وسوء المعاملة، تركت آثاراً جسدية، عاينها محاموه، علماً أن المعتقليْن الآخريْن قد تعرّضا بدورهما لاعتداءات مماثلة خلال عمليّة التوقيف وداخل منطقة الأمن.

يقول عزيز الشابّي عضو حراك “أوقفوا التلوّث” الناشط في محافظة قابس لـ”درج” إن “التهم الموجّهة إلى الموقوفين تأتي في إطار سياسة الترهيب التي تمارسها السلطة ضدّ نشطاء المجتمع عموماً، وهي في الحقيقة محاولة لخنق الأصوات المعارضة للسياسات البيئية الفاشلة التي أنهكت محافظة قابس لعقود، ولإخافة أبناء الجهة والضغط عليهم وإجبارهم على الصمت، حتى يتسنّى لها تمرير مشاريعها التي ستضاعف مأساة أبناء الجهة مع التلوّث، لا سيّما مشاريع الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر، التي تمّت برمجتها من دون استشارة أبناء الجهة، الذين يعانون على جميع الأصعدة جرّاء التلوّث الناتج عن وجود المجمّع الكيميائي في المدينة”. 

أزمة المجمّع الكيميائيّ

وتُعدّ محافظة قابس أحد أكثر المحافظات التي تعاني من مستويات كبيرة من التلوّث، نتيجة المجمّع الكيميائي الذي تمّ إنشاؤه سنة 1972، تحديداً في منطقة شطّ السلام التي تبعد نحو 4 كيلومترات عن مركز مدينة قابس، ويوجد في داخله وحدات لتصفية مادّة الفوسفات وصناعات كيميائية مختلفة إلى جانب أكبر مخازن الغاز الطبيعي، وأدّت أنشطة استخراج الفوسفات وتحويله إلى كارثة بيئية كبيرة في المحافظة.

فمنذ إنشائه تحوّلت المدينة تدريجياً إلى مستنقع للتلوّث، لم ينجُ منه لا البرّ ولا البحر ولا الأهالي، وبعد أن كانت المنطقة قبل سبعينيات القرن الماضي، تعوّل بشكل كبير على الفلاحة والصيد البحري كمورد رزق أساسي، انهار كلّ ذلك منذ حلول هذا المجمّع في المدينة، حيث أصبح خليج قابس مصبّاً للنفايات الكيميائية بما يقارب 29 طناً يومياً من مادّة الفوسفوجيبس التي تُرمى في عرض البحر، حسب تقرير جمعية “حماية واحة شاطئ السلام” في قابس، وهو ما أدّى إلى ضرب التنوّع البيولوجي للخليج، الذي بات يحتوي الآن على 50 نوعاً فقط أو أقلّ من الأسماك، بعد أن كان يحتوي على أكثر من 270 نوعاً قبل هذا التلوّث، كما تفشّت الأمراض السرطانية والتنفّسية بشكل لافت في المدينة، حتى  قال الأهالي إنها باتت تهدّد كلّ العائلات، هذا فضلاً عن تضرّر واحات النخيل. 

وهذا ما يؤكّده تقرير للاتحاد الأوروبي حول آثار التلوّث على الاقتصاد المحلّي في جهة قابس أعدّه خبراء أوروبيون، وكشف أن 95 في المئة من تلوّث الهواء في المنطقة متأتٍّ من المجمّع الصناعي الكيميائي، وأن انعكاساته حادّة على الفلاحة وعلى صحّة الإنسان. وأوضح التقرير أن الهواء يحتوي على حمض الكبريت وأوكسيد الكربون وموادّ سامّة أخرى، تتسبّب في تدمير الواحات وفي إصابة السكّان بالأمراض، ولفت إلى أن منطقة خليج قابس قد شهدت تطوّراً في الصناعات الملوّثة الثلاثية الأبعاد.

أمام هذا الوضع، يخوض النشطاء البيئيون في محافظة قابس منذ سنوات تحرّكات احتجاجية، للمطالبة بنقل الوحدات الصناعية المتسبّبة في التلوّث الكبير المحيط بهم، إلى مناطق أخرى بعيدة عن التجمّعات السكنية، وبعد جهود كبير وتحرّكات متتالية وضغوط ميدانية تفاعلت السلطات حينها إيجاباً، وأصدرت قراراً حكومياً يتمثّل في تفكيك الوحدات الملوّثة المرتبطة بإفراز مادّة الفوسفوجيبس، مقابل إحداث وحدات صناعية أخرى تحترم معايير الحفاظ على البيئة والمُحيط، وذلك في 29 حزيران/ يونيو 2017. 

استبشر الأهالي خيراً بالقرار، وظنّوا أن حقبة جديدة ستبدأ، وستنتهي تدريجياً مشاقّهم الكبيرة مع التلوّث، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، وظلّ القرار مجرّد حبر على ورق. والواقع أن هذا الأمر كان متوقّعاً، لا سيّما وأن وزير الشؤون المحلّية آنذاك قد صرّح  (2018 ) بأن تطبيق هذا القرار يحتاج إلى عشر سنوات على الأقلّ لتفعيله، ثم جاءت حقبة قيس سعيّد لتقطع مع تطبيقه نهائياً، بإصدار قرارات جديدة تعزّز نشاط الوحدات الملوّثة، إذ تمّ الإعلان عن خطّة لتطوير أداء المجمّع الكيميائي يتمّ خلالها ترفيع نشاط المصانع، ليبلغ 80 في المئة من الطاقة التصميمية حتى سنة 2028، ثم جاء القرار الصادم لأهالي المحافظة، وهو حذف الفوسفوجيبس من قائمة النفايات الخطرة وإدراجه كمادّة منتجة، رغم أن الدولة التونسية قد أقرّت في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2000 إدراج الفوسفوجيبس ضمن قائمة النفايات الخطرة.

وتجدر الإشارة إلى أن الفوسفوجيبس هو منتج ثانوي لصناعة الأسمدة المشتقّة من الفوسفات، ويتكوّن بشكل أساسي من كبريتات الكالسيوم مع كميّات متفاوتة من الفوسفور، والفلوريدات، والمعادن الثقيلة، وأحياناً من موادّ مشعّة طبيعية مثل الراديوم -226، الذي يتحللّ إلى غاز الرادون المشّع، مما يشكّل خطورة على صحّة الإنسان، وقد يحتوي الفوسفوجيبس على عناصر سامّة مثل الكادميوم والرصاص، التي يمكن أن تتسرّب إلى التربة والمياه الجوفية، مما يؤدّي إلى تلوّث البيئة ويؤثّر على الكائنات الحيّة، كما قد يؤدّي إلى تآكل التربة وتدمير التوازن البيئي في المناطق المحيطة بمواقع التخزين، وعند تصريف الفوسفوجيبس في البحار أو الأنهار من دون معالجة، فإنه قد يؤدّي إلى تغيير درجة الحموضة في الماء وقتل الحياة البحرية، كما أن تسرّب الموادّ السامّة إلى المياه الجوفية يمكن أن يؤدّي إلى تلوّث مياه الشرب.

الضغط للتراجع عن مشاريع الطاقة

من جهة أخرى، أبرمت السلطات التونسية اتّفاقات متعلّقة بتنفيذ مشاريع الهيدروجين الأخضر على أراض في محافظة قابس والمحافظات القريبة في جنوب البلاد مع عدّة دول أوروبية، بعد أن أعلنت تشرين الأول/ أكتوبر عن الاستراتيجية الوطنية التونسية لإنتاج الهيدروجين الأخضر، التي تهدف بمقتضاها إلى إنتاج 8.3 مليون طن من الهيدروجين الأخضر في أفق سنة 2025.

وأمام تعنّت السلطات ورفضها تشريك الأهالي في المنوال التنموي المناسب لهم، وأمام تجاهلها لمستويات التلوّث الخطيرة في المدينة وتبعاتها الكارثية على كلّ الأصعدة، جدّد ساكنو محافظة قابس حراكهم ضدّ السلطة للضغط عليها للتراجع عن مشاريعها التي يرون أنها ستضاعف أزماتهم، ولدفعها لرفع كلّ أسباب التلوّث الذي يعانون منه.

لا يبدو أن الحقبة الراهنة ستسمح بتكرار هذه التحرّكات، وستعمل على ضرب الأصوات التي تصدح بقوّة ضدّ مشاريعها وتزجّ بها في السجون وتنكّل بها حتى ترهب بقية الساكنين، وبالتالي تمرّر مخطّطاتها بالقوّة، وهذا ما تؤكّده الحملات الأمنية التي تطال نشطاء البيئة وسرعة تمرير الأحكام السجنية، التي عادة ما تتطلّب وقتاً أطول حتى تصدر، ولكنّها اليوم تصدر في أوقات قياسية، كما أن القرارات التمهيدية التي اتّخذتها السلطة على غرار حذف الفوسفوجيبس من قائمة النفايات الخطرة، التي تصبّ بدورها في هذا السياق، فهي بهذا تحاول خلق أرضية مناسبة حتى لا تترك للنشطاء والأهالي فرصة للاعتراض قانونياً، تحت ذريعة أن هذا مثبت من قِبل خبراء، والحال أن من أشرفوا على  هذه القرارات أسماء من دائرة السلطة وليسوا خبراء مستقلّين.