ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

في حبّ عادة شرب الكورتادو

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا يمكنني فصل التكرار عن الشغف الذي يتحوّل هوساً في أحيان كثيرة، وخارج الهوس أمور قليلة تستهويني، لست مهووسة بالكورتادو، لكنّه أصبح من أشيائي وعاداتي الهادئة ولصيق مزاجي في أحيانٍ وأماكنٍ محدّدة، وبما أن اهتماماتي بدأت تقلّ يوماً بعد يوم، لذلك وسّعت حصّة الكورتادو، ولم يعد شربي له يشترط وجودي في بيروت.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أنا لا أدخّن، ولا أشرب القهوة… وربما: أنا لا أدخّن فبالتالي لا أشرب القهوة.

لديّ ثلاثة أسباب للإجابة عن لماذا لا أدخّن:

– والداي كانا مدخّنين شرسين، فكرهت التدخين. 

– عندما تعلّم الأصدقاء التدخين في أولى سنوات الجامعة، لم يكن لديّ ترف الوقت لأبقى معهم في الكافيتيريا. 

– لا أحبّ الرائحة التي أشمّها على شعر المدخّنين وملابسهم، ولا أريدها أن تصبح رائحتي.

أمّا القهوة، فلا أعرف لماذا لا أحبّها إلا ربما لسبب أنني لا أدخّن، كما أني لا أحتاجها صباحاً كي “أصحصح”. أشرب القهوة – حين أشربها – مع حليب، وخلطة محدّدة النسب والحجم اسمها: كورتادو.

كلمة cortado إسبانية مشتقّة من الفعل cortar وتعني “to cut” أو “القطع”، وذلك نسبة، لأن الحليب “يقطع” طعم الإسبرسو وحدّته ولأن الفنجان يُقطع إلى قسمين متساويين من الإسبرسو والحليب.

للكورتادو شعبية كبيرة في إسبانيا وفي البرتغال وأميركا اللاتينية. 

وهو عبارة عن جرعتين من الإسبرسو وكميّة متساوية من الحليب والرغوة. أنا أفضّله جرعة واحدة من الإسبرسو مع جرعة من الحليب والرغوة… لأني لا أحتاج إلى أكثر.

قبل اكتشافي الكورتادو كان لديّ مشكلة اختيار ماذا أشرب عندما أجلس في مقهى. فأنا لا أريد قهوة سادة، ولا قهوة مع حليب كبيرة الحجم، وفي كل مرّة أنسى الأسماء الكثيرة لخلطات القهوة وأقف حائرة. 

إلى حين إقامتي في اسطنبول، وأثناء ارتيادي أحد المقاهي في منطقة جيهانغير، رأيت النادل يحضّر فنجاناً صغيراً للجالس على الطاولة قربي، أعجبني حجم الفنجان الصغير وزجاجه الشفّاف الذي مكّنني من رؤية لون المزيج فيه: النصف الأسفل لونه بنّي لا يوحي بأنه شديد المرورة ونصفه الأعلى أبيض. فقرّرت فوراً أنه سيكون مشروبي.

سألت النادل عن اسم هذه القهوة فقال: كورتادو.

“وهيّي كانت”… صرت “شرّيبة” كورتادو.

 والكورتادو من سنة 2017 لليوم، أي منذ 9 سنوات مشروبي الرسمي الوحيد في المقاهي، وفي أحيان قليلة جدّاً وتكاد تكون نادرة أشرب الماكياتو وأندم لأنها أثقل من الكورتادو: إسبرسو مع رغوة فقط، ولكنّي أطلبها لأنه يغريني أن حجم الفنجان أصغر عندما لا أكون أرغب في شرب كميّة أكبر. 

الكورتادو عندي مرتبط بالجلوس في المقهى وبالتالي فقط في بيروت، لأنه لا يوجد في قريتي مقهى يمكن أن أرتاده.

عندما تركت بيتي في الضيعة وذهبت إلى بيروت خلال الجولة الأولى من الحرب الحالية، أي منذ 2 آذار ولغاية 17 نيسان، جلست يومياً في المقهى لساعات طويلة قسمتها على فترتين أو ثلاثة. 

في الفترة الصباحية وهي الأولى، يكون فيها شرب الكورتادو أساسياً، ليس لأني لا أستطيع بدء نهاري من دونها، بل على العكس فقد أمضي شهوراً دون تذوّقها، ولكن لأن الجلوس في المقهى يتطلّب شرب شيء ما، وقد اخترت مشروبي الصغير سلفاً. ولكن بما أني كنت أرتاد المقهى ثلاث مرّات، فكان صعباً شرب الكورتادو ثلاث مرّات، وقد عانيت منه. الشاي ليس خياراً في المقاهي، لأني لا أحبّ الشاي المقدّم بأكياس صغيرة، وله عندي طقوس مختلفة لا ترتبط بالمقاهي، الشاي مرتبط ببيتي في الضيعة.

صديقي جيلبير نصحني بشراء ماكينة صغيرة من ماركة محدّدة تحوّل الحليب من سائل إلى كريمي، طلبت من أختي شراءها من برلين فأرسلتها لي، وأصبح مغرياً جدّاً أن أحضّر كورتادو في الضيعة، بما أنني عدت إلى بيتي منذ بدأت الهدنة المزعومة في منتصف نيسان.

لولا بعض الأصدقاء الذين أحبّ اللقاء بهم فإن رغبتي في مغادرة البيت نحو بيروت تكاد تكون معدومة، ولهذا فعمليّة نقل عادة شرب الكورتادو حصراً في بيروت على وشك أن تتغيّر، خاصّة بعد أن أصبح لديّ ماكينة الحليب. 

بدأت أشرب الكورتادو في الحديقة أو المرسم، ولكن ليس بشكل يومي. العادات الجديدة تحتاج وقتاً لتكسب مكانها ومكانتها. أشرب الكورتادو بكوب الشاي التقليدي، كي أرى لونه من خلال زجاج الكوب الشفّاف.

رسمت على مدار السنوات التسعة الكثير من فناجين الكورتادو، كرّرت شرب الكورتادو، وكرّرت رسم فناجينه وأكوابه، كما كرّرت وأكرّر فعل كل ما أحبّ فعله.

أستطيع القول والملاحظة أن الأمر يصبح مملّاً ولكن ليس لي، لأنني لا أملّ من تكرار ما أحبّ فعله، بل على الأرجح يملّ من حولي من أفعالي المكرّرة. 

لكنّ بعضنا يجد نفسه في هذا التكرار، يؤكّد عاداته، ويؤكّد رغباته، ويؤكّد مكانه، ويؤكّد مزاجه. العادات الصغيرة تساعدني على رسم هيكل ليومي، العادات الصغيرة هي عظام هيكل يومي، وفي تكرارها ألتصق بمزاجي.

لا يمكنني فصل التكرار عن الشغف الذي يتحوّل هوساً في أحيان كثيرة، وخارج الهوس أمور قليلة تستهويني، لست مهووسة بالكورتادو، لكنّه أصبح من أشيائي وعاداتي الهادئة ولصيق مزاجي في أحيانٍ وأماكنٍ محدّدة، وبما أن اهتماماتي بدأت تقلّ يوماً بعد يوم، لذلك وسّعت حصّة الكورتادو، ولم يعد شربي له يشترط وجودي في بيروت.

27.06.2026
زمن القراءة: 4 minutes

لا يمكنني فصل التكرار عن الشغف الذي يتحوّل هوساً في أحيان كثيرة، وخارج الهوس أمور قليلة تستهويني، لست مهووسة بالكورتادو، لكنّه أصبح من أشيائي وعاداتي الهادئة ولصيق مزاجي في أحيانٍ وأماكنٍ محدّدة، وبما أن اهتماماتي بدأت تقلّ يوماً بعد يوم، لذلك وسّعت حصّة الكورتادو، ولم يعد شربي له يشترط وجودي في بيروت.

أنا لا أدخّن، ولا أشرب القهوة… وربما: أنا لا أدخّن فبالتالي لا أشرب القهوة.

لديّ ثلاثة أسباب للإجابة عن لماذا لا أدخّن:

– والداي كانا مدخّنين شرسين، فكرهت التدخين. 

– عندما تعلّم الأصدقاء التدخين في أولى سنوات الجامعة، لم يكن لديّ ترف الوقت لأبقى معهم في الكافيتيريا. 

– لا أحبّ الرائحة التي أشمّها على شعر المدخّنين وملابسهم، ولا أريدها أن تصبح رائحتي.

أمّا القهوة، فلا أعرف لماذا لا أحبّها إلا ربما لسبب أنني لا أدخّن، كما أني لا أحتاجها صباحاً كي “أصحصح”. أشرب القهوة – حين أشربها – مع حليب، وخلطة محدّدة النسب والحجم اسمها: كورتادو.

كلمة cortado إسبانية مشتقّة من الفعل cortar وتعني “to cut” أو “القطع”، وذلك نسبة، لأن الحليب “يقطع” طعم الإسبرسو وحدّته ولأن الفنجان يُقطع إلى قسمين متساويين من الإسبرسو والحليب.

للكورتادو شعبية كبيرة في إسبانيا وفي البرتغال وأميركا اللاتينية. 

وهو عبارة عن جرعتين من الإسبرسو وكميّة متساوية من الحليب والرغوة. أنا أفضّله جرعة واحدة من الإسبرسو مع جرعة من الحليب والرغوة… لأني لا أحتاج إلى أكثر.

قبل اكتشافي الكورتادو كان لديّ مشكلة اختيار ماذا أشرب عندما أجلس في مقهى. فأنا لا أريد قهوة سادة، ولا قهوة مع حليب كبيرة الحجم، وفي كل مرّة أنسى الأسماء الكثيرة لخلطات القهوة وأقف حائرة. 

إلى حين إقامتي في اسطنبول، وأثناء ارتيادي أحد المقاهي في منطقة جيهانغير، رأيت النادل يحضّر فنجاناً صغيراً للجالس على الطاولة قربي، أعجبني حجم الفنجان الصغير وزجاجه الشفّاف الذي مكّنني من رؤية لون المزيج فيه: النصف الأسفل لونه بنّي لا يوحي بأنه شديد المرورة ونصفه الأعلى أبيض. فقرّرت فوراً أنه سيكون مشروبي.

سألت النادل عن اسم هذه القهوة فقال: كورتادو.

“وهيّي كانت”… صرت “شرّيبة” كورتادو.

 والكورتادو من سنة 2017 لليوم، أي منذ 9 سنوات مشروبي الرسمي الوحيد في المقاهي، وفي أحيان قليلة جدّاً وتكاد تكون نادرة أشرب الماكياتو وأندم لأنها أثقل من الكورتادو: إسبرسو مع رغوة فقط، ولكنّي أطلبها لأنه يغريني أن حجم الفنجان أصغر عندما لا أكون أرغب في شرب كميّة أكبر. 

الكورتادو عندي مرتبط بالجلوس في المقهى وبالتالي فقط في بيروت، لأنه لا يوجد في قريتي مقهى يمكن أن أرتاده.

عندما تركت بيتي في الضيعة وذهبت إلى بيروت خلال الجولة الأولى من الحرب الحالية، أي منذ 2 آذار ولغاية 17 نيسان، جلست يومياً في المقهى لساعات طويلة قسمتها على فترتين أو ثلاثة. 

في الفترة الصباحية وهي الأولى، يكون فيها شرب الكورتادو أساسياً، ليس لأني لا أستطيع بدء نهاري من دونها، بل على العكس فقد أمضي شهوراً دون تذوّقها، ولكن لأن الجلوس في المقهى يتطلّب شرب شيء ما، وقد اخترت مشروبي الصغير سلفاً. ولكن بما أني كنت أرتاد المقهى ثلاث مرّات، فكان صعباً شرب الكورتادو ثلاث مرّات، وقد عانيت منه. الشاي ليس خياراً في المقاهي، لأني لا أحبّ الشاي المقدّم بأكياس صغيرة، وله عندي طقوس مختلفة لا ترتبط بالمقاهي، الشاي مرتبط ببيتي في الضيعة.

صديقي جيلبير نصحني بشراء ماكينة صغيرة من ماركة محدّدة تحوّل الحليب من سائل إلى كريمي، طلبت من أختي شراءها من برلين فأرسلتها لي، وأصبح مغرياً جدّاً أن أحضّر كورتادو في الضيعة، بما أنني عدت إلى بيتي منذ بدأت الهدنة المزعومة في منتصف نيسان.

لولا بعض الأصدقاء الذين أحبّ اللقاء بهم فإن رغبتي في مغادرة البيت نحو بيروت تكاد تكون معدومة، ولهذا فعمليّة نقل عادة شرب الكورتادو حصراً في بيروت على وشك أن تتغيّر، خاصّة بعد أن أصبح لديّ ماكينة الحليب. 

بدأت أشرب الكورتادو في الحديقة أو المرسم، ولكن ليس بشكل يومي. العادات الجديدة تحتاج وقتاً لتكسب مكانها ومكانتها. أشرب الكورتادو بكوب الشاي التقليدي، كي أرى لونه من خلال زجاج الكوب الشفّاف.

رسمت على مدار السنوات التسعة الكثير من فناجين الكورتادو، كرّرت شرب الكورتادو، وكرّرت رسم فناجينه وأكوابه، كما كرّرت وأكرّر فعل كل ما أحبّ فعله.

أستطيع القول والملاحظة أن الأمر يصبح مملّاً ولكن ليس لي، لأنني لا أملّ من تكرار ما أحبّ فعله، بل على الأرجح يملّ من حولي من أفعالي المكرّرة. 

لكنّ بعضنا يجد نفسه في هذا التكرار، يؤكّد عاداته، ويؤكّد رغباته، ويؤكّد مكانه، ويؤكّد مزاجه. العادات الصغيرة تساعدني على رسم هيكل ليومي، العادات الصغيرة هي عظام هيكل يومي، وفي تكرارها ألتصق بمزاجي.

لا يمكنني فصل التكرار عن الشغف الذي يتحوّل هوساً في أحيان كثيرة، وخارج الهوس أمور قليلة تستهويني، لست مهووسة بالكورتادو، لكنّه أصبح من أشيائي وعاداتي الهادئة ولصيق مزاجي في أحيانٍ وأماكنٍ محدّدة، وبما أن اهتماماتي بدأت تقلّ يوماً بعد يوم، لذلك وسّعت حصّة الكورتادو، ولم يعد شربي له يشترط وجودي في بيروت.