ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

في ذكرى “مجزرة سبايكر” التي ارتكبها تنظيم داعش في العراق…

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

من بين الناجين من مجزرة سبايكر، يروي الجندي علي الصگري تفاصيل الساعات التي سبقت وقوع الكارثة، مؤكداً أنه لم يسمع أي قائد عسكري يصدر أمراً بالانسحاب من القاعدة، بل على العكس، كانت القيادات تحث الجنود على البقاء داخل القاعدة باعتبارها موقعاً محصناً وقادراً على الصمود.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في ظهيرة الثاني عشر من حزيران/ يونيو 2014، كانت عائلة أحمد كامل جبار تنتظر عودته إلى المنزل. الشاب القادم من محافظة المثنى كان أخبر أهله عبر الهاتف أنه في طريقه إليهم بعد تدهور الأوضاع الأمنية في صلاح الدين. لم تكن والدته تعلم أن تلك المكالمة ستكون الأخيرة.

تروي شقيقته فاطمة كامل تفاصيل الساعات الأخيرة قبل اختفائه، قائلة إن أحمد كان التحق حديثاً بالخدمة العسكرية، وكان يحاول أن يبني مستقبله بأي وسيلة تضمن له حياة كريمة. وفي الليلة التي سبقت الكارثة، أخبرهم بأن معسكر تكريت تعرض للقصف وأنهم انتقلوا إلى قاعدة سبايكر.

تقول فاطمة إن الاتصال استمر بين أحمد ووالدها حتى ساعات الفجر الأولى، قبل أن ينقطع مؤقتاً. وفي صباح اليوم التالي عاد ليتواصل معهم مجدداً، مؤكداً أنه سيعود إلى أهله، وأنهم في طريقهم إلى المغادرة.

وتضيف أن أحمد أبلغهم لاحقاً بأن مجموعة من المسلحين عند إحدى السيطرات المدنية أخبروا الجنود بأنهم سيتولون إيصالهم إلى مناطقهم، قبل أن يُنقلون في سيارات كبيرة، وهو ما ظهر لاحقاً في مقاطع الفيديو التي وثقت المجزرة.

عند الساعة الثانية ظهراً تقريباً، وبينما كانت العائلة تنتظره على مائدة الغداء، اتصل أحمد بوالده وطلب التحدث إلى والدته. شعرت الأم بأن شيئاً غير طبيعي يحدث. وحين تحدثت إليه سمعته يبكي وهو يقول: “أنا راح أروح… بعد متشوفوني”.

بعد الحادثة واصل أفراد العائلة الاتصال بهاتفه لأيام، قبل أن يرد عليهم شخص قال إنه من تنظيم داعش، مهدداً بقتل أحمد إذا استمروا بالاتصال على الرقم.

وتؤكد فاطمة أن شقيقها، المولود عام 1991، لا يزال حتى اليوم في عداد المفقودين، على الرغم من اعتباره رسمياً من شهداء سبايكر. وتشير إلى أن العائلة قدمت عينات الحمض النووي أملاً  بالعثور على رفاته، لكن سنوات الانتظار الطويلة لم تمنحها حتى الآن إجابة حاسمة عن مصيره.

وتقول إن كثيراً من الجثامين التي عُثر عليها تم التعرف عليها من خلال فحوص الحمض النووي، فيما لا تزال عائلات أخرى، بينها عائلتها، تنتظر اتصالاً قد يحمل خبراً عن أبنائها بعد أكثر من عقد على الجريمة.

واحدة من أكبر المجازر في تاريخ العراق

في 12 حزيران/ يونيو 2014 ارتكب تنظيم داعش مجزرة سبايكر التي راح ضحيتها ما بين 1095 و1700 طالب عسكري، وفق تقديرات مختلفة، بعد يومين فقط من سيطرة التنظيم على مدينة الموصل ويوم واحد من سقوط مدينة تكريت.

وكان آلاف الطلاب العسكريين غير المسلحين أو محدودي التسليح موجودين داخل قاعدة سبايكر ومحيطها عندما انهارت الأوضاع الأمنية في المحافظة. وتشير روايات متعددة إلى أن عناصر التنظيم عمدوا إلى فرز الضحايا على أساس طائفي قبل تنفيذ عمليات الإعدام الجماعي بحقهم.

وحتى اليوم لا تزال المجزرة تُعد من أعنف الجرائم الإرهابية التي شهدها العراق في تاريخه الحديث.

وبحسب معطيات رسمية، أسر تنظيم داعش ما بين ألفين و2200 من منتسبي الفرقة الثامنة عشرة المكلفة بحماية منشآت وأنابيب النفط في المنطقة، بعد سيطرته على تكريت. ونُقل عدد كبير منهم إلى القصور الرئاسية في المدينة، حيث تعرضوا لعمليات إعدام جماعية، فيما قُتل آخرون في مواقع مختلفة، وأفيد بأن بعض الضحايا دُفنوا وهم أحياء.

وصوّر التنظيم أجزاء واسعة من الجريمة ونشرها لاحقاً عبر تسجيلات مصورة وثقت عمليات النقل والإعدام الجماعي.

في المقابل، تمكن عدد من الجنود والطلاب العسكريين من النجاة بطرق مختلفة، أبرزها عبر الوصول إلى ناحية العلم شرق تكريت، التي بقيت خارج سيطرة التنظيم آنذاك. وهناك ساعدتهم عشائر المنطقة، ولا سيما أبناء قبيلة الجبور، عبر توفير المأوى والمستمسكات اللازمة وتأمين طرق خروجهم إلى مناطق أكثر أمناً.

كما تحدث ناجون عن تعرض الجنود لعمليات خداع وإيهام بأن الطرق المؤدية إلى محافظاتهم آمنة، وهو ما أدى إلى وقوع أعداد كبيرة منهم في قبضة التنظيم.

جدل مستمر حول المسؤولية

أثارت مجزرة سبايكر منذ وقوعها جدلاً واسعاً بشأن المسؤوليات العسكرية والأمنية التي سبقت الكارثة، قائد عمليات صلاح الدين آنذاك، الفريق الركن علي الفريجي، نفى إصدار أي أمر بالانسحاب من قاعدة سبايكر، مؤكداً أن ما حدث كان نتيجة حالة فوضى بين الجنود وحرس البوابات، أدت إلى خروج أعداد كبيرة منهم من القاعدة.

وقال الفريجي إنه بقي مع مجموعة من الضباط والجنود داخل القاعدة لمواصلة القتال، داعياً إلى الاستماع لشهادات جميع العسكريين الذين كانوا موجودين هناك للحكم على ما حدث.

أما وزير الدفاع الأسبق جمعة عناد، الذي كان حينها ضابطاً ميدانياً في المنطقة، فيروي أن الفوضى بدأت عقب وصول أنباء سقوط الموصل ثم تكريت، وأن معنويات الجنود تراجعت بشكل كبير نتيجة الشائعات والأخبار المتداولة عن انهيار القطعات العسكرية.

ويقول إن قرار الانتقال إلى قاعدة سبايكر جاء لأنها كانت أكثر المواقع تحصيناً وقدرة على الصمود، مشيراً إلى أنها كانت تضم خنادق وسواتر وأبراج مراقبة ومنظومات دفاعية متعددة.

ويضيف أن المشكلة الأساسية لم تكن في ضعف تحصينات القاعدة، بل في إصرار أعداد كبيرة من الجنود على مغادرتها والعودة إلى ذويهم، على الرغم من محاولات القادة إقناعهم بالبقاء.

ويؤكد عناد أن الجنود الذين غادروا القاعدة عمد كثير منهم إلى رمي أسلحتهم وخلع ملابسهم العسكرية وارتداء الملابس المدنية أملاً في الوصول إلى مناطقهم من دون إثارة الشبهات.

وبحسب روايته، فإن القوات المكلفة بحماية بوابات القاعدة، ومنها وحدات جهاز مكافحة الإرهاب، حاولت منعهم من المغادرة، بل أطلقت النار في الهواء لإجبارهم على العودة، إلا أن ذلك لم ينجح.

ويشير إلى أن القاعدة بقيت صامدة طوال فترة المعارك، وأن تنظيم داعش لم يتمكن من اقتحامها أو الاشتباك المباشر مع القوات الموجودة داخلها بسبب تحصيناتها القوية.

كما يرفض عناد تحميل العشائر مسؤولية المجزرة بصورة جماعية، معتبراً أن تنظيم داعش هو المسؤول الرئيس عن الجريمة، وأن العشائر كانت تضم في الوقت نفسه مقاومين للتنظيم وأفراداً انضموا إليه.

ويرى أن التحقيقات الرسمية لم تصل إلى المستوى المطلوب، مشيراً إلى وجود تساؤلات ما زالت مطروحة بشأن أعداد الضحايا والمفقودين ومواقع دفنهم.

شهادة ناجٍ من بين الجثث

من بين الناجين من المجزرة، يروي الجندي علي الصگري تفاصيل الساعات التي سبقت وقوع الكارثة، مؤكداً أنه لم يسمع أي قائد عسكري يصدر أمراً بالانسحاب من القاعدة، بل على العكس، كانت القيادات تحث الجنود على البقاء داخل القاعدة باعتبارها موقعاً محصناً وقادراً على الصمود.

ويقول الصگري إن وصول قوات عمليات صلاح الدين إلى القاعدة بأسلحتها وتجهيزاتها عزز شعور الجنود بالأمان، إلا أن أحاديث متزايدة بدأت تنتشر بينهم بشأن مغادرة القاعدة والعودة إلى محافظاتهم. 

ويضيف أن أشخاصاً وصفهم بـ”المندسين” لعبوا دوراً مؤثراً في دفع الجنود نحو هذا الخيار، حتى إنهم شجعوا العسكريين على التخلص من أسلحتهم وارتداء الملابس المدنية لتجنب لفت الانتباه.

وبحسب روايته، فإن الجنود شرعوا أثناء خروجهم برمي أسلحتهم وخلع زيهم العسكري، وعندما وصلوا إلى البوابة الرئيسية، التي كانت تحت سيطرة جهاز مكافحة الإرهاب، حاولت القوات المكلفة بحمايتها منعهم من المغادرة وإعادتهم إلى داخل القاعدة. 

ويؤكد أن بعض الجنود عادوا بالفعل، لكن المندسين أقنعوهم بالعودة مجدداً والاحتكاك بعناصر الجهاز، مرددين أن “هؤلاء جنود مثلنا ولن يقتلونا”.

ويشير إلى أن قوات مكافحة الإرهاب أطلقت النار في الهواء لتخويف الخارجين ومنعهم من المغادرة، إلا أنهم تمكنوا في النهاية من اجتياز البوابة. ويتذكر أن أحد ضباط الجهاز حذرهم قائلاً: “سيقتلونكم جميعاً وستجلبون العار لنا”.

وبعد مغادرتهم القاعدة، التقى الجنود بمجموعة من المدنيين الذين أرشدوهم إلى طرق مختلفة للخروج من المنطقة. ويقول الصگري إن الطريق الوحيد الذي أثبت لاحقاً أنه آمن كان الطريق المؤدي إلى ناحية العلم، بفضل المساعدة التي قدمها سكانها للجنود الفارين.

ويرى الصگري أن ما حدث لم يكن وليد لحظته، بل نتيجة تخطيط مسبق قاده أشخاص اندسوا بين الجنود وعملوا على التأثير فيهم لأيام عدة. 

ويضيف أن هؤلاء كانوا يطلبون من العسكريين التخلّص من أسلحتهم، معتبراً أن امتلاك الجنود حتى بضع بنادق كان يمكن أن يغيّر مسار الأحداث. 

وفيما يشير إلى وجود مؤيدين للتنظيم بين أبناء المنطقة، يرفض تحميل مدينة بكاملها مسؤولية ما حدث، مؤكداً أن كثراً من السكان خاطروا بحياتهم لإنقاذ الجنود، وأن بعضهم دفع حياته ثمناً لذلك.

وعن لحظات الإعدام، يروي الصگري أن الجنود اقتيدوا إلى أحد الأودية حيث تعرضوا لإطلاق نار كثيف وعشوائي. ويقول إنه سقط مع عشرات الشهداء إلى أسفل الوادي، وبقي هناك حتى حلول الليل، فيما كان عناصر التنظيم يتفقدون الموقع بحثاً عن ناجين.

وبعد ساعات من الاختباء، تمكن من التحرك بين الأشجار باتجاه نهر دجلة، حيث التقى ناجياً آخر يدعى عباس. ويقول إنهما واصلا طريق الهروب معاً، إلا أن عباس، الذي كان يعاني من إصابات تعرض لها أثناء محاولته النجاة، عجز لاحقاً عن مواصلة السير.

ويضيف أن رفيقه طلب منه إكمال الطريق بمفرده وإبلاغ عائلته بما حدث له، مؤكداً أنه لن يتمكن من الوصول إلى بر الأمان. وبعد تردد، اضطر الصگري إلى متابعة طريقه وحيداً.

ويؤكد أن نجاته لم تكن لتتحقق لولا المساعدة التي تلقاها من عدد من أهالي المنطقة، الذين أخفوه ونقلوه بين أكثر من منزل على الرغم من المخاطر الكبيرة التي كانت تهددهم. ويقول إن أحد سكان تكريت رفض تسليمه إلى عناصر داعش على الرغم من علمه بالعواقب، ثم نقله إلى ناحية العلم حيث بقي 16 يوماً لدى إحدى العائلات.

ويختتم شهادته بالحديث عن الرجل الذي تولى تهريبه من المنطقة، إذ استخرج له هوية باسم “عدنان خالد محمد العبيدي”، ورافقه عبر نحو 20 سيطرة أمنية متظاهراً بأنهما من عائلة نازحة قادمة من الحويجة باتجاه كركوك، في رحلة انتهت بوصوله إلى الأمان بعد نجاته من واحدة من أكثر المجازر دموية.

هوية المنفّذين

في مقابل الروايات التي تحمّل تنظيم داعش المسؤولية المباشرة عن المجزرة، تبرز مواقف أخرى تتحدث عن مشاركة عناصر محلية في تنفيذ الجريمة.

رئيس لجنة تخليد مجزرة سبايكر النائب عن تحالف الفتح(منظمة بدر) معين الكاظمي، يقول إن عدد المشاركين في الجريمة تجاوز الـ500 شخص، وإن السلطات العراقية تمكنت من إلقاء القبض على عدد منهم وإحالتهم إلى القضاء.

ويشير إلى أن عشرات المدانين صدرت بحقهم أحكام بالإعدام ونُفذ الحكم في عدد منهم، فيما لا تزال قضايا أخرى قيد الإجراءات القانونية.

ويؤكد الكاظمي أن الجريمة استمرت أياماً عدة بسبب عدد الضحايا الكبير، وأن أعمال البحث والتنقيب عن المقابر الجماعية تواصلت لسنوات بعد تحرير تكريت.

ويحمّل الكاظمي مسؤولية استدراج الضحايا إلى القصور الرئاسية لعناصر وصفهم بأنهم من أتباع النظام السابق ومتعاونين مع التنظيم من أبناء المنطقة.

المقابر الجماعية

بعد استعادة مدينة تكريت من تنظيم داعش، بدأت السلطات العراقية عمليات واسعة للبحث عن المقابر الجماعية المرتبطة بالمجزرة.

ويشرح النائب معين الكاظمي إن فرق البحث والتنقيب التابعة لدائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية في مؤسسة الشهداء، تمكنت خلال السنوات الماضية من انتشال ما يقارب الـ1400 رفات من 16 مقبرة جماعية عُثر عليها داخل القصور الرئاسية ومحيطها.

وبحسب الكاظمي، نُقلت الرفات إلى دائرة الطب العدلي لإجراء فحوص الحمض النووي ومطابقتها مع عينات ذوي الضحايا، ما ساهم في التعرف على نحو 1200 ضحية وتسليم رفاتهم إلى عائلاتهم.

ويضيف أن ما يقارب الـ600 شخص ما زالوا في عداد المفقودين، مرجحاً أن يكون بعضهم قد أُلقي في نهر دجلة أو ما زال مدفوناً في مواقع لم تُكتشف بعد.

ويؤكد أن جميع الضحايا، سواء عُثر على رفاتهم أم لم يُعثر عليها، اعتُبروا شهداء بموجب القانون، وصُرفت لعائلاتهم الحقوق التقاعدية والتعويضات المقررة.

ملف لم يُغلق بعد

من جانبه، يؤكد مدير قسم العلاقات والإعلام في المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق سرمد البدري، لـ”درج”، أن مجزرة سبايكر تمثل واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها العراق الحديث.

ويقول إن المفوضية تواصل إحياء ذكرى الجريمة سنوياً، إلى جانب متابعة ملفات الضحايا والمفقودين والعمل على ضمان عدم إفلات المتورطين من المساءلة.

ويشير البدري إلى أن جهوداً كبيرة بذلتها مؤسسة الشهداء ودائرة الطب العدلي والأجهزة الأمنية ومنظمات المجتمع المدني لتوثيق الجريمة وجمع الأدلة المتعلقة بها، فضلاً عن التعاون مع فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن جرائم داعش (يونيتاد).

ويضيف أن ملف المقابر الجماعية لا يزال يواجه تحديات فنية ولوجستية كبيرة، إذ توجد مواقع لم تُفتح بالكامل حتى الآن، كما أن بعض الضحايا دُفنوا في قبور فردية أو جرفت المياه رفاتهم إلى أماكن أخرى.

ويوضح أن عمليات مطابقة الحمض النووي ما زالت مستمرة، وأن عدداً من الرفات لم تُحسم هويته بشكل نهائي بسبب تعقيدات الفحوص أو نقص العينات المرجعية.

ويرى البدري أن التعويضات المالية والإجراءات القانونية التي اتخذتها الدولة تمثل جانباً مهماً من جبر الضرر، لكنها لا تكفي لمعالجة الآثار النفسية والاجتماعية العميقة التي خلفتها الجريمة.

ويشير إلى أن كثيراً من عائلات الضحايا ما زالت تعاني من آثار الصدمة، وسط نقص في برامج الدعم النفسي وإعادة التأهيل المخصصة للأمهات والآباء والزوجات والأبناء الذين فقدوا ذويهم.

ويؤكد استمرار الجهود الأمنية والقضائية لملاحقة المطلوبين داخل العراق وخارجه، مشيراً إلى أن عدداً من المتهمين أُلقي القبض عليهم خلال السنوات الماضية، فيما لا يزال آخرون فارين وتُبذل مساعٍ لاستردادهم ومحاكمتهم.

جرح لم يندمل

بعد أكثر من اثني عشر عاماً على المجزرة، لا تزال سبايكر حاضرة في ذاكرة العراقيين بوصفها واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ البلاد الحديث.

وعلى الرغم من العثور على مئات الرفات وإصدار آلاف الوثائق الرسمية الخاصة بالضحايا، فإن الملف لم يُغلق بعد. فهناك عائلات ما زالت تنتظر نتائج فحوص الحمض النووي، وأخرى لم تتسلم رفات أبنائها حتى الآن، فيما تتواصل عمليات البحث عن مقابر جديدة قد تحمل إجابات طال انتظارها.

وحتى اليوم لا تزال عائلات كثيرة، بينها عائلة أحمد كامل جبار، تعيش على وقع الفاجعة، في ظل استمرار جهود التعرف على الرفات واستكمال ملفات الضحايا، أملاً بأن يُغلق هذا الملف الإنساني المؤلم الذي ما زال حاضراً في ذاكرة العراقيين.

11.06.2026
زمن القراءة: 9 minutes

من بين الناجين من مجزرة سبايكر، يروي الجندي علي الصگري تفاصيل الساعات التي سبقت وقوع الكارثة، مؤكداً أنه لم يسمع أي قائد عسكري يصدر أمراً بالانسحاب من القاعدة، بل على العكس، كانت القيادات تحث الجنود على البقاء داخل القاعدة باعتبارها موقعاً محصناً وقادراً على الصمود.


في ظهيرة الثاني عشر من حزيران/ يونيو 2014، كانت عائلة أحمد كامل جبار تنتظر عودته إلى المنزل. الشاب القادم من محافظة المثنى كان أخبر أهله عبر الهاتف أنه في طريقه إليهم بعد تدهور الأوضاع الأمنية في صلاح الدين. لم تكن والدته تعلم أن تلك المكالمة ستكون الأخيرة.

تروي شقيقته فاطمة كامل تفاصيل الساعات الأخيرة قبل اختفائه، قائلة إن أحمد كان التحق حديثاً بالخدمة العسكرية، وكان يحاول أن يبني مستقبله بأي وسيلة تضمن له حياة كريمة. وفي الليلة التي سبقت الكارثة، أخبرهم بأن معسكر تكريت تعرض للقصف وأنهم انتقلوا إلى قاعدة سبايكر.

تقول فاطمة إن الاتصال استمر بين أحمد ووالدها حتى ساعات الفجر الأولى، قبل أن ينقطع مؤقتاً. وفي صباح اليوم التالي عاد ليتواصل معهم مجدداً، مؤكداً أنه سيعود إلى أهله، وأنهم في طريقهم إلى المغادرة.

وتضيف أن أحمد أبلغهم لاحقاً بأن مجموعة من المسلحين عند إحدى السيطرات المدنية أخبروا الجنود بأنهم سيتولون إيصالهم إلى مناطقهم، قبل أن يُنقلون في سيارات كبيرة، وهو ما ظهر لاحقاً في مقاطع الفيديو التي وثقت المجزرة.

عند الساعة الثانية ظهراً تقريباً، وبينما كانت العائلة تنتظره على مائدة الغداء، اتصل أحمد بوالده وطلب التحدث إلى والدته. شعرت الأم بأن شيئاً غير طبيعي يحدث. وحين تحدثت إليه سمعته يبكي وهو يقول: “أنا راح أروح… بعد متشوفوني”.

بعد الحادثة واصل أفراد العائلة الاتصال بهاتفه لأيام، قبل أن يرد عليهم شخص قال إنه من تنظيم داعش، مهدداً بقتل أحمد إذا استمروا بالاتصال على الرقم.

وتؤكد فاطمة أن شقيقها، المولود عام 1991، لا يزال حتى اليوم في عداد المفقودين، على الرغم من اعتباره رسمياً من شهداء سبايكر. وتشير إلى أن العائلة قدمت عينات الحمض النووي أملاً  بالعثور على رفاته، لكن سنوات الانتظار الطويلة لم تمنحها حتى الآن إجابة حاسمة عن مصيره.

وتقول إن كثيراً من الجثامين التي عُثر عليها تم التعرف عليها من خلال فحوص الحمض النووي، فيما لا تزال عائلات أخرى، بينها عائلتها، تنتظر اتصالاً قد يحمل خبراً عن أبنائها بعد أكثر من عقد على الجريمة.

واحدة من أكبر المجازر في تاريخ العراق

في 12 حزيران/ يونيو 2014 ارتكب تنظيم داعش مجزرة سبايكر التي راح ضحيتها ما بين 1095 و1700 طالب عسكري، وفق تقديرات مختلفة، بعد يومين فقط من سيطرة التنظيم على مدينة الموصل ويوم واحد من سقوط مدينة تكريت.

وكان آلاف الطلاب العسكريين غير المسلحين أو محدودي التسليح موجودين داخل قاعدة سبايكر ومحيطها عندما انهارت الأوضاع الأمنية في المحافظة. وتشير روايات متعددة إلى أن عناصر التنظيم عمدوا إلى فرز الضحايا على أساس طائفي قبل تنفيذ عمليات الإعدام الجماعي بحقهم.

وحتى اليوم لا تزال المجزرة تُعد من أعنف الجرائم الإرهابية التي شهدها العراق في تاريخه الحديث.

وبحسب معطيات رسمية، أسر تنظيم داعش ما بين ألفين و2200 من منتسبي الفرقة الثامنة عشرة المكلفة بحماية منشآت وأنابيب النفط في المنطقة، بعد سيطرته على تكريت. ونُقل عدد كبير منهم إلى القصور الرئاسية في المدينة، حيث تعرضوا لعمليات إعدام جماعية، فيما قُتل آخرون في مواقع مختلفة، وأفيد بأن بعض الضحايا دُفنوا وهم أحياء.

وصوّر التنظيم أجزاء واسعة من الجريمة ونشرها لاحقاً عبر تسجيلات مصورة وثقت عمليات النقل والإعدام الجماعي.

في المقابل، تمكن عدد من الجنود والطلاب العسكريين من النجاة بطرق مختلفة، أبرزها عبر الوصول إلى ناحية العلم شرق تكريت، التي بقيت خارج سيطرة التنظيم آنذاك. وهناك ساعدتهم عشائر المنطقة، ولا سيما أبناء قبيلة الجبور، عبر توفير المأوى والمستمسكات اللازمة وتأمين طرق خروجهم إلى مناطق أكثر أمناً.

كما تحدث ناجون عن تعرض الجنود لعمليات خداع وإيهام بأن الطرق المؤدية إلى محافظاتهم آمنة، وهو ما أدى إلى وقوع أعداد كبيرة منهم في قبضة التنظيم.

جدل مستمر حول المسؤولية

أثارت مجزرة سبايكر منذ وقوعها جدلاً واسعاً بشأن المسؤوليات العسكرية والأمنية التي سبقت الكارثة، قائد عمليات صلاح الدين آنذاك، الفريق الركن علي الفريجي، نفى إصدار أي أمر بالانسحاب من قاعدة سبايكر، مؤكداً أن ما حدث كان نتيجة حالة فوضى بين الجنود وحرس البوابات، أدت إلى خروج أعداد كبيرة منهم من القاعدة.

وقال الفريجي إنه بقي مع مجموعة من الضباط والجنود داخل القاعدة لمواصلة القتال، داعياً إلى الاستماع لشهادات جميع العسكريين الذين كانوا موجودين هناك للحكم على ما حدث.

أما وزير الدفاع الأسبق جمعة عناد، الذي كان حينها ضابطاً ميدانياً في المنطقة، فيروي أن الفوضى بدأت عقب وصول أنباء سقوط الموصل ثم تكريت، وأن معنويات الجنود تراجعت بشكل كبير نتيجة الشائعات والأخبار المتداولة عن انهيار القطعات العسكرية.

ويقول إن قرار الانتقال إلى قاعدة سبايكر جاء لأنها كانت أكثر المواقع تحصيناً وقدرة على الصمود، مشيراً إلى أنها كانت تضم خنادق وسواتر وأبراج مراقبة ومنظومات دفاعية متعددة.

ويضيف أن المشكلة الأساسية لم تكن في ضعف تحصينات القاعدة، بل في إصرار أعداد كبيرة من الجنود على مغادرتها والعودة إلى ذويهم، على الرغم من محاولات القادة إقناعهم بالبقاء.

ويؤكد عناد أن الجنود الذين غادروا القاعدة عمد كثير منهم إلى رمي أسلحتهم وخلع ملابسهم العسكرية وارتداء الملابس المدنية أملاً في الوصول إلى مناطقهم من دون إثارة الشبهات.

وبحسب روايته، فإن القوات المكلفة بحماية بوابات القاعدة، ومنها وحدات جهاز مكافحة الإرهاب، حاولت منعهم من المغادرة، بل أطلقت النار في الهواء لإجبارهم على العودة، إلا أن ذلك لم ينجح.

ويشير إلى أن القاعدة بقيت صامدة طوال فترة المعارك، وأن تنظيم داعش لم يتمكن من اقتحامها أو الاشتباك المباشر مع القوات الموجودة داخلها بسبب تحصيناتها القوية.

كما يرفض عناد تحميل العشائر مسؤولية المجزرة بصورة جماعية، معتبراً أن تنظيم داعش هو المسؤول الرئيس عن الجريمة، وأن العشائر كانت تضم في الوقت نفسه مقاومين للتنظيم وأفراداً انضموا إليه.

ويرى أن التحقيقات الرسمية لم تصل إلى المستوى المطلوب، مشيراً إلى وجود تساؤلات ما زالت مطروحة بشأن أعداد الضحايا والمفقودين ومواقع دفنهم.

شهادة ناجٍ من بين الجثث

من بين الناجين من المجزرة، يروي الجندي علي الصگري تفاصيل الساعات التي سبقت وقوع الكارثة، مؤكداً أنه لم يسمع أي قائد عسكري يصدر أمراً بالانسحاب من القاعدة، بل على العكس، كانت القيادات تحث الجنود على البقاء داخل القاعدة باعتبارها موقعاً محصناً وقادراً على الصمود.

ويقول الصگري إن وصول قوات عمليات صلاح الدين إلى القاعدة بأسلحتها وتجهيزاتها عزز شعور الجنود بالأمان، إلا أن أحاديث متزايدة بدأت تنتشر بينهم بشأن مغادرة القاعدة والعودة إلى محافظاتهم. 

ويضيف أن أشخاصاً وصفهم بـ”المندسين” لعبوا دوراً مؤثراً في دفع الجنود نحو هذا الخيار، حتى إنهم شجعوا العسكريين على التخلص من أسلحتهم وارتداء الملابس المدنية لتجنب لفت الانتباه.

وبحسب روايته، فإن الجنود شرعوا أثناء خروجهم برمي أسلحتهم وخلع زيهم العسكري، وعندما وصلوا إلى البوابة الرئيسية، التي كانت تحت سيطرة جهاز مكافحة الإرهاب، حاولت القوات المكلفة بحمايتها منعهم من المغادرة وإعادتهم إلى داخل القاعدة. 

ويؤكد أن بعض الجنود عادوا بالفعل، لكن المندسين أقنعوهم بالعودة مجدداً والاحتكاك بعناصر الجهاز، مرددين أن “هؤلاء جنود مثلنا ولن يقتلونا”.

ويشير إلى أن قوات مكافحة الإرهاب أطلقت النار في الهواء لتخويف الخارجين ومنعهم من المغادرة، إلا أنهم تمكنوا في النهاية من اجتياز البوابة. ويتذكر أن أحد ضباط الجهاز حذرهم قائلاً: “سيقتلونكم جميعاً وستجلبون العار لنا”.

وبعد مغادرتهم القاعدة، التقى الجنود بمجموعة من المدنيين الذين أرشدوهم إلى طرق مختلفة للخروج من المنطقة. ويقول الصگري إن الطريق الوحيد الذي أثبت لاحقاً أنه آمن كان الطريق المؤدي إلى ناحية العلم، بفضل المساعدة التي قدمها سكانها للجنود الفارين.

ويرى الصگري أن ما حدث لم يكن وليد لحظته، بل نتيجة تخطيط مسبق قاده أشخاص اندسوا بين الجنود وعملوا على التأثير فيهم لأيام عدة. 

ويضيف أن هؤلاء كانوا يطلبون من العسكريين التخلّص من أسلحتهم، معتبراً أن امتلاك الجنود حتى بضع بنادق كان يمكن أن يغيّر مسار الأحداث. 

وفيما يشير إلى وجود مؤيدين للتنظيم بين أبناء المنطقة، يرفض تحميل مدينة بكاملها مسؤولية ما حدث، مؤكداً أن كثراً من السكان خاطروا بحياتهم لإنقاذ الجنود، وأن بعضهم دفع حياته ثمناً لذلك.

وعن لحظات الإعدام، يروي الصگري أن الجنود اقتيدوا إلى أحد الأودية حيث تعرضوا لإطلاق نار كثيف وعشوائي. ويقول إنه سقط مع عشرات الشهداء إلى أسفل الوادي، وبقي هناك حتى حلول الليل، فيما كان عناصر التنظيم يتفقدون الموقع بحثاً عن ناجين.

وبعد ساعات من الاختباء، تمكن من التحرك بين الأشجار باتجاه نهر دجلة، حيث التقى ناجياً آخر يدعى عباس. ويقول إنهما واصلا طريق الهروب معاً، إلا أن عباس، الذي كان يعاني من إصابات تعرض لها أثناء محاولته النجاة، عجز لاحقاً عن مواصلة السير.

ويضيف أن رفيقه طلب منه إكمال الطريق بمفرده وإبلاغ عائلته بما حدث له، مؤكداً أنه لن يتمكن من الوصول إلى بر الأمان. وبعد تردد، اضطر الصگري إلى متابعة طريقه وحيداً.

ويؤكد أن نجاته لم تكن لتتحقق لولا المساعدة التي تلقاها من عدد من أهالي المنطقة، الذين أخفوه ونقلوه بين أكثر من منزل على الرغم من المخاطر الكبيرة التي كانت تهددهم. ويقول إن أحد سكان تكريت رفض تسليمه إلى عناصر داعش على الرغم من علمه بالعواقب، ثم نقله إلى ناحية العلم حيث بقي 16 يوماً لدى إحدى العائلات.

ويختتم شهادته بالحديث عن الرجل الذي تولى تهريبه من المنطقة، إذ استخرج له هوية باسم “عدنان خالد محمد العبيدي”، ورافقه عبر نحو 20 سيطرة أمنية متظاهراً بأنهما من عائلة نازحة قادمة من الحويجة باتجاه كركوك، في رحلة انتهت بوصوله إلى الأمان بعد نجاته من واحدة من أكثر المجازر دموية.

هوية المنفّذين

في مقابل الروايات التي تحمّل تنظيم داعش المسؤولية المباشرة عن المجزرة، تبرز مواقف أخرى تتحدث عن مشاركة عناصر محلية في تنفيذ الجريمة.

رئيس لجنة تخليد مجزرة سبايكر النائب عن تحالف الفتح(منظمة بدر) معين الكاظمي، يقول إن عدد المشاركين في الجريمة تجاوز الـ500 شخص، وإن السلطات العراقية تمكنت من إلقاء القبض على عدد منهم وإحالتهم إلى القضاء.

ويشير إلى أن عشرات المدانين صدرت بحقهم أحكام بالإعدام ونُفذ الحكم في عدد منهم، فيما لا تزال قضايا أخرى قيد الإجراءات القانونية.

ويؤكد الكاظمي أن الجريمة استمرت أياماً عدة بسبب عدد الضحايا الكبير، وأن أعمال البحث والتنقيب عن المقابر الجماعية تواصلت لسنوات بعد تحرير تكريت.

ويحمّل الكاظمي مسؤولية استدراج الضحايا إلى القصور الرئاسية لعناصر وصفهم بأنهم من أتباع النظام السابق ومتعاونين مع التنظيم من أبناء المنطقة.

المقابر الجماعية

بعد استعادة مدينة تكريت من تنظيم داعش، بدأت السلطات العراقية عمليات واسعة للبحث عن المقابر الجماعية المرتبطة بالمجزرة.

ويشرح النائب معين الكاظمي إن فرق البحث والتنقيب التابعة لدائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية في مؤسسة الشهداء، تمكنت خلال السنوات الماضية من انتشال ما يقارب الـ1400 رفات من 16 مقبرة جماعية عُثر عليها داخل القصور الرئاسية ومحيطها.

وبحسب الكاظمي، نُقلت الرفات إلى دائرة الطب العدلي لإجراء فحوص الحمض النووي ومطابقتها مع عينات ذوي الضحايا، ما ساهم في التعرف على نحو 1200 ضحية وتسليم رفاتهم إلى عائلاتهم.

ويضيف أن ما يقارب الـ600 شخص ما زالوا في عداد المفقودين، مرجحاً أن يكون بعضهم قد أُلقي في نهر دجلة أو ما زال مدفوناً في مواقع لم تُكتشف بعد.

ويؤكد أن جميع الضحايا، سواء عُثر على رفاتهم أم لم يُعثر عليها، اعتُبروا شهداء بموجب القانون، وصُرفت لعائلاتهم الحقوق التقاعدية والتعويضات المقررة.

ملف لم يُغلق بعد

من جانبه، يؤكد مدير قسم العلاقات والإعلام في المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق سرمد البدري، لـ”درج”، أن مجزرة سبايكر تمثل واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها العراق الحديث.

ويقول إن المفوضية تواصل إحياء ذكرى الجريمة سنوياً، إلى جانب متابعة ملفات الضحايا والمفقودين والعمل على ضمان عدم إفلات المتورطين من المساءلة.

ويشير البدري إلى أن جهوداً كبيرة بذلتها مؤسسة الشهداء ودائرة الطب العدلي والأجهزة الأمنية ومنظمات المجتمع المدني لتوثيق الجريمة وجمع الأدلة المتعلقة بها، فضلاً عن التعاون مع فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن جرائم داعش (يونيتاد).

ويضيف أن ملف المقابر الجماعية لا يزال يواجه تحديات فنية ولوجستية كبيرة، إذ توجد مواقع لم تُفتح بالكامل حتى الآن، كما أن بعض الضحايا دُفنوا في قبور فردية أو جرفت المياه رفاتهم إلى أماكن أخرى.

ويوضح أن عمليات مطابقة الحمض النووي ما زالت مستمرة، وأن عدداً من الرفات لم تُحسم هويته بشكل نهائي بسبب تعقيدات الفحوص أو نقص العينات المرجعية.

ويرى البدري أن التعويضات المالية والإجراءات القانونية التي اتخذتها الدولة تمثل جانباً مهماً من جبر الضرر، لكنها لا تكفي لمعالجة الآثار النفسية والاجتماعية العميقة التي خلفتها الجريمة.

ويشير إلى أن كثيراً من عائلات الضحايا ما زالت تعاني من آثار الصدمة، وسط نقص في برامج الدعم النفسي وإعادة التأهيل المخصصة للأمهات والآباء والزوجات والأبناء الذين فقدوا ذويهم.

ويؤكد استمرار الجهود الأمنية والقضائية لملاحقة المطلوبين داخل العراق وخارجه، مشيراً إلى أن عدداً من المتهمين أُلقي القبض عليهم خلال السنوات الماضية، فيما لا يزال آخرون فارين وتُبذل مساعٍ لاستردادهم ومحاكمتهم.

جرح لم يندمل

بعد أكثر من اثني عشر عاماً على المجزرة، لا تزال سبايكر حاضرة في ذاكرة العراقيين بوصفها واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ البلاد الحديث.

وعلى الرغم من العثور على مئات الرفات وإصدار آلاف الوثائق الرسمية الخاصة بالضحايا، فإن الملف لم يُغلق بعد. فهناك عائلات ما زالت تنتظر نتائج فحوص الحمض النووي، وأخرى لم تتسلم رفات أبنائها حتى الآن، فيما تتواصل عمليات البحث عن مقابر جديدة قد تحمل إجابات طال انتظارها.

وحتى اليوم لا تزال عائلات كثيرة، بينها عائلة أحمد كامل جبار، تعيش على وقع الفاجعة، في ظل استمرار جهود التعرف على الرفات واستكمال ملفات الضحايا، أملاً بأن يُغلق هذا الملف الإنساني المؤلم الذي ما زال حاضراً في ذاكرة العراقيين.