ما إن أقرّت الدولة اللبنانية خطّة إعادة الإعمار، في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2024، حتى ارتفعت الأصوات والتوصيات حول الأولويات المناطقية والمرفقية، التي يجب أن يشملها هذا الإعمار. فالدمار الذي تسبّبت به الحرب الإسرائيلية على لبنان طاول مناطق كثيرة، وزُهقت فيه أرواح الآلاف من البشر، وفي حين ما زال اللبنانيون يعيشون على وقع الخسائر والنزوح والتهجير، نطرح واحدة من أهم التوصيات، وهي مسألة التعافي المجتمعي، كضرورة ملحّة لا تقلّ أهمّيتها عن الإصلاح المادّي.
تتّسم مسألة التعافي المجتمعي من آثار الحرب بأهمّية بالغة، كونها تضع الإصبع على جرح الجنوبيين ومعاناتهم، فإذا كان الإصلاح المادّي يسهّل عودتهم إلى منازلهم وبلداتهم وحقولهم وزرعهم، يبقى التعافي المجتمعي ضرورة ملحّة لاستقرار مجتمعهم، والدفع به نحو تأسيس رأسمال ثقافي ومؤسّساتي في مختلف المجالات.
ولأن ثقافة أيّ شعب تعكس حضارته وديناميته، حريّ بنا في السياق المذكور أن نطرح توصيات لدعم الحياة الثقافية وتنشيطها في جبل عامل، لفاعليتها العميقة في التعافي المجتمعي من تأثيرات الحرب.
ولا عجب أن يُولي مهتمّون بقضايا السلام، شأناً رفيعاً لدور الثقافة، وكلّ ما يتّصل بها من فنون بصرية وسمعية وحركية، كوسيلة آمنة لمخاطبة الشعوب بعد الحرب.
مكتبات جبل عامل ونواديه إرث متجدّد
تبدو الدعوة إلى دعم الحياة الثقافية وتعزيزها في جبل عامل شأناً ملحّاً، تستأنف ما كان من حياة ثقافية ناشطة، فلطالما كان هذا الجبل مسرحاً للمفكّرين والأدباء والشعراء والباحثين المتبحّرين في أمور العلم، وكانت المكتبات الخاصّة في عدد من البيوتات الدينية الشيعية موئلاً للكثيرين، من بينها مكتبة آل الأمين وضاهر وتقي وصادق والصبّاح وآل صفا وغيرهم.
في كتابه “مسائل في أحوال الجنوب اللبناني – جبل عامل”، يرى المؤرّخ منذر جابر أن الحركة الفكرية في جبل عامل في الحقبة الممتدّة بين (1920- 1943) اتّسمت بـ “غزارة لافتة في الإنتاج، ونسبة كاسحة من هذا الإنتاج ما زالت مكنونة في خزائن البيوتات الخاصّة والمكتبات العائلية، أو مطوية في المكتبات العامّة في العراق وإيران والهند”.
وتركّز الإنتاج في “مجالات الفقه الإسلامي، والكتابة التاريخية، والنشاط الأدبي”، وتمثّل جانب من النشاط الثقافي في جبل عامل أيضاً، في الدوريات والمجلات، ومن بينها “العرفان”، التي يصفها جابر بأنها كانت “مطلاً للعامليين على مختلف الأقلام والاتجاهات الثقافية العربية”، إذ كانت تنشر في صفحاتها مواضيع في الأدب والرواية والفكر، حتى أن أقلام كلّ من: طه حسين وعبّاس محمود العقّاد ومحمّد حسن الزيات ومحمود تيمور واسماعيل مظهر ومصطفى صادق الرافعي ومصطفى لطفي المنفلوطي، أصبحت من “حواضر الثقافة المحلّية العاملية”، ما أدّى إلى وضع “العرفان” على “خارطة الثقافة العربية” آنذاك.
بين أربعينات القرن العشرين وستيناته، تحوّلت المكتبات الخاصّة في معظمها إلى عامّة، ونُظّمت في عدد منها ندوات ثقافية وفكرية متنوّعة. أما اللافت في الأمر، فهو أن معظم القرى والبلدات في الحقبة المذكورة، على رغم ما كانت تعانيه من نقص حادّ في غالبية المرافق الحيوية، الكهرباء والمياه والطرقات والمدارس والمستشفيات، لم تخلُ من النشاطات الثقافية والفنّية على وجه الخصوص، التي تنظّمها النوادي في البلدات، لا سيما في المدارس الرسمية، نهاية كلّ عام دراسي، حيث تتبارى فرق الدبكة في ما بينها، فيما ترتفع الأصوات في الشعر والغناء وتُعرض المسرحيات، في احتفالات يحضرها الأهالي والطلاب.
عشق الجنوبيون أيضاً الزجل، إذ كانوا يقصدون حفلات زين شعيب وزغلول الدامور أينما عُقدت. كلّ منهم يحمل مسجّلته لكي لا يفوته أي من الردّات. هكذا كانت الفنون جزءاً من حياة الجنوبيين، تخفّف عن كاهلهم قحط المواسم وتعب الحقول وانتظار غلّة التبغ.
بين الأيديولوجيات اليسارية والدينية
في ستينات القرن العشرين، تأثّر المناخ الفكري في جبل عامل بالتيّارات القومية والماركسية، التي قدّمت برامج تغييرية للنظام السياسي اللبناني، كما دعمت المنظّمات الفلسطينية آنذاك. تنامى الفكر الملتزم بالقضايا الوطنية بعد هزيمة 1967، ما أدّى إلى تحوّلات في الثقافة المجتمعية. ارتفعت الأصوات المنادية بالتحرّر من تبعات الإقطاع، والداعية إلى تبنّي الفكر الثوري المتمرّد على كلّ ما هو تقليدي، وفي خضم هذا التحوّل، كان الجنوب مسرحاً للقصف الإسرائيلي اليومي.
كانت ثمانينات القرن العشرين المنصرم، هي الحدّ الفاصل بين زمنين ثقافيين في تاريخ جبل عامل. كان تراجع الأحزاب اليسارية وصعود الأيديولوجيات الدينية السياسية، بمثابة انقلاب في المشهد الثقافي، وقد غدت النشاطات تجري وفاقاً للتوجّهات الدينية والسياسية، تخدم أفكارها في المدارس والمكتبات والأندية والمرافق العامّة والمؤسّسات الاجتماعية.
عكست الثقافة الدينية تأثيراتها العميقة في كلّ مناحي الحياة في جبل عامل، وظهرت تمثّلاتها في المجال العامّ، في المظهر والسلوك والزيّ والاستهلاك. في المقابل، صار كلّ نشاط مغاير للأيديولوجيا الدينية عرضة للتضييق والمنع. هكذا خبت النشاطات الفنّية والموسيقية والمسرحية في جبل عامل لحقبة زمنية طويلة، وأصبح معظمها، إذا وُجد، بلون واحد واتّجاه واحد.
الحرب ليست قدراً
في المقابل، لم تكن الحرب ولا النزوح ولا ضعف النشاط الثقافي لتمثّل قدراً، فإن ما ساد في أكثر بلدات الجنوب لم يشمل العامليين قاطبة، ففي مقلب آخر من الجغرافيا، بقيت النخب العاملية المنتشرة في بيروت، على حالها القديم من التنوّع والتعدّد في الأفكار وفي النشاطات، إذ ساهم أدباء وفنّانون وأهل مسرح وموسيقيون ومفكّرون أصولهم من جبل عامل، في الحركة الثقافية والفنّية اللبنانية بنسب كبيرة، وبقوّة في مختلف مجالات العلم والفنّ والفكر في لبنان والعالم العربي.
بدايات جديدة
يفتح ملفّ إعادة الإعمار أفقاً جديداً، يجب أن تواكبه نهضة ثقافية مطلوبة في جبل عامل، تعد بخطوات على درب التعافي النفسي والمجتمعي من الآثار الوحشية التي خلّفتها الحرب الإسرائيلية.
أهل هذا الجبل لم يكفّوا يوماً عن صنع البدايات، التي نرى اليوم تمثّلاتها في النشاطات الثقافية والفنّية والفكرية المتنوّعة، والتي تنظّمها نوادٍ ثقافية، منها القديم، ومنها ما تأسّس حديثاً بمبادرات فردية، وتستقطب هذه النوادي شرائح شبابية من محبّي الاطّلاع والقراءة والفنون على أنواعها، وتستضيف الكتّاب والشعراء والروائيين دورياً وتناقش أعمالهم، نذكر من بينها على سبيل المثال: “ديوان الأدب” و”المجلس الثقافي للبنان الجنوبي” و”صالون الكتاب” و”نادي السينما” في النبطية، “نادي أنصار للقرّاء” في بلدة أنصار، في صور “منتدى صور الثقافي” و”منتدى الفكر والأدب”، ونادي “الموسيقى تجمعنا” الذي يهتمّ بالأنشطة الموسيقية، إضافة إلى “مركز المطالعة والتنشيط الثقافي” في صور أيضاً، وهو أحد المرافق الثقافية التي تستقبل الروّاد الراغبين في المطالعة والبحث. إضافة إلى جمعية “تيرو للفنون” التي تواظب على تأسيس المسارح في مختلف المدن اللبنانية، كان آخرها تحويل سينما الكوليزيه في شارع الحمرا في بيروت إلى مسرح شعبي.
في بلدة كفر رمان، التي تعيش على وقع القصف اليومي، اقتطع الفنّان حسين شكرون مساحة من حديقة بيته وحقّق مشروعه المنتظر ليكون “مسرح في الهواء الطلق”، خصّصه لمختلف الراغبين في التعبير عن مواهبهم، إضافة إلى الكثير من النوادي والجمعيات والمكتبات التي يضيق المجال هنا لذكرها.
يُلاقي تأسيس النوادي والمكتبات في البلدات والقرى والمدن الجنوبية، وقعاً إيجابياً في مزاج الجنوبيين الخارجين لتوّهم من حرب ضارية، فيما يبدو أن تأسيس المزيد منها اتّخذ ما يشبه العدوى. ما يعكس أهمّية الدور الذي تؤدّيه النشاطات الثقافية في مسألة التعافي المجتمعي في البلدات والقرى.
هكذا تبدو أهمّية دعم الحياة الثقافية في جبل عامل في عمليّة إعادة الإعمار، ضرورة للمضيّ في تأسيس ذاكرة جمعية ثقافية، قد تستأنف وتؤسّس لتاريخ ثقافي جديد لجبل عامل، تحضر فيه الدولة في تفاصيل حياة الجنوبيين، بعدما عانى أهله ما عانوه من ويلات الحروب، وها هم اليوم يستحقّون أن يستعيدوا دورهم القديم في الثقافة والفنون، الذي باشروا تأسيسه منذ زمن طويل.








