ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

في ظلّ قلعة الشقيف: جمالٌ وخوفٌ وقُبح

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا خلاص مع “مقاومة” ترى الانتحار بطولة والاعتراف بالواقع خيانة، وتصرّ على السلاح سبيلاً وحيداً في وجه عدوّ أقوى عسكرياً بما لا يقاس، لكن لا نجاة أيضاً مع مواقف تعتبر السيادة الإسرائيلية واقعاً لا سبيل للتعامل معه سوى الاستسلام. لا المقاومة سلاحٌ فقط ولا الخيارات محصورةٌ بين الانبطاح أو الانتحار. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يُنقل عن كارل ماركس أن التاريخَ يكررُ نفسه، المرة الأولى كمأساة والثانية كمهزلة. هذا ما ذكرني به صديقي الذي قاتل، هو وأخواه، مع الحزب الشيوعي اللبناني في الحرب الأهلية اللبنانية.

 خبر احتلال الإسرائيليين مجدداً قلعة الشقيف نهاية شهر أيار/ مايو الماضي قادني إليه، إذ كان ابن الأسرة الشيعية العريقة، “السيد”، ذا النسب النبوي الذي مر بالماركسية في شبابه، متمركزاً مع مقاتلين آخرين في القلعة الصليبية خلال إحدى موجات الاشتباكات مع إسرائيل عام 1980. لحسن حظه انسحبت مجموعته المقاتلة قبل وصول الإٍسرائيليين، لكن لسوء حظ سواه، حلّت محلّهم جماعة أخرى من مقاتلي الحزب، وهذه، باستثتاء ناجٍ وحيد، أُبيدت عن بكرة أبيها.  

سمعتُ القصة قبل أكثر من عشرين عاماً، بينما كان صديقي يطوف بي في قرى الجنوب اللبناني وسهوله وتلاله، حيثما نظرتَ وجدتَ صوراً لشهداء. أذكر أنهم في غالبيتهم كانوا منسوبين إلى حزب الله. وعرفتُ لاحقاً أن بعض هؤلاء لم يكن مرتبطاً بالحزب، لكن الأخير هو من استعاد رفاتهم. 

الجنوب اللبناني ساحة ذكريات دمٍ وعنف. هنا كانت معركة مع إسرائيل، هناك قرية دمرها الإسرائيليون أكثر من مرة، هذه صورة شهيدٌ لاقى ربه في قتال معهم. كم هو متناقضٌ جمال هذه البلاد مع ماضيها؟ كم هو رمزي أن الاسم الأصلي لقلعة الشقيف عند بُناتها الصليبيين هو Beaufort: القلعة الجميلة. المكان جميل، أما التاريخ والواقع فشأنٌ آخر. عدا ما ذكرنا، على مسافة أقل من ساعة ونصف الساعة بالسيارة من القلعة الصليبية تقع بلدة قانا، حيث حوّل السيد المسيح، حسب العهد الجديد، الماء إلى خمرٍ معتّق، وحيث أبادت إسرائيل عشرات المدنيين وجرحت أكثر من ألف ومئتين منهم في ربيع عام 1996 في أحد ملاجئ القوات الدولية المخصصة للمدنيين، بطريق “الخطأ”، إذ أطلقت على الموقع الأممي خمس قذائف متتالية (و قصفت في اليوم نفسه أحياءً في مدينة النبطية القريبة، مما أودى بتسعة أرواح). يوم آخر جنوب-لُبناني غارقٌ في الدم، واحد من مئاتٍ، بل و ربما آلاف. 

تندر صديقي بمرارة على تكرار المآسي، على إعادة التجربة بالعناصر نفسها؛ وفي الظروف نفسها؛ وتوقع نتائج مختلفة (بما يطابق تعريف آينشتاين للغباء)، لكن هذه الظاهرة قطعاً ليست لُبنانيةً فقط. مثلاً لا حصراً عرف العالم العربي تنظيمات عدة تحت اسم “الضباط الأحرار”، تمثلاً بانقلاب تموز/ يوليو 1952 العسكري في مصر. لكن المضحك-المبكي أن اثنين من هذه التنظيمات اتخذا هذا الاسم بعد كارثة حزيران/ يونيو 1967 بعامين، ذاك الذي تزعمه جعفر النميري في السودان، والثاني الذي تزعمه مُعمر القذافي في ليبيا. 

نعرف جيداً اليوم أثر حكم نُسَخ “الضباط الأحرار” هذه على السودان وليبيا (ناهيك بـ”بركات” انقلابات “ضباطٍ أحرار” آخرين في العراق سنة 1958 ثم في اليمن سنة 1962 ). وإن استغربت هذا فانظر إلى صور جزار بغداد المهزوم صدام حسين المنتشرة اليوم في بلاد عربية كثيرة، ناهيك بالمتّسمين باسمه. هنا قراءات مبتسرة للتاريخ، لكن معها أيضاً ثقافةٌ تعمى عن الخسارات والهزائم باسم كرامة موهومة. 

العيش في الإنكار حالة عربية عامة، لكن ضعف المشروع القومي حالة لبنانية خاصة. لم يتفق اللبنانيون أبداً على “لبنانهم”، فلكلٍّ “لبنانه”، وبهوية وتاريخٍ مختلفين. الحرب الأهلية توقفت مطلع التسعينات، لكنها لم تنتهِ، وطالما بقيت الأسباب، إقليمياً وداخل لبنان، فلا غرابة إن عادت في الوقت الذي قد يسمح بتجدّدها. والطائفية والاستعداد للتحالف مع، أو حتى الولاء الكامل، لقوىٍ أجنبية دارا على اللبنانيين مِرارً ومَراراً (بفتح الميم والراء) عبر تاريخهم. كيف، سوى باحترابٍ أهلي، يمكن نزع سلاح حزب الله؟ اللهم إلا إذا نجح أعداء الجمهورية الإسلامية في إيران في تكسير عظامها إلى الحد الذي يُعجزها عن الاحتفاظ بأذرعها في المنطقة، وحتى إن حصل هذا، أي عداواتٍ ومراراتٍ جديدة ستتلو ذلك؟

الذاكرة الجماعية لا تتوقف عند ما تُحيي ذكراه، بل تمتد إلى ما تميت ذكره. ربما صدق من سُموا التنظيميين الانقلابيين “الضباط الأحرار” الدعاية الناصرية التي صورت كارثة يونيو 1967 مجرد “نكسة”، تماماً مثلما رأى حزب الله في حرب الثلاثة والثلاثين يوماً في 2006 “نصراً إلهياً”، أو اعتبر عبد الناصر أنه انتصر فعلاً على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عام 1956. في كل هذه الحالات اجتُزئت النتائج ليُنسى بعضُها ويُضخم بعضها الآخر، والنفس تواقةُ دوماً الى الإيمان بما يريحها. من جهةٍ، غير مستغرب أن يدعي حزب الله أن مجرد بقائه نصر، أو على الأقل “لا-هزيمة”. غير بعيد عن لبنان، تتحكم إسرائيل اليوم في ستين في المائة من قطاع غزة وتبقيه خراباً غير صالح لسكنٍ آدمي، فهل سمعنا من حماس اعترافاً بخطأ؟ ناهيك بالمصارحة بكارثية ما حدث في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 فعلاً ومساراً ومآلاً؟  

العين التي تتذكر هنا ترفض رؤية كل المشهد. ومن جهة أخرى في المشهد نذُرٌ مخيفة، حتى إن مات تماماً منطق “المقاومة” الذي نعرفه اليوم، ذاك الذي يساوي الانتحار الجماعي بالشهادة ومجدها. 

السبيل الذي سيسلكه الصراع الإسرائيلي-الأميركي مع الجمهورية الإسلامية يستحيل أن يسمح بنجاة هذه الأخيرة، المُعادلةُ صفرية، على الأقل هذا ما أراه. وإن استوقفك حديث دونالد ترامب المتكرر عن الصفقة الوشيكة، فقد عد أحد صحافي هيئة الإذاعة البريطانية أربعين مرة صرح فيها الرئيس الأميركي أن اتفاقاً على وشك الإتمام. وهل ستترك إسرائيل اتفاقاً يمر، أياً كانت التسريبات عن خلافات ترامب مع نتانياهو؟

 أضف إلى ذلك أن ادعاء حق السيطرة على مضيق هُرمز يؤجج عداء دول الخليج للجمهورية الإسلامية، ناهيك بالغارات الإيرانية على هذه الدول. ربما يريح كُثراً في المنطقة واقعٌ جديد يتقزم فيه الدور الإيراني الإقليمي أو يقضي عليه. سيكون إضعاف ثم ربما اختفاء حزب الله والحوثيين والميليشيات الموالية للجمهورية الإسلامية، مدعاةً عند البعض للاحتفال. لكن هل من حلٍّ قريب أو حتى بعيد للمأساة الفلسطينية؟ أليس واضحاً أن دُولاً عربية افترضت بالفعل أن حقوق الفلسطينيين لا محل لها من الإعراب سياسياً وأن القضية قد صُفيت بالفعل؟

لنفترض جدلاً أن اليمين الذي يسود المشهد السياسي الإسرائيلي حالياً نجح في مساعيه المعلنة التي تسير على قدمٍ وساق لاستكمال مشروع التطهير العرقي الذي ولدت من خلاله إسرائيل، واستولى على القدس الشرقية وكامل الضفة الغربية بل وغزة أيضاً، وهجّر معظم من بقي من “السكان الأصليين” (كما يُسمى ضحايا المشاريع الاستعمارية)، عندئذ ما مصير المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين؟ ربما ينجح الصهيوني في إبادة البشر أو في إلقائهم خارجاً، لكن ماذا عن المساجد والكنائس التي حركت جيوشاً عبر التاريخ؟ هل ستُنسى؟ وإن بقي الجرحُ نازفاً، هل سنفتقد يوماً “اعتدال” حزب الله وحماس والجمهورية الإسلامية مقارنةً بمن سيأتي بعدهم لينادي بتحرير القدس؟ و هل من بديلٍ واقعي عاقل لهذه المقاومة العدمية؟

حين حدثني عن الشقيف للمرة الأولى قبل عقدين، نعى صديقي من ذهبوا، لا لرحيلهم فحسب، بل لأن أرواحهم لم تمنع وصول الإسرائيليين الى بيروت بعدها بعامين، ناهيك بتحرير فلسطين أو حماية القلعة نفسها، وها نحن اليوم نرى حرباً خاسرةً أخرى وبدائل تتنافس في المرارة، وهكذا سنبقى حتى نرى الأمور بعقلٍ جديد. 

لا خلاص مع “مقاومة” ترى الانتحار بطولة والاعتراف بالواقع خيانة، وتصرّ على السلاح سبيلاً وحيداً في وجه عدوّ أقوى عسكرياً بما لا يقاس، لكن لا نجاة أيضاً مع مواقف تعتبر السيادة الإسرائيلية واقعاً لا سبيل للتعامل معه سوى الاستسلام. لا المقاومة سلاحٌ فقط ولا الخيارات محصورةٌ بين الانبطاح أو الانتحار. 

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
26.06.2026
زمن القراءة: 5 minutes

لا خلاص مع “مقاومة” ترى الانتحار بطولة والاعتراف بالواقع خيانة، وتصرّ على السلاح سبيلاً وحيداً في وجه عدوّ أقوى عسكرياً بما لا يقاس، لكن لا نجاة أيضاً مع مواقف تعتبر السيادة الإسرائيلية واقعاً لا سبيل للتعامل معه سوى الاستسلام. لا المقاومة سلاحٌ فقط ولا الخيارات محصورةٌ بين الانبطاح أو الانتحار. 

يُنقل عن كارل ماركس أن التاريخَ يكررُ نفسه، المرة الأولى كمأساة والثانية كمهزلة. هذا ما ذكرني به صديقي الذي قاتل، هو وأخواه، مع الحزب الشيوعي اللبناني في الحرب الأهلية اللبنانية.

 خبر احتلال الإسرائيليين مجدداً قلعة الشقيف نهاية شهر أيار/ مايو الماضي قادني إليه، إذ كان ابن الأسرة الشيعية العريقة، “السيد”، ذا النسب النبوي الذي مر بالماركسية في شبابه، متمركزاً مع مقاتلين آخرين في القلعة الصليبية خلال إحدى موجات الاشتباكات مع إسرائيل عام 1980. لحسن حظه انسحبت مجموعته المقاتلة قبل وصول الإٍسرائيليين، لكن لسوء حظ سواه، حلّت محلّهم جماعة أخرى من مقاتلي الحزب، وهذه، باستثتاء ناجٍ وحيد، أُبيدت عن بكرة أبيها.  

سمعتُ القصة قبل أكثر من عشرين عاماً، بينما كان صديقي يطوف بي في قرى الجنوب اللبناني وسهوله وتلاله، حيثما نظرتَ وجدتَ صوراً لشهداء. أذكر أنهم في غالبيتهم كانوا منسوبين إلى حزب الله. وعرفتُ لاحقاً أن بعض هؤلاء لم يكن مرتبطاً بالحزب، لكن الأخير هو من استعاد رفاتهم. 

الجنوب اللبناني ساحة ذكريات دمٍ وعنف. هنا كانت معركة مع إسرائيل، هناك قرية دمرها الإسرائيليون أكثر من مرة، هذه صورة شهيدٌ لاقى ربه في قتال معهم. كم هو متناقضٌ جمال هذه البلاد مع ماضيها؟ كم هو رمزي أن الاسم الأصلي لقلعة الشقيف عند بُناتها الصليبيين هو Beaufort: القلعة الجميلة. المكان جميل، أما التاريخ والواقع فشأنٌ آخر. عدا ما ذكرنا، على مسافة أقل من ساعة ونصف الساعة بالسيارة من القلعة الصليبية تقع بلدة قانا، حيث حوّل السيد المسيح، حسب العهد الجديد، الماء إلى خمرٍ معتّق، وحيث أبادت إسرائيل عشرات المدنيين وجرحت أكثر من ألف ومئتين منهم في ربيع عام 1996 في أحد ملاجئ القوات الدولية المخصصة للمدنيين، بطريق “الخطأ”، إذ أطلقت على الموقع الأممي خمس قذائف متتالية (و قصفت في اليوم نفسه أحياءً في مدينة النبطية القريبة، مما أودى بتسعة أرواح). يوم آخر جنوب-لُبناني غارقٌ في الدم، واحد من مئاتٍ، بل و ربما آلاف. 

تندر صديقي بمرارة على تكرار المآسي، على إعادة التجربة بالعناصر نفسها؛ وفي الظروف نفسها؛ وتوقع نتائج مختلفة (بما يطابق تعريف آينشتاين للغباء)، لكن هذه الظاهرة قطعاً ليست لُبنانيةً فقط. مثلاً لا حصراً عرف العالم العربي تنظيمات عدة تحت اسم “الضباط الأحرار”، تمثلاً بانقلاب تموز/ يوليو 1952 العسكري في مصر. لكن المضحك-المبكي أن اثنين من هذه التنظيمات اتخذا هذا الاسم بعد كارثة حزيران/ يونيو 1967 بعامين، ذاك الذي تزعمه جعفر النميري في السودان، والثاني الذي تزعمه مُعمر القذافي في ليبيا. 

نعرف جيداً اليوم أثر حكم نُسَخ “الضباط الأحرار” هذه على السودان وليبيا (ناهيك بـ”بركات” انقلابات “ضباطٍ أحرار” آخرين في العراق سنة 1958 ثم في اليمن سنة 1962 ). وإن استغربت هذا فانظر إلى صور جزار بغداد المهزوم صدام حسين المنتشرة اليوم في بلاد عربية كثيرة، ناهيك بالمتّسمين باسمه. هنا قراءات مبتسرة للتاريخ، لكن معها أيضاً ثقافةٌ تعمى عن الخسارات والهزائم باسم كرامة موهومة. 

العيش في الإنكار حالة عربية عامة، لكن ضعف المشروع القومي حالة لبنانية خاصة. لم يتفق اللبنانيون أبداً على “لبنانهم”، فلكلٍّ “لبنانه”، وبهوية وتاريخٍ مختلفين. الحرب الأهلية توقفت مطلع التسعينات، لكنها لم تنتهِ، وطالما بقيت الأسباب، إقليمياً وداخل لبنان، فلا غرابة إن عادت في الوقت الذي قد يسمح بتجدّدها. والطائفية والاستعداد للتحالف مع، أو حتى الولاء الكامل، لقوىٍ أجنبية دارا على اللبنانيين مِرارً ومَراراً (بفتح الميم والراء) عبر تاريخهم. كيف، سوى باحترابٍ أهلي، يمكن نزع سلاح حزب الله؟ اللهم إلا إذا نجح أعداء الجمهورية الإسلامية في إيران في تكسير عظامها إلى الحد الذي يُعجزها عن الاحتفاظ بأذرعها في المنطقة، وحتى إن حصل هذا، أي عداواتٍ ومراراتٍ جديدة ستتلو ذلك؟

الذاكرة الجماعية لا تتوقف عند ما تُحيي ذكراه، بل تمتد إلى ما تميت ذكره. ربما صدق من سُموا التنظيميين الانقلابيين “الضباط الأحرار” الدعاية الناصرية التي صورت كارثة يونيو 1967 مجرد “نكسة”، تماماً مثلما رأى حزب الله في حرب الثلاثة والثلاثين يوماً في 2006 “نصراً إلهياً”، أو اعتبر عبد الناصر أنه انتصر فعلاً على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عام 1956. في كل هذه الحالات اجتُزئت النتائج ليُنسى بعضُها ويُضخم بعضها الآخر، والنفس تواقةُ دوماً الى الإيمان بما يريحها. من جهةٍ، غير مستغرب أن يدعي حزب الله أن مجرد بقائه نصر، أو على الأقل “لا-هزيمة”. غير بعيد عن لبنان، تتحكم إسرائيل اليوم في ستين في المائة من قطاع غزة وتبقيه خراباً غير صالح لسكنٍ آدمي، فهل سمعنا من حماس اعترافاً بخطأ؟ ناهيك بالمصارحة بكارثية ما حدث في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 فعلاً ومساراً ومآلاً؟  

العين التي تتذكر هنا ترفض رؤية كل المشهد. ومن جهة أخرى في المشهد نذُرٌ مخيفة، حتى إن مات تماماً منطق “المقاومة” الذي نعرفه اليوم، ذاك الذي يساوي الانتحار الجماعي بالشهادة ومجدها. 

السبيل الذي سيسلكه الصراع الإسرائيلي-الأميركي مع الجمهورية الإسلامية يستحيل أن يسمح بنجاة هذه الأخيرة، المُعادلةُ صفرية، على الأقل هذا ما أراه. وإن استوقفك حديث دونالد ترامب المتكرر عن الصفقة الوشيكة، فقد عد أحد صحافي هيئة الإذاعة البريطانية أربعين مرة صرح فيها الرئيس الأميركي أن اتفاقاً على وشك الإتمام. وهل ستترك إسرائيل اتفاقاً يمر، أياً كانت التسريبات عن خلافات ترامب مع نتانياهو؟

 أضف إلى ذلك أن ادعاء حق السيطرة على مضيق هُرمز يؤجج عداء دول الخليج للجمهورية الإسلامية، ناهيك بالغارات الإيرانية على هذه الدول. ربما يريح كُثراً في المنطقة واقعٌ جديد يتقزم فيه الدور الإيراني الإقليمي أو يقضي عليه. سيكون إضعاف ثم ربما اختفاء حزب الله والحوثيين والميليشيات الموالية للجمهورية الإسلامية، مدعاةً عند البعض للاحتفال. لكن هل من حلٍّ قريب أو حتى بعيد للمأساة الفلسطينية؟ أليس واضحاً أن دُولاً عربية افترضت بالفعل أن حقوق الفلسطينيين لا محل لها من الإعراب سياسياً وأن القضية قد صُفيت بالفعل؟

لنفترض جدلاً أن اليمين الذي يسود المشهد السياسي الإسرائيلي حالياً نجح في مساعيه المعلنة التي تسير على قدمٍ وساق لاستكمال مشروع التطهير العرقي الذي ولدت من خلاله إسرائيل، واستولى على القدس الشرقية وكامل الضفة الغربية بل وغزة أيضاً، وهجّر معظم من بقي من “السكان الأصليين” (كما يُسمى ضحايا المشاريع الاستعمارية)، عندئذ ما مصير المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين؟ ربما ينجح الصهيوني في إبادة البشر أو في إلقائهم خارجاً، لكن ماذا عن المساجد والكنائس التي حركت جيوشاً عبر التاريخ؟ هل ستُنسى؟ وإن بقي الجرحُ نازفاً، هل سنفتقد يوماً “اعتدال” حزب الله وحماس والجمهورية الإسلامية مقارنةً بمن سيأتي بعدهم لينادي بتحرير القدس؟ و هل من بديلٍ واقعي عاقل لهذه المقاومة العدمية؟

حين حدثني عن الشقيف للمرة الأولى قبل عقدين، نعى صديقي من ذهبوا، لا لرحيلهم فحسب، بل لأن أرواحهم لم تمنع وصول الإسرائيليين الى بيروت بعدها بعامين، ناهيك بتحرير فلسطين أو حماية القلعة نفسها، وها نحن اليوم نرى حرباً خاسرةً أخرى وبدائل تتنافس في المرارة، وهكذا سنبقى حتى نرى الأمور بعقلٍ جديد. 

لا خلاص مع “مقاومة” ترى الانتحار بطولة والاعتراف بالواقع خيانة، وتصرّ على السلاح سبيلاً وحيداً في وجه عدوّ أقوى عسكرياً بما لا يقاس، لكن لا نجاة أيضاً مع مواقف تعتبر السيادة الإسرائيلية واقعاً لا سبيل للتعامل معه سوى الاستسلام. لا المقاومة سلاحٌ فقط ولا الخيارات محصورةٌ بين الانبطاح أو الانتحار. 

26.06.2026
زمن القراءة: 5 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية