ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

في غزّة… مواد إغاثية وغذائية فاسدة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تحدّثت عائلة غزّية نازحة في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، عن وجبة غذائية فاسدة ولها رائحة نتنة حصلت عليها من مؤسّسة إغاثية محلّية. وتواصلت العائلة مع إدارة المؤسّسة، وواجهتها بصور الوجبة الفاسدة، وكان الردّ أن السبب وراء ذلك يعود إلى الوقت الذي تستغرقه عمليّات النقل والانتظار الطويل قبل التوزيع.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بعد ساعات من الانتظار في طابور طويل، تسلّم محمّد عبد الله طرداً غذائياً من إحدى المؤسّسات العربية العاملة في الإغاثة داخل قطاع غزّة، وتفاجأ عند فتحه بعد وصوله إلى خيمته في خان يونس جنوب القطاع، أن الكثير من أصنافه فاسد وله رائحة كريهة.

ظهرت على معلبات اللحمة والتمر والمعكرونة التي كانت موجودة في الطرد الغذائي علامات تدلّ أنها فاسدة، وتبيّن أن بعض المواد الغذائية منتهي الصلاحية، منها كيس دقيق بسعة 25 كيلوغراماً، الذي بدا متحجّراً وتصدر منه رائحة عفن عند فتحه، إضافة إلى كيس من الحليب المجفّف مال لونه إلى الصفرة.

عبوة حليب منتهية الصلاحية

راجع عبد الله إدارة المخزن الذي تسلّم منه الطرد، وأخبرهم أن العديد من أصنافه فاسدة، فكان ردّهم أن هذا ما وصلهم من قِبل المؤسّسة العربية، ولا يمكن لهم تبديله أو حتى تسجيل شكواه.

تخلّص عبدالله من المواد الغذائية الفاسدة برميها في القمامة، خوفاً على صحّة أفراد عائلته.

وفي حادثة شبيهة في مدينة غزّة، تسلّمت عائلة سهام حمدان خبزاً ظهرت عليه علامات العفن، من قِبل إحدى المؤسّسات الدولية التي توزّع الخبز بشكل شبه دوري على النازحين.

تُظهر صور التي التقطتها عائلة حمدان لربطة الخبز انتشار العفن على سطح معظم الأرغفة، ما جعلهم يرمون الخبز في القمامة، وتناولوا الأرز عوضاً عنه، فالخبز شحيح في مخابز غزّة وأسعار الدقيق مرتفعة جداً.

وتحدّثت عائلة غزّية نازحة في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، عن وجبة غذائية فاسدة ولها رائحة نتنة حصلت عليها من مؤسّسة إغاثية محلّية.
وتواصلت العائلة مع إدارة المؤسّسة، وواجهتها بصور الوجبة الفاسدة، وكان الردّ أن السبب وراء ذلك يعود إلى الوقت الذي تستغرقه عمليّات النقل والانتظار الطويل قبل التوزيع.

وفي مشهد صادم، نشرت سيّدة مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت فيه مساعدة غذائية تعجّ بالديدان، حصلت عليها من إحدى المؤسّسات العربية، لإطعام أطفالها.

ووثّق الفيديو وجود الديدان داخل عدد من المعلّبات والمنتجات المغلّفة، الأمر الذي يؤكّد وجود خلل واضح في تخزين المساعدات الغذائية المقدّمة لسكّان غزّة قبل توزيعها.

تبيّن لنا من خلال المقابلات التي أجريناها مع عائلات غزّية، والصور التي وثّقت حوادث مشابهة كثيرة، بالإضافة إلى استبيان إلكتروني بعيّنة عشوائية وُزّعت على العائلات في مختلف المناطق في القطاع، أن هناك مؤسّسات تعمل على إيصال مساعدات غذائية للأهالي تحوي حقيقةً مواد فاسدة ومنتهية الصلاحية ولها روائح كريهة.

إذ يبدو أن هذه المؤسّسات لا تتّخذ أيّ نوع من إجراءات السلامة الغذائية لوقف تسليم الأهالي مواد فاسدة، بالإضافة إلى أنها لا تقبل شكاوى الناس والتعامل معهم، أو تضع عنواناً للتواصل من أجل استبدال المواد الفاسدة بأخرى آمنة، فالمساعدات الغذائية التي يحصل عليها الأهالي هي عامل نجدة لهم في ظلّ شحّ المواد الغذائية من جهة، وارتفاع أسعارها بشكل كبير من جهة أخرى، هذا إذا توفّرت أصلاً في الأسواق.

وعندما نقول مساعدات إنسانية نقصد بذلك جميع أشكال الدعم المادّي أو المعنوي التي تقدّمها المؤسّسات الرسمية أو المجتمعية، مثل المؤسّسات الدولية والأهلية والعائلية، للفئات المتضرّرة في الأوقات الطارئة أو غير العادية، والتي تنشأ نتيجة الكوارث الطبيعية أو الأزمات أو النزاعات المسلّحة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، وفقاً لـ”ائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة” المعروف بـ”أمان”.

تلف المساعدات

خلال الحرب، تكدّست كميّات كبيرة من المساعدات الغذائية في مخازن تابعة للأمم المتّحدة، ولمنظّمات عربية وأجنبية خارج غزّة، بسبب إغلاق إسرائيل المعابر لفترة طويلة، ما تسبّب بتلف بعضها.

وسبق أن حذّرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في أيّار/ مايو 2025، من تلف المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة والعالقة في المستودعات خارج القطاع جرّاء إغلاق المعابر.

وقالت الوكالة الأممية في منشور على حسابها على منصّة فيسبوك، خلال الحرب: “إن المساعدات الإنسانية، من طعام ومستلزمات نظافة وأدوية ومواد إيواء، عالقة في المستودعات خارج قطاع غزّة بسبب الحصار”.

وأوضحت أن المساعدات “المنقذة للحياة” باتت مع إغلاق المعابر “مهدّدة بالتلف، وهناك طعام لا يمكن للناس تناوله، وأدوية لا يمكنهم استخدامها”.
خلال انتظار شاحنات المساعدات الغذائية على الجانب المصري من معبر رفح، تلف العديد منها، وفقاً لتأكيدات سائقين مصريين.

كذلك، سبق أن أكّد الهلال الأحمر المصري في شمال سيناء، تلف مواد غذائية كانت تنتظر الدخول إلى غزّة، خاصّة الحليب والمعلّبات ومياه الشرب.

تشير نتائج الاستبيان التي وزّعها معدّ التحقيق إلكترونياً لسهولة الوصول إلى أفراد العيّنة، وشملت 376 مشاركاً من مختلف مناطق القطاع، إلى توزيع جغرافي متنوّع للعيّنة، حيث جاء شمال القطاع في المرتبة الأولى من حيث عدد المشاركين بواقع 152 مشاركاً أي بنسبة 40.4%، يليه جنوب القطاع بـ141 مشاركاً أي بنسبة 37.5%، وبلغ عدد المشاركين من وسط القطاع 83 مشاركاً أي بنسبة 22.1%.

يعكس هذا التوزيع حضوراً نسبياً لمختلف المناطق، الأمر الذي يمنح النتائج درجة معقولة من التمثيل الجغرافي لواقع السكّان في القطاع.

وأظهرت نتائج الاستبيان أن نسبة كبيرة من المشاركين أفادوا بتلقّيهم مساعدات غذائية فاسدة أو تحتوي على مواد فاسدة.

لم تكن المساعدات الغذائية التي وصلت إلى سكّان القطاع دائماً مصدر طمأنينة، فبالنسبة إلى 217 مشاركاً، أي ما نسبته 57.7% من المشاركين في الاستبيان، كانت تلك المساعدات عبارة عن مشكلة إضافية تمثّلت في فساد المواد وعدم صلاحيتها للاستهلاك.

في المقابل، قال 159 مشاركاً أي بنسبة 42.3% إنهم لم يواجهوا هذه المشكلة، ما يعكس تفاوتاً واضحاً في جودة المساعدات، وسط ظروف إنسانية بالغة التعقيد.

وعند سؤال المشاركين عن نوعية المواد الغذائية الفاسدة، ظهرت المعلّبات والبقوليات في المقدّمة، رغم أنها من المواد التي يُفترض أن تتحمّل فترات تخزين طويلة، وقد سُجّلت 227 حالة أي بنسبة 60.4% من هذا النوع، كما أبلغ 96 مشاركاً أي بنسبة 25.5% عن فساد الوجبات الغذائية الجاهزة، فيما أشار 53 مشاركاً أي بنسبة 14.1% إلى تسلّمه خبزاً فاسداً، في مؤشّر يعزّز المخاوف من وجود خلل في ظروف التخزين أو النقل قبل وصول المساعدات إلى الأسر المحتاجة.

ورغم اتّساع حجم المشكلة، فإن الغالبية الساحقة من المتضرّرين لم تتقدّم بشكاوى رسمية.

فقد أظهرت نتائج الاستبيان أن 313 مشاركاً أي بنسبة 83.7% لم يقدّموا أي شكوى، مقابل 61 مشاركاً فقط أي بنسبة 16.3% اعترضوا لدى جهات رسمية أو المؤسّسات الإغاثية المسؤولة.

ويعكس ذلك حالة من ضعف الثقة بفاعلية الشكاوى، أو غياب المعرفة بآليّات المتابعة، إلى جانب خشية بعض العائلات من فقدان المساعدات مستقبلاً إذا اعترضت على جودتها.

ولم تتوقّف الأزمة عند حدود المواد الفاسدة، إذ اضطرّ 69% من المشاركين للتخلّص من جزء من المساعدات الغذائية بعد اكتشاف تلفها، بينما قال 31% إنهم لم يضطرّوا لرمي أيّ من المساعدات، ويكشف ذلك عن حجم الهدر الذي يحصل، في وقت تعتمد فيه شريحة واسعة من سكّان غزة على المساعدات الإنسانية، باعتبارها المصدر الرئيسي للغذاء في ظلّ الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة.

عموماً، ترسم نتائج الاستبيان صورة مقلقة عن جودة بعض المساعدات الغذائية المقدّمة في القطاع، كما تكشف عن فجوات واضحة في الرقابة وآليّات المتابعة والتعامل مع شكاوى المواطنين، وتشير المعطيات إلى أن المشكلة قد لا تقتصر على فساد بعض المواد فقط، بل تمتدّ إلى مراحل التخزين والنقل والفحص قبل التوزيع، الأمر الذي يستدعي تعزيز الرقابة وضمان وصول مساعدات آمنة وسليمة إلى السكّان.

أرقام صادمة

البيانات الصحافية الصادرة عن بلديات قطاع غزّة ووزارة الاقتصاد حول عمليّات إتلاف مواد غذائية فاسدة ومنتهية الصلاحية من بداية كانون الثاني/ يناير 2025 حتى نهاية شباط/ فبراير من العام نفسه، وهي ضمن الفترة التي حصل عليها أيضاً مستفيدون مساعدات فاسدة.

أظهرت المعطيات أن الجهات الرقابية أتلفت كميّات كبيرة من الموادّ غير الصالحة للاستخدام، حيث بلغ إجمالي ما تمّ إتلافه نحو 102 أطنان، شملت 44 طناً من المجمّدات الفاسدة، و34.486 طناً خلال شهر شباط/ فبراير من مواد غذائية وغير غذائية منتهية الصلاحية أو فاسدة، إضافة إلى 13 طناً أتلفتها بلدية غزّة، و5.2 أطنان من الأغذية، إلى جانب إتلاف نحو 1124.9 كيلوغراماً من منتجات ظهرت عليها علامات فساد، و2720 كيلوغراماً من الأرز المتعفّن، و1761 كيلوغراماً من المجمّدات غير الصالحة للاستهلاك، وذلك ضمن حملات رقابية مستمرّة لحماية صحّة المواطنين وضمان سلامة الغذاء في الأسواق.

في التفاصيل، أتلفت بلدية غزّة 13 طناً من المواد الغذائية غير الصالحة للاستهلاك، في إطار جهودها لحماية الصحّة العامّة وضمان سلامة المواطنين، وذلك من بداية شهر كانون الثاني/ يناير 2026 حتى بداية شهر آذار/ مارس 2026.
وأكّدت البلدية أن الإجراءات الإدارية المتّبعة تقضي بتحويل التاجر المخالف إلى مباحث التموين لاتّخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقّه، إلى جانب إلزامه بالشروط الصحّية المعتمدة.

وأشارت إلى أن هذه الإجراءات تأتي في ظلّ غياب المحاكم، بخلاف ما كان معمولاً به قبل الحرب، الأمر الذي دفع الجهات المختصّة إلى اعتماد إجراءات إدارية بديلة لضبط المخالفات، في حين تكتفي الجهات الموجودة بإتلاف الكميّات الفاسدة دون تنفيذ مهمّات اعتقال، لعدم وجود سجون أو محاكم فعّالة.
كما أتلفت بلدية خان يونس، بالتعاون مع مفتّشي وزارة الاقتصاد الوطني ومباحث التموين وشرطة البلديات، نحو 44 طناً من المجمّدات الفاسدة، إضافة إلى 5.2 أطنان من الأغذية خلال شهر رمضان.

عقوبات غائبة

يضع القانون الفلسطيني إطاراً واضحاً لحماية المستهلك والصحّة العامّة، من خلال فرض عقوبات على تداول المواد الغذائية الفاسدة أو الضارّة، سواء كانت مخصّصة للبيع أو للتوزيع المجّاني ضمن المساعدات الإنسانية، ولكنّها غير منفّذة بسبب حالة الحرب وما تبعها من تدمير المؤسّسات وغياب المحاكم.

المستشار القانوني عبدالله شرشرة بيّن أن قانون حماية المستهلك الفلسطيني ينظّم مسألة تداول المواد الغذائية بشكل واضح، لا سيّما من خلال المادّة (27)، التي شدّد فيها المشرّع على حماية الصحّة العامّة وحقوق المستهلك.

وقال شرشرة: “إن القانون أقرّ عقوبات رادعة نسبياً، تتمثّل في السجن لمدّة قد تصل إلى عشر سنوات، أو غرامة مالية تصل إلى عشرة آلاف دينار أردني، أو كلتا العقوبتين معاً، إضافة إلى تدابير تكميلية مثل إتلاف البضائع الفاسدة وضبط الأدوات غير القانونية، ما يعكس إدراك المشرّع لخطورة هذه الجرائم وتأثيرها المباشر على صحّة المواطنين”.

وأشار شرشرة إلى أنه “لا يوجد نصّ صريح في قانون حماية المستهلك رقم (21) لسنة 2005 من القانون الأساسي الفلسطيني، ساري النفاذ في قطاع غزّة والضفّة الغربية، يتناول المساعدات بشكل مباشر، إلا أن القواعد العامّة تنطبق على كل من يتداول المواد الغذائية، سواء كانت للبيع أو التوزيع المجّاني”.

ولفت إلى أنه “يمكن تطبيق أحكام قانون العقوبات رقم 74 لسنة 1936، وخاصّة المادّة (196) منه، التي تجرّم بيع أو حيازة مواد غذائية ضارّة بالصحّة، مع العلم بذلك، وتفرض عقوبة الحبس لمدّة تصل إلى سنة”.

واعتبر شرشرة أن “الإشكالية الأساسية لا تكمن في غياب النصوص القانونية، بل في ضعف أدوات إنفاذ القانون على أرض الواقع”، موضحاً أن “فعّالية القوانين تظلّ مرهونة بوجود أجهزة رقابية قادرة على التفتيش المستمرّ، وضبط المخالفات، وإحالتها إلى القضاء بشكل مهني وسريع”.

ومن بين أن أدوات إنفاذ القانون تشمل جملة من الآليّات المؤسّسية والعملية، مثل فرق التفتيش الميداني، والمختبرات المعتمدة لفحص جودة وسلامة الغذاء، والنيابة العامّة المتخصّصة، إضافة إلى القدرة على تنفيذ الأحكام القضائية.

واعتبر أنه “في حال ضعف هذه الأدوات وهي فرق التفتيش، والنيابة، ومختبرات فحص المواد، يصبح النصّ القانوني مجرّد إطار نظري غير قادر على تحقيق الردع المطلوب”، مؤكّداً أن “تعدّد الجهات الرقابية وتداخل صلاحياتها؛ والمقصود البلديات وعدد من الوزارات، دون تنسيق فعّال، يؤدّي إلى فجوات في المتابعة والمساءلة، ما يسمح بمرور مواد غذائية فاسدة إلى الأسواق أو حتى ضمن المساعدات الإنسانية دون رقابة كافية”، مشيراً إلى أن “محدودية الموارد البشرية والمالية وضعف الإمكانيات الفنّية، خاصّة في البيئات الهشّة، تزيدان من تعقيد المشكلة”.

ولفت إلى أن “غياب أو ضعف أدوات إنفاذ القانون لا يقلّان خطورة عن غياب النصّ ذاته، بل قد يؤدّيان عملياً إلى تعطيل تطبيقه، ويشجّعان بعض المخالفين على الاستمرار في ممارساتهم في ظلّ غياب المساءلة الحقيقية”، مؤكّداً أن “تعزيز منظومة الإنفاذ، وليس فقط التشريع، يُعدّ شرطاً أساسياً لحماية الصحّة العامّة وضمان سلامة الغذاء”.

تعقيدات سلاسل الإمداد

من جهته، يؤكّد وائل بعلوشة مدير مكتب غزّة الإقليمي في “الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة” أو “أمان” أن “غياب أو ضعف آليّات الرقابة هما من العوامل الرئيسية، التي قد تؤدّي إلى وصول مواد غذائية غير صالحة إلى المستفيدين”.
والواقع في قطاع غزّة، بحسب بعلوشة في أعقاب حرب مدمّرة “يتجاوز هذا العامل ليعكس صورة أكثر تعقيداً تتداخل فيها مجموعة من التحدّيات البنيوية والإنسانية، بعدما أسهمت الحرب، في إحداث انهيار واسع في البنية المؤسّسية والرقابية، حيث تعطّل العديد من الجهات الحكومية وأجهزة التفتيش الصحّي، ما أوجد فراغاً رقابياً فعلياً، وأضعف القدرة على فحص جودة المواد الغذائية ومتابعة سلاسل التوريد بشكل منتظم”.

في المقابل، تواجه الجهات الإغاثية ضغوطاً إنسانية هائلة لتأمين الغذاء بشكل سريع لمئات الآلاف من المتضرّرين، الأمر الذي قد ينعكس أحياناً على مستوى إجراءات التدقيق والفحص، أو يدفع للاعتماد على مورّدين لم يخضعوا لتقييم كافٍ، حسب بعلوشة.

وتلعب تعقيدات سلاسل الإمداد، كما يوضح بعلوشة، دوراً محورياً في هذه الإشكالية، في ظلّ الحصار وإغلاق المعابر، إلى جانب صعوبات النقل والتخزين، خاصّة مع انقطاع التيار الكهربائي. هذه الظروف قد تؤدّي إلى تلف المواد الغذائية، حتى وإن كانت سليمة عند توريدها.

ويزيد من تعقيد المشهد تعدّد الجهات العاملة في مجال الإغاثة، سواء المحلّية أو الدولية، في ظلّ غياب إطار تنسيقي فعّال، ما يفضي إلى حالة من التداخل والازدواجية في بعض المناطق، مقابل نقص في مناطق أخرى، ويفتح المجال لمرور مواد غير مطابقة للمواصفات، وفق بعلوشة.

وعليه، يوضح بعلوشة أن “غياب الرقابة لا يمثّل السبب الوحيد، لكنّه يشكّل عاملاً محورياً يتقاطع مع هذه التحدّيات. وتستدعي معالجة هذه الإشكالية تبنّي مجموعة من الإجراءات العاجلة، من أبرزها إنشاء آليّات رقابة طارئة تتناسب مع ظروف الحرب، وإشراك جهات رقابية مستقلّة، محلّية ودولية، وتحسين نظم التتبّع والتخزين وسلاسل الإمداد، وتعزيز الشفافية والمساءلة في مختلف مراحل التوزيع”.

ويُعدّ الإفصاح الواضح عن مصادر المساعدات، وتواريخ صلاحياتها، وآليّات تخزينها ونقلها، عنصراً أساسياً في تمكين المستفيدين من أداء دور رقابي فعّال، كما تبرز أهمّية توفير قنوات آمنة لتلقّي الشكاوى، تتيح الإبلاغ عن المشكلات ومعالجتها بجدية وشفافية، بحسب بعلوشة.

وأمام استمرار غياب الرقابة، واختلال سلاسل الإمداد، والقيود المفروضة على المعابر، يجد المواطن الفلسطيني في غزّة نفسه ضحيّة لمساعدات غذائية غير آمنة، في انعكاس واضح لتفاقم الأزمة الإنسانية وغياب الضوابط الكفيلة بحماية حقوقه الأساسية.

شركة المهندس العراقية
هالة الطائي | 15.07.2026

شركة «المهندس»: “بيزنس” الحشد الشعبي فوق رقابة الدولة!

بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة "المهندس العامّة" على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»،…
29.06.2026
زمن القراءة: 10 minutes

تحدّثت عائلة غزّية نازحة في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، عن وجبة غذائية فاسدة ولها رائحة نتنة حصلت عليها من مؤسّسة إغاثية محلّية. وتواصلت العائلة مع إدارة المؤسّسة، وواجهتها بصور الوجبة الفاسدة، وكان الردّ أن السبب وراء ذلك يعود إلى الوقت الذي تستغرقه عمليّات النقل والانتظار الطويل قبل التوزيع.

بعد ساعات من الانتظار في طابور طويل، تسلّم محمّد عبد الله طرداً غذائياً من إحدى المؤسّسات العربية العاملة في الإغاثة داخل قطاع غزّة، وتفاجأ عند فتحه بعد وصوله إلى خيمته في خان يونس جنوب القطاع، أن الكثير من أصنافه فاسد وله رائحة كريهة.

ظهرت على معلبات اللحمة والتمر والمعكرونة التي كانت موجودة في الطرد الغذائي علامات تدلّ أنها فاسدة، وتبيّن أن بعض المواد الغذائية منتهي الصلاحية، منها كيس دقيق بسعة 25 كيلوغراماً، الذي بدا متحجّراً وتصدر منه رائحة عفن عند فتحه، إضافة إلى كيس من الحليب المجفّف مال لونه إلى الصفرة.

عبوة حليب منتهية الصلاحية

راجع عبد الله إدارة المخزن الذي تسلّم منه الطرد، وأخبرهم أن العديد من أصنافه فاسدة، فكان ردّهم أن هذا ما وصلهم من قِبل المؤسّسة العربية، ولا يمكن لهم تبديله أو حتى تسجيل شكواه.

تخلّص عبدالله من المواد الغذائية الفاسدة برميها في القمامة، خوفاً على صحّة أفراد عائلته.

وفي حادثة شبيهة في مدينة غزّة، تسلّمت عائلة سهام حمدان خبزاً ظهرت عليه علامات العفن، من قِبل إحدى المؤسّسات الدولية التي توزّع الخبز بشكل شبه دوري على النازحين.

تُظهر صور التي التقطتها عائلة حمدان لربطة الخبز انتشار العفن على سطح معظم الأرغفة، ما جعلهم يرمون الخبز في القمامة، وتناولوا الأرز عوضاً عنه، فالخبز شحيح في مخابز غزّة وأسعار الدقيق مرتفعة جداً.

وتحدّثت عائلة غزّية نازحة في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، عن وجبة غذائية فاسدة ولها رائحة نتنة حصلت عليها من مؤسّسة إغاثية محلّية.
وتواصلت العائلة مع إدارة المؤسّسة، وواجهتها بصور الوجبة الفاسدة، وكان الردّ أن السبب وراء ذلك يعود إلى الوقت الذي تستغرقه عمليّات النقل والانتظار الطويل قبل التوزيع.

وفي مشهد صادم، نشرت سيّدة مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت فيه مساعدة غذائية تعجّ بالديدان، حصلت عليها من إحدى المؤسّسات العربية، لإطعام أطفالها.

ووثّق الفيديو وجود الديدان داخل عدد من المعلّبات والمنتجات المغلّفة، الأمر الذي يؤكّد وجود خلل واضح في تخزين المساعدات الغذائية المقدّمة لسكّان غزّة قبل توزيعها.

تبيّن لنا من خلال المقابلات التي أجريناها مع عائلات غزّية، والصور التي وثّقت حوادث مشابهة كثيرة، بالإضافة إلى استبيان إلكتروني بعيّنة عشوائية وُزّعت على العائلات في مختلف المناطق في القطاع، أن هناك مؤسّسات تعمل على إيصال مساعدات غذائية للأهالي تحوي حقيقةً مواد فاسدة ومنتهية الصلاحية ولها روائح كريهة.

إذ يبدو أن هذه المؤسّسات لا تتّخذ أيّ نوع من إجراءات السلامة الغذائية لوقف تسليم الأهالي مواد فاسدة، بالإضافة إلى أنها لا تقبل شكاوى الناس والتعامل معهم، أو تضع عنواناً للتواصل من أجل استبدال المواد الفاسدة بأخرى آمنة، فالمساعدات الغذائية التي يحصل عليها الأهالي هي عامل نجدة لهم في ظلّ شحّ المواد الغذائية من جهة، وارتفاع أسعارها بشكل كبير من جهة أخرى، هذا إذا توفّرت أصلاً في الأسواق.

وعندما نقول مساعدات إنسانية نقصد بذلك جميع أشكال الدعم المادّي أو المعنوي التي تقدّمها المؤسّسات الرسمية أو المجتمعية، مثل المؤسّسات الدولية والأهلية والعائلية، للفئات المتضرّرة في الأوقات الطارئة أو غير العادية، والتي تنشأ نتيجة الكوارث الطبيعية أو الأزمات أو النزاعات المسلّحة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، وفقاً لـ”ائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة” المعروف بـ”أمان”.

تلف المساعدات

خلال الحرب، تكدّست كميّات كبيرة من المساعدات الغذائية في مخازن تابعة للأمم المتّحدة، ولمنظّمات عربية وأجنبية خارج غزّة، بسبب إغلاق إسرائيل المعابر لفترة طويلة، ما تسبّب بتلف بعضها.

وسبق أن حذّرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في أيّار/ مايو 2025، من تلف المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة والعالقة في المستودعات خارج القطاع جرّاء إغلاق المعابر.

وقالت الوكالة الأممية في منشور على حسابها على منصّة فيسبوك، خلال الحرب: “إن المساعدات الإنسانية، من طعام ومستلزمات نظافة وأدوية ومواد إيواء، عالقة في المستودعات خارج قطاع غزّة بسبب الحصار”.

وأوضحت أن المساعدات “المنقذة للحياة” باتت مع إغلاق المعابر “مهدّدة بالتلف، وهناك طعام لا يمكن للناس تناوله، وأدوية لا يمكنهم استخدامها”.
خلال انتظار شاحنات المساعدات الغذائية على الجانب المصري من معبر رفح، تلف العديد منها، وفقاً لتأكيدات سائقين مصريين.

كذلك، سبق أن أكّد الهلال الأحمر المصري في شمال سيناء، تلف مواد غذائية كانت تنتظر الدخول إلى غزّة، خاصّة الحليب والمعلّبات ومياه الشرب.

تشير نتائج الاستبيان التي وزّعها معدّ التحقيق إلكترونياً لسهولة الوصول إلى أفراد العيّنة، وشملت 376 مشاركاً من مختلف مناطق القطاع، إلى توزيع جغرافي متنوّع للعيّنة، حيث جاء شمال القطاع في المرتبة الأولى من حيث عدد المشاركين بواقع 152 مشاركاً أي بنسبة 40.4%، يليه جنوب القطاع بـ141 مشاركاً أي بنسبة 37.5%، وبلغ عدد المشاركين من وسط القطاع 83 مشاركاً أي بنسبة 22.1%.

يعكس هذا التوزيع حضوراً نسبياً لمختلف المناطق، الأمر الذي يمنح النتائج درجة معقولة من التمثيل الجغرافي لواقع السكّان في القطاع.

وأظهرت نتائج الاستبيان أن نسبة كبيرة من المشاركين أفادوا بتلقّيهم مساعدات غذائية فاسدة أو تحتوي على مواد فاسدة.

لم تكن المساعدات الغذائية التي وصلت إلى سكّان القطاع دائماً مصدر طمأنينة، فبالنسبة إلى 217 مشاركاً، أي ما نسبته 57.7% من المشاركين في الاستبيان، كانت تلك المساعدات عبارة عن مشكلة إضافية تمثّلت في فساد المواد وعدم صلاحيتها للاستهلاك.

في المقابل، قال 159 مشاركاً أي بنسبة 42.3% إنهم لم يواجهوا هذه المشكلة، ما يعكس تفاوتاً واضحاً في جودة المساعدات، وسط ظروف إنسانية بالغة التعقيد.

وعند سؤال المشاركين عن نوعية المواد الغذائية الفاسدة، ظهرت المعلّبات والبقوليات في المقدّمة، رغم أنها من المواد التي يُفترض أن تتحمّل فترات تخزين طويلة، وقد سُجّلت 227 حالة أي بنسبة 60.4% من هذا النوع، كما أبلغ 96 مشاركاً أي بنسبة 25.5% عن فساد الوجبات الغذائية الجاهزة، فيما أشار 53 مشاركاً أي بنسبة 14.1% إلى تسلّمه خبزاً فاسداً، في مؤشّر يعزّز المخاوف من وجود خلل في ظروف التخزين أو النقل قبل وصول المساعدات إلى الأسر المحتاجة.

ورغم اتّساع حجم المشكلة، فإن الغالبية الساحقة من المتضرّرين لم تتقدّم بشكاوى رسمية.

فقد أظهرت نتائج الاستبيان أن 313 مشاركاً أي بنسبة 83.7% لم يقدّموا أي شكوى، مقابل 61 مشاركاً فقط أي بنسبة 16.3% اعترضوا لدى جهات رسمية أو المؤسّسات الإغاثية المسؤولة.

ويعكس ذلك حالة من ضعف الثقة بفاعلية الشكاوى، أو غياب المعرفة بآليّات المتابعة، إلى جانب خشية بعض العائلات من فقدان المساعدات مستقبلاً إذا اعترضت على جودتها.

ولم تتوقّف الأزمة عند حدود المواد الفاسدة، إذ اضطرّ 69% من المشاركين للتخلّص من جزء من المساعدات الغذائية بعد اكتشاف تلفها، بينما قال 31% إنهم لم يضطرّوا لرمي أيّ من المساعدات، ويكشف ذلك عن حجم الهدر الذي يحصل، في وقت تعتمد فيه شريحة واسعة من سكّان غزة على المساعدات الإنسانية، باعتبارها المصدر الرئيسي للغذاء في ظلّ الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة.

عموماً، ترسم نتائج الاستبيان صورة مقلقة عن جودة بعض المساعدات الغذائية المقدّمة في القطاع، كما تكشف عن فجوات واضحة في الرقابة وآليّات المتابعة والتعامل مع شكاوى المواطنين، وتشير المعطيات إلى أن المشكلة قد لا تقتصر على فساد بعض المواد فقط، بل تمتدّ إلى مراحل التخزين والنقل والفحص قبل التوزيع، الأمر الذي يستدعي تعزيز الرقابة وضمان وصول مساعدات آمنة وسليمة إلى السكّان.

أرقام صادمة

البيانات الصحافية الصادرة عن بلديات قطاع غزّة ووزارة الاقتصاد حول عمليّات إتلاف مواد غذائية فاسدة ومنتهية الصلاحية من بداية كانون الثاني/ يناير 2025 حتى نهاية شباط/ فبراير من العام نفسه، وهي ضمن الفترة التي حصل عليها أيضاً مستفيدون مساعدات فاسدة.

أظهرت المعطيات أن الجهات الرقابية أتلفت كميّات كبيرة من الموادّ غير الصالحة للاستخدام، حيث بلغ إجمالي ما تمّ إتلافه نحو 102 أطنان، شملت 44 طناً من المجمّدات الفاسدة، و34.486 طناً خلال شهر شباط/ فبراير من مواد غذائية وغير غذائية منتهية الصلاحية أو فاسدة، إضافة إلى 13 طناً أتلفتها بلدية غزّة، و5.2 أطنان من الأغذية، إلى جانب إتلاف نحو 1124.9 كيلوغراماً من منتجات ظهرت عليها علامات فساد، و2720 كيلوغراماً من الأرز المتعفّن، و1761 كيلوغراماً من المجمّدات غير الصالحة للاستهلاك، وذلك ضمن حملات رقابية مستمرّة لحماية صحّة المواطنين وضمان سلامة الغذاء في الأسواق.

في التفاصيل، أتلفت بلدية غزّة 13 طناً من المواد الغذائية غير الصالحة للاستهلاك، في إطار جهودها لحماية الصحّة العامّة وضمان سلامة المواطنين، وذلك من بداية شهر كانون الثاني/ يناير 2026 حتى بداية شهر آذار/ مارس 2026.
وأكّدت البلدية أن الإجراءات الإدارية المتّبعة تقضي بتحويل التاجر المخالف إلى مباحث التموين لاتّخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقّه، إلى جانب إلزامه بالشروط الصحّية المعتمدة.

وأشارت إلى أن هذه الإجراءات تأتي في ظلّ غياب المحاكم، بخلاف ما كان معمولاً به قبل الحرب، الأمر الذي دفع الجهات المختصّة إلى اعتماد إجراءات إدارية بديلة لضبط المخالفات، في حين تكتفي الجهات الموجودة بإتلاف الكميّات الفاسدة دون تنفيذ مهمّات اعتقال، لعدم وجود سجون أو محاكم فعّالة.
كما أتلفت بلدية خان يونس، بالتعاون مع مفتّشي وزارة الاقتصاد الوطني ومباحث التموين وشرطة البلديات، نحو 44 طناً من المجمّدات الفاسدة، إضافة إلى 5.2 أطنان من الأغذية خلال شهر رمضان.

عقوبات غائبة

يضع القانون الفلسطيني إطاراً واضحاً لحماية المستهلك والصحّة العامّة، من خلال فرض عقوبات على تداول المواد الغذائية الفاسدة أو الضارّة، سواء كانت مخصّصة للبيع أو للتوزيع المجّاني ضمن المساعدات الإنسانية، ولكنّها غير منفّذة بسبب حالة الحرب وما تبعها من تدمير المؤسّسات وغياب المحاكم.

المستشار القانوني عبدالله شرشرة بيّن أن قانون حماية المستهلك الفلسطيني ينظّم مسألة تداول المواد الغذائية بشكل واضح، لا سيّما من خلال المادّة (27)، التي شدّد فيها المشرّع على حماية الصحّة العامّة وحقوق المستهلك.

وقال شرشرة: “إن القانون أقرّ عقوبات رادعة نسبياً، تتمثّل في السجن لمدّة قد تصل إلى عشر سنوات، أو غرامة مالية تصل إلى عشرة آلاف دينار أردني، أو كلتا العقوبتين معاً، إضافة إلى تدابير تكميلية مثل إتلاف البضائع الفاسدة وضبط الأدوات غير القانونية، ما يعكس إدراك المشرّع لخطورة هذه الجرائم وتأثيرها المباشر على صحّة المواطنين”.

وأشار شرشرة إلى أنه “لا يوجد نصّ صريح في قانون حماية المستهلك رقم (21) لسنة 2005 من القانون الأساسي الفلسطيني، ساري النفاذ في قطاع غزّة والضفّة الغربية، يتناول المساعدات بشكل مباشر، إلا أن القواعد العامّة تنطبق على كل من يتداول المواد الغذائية، سواء كانت للبيع أو التوزيع المجّاني”.

ولفت إلى أنه “يمكن تطبيق أحكام قانون العقوبات رقم 74 لسنة 1936، وخاصّة المادّة (196) منه، التي تجرّم بيع أو حيازة مواد غذائية ضارّة بالصحّة، مع العلم بذلك، وتفرض عقوبة الحبس لمدّة تصل إلى سنة”.

واعتبر شرشرة أن “الإشكالية الأساسية لا تكمن في غياب النصوص القانونية، بل في ضعف أدوات إنفاذ القانون على أرض الواقع”، موضحاً أن “فعّالية القوانين تظلّ مرهونة بوجود أجهزة رقابية قادرة على التفتيش المستمرّ، وضبط المخالفات، وإحالتها إلى القضاء بشكل مهني وسريع”.

ومن بين أن أدوات إنفاذ القانون تشمل جملة من الآليّات المؤسّسية والعملية، مثل فرق التفتيش الميداني، والمختبرات المعتمدة لفحص جودة وسلامة الغذاء، والنيابة العامّة المتخصّصة، إضافة إلى القدرة على تنفيذ الأحكام القضائية.

واعتبر أنه “في حال ضعف هذه الأدوات وهي فرق التفتيش، والنيابة، ومختبرات فحص المواد، يصبح النصّ القانوني مجرّد إطار نظري غير قادر على تحقيق الردع المطلوب”، مؤكّداً أن “تعدّد الجهات الرقابية وتداخل صلاحياتها؛ والمقصود البلديات وعدد من الوزارات، دون تنسيق فعّال، يؤدّي إلى فجوات في المتابعة والمساءلة، ما يسمح بمرور مواد غذائية فاسدة إلى الأسواق أو حتى ضمن المساعدات الإنسانية دون رقابة كافية”، مشيراً إلى أن “محدودية الموارد البشرية والمالية وضعف الإمكانيات الفنّية، خاصّة في البيئات الهشّة، تزيدان من تعقيد المشكلة”.

ولفت إلى أن “غياب أو ضعف أدوات إنفاذ القانون لا يقلّان خطورة عن غياب النصّ ذاته، بل قد يؤدّيان عملياً إلى تعطيل تطبيقه، ويشجّعان بعض المخالفين على الاستمرار في ممارساتهم في ظلّ غياب المساءلة الحقيقية”، مؤكّداً أن “تعزيز منظومة الإنفاذ، وليس فقط التشريع، يُعدّ شرطاً أساسياً لحماية الصحّة العامّة وضمان سلامة الغذاء”.

تعقيدات سلاسل الإمداد

من جهته، يؤكّد وائل بعلوشة مدير مكتب غزّة الإقليمي في “الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة” أو “أمان” أن “غياب أو ضعف آليّات الرقابة هما من العوامل الرئيسية، التي قد تؤدّي إلى وصول مواد غذائية غير صالحة إلى المستفيدين”.
والواقع في قطاع غزّة، بحسب بعلوشة في أعقاب حرب مدمّرة “يتجاوز هذا العامل ليعكس صورة أكثر تعقيداً تتداخل فيها مجموعة من التحدّيات البنيوية والإنسانية، بعدما أسهمت الحرب، في إحداث انهيار واسع في البنية المؤسّسية والرقابية، حيث تعطّل العديد من الجهات الحكومية وأجهزة التفتيش الصحّي، ما أوجد فراغاً رقابياً فعلياً، وأضعف القدرة على فحص جودة المواد الغذائية ومتابعة سلاسل التوريد بشكل منتظم”.

في المقابل، تواجه الجهات الإغاثية ضغوطاً إنسانية هائلة لتأمين الغذاء بشكل سريع لمئات الآلاف من المتضرّرين، الأمر الذي قد ينعكس أحياناً على مستوى إجراءات التدقيق والفحص، أو يدفع للاعتماد على مورّدين لم يخضعوا لتقييم كافٍ، حسب بعلوشة.

وتلعب تعقيدات سلاسل الإمداد، كما يوضح بعلوشة، دوراً محورياً في هذه الإشكالية، في ظلّ الحصار وإغلاق المعابر، إلى جانب صعوبات النقل والتخزين، خاصّة مع انقطاع التيار الكهربائي. هذه الظروف قد تؤدّي إلى تلف المواد الغذائية، حتى وإن كانت سليمة عند توريدها.

ويزيد من تعقيد المشهد تعدّد الجهات العاملة في مجال الإغاثة، سواء المحلّية أو الدولية، في ظلّ غياب إطار تنسيقي فعّال، ما يفضي إلى حالة من التداخل والازدواجية في بعض المناطق، مقابل نقص في مناطق أخرى، ويفتح المجال لمرور مواد غير مطابقة للمواصفات، وفق بعلوشة.

وعليه، يوضح بعلوشة أن “غياب الرقابة لا يمثّل السبب الوحيد، لكنّه يشكّل عاملاً محورياً يتقاطع مع هذه التحدّيات. وتستدعي معالجة هذه الإشكالية تبنّي مجموعة من الإجراءات العاجلة، من أبرزها إنشاء آليّات رقابة طارئة تتناسب مع ظروف الحرب، وإشراك جهات رقابية مستقلّة، محلّية ودولية، وتحسين نظم التتبّع والتخزين وسلاسل الإمداد، وتعزيز الشفافية والمساءلة في مختلف مراحل التوزيع”.

ويُعدّ الإفصاح الواضح عن مصادر المساعدات، وتواريخ صلاحياتها، وآليّات تخزينها ونقلها، عنصراً أساسياً في تمكين المستفيدين من أداء دور رقابي فعّال، كما تبرز أهمّية توفير قنوات آمنة لتلقّي الشكاوى، تتيح الإبلاغ عن المشكلات ومعالجتها بجدية وشفافية، بحسب بعلوشة.

وأمام استمرار غياب الرقابة، واختلال سلاسل الإمداد، والقيود المفروضة على المعابر، يجد المواطن الفلسطيني في غزّة نفسه ضحيّة لمساعدات غذائية غير آمنة، في انعكاس واضح لتفاقم الأزمة الإنسانية وغياب الضوابط الكفيلة بحماية حقوقه الأساسية.