ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

في فرنسا…شتّان بين مارين ومارين!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

المقارنة في فرنسا بين مارين لوبان ومارين توندوليه ليست في اختلاف برامجهما السياسية أو موقعيهما على الخريطة الحزبية الفرنسية، بل في الطريقة التي جرى فيها توظيف هاتين التجربتين الشخصيتين في الساحة السياسية…

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لو وضعنا جانبا الاسم الأوّل، لن نجد ما يجمع مارين لوبان بمارين توندوليه، فنقاط التباين تفوق القواسم المشتركة. الأولى هي الزعيمة المُؤسِسة لحزب “التجمّع الوطني”، أبرز أحزاب اليمين المتطرّف الفرنسي، فيما تتولّى الثانية منصب السكرتيرة الوطنية لحزب “البيئة” المصنّف في خانة اليسار. 

الاستعدادات للانتخابات الرئاسية الفرنسية أتت لتؤكّد التناقض بين السيّدتين: صحيح أن المعركة الانتخابية لم تنطلق بعد، لكنّ ملامحها الأوّلية تكشف الهوّة بين لوبان وتوندوليه. المقصود بالهوّة ليس البرامج السياسية المختلفة، بل الأثر الذي ستتركه كل واحدة منهما.

لنبدأ بالجانب السلبي من المقارنة: تُحاكم مارين لوبان، إلى جانب شخصيّات أخرى من حزبها بتهمة اختلاس أموال عامّة من البرلمان الأوروبي قُدّرت بـ 2.8 مليون يورو. بحسب التحقيقات، اتّضح أن مرتّبات عدد من الموظّفين العاملين لصالح حزب “التجمّع الوطني” سُدِّدت من الميزانية المخصّصة لرواتب المساعدين البرلمانيين الأوروبيين وبتوجيه من لوبان. 

في 31 آذار/ مارس 2025 صدر حكم قضى بإدانتها وسجنها ومنعها من الترشّح لمدّة خمس سنوات. محكمة الاستئناف أكّدت الإدانة بتاريخ 7 تمّوز/ يوليو 2026، لكن مع تخفيف الحكم على نحو يسمح لها بالترشّح للانتخابات الرئاسية، مع وضعها تحت المراقبة بواسطة سوار ألكتروني، ما يعد مرادفاً للسجن. 

لوبان التي تعهّدت في وقت سابق بعدم خوض معركة انتخابية بسوار ألكتروني، قرّرت اللجوء إلى محكمة النقض “لإثبات براءتها”، على حدّ تعبيرها. لكن على أرض الواقع، تقوم استراتيجيتها على الاستفادة من حقوقها القانونية للهروب إلى الأمام، فاللجوء إلى محكمة النقض يُعلّق تنفيذ الأحكام الصادرة بحقّها ما يسمح لها بإطلاق حملتها الانتخابية متسلّحة بـ”قرينة البراءة”.

محكمة الاستئناف تعمّدت إمساك العصا من الوسط، أي إدانة لوبان دون منعها من الترشّح، كي لا تُتّهم بالتأثير على مسار العمليّة الانتخابية من خلال “غربلة المرشّحين”. لوبان أدركت هذه المسألة ما فتح شهيّتها لفرض إيقاعها على المسار القضائي عبر المضيّ بحملتها الانتخابية: إذا كانت محكمة الاستئناف قرّرت تجنّب الصدام مع الرأي العامّ الفرنسي بالنظر إلى التوقيت السياسي والانتخابي، تراهن لوبان على دفع محكمة النقض إلى اتّخاذ موقف مشابه، خاصّة وأن حكم النقض قد يصدر في شهر نيسان/ أبريل 2027، أي في خضم المعركة الانتخابية الرئاسية. 

وعلى سبيل التوضيح، اللجوء إلى محكمة النقض لا يعني إعادة المحاكمة، بل تنحصر صلاحية هذه المحكمة بالبتّ في قانونية حكم الاستئناف. في حال أقرّت محكمة النقض بوجود خلل ما، يُحال الملفّ إلى محكمة استئناف أخرى لإعادة المحاكمة.

بعيداً عن المناورات القانونية، ثمّة واقع لا يمكن القفز من فوقه: الحُكم المخفّف لم يلغِ الإدانة. 

من الناحية القانونية تمارس لوبان حقوقها كأيّ مواطن فرنسي، لكن من منظور سياسي ينطوي الأمر على دلالة بالغة الخطورة: بمعزل عن قرينة البراءة التي سيعاد تفعيلها تلقائياً، يبقى أن إصرارها على الترشّح يحمل تحدّياً وحتى ازدراء لقرارين قضائيين، ما يشير إلى منطق سياسي يُعلي من شأن الديمقراطية الشعبوية على حساب سلطة القانون. بعبارة أخرى، تضع لوبان “الإرادة الشعبية” في مواجهة الضوابط القانونية. 

علاوة على ذلك، قرار المدّعي العامّ لمحكمة الاستئناف، في 15 تمّوز/ يوليو 2026، بالامتناع عن الطعن في الحكم أمام محكمة النقض، قد يجري تطويعه من قبل المرشّحة اليمينية المتطرّفة معتبرة إيّاه إقراراً سياسياً بصوابية “سموّ الإرادة الشعبية على الضوابط القانونية”.

 يضاف إلى ما سبق ازدواجية معاييرها، بعدما روّجت طوال سنوات لنزاهة حزبها وعدم تورّطه في أيّ قضيّة فساد، بغرض طرح نفسها كبديل موثوق. تصريحها الأبرز في هذا السياق يعود إلى العام 2013، حين طالبت “بالحكم على كل سياسي يُدان قضائياً بالمنع من الترشّح إلى الأبد”، لنشهد “تكويعة سياسية وإعلامية” عقب الحكم المزدوج. 

موقع “ميديا بارت” الاستقصائي الذي كشف عن القضيّة، وصف خطوة لوبان بـ”استراتيجية الإصبع الأوسط“. وفقا للصحافيين الذين تتبّعوا الملفّ، تستغلّ لوبان جهل الرأي العامّ بالتفاصيل التقنية القضائية لتصدير روايتها التبسيطية القائمة على نظرية المؤامرة.

الصحافيون اعتبروا أننا لم نصل إلى هذا الوضع عن عبث، بعدما تقاعست لوبان عن التعاون مع التحقيق طوال سنوات كي تجري المحاكمة في توقيت سياسي وانتخابي حسّاس، وأشاروا إلى أن لوبان وعلى عكس ما تدّعيه، استفادت من اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، إذ ليس معهوداً إصدار أحكام الاستئناف بهذه السرعة، ولولا الظرف السياسي والانتخابي لما تمتّعت بحكم مخفّف بوقت قياسي، حُكم سمح لها بالترشّح للانتخابات الرئاسية للمرّة الرابعة على التوالي.

 ولم يتردّد الصحافيون في استنكار مضمون حكم الاستئناف: “كيف يُسمح لسياسية فاسدة بالاستمرار في تولّي المناصب؟ الأمر أشبه بغضّ النظر عن خطأ طبّي قاتل”.

طبعاً من حقّ أيّ مدان اللجوء إلى كافّة الوسائل القانونية المتاحة. بالمقابل لا يمكن تحييد التبعات السياسية، فالمُدانة شخصيّة عامّة لديها حظوظ للفوز بكرسي الإليزيه، وعليه، كيف يمكن لشخص مطعون في نزاهته، بناء على حكمين قضائيين، تولّي أعلى منصب رسمي في فرنسا؟ وأيّ رسالة ترسلها إلى الرأي العامّ الفرنسي؟ هل ستعمد، في حال فوزها، إلى تطبيق سياستها المتطرّفة دون أيّ اعتبار قانوني ودستوري باسم الشرعية الشعبية؟ 

لوبان توظّف القانون والقضاء والعمليّة الانتخابية لمصالحها الشخصية، أي لتحصين نفسها من الملاحقة القانونية، رغم إقرارها الضمني بالإدانة، وهو ما أشار إليه صحافيون متابعون للقضيّة، بعدما لاحظوا تراجعاً في خطابها الحادّ والصدامي ما بين الحكم الابتدائي وحكم الاستئناف.

على المقلب الآخر، تُعَدّ مارين توندوليه الوجه النقيض لمارين لوبان. صحيح أن حزب “البيئة” لم يحسم حتى الساعة استراتيجيته للانتخابات الرئاسية، لكنّ ترشّح مارين توندوليه يبقى مطروحاً. في حال ترشّحها، ستسجّل توندوليه سابقة على الصعيد الفرنسي لكونها أوّل إمرأة تخوض المعركة الرئاسية وهي حامل. 

توندوليه كشفت عن حملها أواخر شهر آذار/ مارس الفائت، في مقابلة تلفزيونية على محطّة LCI وحديث صحافي لمجلة ELLE. هدف توندوليه لم يكن تعويم نفسها “نسوياً” بقدر إحداث صدمة إيجابية خدمةً للفرنسيات. 

لم تخفِ توندوليه رسالتها السياسية: لن أتخلّى عن الجنين لصالح الاستحقاق الرئاسي، ولن أتنحى عن خوضه لصالح الاحتفاظ بالجنين الذي وصفته بـ”الطفل المعجزة” بعد عدّة محاولات فاشلة للحمل، طبيعياً وبالتلقيح الصناعي، أوصلتها إلى حافّة اليأس من إنجاب طفل ثانٍ. توندوليه أوضحت أن موعد ولادة طفلها سيكون في أيلول/ سبتمبر 2026 الذي يُعدّ شهر الانطلاقة غير الرسمية للاستحقاق الرئاسي.

توندوليه ليست المرأة الفرنسية الأولى التي تزاول نشاطاً سياسياً وهي حامل، لكنّ خطوتها تكتسب دلالة مختلفة ومستوى آخر من التحدّي السياسي والاجتماعي، ذلك أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية تُعدّ الاستحقاق السياسي الأبرز في فرنسا. كما لا يقتصر التمايز بين المرشّحين على البرنامج الانتخابي أو الهويّة السياسية، بل يمتدّ أيضا إلى الاعتبارات الشخصية التي تصبح جزءاً من الخطاب الانتخابي. 

صحيح أنه لم يعد مستهجناً تولّي إمرأة رئاسة الجمهورية أو الحكومة الفرنسية، لكنّ خطوة توندوليه من شأنها تثبيت حقّ النساء في تبوّوء المناصب وفق قواعدهن الخاصّة، لا سيّما حين يصل الأمر إلى حدود الجسد. بعبارة أخرى، هن اللواتي يفرضن إيقاعهن لا الأعراف السياسية الذكورية. 

على سبيل المثال، أعادت توندوليه دعمها لاقتراح تقدّمت به إحدى النائبات، ينصّ على تمكين النائب(ة) الرديف(ة) من ممارسة المهام البرلمانية طوال فترة إجازة الأمومة التي تستفيد منها أيّ نائبة فرنسية.

تجربة توندوليه الشخصية ستدفعها إلى تصدير الصعوبات التي تواجهها النساء الفرنسيات، لا سيّما اللواتي يعانين من العقم: خوضها تجربة التلقيح الصناعي وتحدّياتها، حفزّها على طرح اقتراح يسمح بإجراء فحوصات وتحاليل مجّانية لتقييم فرص نجاح التلقيح، كما اقتراح آخر يقضي باستحداث “إجازة الإجهاض التلقائي” لتستفيد منها كل الفرنسيات العاملات.

غاية توندوليه ليست استغلال حملها طلباً لمعاملة استثنائية أو رفعاً لأسهمها السياسية، بقدر تحويل معركتها وتحدّياتها الشخصية إلى منبر لتصدير قضايا تمسّ ملايين النساء الفرنسيات، وإلى مدخل لنقاش عامّ حيال الحاجة إلى مواءمة البيئة السياسية وسوق العمل مع التحوّلات الاجتماعية.  وهنا يكمن الفارق مع مارين لوبان التي تستخدم معركتها الشخصية لترسيخ ثقافة سياسية عنوانها: الهيمنة على القضاء. 

المقارنة بين “المارينين” ليست في اختلاف برامجهما السياسية أو موقعيهما على الخريطة الحزبية الفرنسية، بل في الطريقة التي جرى فيها توظيف هاتين التجربتين الشخصيتين. هكذا نجد أنفسنا أمام مرشّحتين لرئاسة الجمهورية الفرنسية تحملان الاسم نفسه، إنما برؤيتين مختلفتين لممارسة الشأن العامّ: الأولى تحاول إخضاع الترسانة القضائية بما يتكيّف مع مصالحها الشخصية، فيما تسعى الثانية إلى توظيف تجربتها الشخصية وجعلها رافعة لتطوير الترسانة القانونية.

18.07.2026
زمن القراءة: 6 minutes

المقارنة في فرنسا بين مارين لوبان ومارين توندوليه ليست في اختلاف برامجهما السياسية أو موقعيهما على الخريطة الحزبية الفرنسية، بل في الطريقة التي جرى فيها توظيف هاتين التجربتين الشخصيتين في الساحة السياسية…

لو وضعنا جانبا الاسم الأوّل، لن نجد ما يجمع مارين لوبان بمارين توندوليه، فنقاط التباين تفوق القواسم المشتركة. الأولى هي الزعيمة المُؤسِسة لحزب “التجمّع الوطني”، أبرز أحزاب اليمين المتطرّف الفرنسي، فيما تتولّى الثانية منصب السكرتيرة الوطنية لحزب “البيئة” المصنّف في خانة اليسار. 

الاستعدادات للانتخابات الرئاسية الفرنسية أتت لتؤكّد التناقض بين السيّدتين: صحيح أن المعركة الانتخابية لم تنطلق بعد، لكنّ ملامحها الأوّلية تكشف الهوّة بين لوبان وتوندوليه. المقصود بالهوّة ليس البرامج السياسية المختلفة، بل الأثر الذي ستتركه كل واحدة منهما.

لنبدأ بالجانب السلبي من المقارنة: تُحاكم مارين لوبان، إلى جانب شخصيّات أخرى من حزبها بتهمة اختلاس أموال عامّة من البرلمان الأوروبي قُدّرت بـ 2.8 مليون يورو. بحسب التحقيقات، اتّضح أن مرتّبات عدد من الموظّفين العاملين لصالح حزب “التجمّع الوطني” سُدِّدت من الميزانية المخصّصة لرواتب المساعدين البرلمانيين الأوروبيين وبتوجيه من لوبان. 

في 31 آذار/ مارس 2025 صدر حكم قضى بإدانتها وسجنها ومنعها من الترشّح لمدّة خمس سنوات. محكمة الاستئناف أكّدت الإدانة بتاريخ 7 تمّوز/ يوليو 2026، لكن مع تخفيف الحكم على نحو يسمح لها بالترشّح للانتخابات الرئاسية، مع وضعها تحت المراقبة بواسطة سوار ألكتروني، ما يعد مرادفاً للسجن. 

لوبان التي تعهّدت في وقت سابق بعدم خوض معركة انتخابية بسوار ألكتروني، قرّرت اللجوء إلى محكمة النقض “لإثبات براءتها”، على حدّ تعبيرها. لكن على أرض الواقع، تقوم استراتيجيتها على الاستفادة من حقوقها القانونية للهروب إلى الأمام، فاللجوء إلى محكمة النقض يُعلّق تنفيذ الأحكام الصادرة بحقّها ما يسمح لها بإطلاق حملتها الانتخابية متسلّحة بـ”قرينة البراءة”.

محكمة الاستئناف تعمّدت إمساك العصا من الوسط، أي إدانة لوبان دون منعها من الترشّح، كي لا تُتّهم بالتأثير على مسار العمليّة الانتخابية من خلال “غربلة المرشّحين”. لوبان أدركت هذه المسألة ما فتح شهيّتها لفرض إيقاعها على المسار القضائي عبر المضيّ بحملتها الانتخابية: إذا كانت محكمة الاستئناف قرّرت تجنّب الصدام مع الرأي العامّ الفرنسي بالنظر إلى التوقيت السياسي والانتخابي، تراهن لوبان على دفع محكمة النقض إلى اتّخاذ موقف مشابه، خاصّة وأن حكم النقض قد يصدر في شهر نيسان/ أبريل 2027، أي في خضم المعركة الانتخابية الرئاسية. 

وعلى سبيل التوضيح، اللجوء إلى محكمة النقض لا يعني إعادة المحاكمة، بل تنحصر صلاحية هذه المحكمة بالبتّ في قانونية حكم الاستئناف. في حال أقرّت محكمة النقض بوجود خلل ما، يُحال الملفّ إلى محكمة استئناف أخرى لإعادة المحاكمة.

بعيداً عن المناورات القانونية، ثمّة واقع لا يمكن القفز من فوقه: الحُكم المخفّف لم يلغِ الإدانة. 

من الناحية القانونية تمارس لوبان حقوقها كأيّ مواطن فرنسي، لكن من منظور سياسي ينطوي الأمر على دلالة بالغة الخطورة: بمعزل عن قرينة البراءة التي سيعاد تفعيلها تلقائياً، يبقى أن إصرارها على الترشّح يحمل تحدّياً وحتى ازدراء لقرارين قضائيين، ما يشير إلى منطق سياسي يُعلي من شأن الديمقراطية الشعبوية على حساب سلطة القانون. بعبارة أخرى، تضع لوبان “الإرادة الشعبية” في مواجهة الضوابط القانونية. 

علاوة على ذلك، قرار المدّعي العامّ لمحكمة الاستئناف، في 15 تمّوز/ يوليو 2026، بالامتناع عن الطعن في الحكم أمام محكمة النقض، قد يجري تطويعه من قبل المرشّحة اليمينية المتطرّفة معتبرة إيّاه إقراراً سياسياً بصوابية “سموّ الإرادة الشعبية على الضوابط القانونية”.

 يضاف إلى ما سبق ازدواجية معاييرها، بعدما روّجت طوال سنوات لنزاهة حزبها وعدم تورّطه في أيّ قضيّة فساد، بغرض طرح نفسها كبديل موثوق. تصريحها الأبرز في هذا السياق يعود إلى العام 2013، حين طالبت “بالحكم على كل سياسي يُدان قضائياً بالمنع من الترشّح إلى الأبد”، لنشهد “تكويعة سياسية وإعلامية” عقب الحكم المزدوج. 

موقع “ميديا بارت” الاستقصائي الذي كشف عن القضيّة، وصف خطوة لوبان بـ”استراتيجية الإصبع الأوسط“. وفقا للصحافيين الذين تتبّعوا الملفّ، تستغلّ لوبان جهل الرأي العامّ بالتفاصيل التقنية القضائية لتصدير روايتها التبسيطية القائمة على نظرية المؤامرة.

الصحافيون اعتبروا أننا لم نصل إلى هذا الوضع عن عبث، بعدما تقاعست لوبان عن التعاون مع التحقيق طوال سنوات كي تجري المحاكمة في توقيت سياسي وانتخابي حسّاس، وأشاروا إلى أن لوبان وعلى عكس ما تدّعيه، استفادت من اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، إذ ليس معهوداً إصدار أحكام الاستئناف بهذه السرعة، ولولا الظرف السياسي والانتخابي لما تمتّعت بحكم مخفّف بوقت قياسي، حُكم سمح لها بالترشّح للانتخابات الرئاسية للمرّة الرابعة على التوالي.

 ولم يتردّد الصحافيون في استنكار مضمون حكم الاستئناف: “كيف يُسمح لسياسية فاسدة بالاستمرار في تولّي المناصب؟ الأمر أشبه بغضّ النظر عن خطأ طبّي قاتل”.

طبعاً من حقّ أيّ مدان اللجوء إلى كافّة الوسائل القانونية المتاحة. بالمقابل لا يمكن تحييد التبعات السياسية، فالمُدانة شخصيّة عامّة لديها حظوظ للفوز بكرسي الإليزيه، وعليه، كيف يمكن لشخص مطعون في نزاهته، بناء على حكمين قضائيين، تولّي أعلى منصب رسمي في فرنسا؟ وأيّ رسالة ترسلها إلى الرأي العامّ الفرنسي؟ هل ستعمد، في حال فوزها، إلى تطبيق سياستها المتطرّفة دون أيّ اعتبار قانوني ودستوري باسم الشرعية الشعبية؟ 

لوبان توظّف القانون والقضاء والعمليّة الانتخابية لمصالحها الشخصية، أي لتحصين نفسها من الملاحقة القانونية، رغم إقرارها الضمني بالإدانة، وهو ما أشار إليه صحافيون متابعون للقضيّة، بعدما لاحظوا تراجعاً في خطابها الحادّ والصدامي ما بين الحكم الابتدائي وحكم الاستئناف.

على المقلب الآخر، تُعَدّ مارين توندوليه الوجه النقيض لمارين لوبان. صحيح أن حزب “البيئة” لم يحسم حتى الساعة استراتيجيته للانتخابات الرئاسية، لكنّ ترشّح مارين توندوليه يبقى مطروحاً. في حال ترشّحها، ستسجّل توندوليه سابقة على الصعيد الفرنسي لكونها أوّل إمرأة تخوض المعركة الرئاسية وهي حامل. 

توندوليه كشفت عن حملها أواخر شهر آذار/ مارس الفائت، في مقابلة تلفزيونية على محطّة LCI وحديث صحافي لمجلة ELLE. هدف توندوليه لم يكن تعويم نفسها “نسوياً” بقدر إحداث صدمة إيجابية خدمةً للفرنسيات. 

لم تخفِ توندوليه رسالتها السياسية: لن أتخلّى عن الجنين لصالح الاستحقاق الرئاسي، ولن أتنحى عن خوضه لصالح الاحتفاظ بالجنين الذي وصفته بـ”الطفل المعجزة” بعد عدّة محاولات فاشلة للحمل، طبيعياً وبالتلقيح الصناعي، أوصلتها إلى حافّة اليأس من إنجاب طفل ثانٍ. توندوليه أوضحت أن موعد ولادة طفلها سيكون في أيلول/ سبتمبر 2026 الذي يُعدّ شهر الانطلاقة غير الرسمية للاستحقاق الرئاسي.

توندوليه ليست المرأة الفرنسية الأولى التي تزاول نشاطاً سياسياً وهي حامل، لكنّ خطوتها تكتسب دلالة مختلفة ومستوى آخر من التحدّي السياسي والاجتماعي، ذلك أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية تُعدّ الاستحقاق السياسي الأبرز في فرنسا. كما لا يقتصر التمايز بين المرشّحين على البرنامج الانتخابي أو الهويّة السياسية، بل يمتدّ أيضا إلى الاعتبارات الشخصية التي تصبح جزءاً من الخطاب الانتخابي. 

صحيح أنه لم يعد مستهجناً تولّي إمرأة رئاسة الجمهورية أو الحكومة الفرنسية، لكنّ خطوة توندوليه من شأنها تثبيت حقّ النساء في تبوّوء المناصب وفق قواعدهن الخاصّة، لا سيّما حين يصل الأمر إلى حدود الجسد. بعبارة أخرى، هن اللواتي يفرضن إيقاعهن لا الأعراف السياسية الذكورية. 

على سبيل المثال، أعادت توندوليه دعمها لاقتراح تقدّمت به إحدى النائبات، ينصّ على تمكين النائب(ة) الرديف(ة) من ممارسة المهام البرلمانية طوال فترة إجازة الأمومة التي تستفيد منها أيّ نائبة فرنسية.

تجربة توندوليه الشخصية ستدفعها إلى تصدير الصعوبات التي تواجهها النساء الفرنسيات، لا سيّما اللواتي يعانين من العقم: خوضها تجربة التلقيح الصناعي وتحدّياتها، حفزّها على طرح اقتراح يسمح بإجراء فحوصات وتحاليل مجّانية لتقييم فرص نجاح التلقيح، كما اقتراح آخر يقضي باستحداث “إجازة الإجهاض التلقائي” لتستفيد منها كل الفرنسيات العاملات.

غاية توندوليه ليست استغلال حملها طلباً لمعاملة استثنائية أو رفعاً لأسهمها السياسية، بقدر تحويل معركتها وتحدّياتها الشخصية إلى منبر لتصدير قضايا تمسّ ملايين النساء الفرنسيات، وإلى مدخل لنقاش عامّ حيال الحاجة إلى مواءمة البيئة السياسية وسوق العمل مع التحوّلات الاجتماعية.  وهنا يكمن الفارق مع مارين لوبان التي تستخدم معركتها الشخصية لترسيخ ثقافة سياسية عنوانها: الهيمنة على القضاء. 

المقارنة بين “المارينين” ليست في اختلاف برامجهما السياسية أو موقعيهما على الخريطة الحزبية الفرنسية، بل في الطريقة التي جرى فيها توظيف هاتين التجربتين الشخصيتين. هكذا نجد أنفسنا أمام مرشّحتين لرئاسة الجمهورية الفرنسية تحملان الاسم نفسه، إنما برؤيتين مختلفتين لممارسة الشأن العامّ: الأولى تحاول إخضاع الترسانة القضائية بما يتكيّف مع مصالحها الشخصية، فيما تسعى الثانية إلى توظيف تجربتها الشخصية وجعلها رافعة لتطوير الترسانة القانونية.