تتعرّض الضحايا لأبشع أساليب التعذيب النفسي والجسدي، وفق شهادات ناجيات تحدثن لمنظمات حقوقية عضوة في تحالف “ميثاق العدالة من أجل اليمن”، الذي يتخصص بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد.
ووثقت الشهادات روايات نساء أُجبرن على الوقوف لساعات بلا حركة، أو النوم على أرضيات قاسية بلا فراش أو غطاء، بينما تعلو أصوات الصراخ من الزنازين المجاورة، ويتعرض بعضهن لتحرش جنسي.
وفرقة “الزينبيات” النسائية، أنشأتها جماعة الحوثيين، لتكون أداة قمع وإرهاب ضد المرأة اليمنية، لكن مهمتها الأساسية هي التجنيد.
ويشرح مصدر مطلع للتحالف أن “الزينبيات” تتبع لوحدة استخبارات الحوثيين، مهمتها الأساسية تجنيد نساء لتكليفهن بمهام الإيقاع بالمعارضين السياسيين، ما يفسر تغيّر موقف بعض الناشطين والسياسيين الذين اصطفّوا مع الحوثيين.
ويقول المصدر إن مجموعة “الزينبيات” تعمل بهدوء لاختراق المجتمع وجمع المعلومات، وتنشط في قطاعات حيوية مثل التعليم العالي، لممارسة السيطرة على الطالبات وتقييد حريتهن.
ولم تقتصر مهمة “الزينبيات” على التجسس والمراقبة فحسب، بل تجاوزتها إلى الاعتقال التعسفي، والتعذيب الجسدي والنفسي.
وتجنّدت هذه الفرقة النسائية على غرار وحدات مشابهة في إيران، لتطبيق نهج قمعي ضد النساء، لإسكات أصوات المعارضة، وبث الخوف والتبعية داخل المجتمع اليمني، وفق خبراء حقوقيين في التحالف.
تقول المحامية والناشطة الحقوقية اليمنية هدى الصراري، رئيسة مؤسسة “دفاع” للحقوق والحريات، والحائزة جائزة “مارتن إن لاس” للمدافعين عن حقوق الإنسان لعام 2020، إن “الميليشيات الحوثية أنشأت الزينبيات على غرار مجموعة الفاطميات في إيران”، وتضيف أن “بعض قيادات الزينبيات خضعن لتدريبات في إيران، وبدأت عملية استقطاب النساء وتجنيدهن في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين”.
رقابة وترهيب
وفق شهادات طالبات، فإن “الزينبيات” يتدخلن في الحياة الشخصية لهن، ويمنعنهن من التعبير عن آرائهن السياسية أو ارتداء أية رموز وطنية.
تقول طالبة، في شهادة قدمتها للتحالف، إن “الزينبيات يراقبننا ويقيدن حركتنا في المناسبات الوطنية، ويقتدن الطالبات اللواتي يرفعن العلم اليمني إلى مراكز الأمن للتحقيق معهن”.
وتروي طالبة أخرى في شهادة وثّقها التحالف: “كنا نحتفل بعيد الوحدة، وفجأة جاءت مجموعة من الزينبيات وأخذن إحدى الصديقات لأنها رسمت العلم على وجهها، وضربنها في الحمام أمامنا”.
وتوضح إحدى الطالبات، في شهادة للتحالف، أنها كانت تشعر بالخوف يومياً من “الزينبيات”، اللواتي كن يتفحصن الطالبات حتى في مساكنهن، ويمنعنهن من أي نشاط يتناقض مع سياسات الحوثيين.
سونيا… حكاية في أروقة مظلمة
كانت سونيا صالح تنتظر في محطة لتعبئة الوقود في صنعاء، ولم يخطر ببالها أن ذلك اليوم، في آذار/ مارس 2019، سيقلب حياتها رأسا على عقب. فجأة، أحاطت سيارتان تابعتان للحوثيين بالمكان، وحاصرها جنود مسلحون، لم يعطوها فرصة للتفكير أو الهروب.
سُحبت سونيا من سيارتها واقتيدت إلى مبنى الأمن القومي، وهناك بدأت رحلتها المروعة مع الاعتقال، فاحتجزت في زنزانة ضيقة تعرف باسم “الضغاطة”، وفي هذه الغرف المظلمة، تعرضت لأساليب مختلفة من التعذيب على يد “الزينبيات”.
استخدمت “الزينبيات” أساليب التعذيب الجسدي والنفسي، مثل رش الماء البارد عليها، ثم صعقها بالكهرباء. أُجبرت سونيا على الوقوف لساعات طويلة، وأحياناً كن يربطن معصميها وقدميها بسلاسل من حديد، ما يجعل ظهرها محنياً طوال الوقت، ويترك آثاراً جسدية ونفسية.

سونيا تعرضت للاعتقال والتعذيب على أيدي مجموعة “الزينبيات” قبل أن ترحل إلى مصر
تروي سونيا: “كانوا يحبسونني في هذا المكان المظلم، لا شمس ولا هواء، ويقولون إنني لن أخرج إلا عندما أعترف”.
كانت سونيا تتعرض لتعذيب جسدي ونفسي متواصل، فأثناء وجودها في “الضغاطة”، كانت تسمع صرخات النساء من الغرف المجاورة، الأمر الذي كان يعمق شعورها بالرعب والخوف.
وتقول: “أكثر ما كان يؤلمني هو سماع أصوات النساء وهن يتعرضن للتعذيب، ما جعلني أعيش كوابيس لا تنتهي، حتى بعد الإفراج عني”.
كان هذا التعذيب النفسي جزءاً من استراتيجية الحوثيين لترهيب المعتقلات، وإضعافهن نفسياً، لإجبارهن على الاعتراف بتهم لم يرتكبنها.
فُرض على سونيا توقيع اعترافات تحت تهديدات بأن التعذيب سيزداد قسوة. ولإضعافها أكثر، انتزعوا أظافرها واحداً تلو الآخر، في محاولات مستمرة لإجبارها على التعاون معهم.
وتقول سونيا: “كانوا يقولون لي إن الموت أرحم من هذه الحياة، وإنني يجب أن أعترف بأي شيء يقولونه”.
مع مرور الوقت، بدأت عائلة سونيا البحث عنها في كل مكان، وطُلب تدخل شيوخ القبائل، ما اضطر الحوثيين إلى التفاوض للإفراج عنها.
وبهذه الوساطات، ومبلغ مالي قدره 15 مليون ريال يمني دفعته العائلة كفدية، وافق الحوثيون على إطلاق سراحها.
لكن ظلت آثار التعذيب تلاحقها نفسياً وجسدياً، وفي كل ليلة، كانت تتذكر كوابيس التعذيب، وتسترجع صور النساء الأخريات اللواتي عانين معها في تلك الزنازين المظلمة.
ووجدت سونيا نفسها تحت المراقبة الشديدة والتهديد، وبعد محاولات عدة، استطاعت الهرب من اليمن، متوجّهة إلى القاهرة حيث استقرت هناك منذ عام 2020.
برديس… البحث عن الموت هرباً من التعذيب
قصة الشاعرة برديس الصايغ واحدة من أبشع حكايات الانتهاكات التي يتعرض لها المثقفون في اليمن. فقد كانت منشوراتها المعارضة على مواقع التواصل الاجتماعي كافية لتحوّلها إلى هدف للحوثيين.
وفي رحلة اعتقال وتعذيب تجاوزت كل التصوّرات، واجهت برديس معاناة مؤلمة على أيدي “الزينبيات”، اللواتي استخدمن ضدها أقسى أساليب الترهيب، في محاولة لإسكات صوتها إلى الأبد، وفق ما جاء في شهادتها للتحالف.
ففي فجر الثاني من آب/ أغسطس 2019، اقتحمت مجموعة من المسلحين الحوثيين منزل برديس في صنعاء، برفقة 12 من “الزينبيات”. كان الاقتحام عنيفاً، حيث سُحلت برديس أمام عائلتها وأطفالها، الذين وقفوا عاجزين أمام المشهد المروع.
تذكر برديس تلك اللحظات قائلة: “تمنيت الموت، شعرت بالعجز الكامل، لا أستطيع الدفاع عن نفسي أو عن أولادي”.
بعد خطفها، اقتادها الحوثيون إلى مكان مجهول في صنعاء، وهناك وجدت نفسها في زنزانة مظلمة ضيقة، ملأى بالحشرات ومن دون أي منفذ للهواء أو الضوء.
كانت برديس تعلم أنها في مكان سري، حيث قالت: “كان كل شيء جاهزاً، التهم والملفات، كل ما كان عليهم هو أن أجلس وأعترف بأي شيء يقولونه”. تعرضت للضرب والصعق الكهربائي المتكرر، حتى وصلت إلى مرحلة فقدت فيها القدرة على الوقوف أو المشي.
أدرك الحوثيون أن المجتمع اليمني المحافظ يشكل نقطة ضعف لدى برديس، فبدأوا يهددونها بفضحها اجتماعياً ونشر صور لها تمس سمعتها، في حال لم تعترف بالتهم الملفقة التي فرضوها عليها، مثل “خيانة الوطن والتخابر مع قوات التحالف”، وعندما رفضت الاعتراف، ازداد التعذيب شدة.
تقول برديس: “كانوا يستخدمون الصواعق الكهربائية، حتى أصبحت يداي مشلولتين، كنت أصرخ من شدة الألم، لكنهم لم يتوقفوا أبداً”.
لم يقتصر تعذيب برديس على الصواعق الكهربائية فقط، فقد كانوا يضربونها على رأسها ووجهها، ما أدى إلى فقء عينها اليمنى وكسر أنفها، وعن هذا تقول: “كانوا يظنون أنني أمثّل عليهم، بينما كنت أنزف من رأسي وأنفي وفمي دفعة واحدة”.
أضربت برديس عن الطعام ثلاثة أيام، مفضّلة الموت على المزيد من الألم، لكنهم استمروا في تعذيبها بلا رحمة، حتى أدركت أنها لن تموت بسهولة في ذلك السجن، وبعد ثلاثة أشهر من العذاب، قرروا الإفراج عنها بشروط صارمة، منها أن تتوقف عن نشر أي محتوى معارض، وألا تتحدث عن تجربتها القاسية.
وبعد تدخلات قبلية وطلبات منظمات حقوقية، أُطلق سراح برديس التي وافقت على شروط لم تلتزم بها إلا ظاهراً، إذ تمكنت بعد فترة من الهروب خارج اليمن، واستقرت في مصر حيث تحاول بدء حياة جديدة بعيدة من الأضواء.
رصدت تقارير حقوقية 1181 حالة اعتقال للنساء في سجون الحوثيين، و274 حالة اختفاء قسري، و71 حالة اغتصاب. وذكرت التقارير وجود 4 حالات انتحار لنساء تعرضن لضغوط نفسية شديدة داخل سجون الحوثيين.
سجون سيئة السمعة
تتّبع “الزينبيات” أساليب مختلفة للتجنيد في اليمن، وفق ما وثّقه التحالف، إذ يتم استقطاب النساء عبر التهديدات أو تقديم وعود زائفة تتعلق بالمناصب والامتيازات، وفي بعض الأحيان، يتم تهديد النساء باغتيالهن إذا رفضن الانضمام.
بعض الضحايا يقبلن العمل مع الحوثيين خوفاً على حياتهن أو حياة أحبائهن. ومع ذلك، فإن الانضمام إلى هذه المجموعة يكون بداية لمعاناة أخرى، إذ يُطلب من الضحايا التجسس على عائلاتهن وجيرانهن، والتبليغ عن أي نشاط يُعتبر مريباً أو معارضاً للحوثيين.
والسجون السرية سيئة السمعة التي تديرها “الزينبيات” من أكثر الأماكن التي تشهد انتهاكات فظيعة، إذ تُحتجز النساء في زنازين ضيقة ومظلمة، وفق التحالف. وتخضع النساء المعتقلات في هذه السجون للتعذيب النفسي والجسدي، وتقول إحدى الناجيات في شهادة للتحالف: “كانت الزينبيات يُطلقن علينا ألفاظاً نابية ويفتحن الزنازين فجأة ليلاً، فقط لجعلنا نشعر بالذعر”.
وتوثّق تقارير حقوقية أن “الزينبيات” لا يكتفين بعمليات الاعتقال، بل يمارسن أساليب الإذلال النفسي للنساء، مثل إجبارهن على الوقوف لساعات طويلة أو منعهن من الجلوس أثناء التحقيق.
إحدى الناجيات تروي تجربتها في السجون للتحالف قائلة: “كانوا يستخدمون الصعق الكهربائي، وكنا نسمع صرخات النساء من الزنازين المجاورة، وكأنهم يتلذذون بتعذيبنا”.
أسمهان، طبيبة يمنية (36 عاماً) واجهت ضغوطاً وتهديدات من الحوثيين، لمجرد أنها رفضت المشاركة في محاضرات تروج لأيديولوجيتهم في المستشفيات الحكومية، وبعدما استدعاها المشرف الحوثي في المستشفى ورفضت الانضمام الى معتقداتهم، أُجبرت على الذهاب إلى إحدى المحاضرات من اثنتين من “الزينبيات”، لكنها تعرضت لمصير مأساوي، إذ اعترضها ثلاثة مسلحين خلال عودتها إلى المنزل، وضربوها واقتادوها إلى مكان مجهول.
في سجن سري، تعرضت أسمهان للتعذيب الوحشي، بما في ذلك الضرب والصعق الكهربائي، ووصل الأمر إلى حد الاغتصاب. استمرت معاناتها لشهر كامل، ونتج من ذلك حمل تخلصت منه في ما بعد، بعملية إجهاض ساعدتها فيها شقيقتها.
وأُطلق سراح أسماء لتتمكن من الفرار من اليمن إلى القاهرة بمساعدة منظمات حقوقية، لتنجو من قبضة الحوثيين.
أما ياسمين وسعاد، وهما فتاتان في الرابعة عشرة من عمريهما، فقد اعتُقلتا بسبب مهنتي أبويهما، إذ يعمل والد ياسمين صحافياً، ووالد سعاد في مجال آخر.
احتُجزت الفتاتان في سجون سرية، وتعرضتا للتعذيب الجسدي والنفسي، بما في ذلك الضرب والتهديد بالاغتصاب، كما أُجبرتا على الاعتراف بجرائم لم ترتكباها، وتعرضتا لضغوط نفسية هائلة، وأُفرج عنهما لكنها بقيتا تحت وطأة ظروف نفسية صعبة بسبب التجربة المروعة التي تعرضتا لها.
التحرّش الجنسي
أحد الأوجه الأكثر خطورة للانتهاكات التي تتعرض لها النساء على أيدي “الزينبيات” داخل السجون هو الاعتداء الجنسي، إذ تستخدم وسائل التحرش والترهيب لإجبارهن على الاعتراف.
إحدى الناجيات تعرضت للتحرش والاعتداء الجسدي داخل الزنزانة، تقول للتحالف: “لم أكن أتوقع أن أواجه مثل هذه الوحشية، أو أن يتجرأوا على فعل ذلك. كنا محاصرات بأيديهن، ولم نستطع فعل أي شيء”، وتضيف: “شعرت بالخوف من الحديث أو الشكوى، لأنني كنت أعلم أنهم سيعاقبونني إن فكرت حتى في التحدث”.
وتروي ناجية أخرى للتحالف أنها تعرضت للتحرش والاعتداء الجسدي داخل زنزانتها الصغيرة، ما جعلها تشعر بالعجز التام.
يعتبر استخدام الاعتداء الجنسي وسيلة ضغط على النساء، إذ يتم ابتزازهن بصورهن أو التسجيلات لإجبارهن على التعاون مع الحوثيين، وفق ما وثّقه التحالف من انتهاكات.
أرقام صادمة
رصدت تقارير حقوقية 1181 حالة اعتقال للنساء في سجون الحوثيين، و274 حالة اختفاء قسري، و71 حالة اغتصاب. وذكرت التقارير وجود 4 حالات انتحار لنساء تعرضن لضغوط نفسية شديدة داخل سجون الحوثيين.
وفقاً لتقرير صادر عن مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان (HRITC)، تضم صنعاء وحدها أكثر من 200 مكان احتجاز سري يديره الحوثيون، تتنوع بين سجون الأمن القومي وسجون الأمن السياسي ومنازل سرية. ويقدّر عدد المعتقلين والمخفيين قسرياً في سجون الحوثيين بحوالى 1400 معتقل، يتركزون في صنعاء وذمار وعمران والمحويت وحجة، وفق التقرير.
وتتراوح أعمار الفتيات اللواتي تعرضن للاعتداءات في السجون بين 14 و60 عاماً، ويشمل العنف الجنسي الممارس عليهن أساليب وحشية.
وبحسب ما وثّقته رئيسة “تحالف نساء من أجل السلام” ورابطة “حماية المعنفات والناجيات” نورا الجروي، فإن سجون الحوثي السرية شاهدة على أكثر من 100 حالة اعتقال وتعذيب للنساء، بما في ذلك 27 حالة اغتصاب وتشويه للأعضاء التناسلية.
تقول الجروي إن “جماعة الحوثي تستهدف النساء بطريقة انتقامية تتعدى العنف الجسدي والنفسي، إلى استهداف الكرامة والشرف بشكل مباشر، ما يجعل قضية انتهاك حقوق النساء في اليمن قضية غير مسبوقة في تاريخ البلاد”.
ورغم ذلك، لا تزال ردود الفعل الدولية محدودة، إذ تقتصر على تقارير حقوقية ودعوات لمحاسبة الجناة.
وتظل قصص الناجيات مثل سونيا وبرديس وأسمهان وياسمين وسعاد شاهدة على حجم القمع والانتهاكات الممارسة ضد المرأة في اليمن، الذي يرزح تحت وطأة الصراع المسلح، فيما لا يزال الجناة مفلتين من العقاب حتى اللحظة.
تحالف ميثاق العدالة من أجل اليمن يود أن يشير بأن هذه المقالة تستند إلى رؤى ومعلومات قيمة من تقرير سبق نشره من قبل مؤسسة الصحافة الإنسانية. لقد أسهم تحليلهم الدقيق بشكل كبير في فهم وضع حقوق الإنسان في اليمن. نحن نقدر بشدة جهودهم والتزامهم بتسليط الضوء على هذه القضايا المهمة.
إقرأوا أيضاً:










