ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

في لبنان… لا هدنة لأجهزتنا العصبية!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تكدّست آلامنا وأوجاعنا منذ سنين وحتى الآن، لم نشهد أيّ شفاء جماعي أو محاسبة، ولم يتحقّق لنا أيّ نوع من أنواع العدالة، ومع كل ذلك، يُطلب منّا أن نصمد، وأن نتمسّك بمرونتنا التي أُلصقت بنا كشعب للتنصّل من أيّ تحمّل للمسؤولية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في حديث مع صديقتي في لبنان، تقول: “تخيّل أن أبسط الأشياء أصبحت عبئاً عليك، وتحتاج إلى مجهود كبير للقيام بها”. أفهم جيداً ما تعنيه؛ فالخروج من غرفتي إلى غرفة الجلوس بات يتطلّب مني جهداً كبيراً. أصبح نومي متقطّعاً، وفي مرّات أضطرّ للجوء إلى المنوّم كي أُسكت ضجيج رأسي الذي يكاد ينفجر.

صارت إشعارات الرسائل مرتبطة بشكل مباشر بالتهديدات، بأخبار القصف، أو بالتوعّد والتهديد الإلكترونيين، في حال كنت قد كتبت ما لا يُعجب مناصري “حزب الله”، أفكّر مرّات عدّة قبل أن أنزل إلى الدكّان لشراء حاجياتي الأساسية. أحياناً، حتى فكرة الخروج من المنزل قد تسبّب لي نوبة هلع.

أمّا الأصوات، فهي العدو الغاشم الأكبر. صار دماغي، الذي دخل في حالة تأهّب دائم، يخلط بين صوت سعال جاري في ممرّ المبنى وبين جدار الصوت أو القصف الإسرائيلي، على الرغم من الفرق الشاسع في وقع كل منها.

لقد تسبّبت السنوات الأخيرة في لبنان بتآكل أجهزتنا العصبية. وقعت علينا المصائب الواحدة تلو الأخرى، بدءاً من العام 2019 وحتى اليوم، ناهيك بالمصاعب اليومية والمشاكل الشخصية. وصلنا إلى هذه الحرب الأخيرة منهكين، من دون أن يُسمح لنا بالتعافي، أو حتى باستيعاب هذا الكمّ من الأحداث التي مررنا بها. 

يخبرني صديق زار لبنان بعد تفجير مرفأ بيروت، أنه رأى في اللبنانيين أشباحاً تمشي في وضح النهار؛ مسلوبي الحياة، تبدو أرواحهم وكأنها أُطفئت.

أذكر، في حرب 2024، عندما انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لإحدى ضربات الضاحية، أنني فقدت القدرة على الكلام ليومين. كان الفيديو قد أظهر أن الحيّ الذي يقع فيه بيت جدّتي قد تدمّر، وحتى تأكّدنا من أن البيت لا يزال في مكانه، كنت قد فقدت جزءاً غير بسيط من رباطة جأشي. فهذا البيت ليس كومة أحجار، بل تاريخ لما علّمتني إياه جدّتي قبل أن تتركني في عام 2020. فيه كل ذكرياتنا، وصورنا، وشالها الذي تركته لي ليحضنني كلما صعبت الحياة. ومع كل تهديد، مع كل ضربة، مع كل صوت، صار هذا الخوف يتسلّل إلى داخلي.

قد تمرّ أيّام نخاف فيها من الخروج من المنزل من دون مبرّر. ربما هو الخوف من أن يباغتنا المنزل ويذهب في غيابنا، أو ربما نحاول أن نتمسّك بما تبقّى من شعور الطمأنينة: فناجين قهوتنا، صور من نحبّ، كنبتنا، أو حتى ستراتنا المفضّلة. وربما تكون طاقتنا قد انتهت فعلاً، ولم تعد لدينا القدرة على التعامل مع ضجيج الخارج، ومع خوف الآخرين الذي يظهر في ذبول أعينهم وشحوب وجوههم. 

كنت أريد الخروج لشراء بعض الحاجيات، لكنّني عندما فتحت باب المنزل شعرت كأن قلبي هبط إلى قدميّ، ولم أستطع أن أخطو إلى الأمام، كما لو أن المبنى سينهار فوقي والشارع سيشتعل.

الآن، حين يُتداول الحديث عن وقف إطلاق النار، وعن كل المخطّطات التي تليه، من إعادة إعمار وإصلاحات في البنى التحتية، هل هناك من مخطّطات تشمل بنيتنا النفسية، نحن الذين زُجّ بنا في حرب عبثية، سرقت منا ما سرقت، ولا تزال تسرق ما تبقّى؟ من يعيد الطمأنينة إلى قلوبنا وأرواحنا؟ كيف نستعيد شعور الأمان في بيوتنا التي تحوّلت، في لحظة، إلى خطر علينا؟

تكدّست آلامنا وأوجاعنا منذ سنين وحتى الآن، لم نشهد أيّ شفاء جماعي أو محاسبة، ولم يتحقّق لنا أيّ نوع من أنواع العدالة، ومع كل ذلك، يُطلب منّا أن نصمد، وأن نتمسّك بمرونتنا التي أُلصقت بنا كشعب للتنصّل من أيّ تحمّل للمسؤولية.

لا تنتهي أوجاعنا ومخاوفنا مع اتّفاقات وقف إطلاق النار، خصوصاً بعد كل ما اختبرناه من هشاشتها. يُتوقّع منّا أن نعود إلى بناء ما تبقّى من أنفسنا، من دون أيّ اكتراث بما إذا كان ذلك ممكناً أصلاً، فلا شيء يعوّض خساراتنا، لا المادّية ولا المعنوية، حتى لو أخبرتنا خطابات “النصر الإلهي” عكس ذلك.

فهل نحصل نحن، اللبنانيين واللبنانيات، على هدنة أبدية نرمّم فيها ما بقي منّا؟

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
30.05.2026
زمن القراءة: 3 minutes

تكدّست آلامنا وأوجاعنا منذ سنين وحتى الآن، لم نشهد أيّ شفاء جماعي أو محاسبة، ولم يتحقّق لنا أيّ نوع من أنواع العدالة، ومع كل ذلك، يُطلب منّا أن نصمد، وأن نتمسّك بمرونتنا التي أُلصقت بنا كشعب للتنصّل من أيّ تحمّل للمسؤولية.

في حديث مع صديقتي في لبنان، تقول: “تخيّل أن أبسط الأشياء أصبحت عبئاً عليك، وتحتاج إلى مجهود كبير للقيام بها”. أفهم جيداً ما تعنيه؛ فالخروج من غرفتي إلى غرفة الجلوس بات يتطلّب مني جهداً كبيراً. أصبح نومي متقطّعاً، وفي مرّات أضطرّ للجوء إلى المنوّم كي أُسكت ضجيج رأسي الذي يكاد ينفجر.

صارت إشعارات الرسائل مرتبطة بشكل مباشر بالتهديدات، بأخبار القصف، أو بالتوعّد والتهديد الإلكترونيين، في حال كنت قد كتبت ما لا يُعجب مناصري “حزب الله”، أفكّر مرّات عدّة قبل أن أنزل إلى الدكّان لشراء حاجياتي الأساسية. أحياناً، حتى فكرة الخروج من المنزل قد تسبّب لي نوبة هلع.

أمّا الأصوات، فهي العدو الغاشم الأكبر. صار دماغي، الذي دخل في حالة تأهّب دائم، يخلط بين صوت سعال جاري في ممرّ المبنى وبين جدار الصوت أو القصف الإسرائيلي، على الرغم من الفرق الشاسع في وقع كل منها.

لقد تسبّبت السنوات الأخيرة في لبنان بتآكل أجهزتنا العصبية. وقعت علينا المصائب الواحدة تلو الأخرى، بدءاً من العام 2019 وحتى اليوم، ناهيك بالمصاعب اليومية والمشاكل الشخصية. وصلنا إلى هذه الحرب الأخيرة منهكين، من دون أن يُسمح لنا بالتعافي، أو حتى باستيعاب هذا الكمّ من الأحداث التي مررنا بها. 

يخبرني صديق زار لبنان بعد تفجير مرفأ بيروت، أنه رأى في اللبنانيين أشباحاً تمشي في وضح النهار؛ مسلوبي الحياة، تبدو أرواحهم وكأنها أُطفئت.

أذكر، في حرب 2024، عندما انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لإحدى ضربات الضاحية، أنني فقدت القدرة على الكلام ليومين. كان الفيديو قد أظهر أن الحيّ الذي يقع فيه بيت جدّتي قد تدمّر، وحتى تأكّدنا من أن البيت لا يزال في مكانه، كنت قد فقدت جزءاً غير بسيط من رباطة جأشي. فهذا البيت ليس كومة أحجار، بل تاريخ لما علّمتني إياه جدّتي قبل أن تتركني في عام 2020. فيه كل ذكرياتنا، وصورنا، وشالها الذي تركته لي ليحضنني كلما صعبت الحياة. ومع كل تهديد، مع كل ضربة، مع كل صوت، صار هذا الخوف يتسلّل إلى داخلي.

قد تمرّ أيّام نخاف فيها من الخروج من المنزل من دون مبرّر. ربما هو الخوف من أن يباغتنا المنزل ويذهب في غيابنا، أو ربما نحاول أن نتمسّك بما تبقّى من شعور الطمأنينة: فناجين قهوتنا، صور من نحبّ، كنبتنا، أو حتى ستراتنا المفضّلة. وربما تكون طاقتنا قد انتهت فعلاً، ولم تعد لدينا القدرة على التعامل مع ضجيج الخارج، ومع خوف الآخرين الذي يظهر في ذبول أعينهم وشحوب وجوههم. 

كنت أريد الخروج لشراء بعض الحاجيات، لكنّني عندما فتحت باب المنزل شعرت كأن قلبي هبط إلى قدميّ، ولم أستطع أن أخطو إلى الأمام، كما لو أن المبنى سينهار فوقي والشارع سيشتعل.

الآن، حين يُتداول الحديث عن وقف إطلاق النار، وعن كل المخطّطات التي تليه، من إعادة إعمار وإصلاحات في البنى التحتية، هل هناك من مخطّطات تشمل بنيتنا النفسية، نحن الذين زُجّ بنا في حرب عبثية، سرقت منا ما سرقت، ولا تزال تسرق ما تبقّى؟ من يعيد الطمأنينة إلى قلوبنا وأرواحنا؟ كيف نستعيد شعور الأمان في بيوتنا التي تحوّلت، في لحظة، إلى خطر علينا؟

تكدّست آلامنا وأوجاعنا منذ سنين وحتى الآن، لم نشهد أيّ شفاء جماعي أو محاسبة، ولم يتحقّق لنا أيّ نوع من أنواع العدالة، ومع كل ذلك، يُطلب منّا أن نصمد، وأن نتمسّك بمرونتنا التي أُلصقت بنا كشعب للتنصّل من أيّ تحمّل للمسؤولية.

لا تنتهي أوجاعنا ومخاوفنا مع اتّفاقات وقف إطلاق النار، خصوصاً بعد كل ما اختبرناه من هشاشتها. يُتوقّع منّا أن نعود إلى بناء ما تبقّى من أنفسنا، من دون أيّ اكتراث بما إذا كان ذلك ممكناً أصلاً، فلا شيء يعوّض خساراتنا، لا المادّية ولا المعنوية، حتى لو أخبرتنا خطابات “النصر الإلهي” عكس ذلك.

فهل نحصل نحن، اللبنانيين واللبنانيات، على هدنة أبدية نرمّم فيها ما بقي منّا؟