ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

في مصر “المدنية”: نساء ضحايا تهمة “قيم الأسرة” أمام النيابة والجمهور!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بات مصير الكثير من النساء في مصر معلّقاً بأمزجة قضائية واجتماعية متقلّبة. فإذا رأى القاضي أو وكيل النيابة – بدافع من قناعات شخصية أو رضوخاً للتيّار المجتمعي السائد – أن صورة امرأة على فيسبوك “خادشة للحياء”، فبوسعه أن يكيّفها كجريمة. وربما الأهمّ أنه يضمن تصفيق قطاع واسع من الجمهور لتلك الأحكام، مهما ابتعدت عن حرفية القانون

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في 21 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025، داخل قاعة محكمة القاهرة الاقتصادية المزدحمة، وقف ممثّل النيابة العامة يلقي مرافعته بلهجة صاخبة أمام هيئة القضاة. المتّهمة فتاة في التاسعة عشرة تُعرَف على مواقع التواصل الاجتماعي باسم سوزي الأردنية. افتتح وكيل النيابة خطابه باقتباس وعظي: “من أصلح نفسه ملكها، ومن أهملها أهلكها، فلا يتحقّق التغيير في حال الأمّة إلا إذا بدأ كلّ فرد بإصلاح نفسه وتهذيب سلوكه“، ثم مضى يؤكّد أن القضيّة لا تخصّ فتاة “تيك توك” واحدة، بل هي ظاهرة مجتمعية خطيرة تسلّلت عبر الشاشات لـ”تعبث بعقول المراهقين والمراهقات تحت شعار الشهرة السريعة”.

على مدار دقائق طويلة، سردت النيابة حكاية صعود هذه الفتاة من طالبة ثانوية تنشر مقاطع راقصة بين زميلاتها إلى “خطر يهدّد النظام الأخلاقي العامّ”.

عرضت المرافعة أدلّة رقمية عبارة عن مقاطع فيديو اعتبرتها حافلة بـ”إيحاءات وعبارات خادشة للحياء”، ورأت فيها تجاوزاً صارخاً لـ”القيم والمبادئ الأسرية”، وفي نهاية المرافعة، طالب ممثّل النيابة بإنزال أقصى عقوبة بالمتّهمة، معتبراً أن الردع واجب لحماية أطفالنا وشبابنا، وأن العدالة لن تتحقّق إلا حين يُعاد للمجتمع توازنه الأخلاقي، الذي اهتزَّ تحت تأثير وهم الشهرة والمال. 

هكذا، ببلاغة أقرب إلى خطب رجال الدين، حوّلت النيابة محاكمة فتاة مراهقة إلى معركة من أجل “إنقاذ” روح المجتمع وأخلاقه.

هذا المشهد الموثّق في فيديو رسمي نشرته النيابة العامّة المصرية بنفسها، يُعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً: أين تقف مصر “المدنية” اليوم من حقوق المرأة والحرّيات الفردية؟ لقد ظنّ كثيرون أنهم شهدوا كلّ شيء في العقد الأخير، وأن لا شيء يمكن أن يفاجئهم بعد موجات الجدل المتتالية، لكنّ حدّة هذه المرافعة الرسمية ضدّ فتاة بسبب فيديوهات على الإنترنت، أيقظت مخاوف عميقة… كيف وصلنا إلى هنا؟ وما الذي يكشفه ذلك عن حال المجتمع والدولة في مصر اليوم؟

قانون مطّاط وسلطة تقديرية بلا حدود

في قلب هذه المفارقة يكمن إطار قانوني فضفاض يسمح بتحويل أي امرأة تقريباً إلى “مذنبة أخلاقياً”، بجرّة قلم قاضٍ أو بمزاج وكيل نيابة. فالقوانين المصرية المتعلّقة بالآداب العامّة وصون القيم الأسرية، صيغت بعبارات مطّاطية، تفتح الباب واسعاً لاجتهادات شخصية وتأويلات محافظة. 

على سبيل المثال، تُعاقِب المادّة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (القانون 175 لسنة 2018) بالحبس والغرامة كلّ من ينتهك “مبادئ أو قيم الأسرة المصرية عبر الإنترنت”. المشكلة أن هذه القيم والمبادئ ليست محدّدة في أيّ نصّ، ما جعلها سيفاً مصلتاً يمكن أن يُشهَر في وجه أيّ سلوك نسائي يُرى أنه خارج عن المألوف المحافظ. 

وقد بيّنت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” في تقرير لها في عام 2025، أن غموض المادّة 25 يمتدّ من نصّها إلى تفسير المحاكم لها؛ إذ لا يوجد معيار قانوني موضوعي يحدّد معنى “القيم الأسرية”، مما دفع محكمة جنح اقتصادية في إحدى القضايا، للاستعانة بمرجع فقهي يتيح لقاضي الموضوع تقدير ما إذا كان سلوك المتّهمة يخلّ بالقيم الأسرية “في ضوء ما استقرّ في أذهان الناس وتعارفوا عليه”، واعتبر حقوقيون هذا التفسير توسّعاً غير مسبوق لسلطة القاضي، وخروجاً عن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، الذي يفترض وضوح القانون وتحديده للجرم بشكل دقيق.

نتيجةً لذلك، بات مصير النساء معلّقاً بأمزجة قضائية واجتماعية متقلّبة. فإذا رأى القاضي أو وكيل النيابة – بدافع من قناعات شخصية أو رضوخاً للتيّار المجتمعي السائد – أن صورة امرأة على فيسبوك “خادشة للحياء”، فبوسعه أن يكيّفها كجريمة. وربما الأهمّ أنه يضمن تصفيق قطاع واسع من الجمهور لتلك الأحكام، مهما ابتعدت عن حرفية القانون. لقد خلقت النزعة الشعبوية الأخلاقية تواطؤاً ضمنياً بين بعض أجهزة إنفاذ القانون وبين رأي عامّ محافظ، بحيث تتوسّع الملاحقة الجنائية لسلوكيات شخصية بحجّة حماية الأخلاق العامّة. أكثر من 150 شخصاً – أغلبيتهم نساء – حوكموا بين 2019 و2024 بتهمة “مخالفة قيم الأسرة المصرية”، استناداً إلى المادّة 25، بعضهم حُبس بالفعل بتهمة منشورات أو فيديوهات على الإنترنت، لا تتضمّن في الواقع ما يجاوز نطاق حرّية التعبير الشخصية. ورغم أن الدستور المصري ينصّ في المادّة 65 على ضمان حرّية الفكر والإبداع، فإن الواقع يُظهر تغوّلاً للمادّة 25 الفضفاضة على تلك الضمانات.

يتّضح ذلك بقوّة في قضايا فتيات “التيك توك” الشهيرات. فمنذ العام 2020 تشنّ السلطات سلسلة حملات ضدّ صانعات المحتوى على المنصّات الرقمية، وكانت الذريعة المتكرّرة هي خدش الحياء والإخلال بالقيم الأسرية. البداية جاءت باعتقال الشابّة حنين حسام واتّهامها بالتحريض على الفسق لمجرّد دعوتها الفتيات للعمل عبر تطبيق دردشة. تلاها توقيف أخريات مثل مودّة الأدهم بسبب بثّ صور اعتُبرت “غير لائقة” تسرّبت من هاتفها المسروق. توسّعت الحملة لتشمل العشرات ثم المئات، وأصبحت تهمة “التعدّي على قيم الأسرة” عصا سحرية تستخدمها النيابة ضدّ كلّ من لا ينسجم محتواه مع المزاج الرسمي والاجتماعي. 

وبحسب بيان أصدرته “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” في آب/ أغسطس 2025، شهدت السنوات الخمسة الأخيرة تصاعداً مطرداً في عداء المؤسّسات القانونية والأمنية تجاه صانعي المحتوى الرقمي، مع التركيز على النساء الشابّات من خلفيات اجتماعية متواضعة. كان الشعار الذي صاحب تلك الحملة في عام 2020 هو #خليها_تنضف في إشارة إلى “تنظيف” الإنترنت من محتوى اعتُبر غير أخلاقي، وقد عاد هذا الشعار للظهور مؤخّراً مع موجة توقيفات جديدة في عام 2025.

اللافت أن القانون نفسه لم يسلم من النقد الشديد. فقد دفع دفاع المتّهمات أمام المحاكم بعدم دستورية المادّة 25، لانطوائها على عبارات غامضة تخالف مبدأ “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنصّ”، ورغم ذلك تستمرّ النيابة في استعمال هذه المادّة كسلاح جاهز. المادّة 25 تحوّلت إلى أداة رئيسية لتجريم التعبير، إذ وسّعت الدولة نطاقها من استهداف فتيات “تيك توك”، إلى ملاحقة أصحاب آراء دينية مخالفة، ومثليين ومثليات، وحتى مستخدمين عاديين بسبب محتوى خاصّ غير منشور للجمهور. بتنا أمام منظومة تقنين للأبوية المجتمعية: تُجرّم المرأة لأنها خرجت عن “الصورة المقبولة”، التي رسمها الحرّاس غير المرئيين للتقاليد.

الشريعة المُجتزأة وقوانين الأسرة:  “لا بلح الشام ولا عنب اليمن”

قد يظنّ البعض أن التشدّد الحالي يعبّر فقط عن مزاج مجتمعي، لكنّ مراجعة قوانين الأحوال الشخصية تكشف إشكاليّات أعمق. 

ورثت مصر مزيجاً معقّداً من قوانين مستوحاة من الشريعة الإسلامية، وأخرى مقتبسة من التقنينات الغربية (خاصّة الفرنسية) منذ القرن التاسع عشر. النتيجة كانت إطاراً قانونياً للأسرة، لا هو تقليدي إسلامي خالص، ولا هو مدني حديث بالكامل. وهذا الوضع الهجين كثيراً ما أضرّ بحقوق المرأة بدل أن يجمع مزايا النظامين، وكما يقول المثل الدارج: “لا طِلنا بلح الشام ولا عنب اليمن”.​

خذ مثلاً قضايا الطلاق والنفقة. في البلدان التي تطبّق الشريعة الإسلامية بصورة مباشرة (كالسعودية وإيران)، ورغم ما فيها من تمييز ضدّ النساء، توجد إجراءات منظّمة تنظّم الانفصال: يستلزم الطلاق إما تراضي الطرفين أو حكم القاضي بعد محاولات صلح. وللمرأة حقّ الخلع في بعض الحالات إذا أرادت إنهاء الزواج. كما تُلزِم الشريعة الزوج بسداد المهر المؤخّر ونفقة العدّة والمتعة. 

في المقابل، تعاني المرأة المصرية الأمرَّين في المحاكم رغم استناد القانون جزئياً إلى الشريعة. فعند رغبتها في الطلاق، إما أن تسلك طريق الدعاوى الطويلة لإثبات الضرر، وهو مسار قد يمتدّ لسنوات في أروقة المحاكم، وإما أن تلجأ إلى الخلع وفق قانون 2000، فتنال حرّيتها مقابل تنازلها عن حقوقها المالية الشرعية (كالنفقة ومؤخّر الصداق). أي أن القانون المصري أخذ من الشريعة الطلاق دون ضوابطه التكافلية، وألبسه ثوب الإجراءات البيروقراطية البطيئة، والنتيجة معلّقات بالآلاف من النساء المصريات اللواتي ينتظرن حكماً بالطلاق أو النفقة، بينما يعجزن عن إعالة أنفسهن وأطفالهن.​

روايات النساء في محاكم الأسرة تُنذر بحجم المأساة. فكم من امرأة تطلّب حصولها على نفقة أو حضانة أولادها معارك قضائية استنزفت سنوات من عمرها ومالها، وكم من أرملة فوجئت بعد وفاة زوجها بأنها لا تملك ولاية تعليمية أو مالية على أطفالها، لأن القانون يعطي الوصاية تلقائياً لجدّهم من الأب! وفق قانون الولاية على المال رقم 119 لسنة 1952 تنتقل ولاية القاصر المالية إلى أبيه ثم جدّه العصبي (جدّ الأب)، ولا يُعترف للأم بأيّ حقّ تلقائي إلا إن لم يوجد ذكر من عائلة الأب. ملايين الأمّهات في مصر وُضعن قانوناً في مرتبة أدنى من أقارب الزوج المتوفى، مهما كان مستواهن التعليمي أو قدرتهن على رعاية أبنائهن.​

وقد أبرز مسلسل تلفزيوني شهير في رمضان 2023 بعنوان “تحت الوصاية” هذه المشكلة، حين اضطرّت بطلة العمل للكفاح ضدّ حماها، الذي سلبها حقّ إدارة أموال أطفالها بعد موت زوجها. دفع نجاح المسلسل نائبتين في البرلمان إلى المطالبة بمراجعة قانون الولاية القديم، فوُصِف بأنه “لا يعكس التطوّرات الحديثة ويضع عقبات غير مبرّرة أمام المرأة”، حتى المجلس القومي للمرأة الرسمي أشاد بالعمل الدرامي لتسليطه الضوء على قضيّة الوصاية التعليمية والمالية للأمّهات.​

اليوم، وبعد ضغط مجتمعي واسع، تقف مصر على أعتاب إصلاح متأخّر في قوانين الأحوال الشخصية، فقد أنجزت لجنة حكومية مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية في كانون الثاني/ يناير 2025، قيل إنه سيعالج بعض هذه التشوّهات. أبرز التعديلات المقترحة تشمل إعطاء الأمّ حقّ الولاية على أولادها القُصَّر تلقائياً بعد وفاة الأب، بدل انتقالها تلقائياً إلى الجدّ كما كان سابقاً. كما يُبَسّط ترتيب الحضانة بحيث تكون الأمّ في المرتبة الأولى والأب في المرتبة الثانية مباشرةً (وكان الأب سابقاً في المرتبة السادسة عشرة). ويحدّد المشروع سنّ حضانة الأطفال بخمسة عشر عاماً للجنسين، ويتيح تمديدها حتى الزواج بالنسبة إلى البنات. هذه الإصلاحات، إن أقرّت وطبّقت بصدق، ستسدّ شيئاً من الفجوة الهائلة في حقوق الأمّ المصرية مقارنةً حتى بنظيراتها في دول محافظة.​

فالسعودية نفسها خطت خطوات لتحسين أوضاع النساء في السنوات الأخيرة: سمحت في آب/ أغسطس 2019 بالسفر دون إذن وليّ الأمر للنساء فوق 21 عاماً، وسمحت بقيادة المرأة للسيارة منذ 2018. بل إن السعودية سنّت نظام أحوال شخصية في عام 2022 يحدّ لأوّل مرّة من سلطة الوليّ الذكر في بعض الجوانب، ويعترف ببعض حقوق الأمّ في الحضانة، حيث أصبحت الأمّ صاحبة الحقّ الأساسي في الحضانة حتى سنّ 15 عاماً، وأصبح بإمكانها الاحتفاظ بالحضانة حتى لو تزوّجت ثانية، إذا لم يكن ذلك ضدّ مصلحة الطفل. مع ذلك، يبقى الأب الوليّ القانوني للطفل، ولا تستطيع الأمّ أن تصبح وليّة إلا بحكم محكمة، كما أن النظام السعودي لا يزال يفرض قيوداً تمييزية كبيرة على النساء في الزواج والطلاق.​

أما إيران فرغم قيودها المشدّدة، فهي تُطبّق ذلك بشكل واضح ضمن قانون مستمدّ من الشريعة: تحصل الأمّ على الحضانة حتى سنّ السابعة للطفل، ثم تنتقل الحضانة إلى الأب، وإن تزوّجت الأمّ ثانية تفقد حقّ الحضانة، والولاية القانونية تبقى دائماً للأب أو للجدّ حتى بعد وفاة الأب. هذا يجعل الحقوق والواجبات واضحة، وإن كانت غير متكافئة ومجحفة بحقّ النساء.

المفارقة أن المرأة المصرية تُركت لعقود في منطقة رمادية بين النظامين. فهي لا تحصل على حماية مدنية كاملة بمساواتها بالرجل في كلّ الحقوق الأسرية، كما في بعض البلدان ذات القوانين المدنية (كحال تونس حيث تمّ إقرار المساواة في عدّة جوانب، أو المغرب بعد مدونة 2004 المحسّنة لوضع المرأة)، وفي الوقت نفسه لا تتمتّع بالحماية التقليدية التي كانت المجتمعات الأبوية توفّرها ضمنياً، كجزء من الواجب الاجتماعي تجاه المطلّقة أو الأرملة. فالطلاق في مصر قد يعني سقوط النفقة إن لجأتِ إلى الخلع، والترمّل يعني الحجر على أموال أولادك من قِبل عائلة زوجك. لا عجب إذاً أن تسجّل مصر أحد أعلى معدّلات التقاضي في شؤون الأحوال الشخصية، في مشهد يصفه حقوقيون بأنه “حرب استنزاف قانونية تخوضها النساء يومياً لمجرّد الحصول على حقوق أساسية”.

طبقية الحشمة – Bikini vs. حجاب في ستّة كيلومترات

في صباح يوم صيفي حارّ، تجلس مجموعة سيّدات بملابس السباحة على حافّة حمّام سباحة في نادي الجزيرة الفاخر، على بُعد بضعة كيلومترات فقط، تقف طالبة جامعية على بوّابة جامعة حلوان يُعيقها أفراد الأمن، لأن فستانها قصير ومكشوف الظهر ولا يتناسب مع “التقاليد الجامعية”. هذا التناقض الفجّ يختزل معضلة الطبقية في فرض معايير الاحتشام في مصر. فالقواعد الأخلاقية ليست موحّدة ولا عامّة التطبيق؛ بل تعتمد كثيراً على من هي المرأة وأين توجد. الغنيّات أو المحظوظات المنتميات إلى الطبقات العليا، يتمتّعن بهامش حرّية أوسع في الملبس والسلوك، خاصّة داخل فضاءاتهن الخاصّة المغلقة. أما الشابّات من الطبقة الوسطى والدنيا فيلقين تضييقاً مضاعفاً من المجتمع والدولة معاً، ويُنظر لأيّ خروج عن المألوف منهن باعتباره انحرافاً أخلاقياً صريحاً.​

لقد أصبحت الأجساد النسائية ساحات صراع طبقي وثقافي. في الجامعات الحكومية، مثلاً، لا توجد لوائح رسمية موحّدة تفرض زيّاً محدّداً، لكن كثيراً ما يتسلّط بعض الإداريين والأمن على الطالبات بدعوى أن ملابسهن “غير لائقة”. حادثة منع الطالبة حنين فؤاد (ابنة السيناريست سيّد فؤاد الجناري) من دخول كليّة السياحة والفنادق بجامعة حلوان في نيسان/ أبريل 2024 بسبب ارتدائها فستاناً قصيراً ومكشوف الظهر، أثارت ضجّة كبيرة. والد الطالبة كتب بغضب: “بنتي عندها برزنتيشن في الكليّة، ولبست فورمال شيك، الأمن وقفها عالباب يقولها فستانك قصير مينفعش”. لم يُسمح للفتاة بالدخول إلا بعد تدخّل أستاذتها الدكتورة ماري ميساك التي أكّدت أن مظهرها مناسب للعرض التقديمي المطلوب، واعتذرت للطالبة. 

هذه الواقعة دفعت النائبة سميرة الجزّار لتقديم سؤال برلماني، معتبرة ما جرى انتهاكاً للحرّية الشخصية التي يكفلها الدستور في المادّة 54. لكن على الجانب الآخر، هناك تأييد شعبي من بعض الأوساط لمثل هذه الإجراءات، بدعوى حماية الحرم الجامعي من “التسيّب الأخلاقي”. هكذا تختلط الأبوية مع الطبقية: يُفرض الحجاب الضمني أو معايير صارمة على فتيات العامّة، بينما ترتدي بنات النخبة ما يشأن في منتجعاتهن المغلقة.​

هذا التفاوت الطبقي يتعدّى مسألة اللباس إلى نظرة الدولة نفسها تجاه المخالفين. في حملة مطاردة صانعي المحتوى على “تيك توك” التي بدأت في عام 2020 وتستمرّ في 2025، استهدفت السلطات بالأساس شابّات من خلفيات اجتماعية متواضعة، يرقصن أو يغنين على وسائل التواصل. وصف تقرير “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” تلك الحملات بأنها منحازة طبقياً  بوضوح؛ فالمستهدفات “جميعهن تقريباً من خلفيات اجتماعية متواضعة تعكس الحالة الاقتصادية لغالبية المصريين”، على عكس نجمات إنستغرام الأكثر ثراءً مثلاً، واللواتي نادراً ما يُمسسن. 

وأشارت المبادرة إلى أن الحملة أثّرت على 151 فرداً على الأقلّ عبر 109 قضايا مختلفة، وأن العدد الفعلي قد يكون أعلى بكثير. بعض المحلّلين يرون أن الأمر لا ينفصل عن سياسة ثقافية قديمة: ففي الوقت الذي تغضّ أجهزة الأمن الطرف عن حفلات راقصة مختلطة للنخبة في منتجعات الساحل الشمالي، تشنّ حملات لاقتحام حفلات الأفراح الشعبية بحجّة مكافحة المخدّرات أو الآداب. إنه مكيالان في آن واحد: تسامح مع من تعتبرهم الدولة “مستوري الحال” أو ذوي النفوذ، وتشدّد وقسوة مع من هم أدنى مكانة. ولعلّ هذا يفسّر لماذا تحظى خطب النيابة الأخلاقية برواج إعلامي عندما تكون المتّهمة فتاة فقيرة تجاهر بالرقص أو الغناء، بينما نادراً ما نسمع نبرة التنديد تلك تجاه مخالفات مشابهة داخل دوائر الأثرياء.

يرتبط ذلك أيضاً بفكرة السيطرة على الفضاء العامّ. فالدولة المصرية الحالية تُظهر حساسية مفرطة تجاه ظهور أنماط حياة مغايرة قادمة من أسفل الهرم الاجتماعي. إن بروز “فتيات التيك توك” كظاهرة شعبية، اعتُبر تهديداً مزدوجاً: تهديد أخلاقي وقيمي كما زعمت النيابة، وتهديد طبقي لأنها تقدّم نموذجاً لنجومية، وتحقيق دخل من خارج منظومات السيطرة التقليدية. وبالتالي كان التجييش ضدّهن فرصة لاستعادة الهيمنة على السردية الاجتماعية، وكما أوضح باحثون في علم الاجتماع، كثيراً ما تُختزل أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة في خطاب أخلاقي ضدّ “انحلال شبابي”، لصرف الأنظار عن جوهر المشكلة. في حالة مصر، بدل أن يُفسَّر انتشار محتوى الرقص والغناء الشعبي كمؤشّر على بطالة الشباب وفراغهم وفقرهم، جرى شيطنة مَن يعبّر عن ذلك الفضاء الرقمي الشعبي، وهنا تتجلّى الأبوية الطبقية: الدولة تعاقب أبناء الطبقات الكادحة على نتائج سياساتها الاقتصادية عبر وصمهم أخلاقياً، ثم تروّج لنفسها حامياً للأخلاق.

أوهام التفوّق والواقع المُرّ

خلال العقد الماضي، سادت في الخطاب الرسمي المصري نبرة استعلاء حضاري تجاه تجارب دول عربية أخرى. اعتبر كثر أننا في مصر “أفضل حالاً” من دول كإيران أو السودان أو حتى السعودية، بحجّة أننا دولة مدنية لا يحكمها رجال دين، وأننا تجنّبنا سيناريو “أسلمة الدولة” بعد إطاحة حكم “الإخوان المسلمين” في عام 2013. رُوِّج لفكرة أن “مصر ليست إيران”، وأن المرأة المصرية محميّة من تطرف ديني كان وشيكاً، لكنّ الوقائع تثبت أن كثيراً مما حذّرنا منه كـ”شبح إيراني” طفا على سطح حياتنا العامّة وإن بأيدٍ محلّية. فمرافعة النيابة في قضيّة سوزي الأردنية – بكلّ مفرداتها عن الشرف والحياء والتوبة – لم تكن لتستغربها محكمة ثورية في طهران أو خطيب حسبة في الرياض. لقد تبنّت الدولة المصرية خطاباً أخلاقياً شمولياً يكاد يضاهي أكثر الدول المحافظة تشدّداً، وإن كان ذلك دون غطاء أيديولوجي ديني صريح. إنه تشدّد باسم المجتمع والعادات بدلاً من الدين، لكنّه يؤدّي الوظيفة ذاتها وربما بقسوة أكبر.

من الصعب مثلاً تخيّل نيابة سعودية معاصرة تنشر بياناً علنياً تصف فيه متّهمة بـ”خطَر على أخلاق المجتمع” فقط لأنها رقصت أمام كاميرا الهاتف، خاصّة في عهد الانفتاح الترفيهي الحالي في الرياض. لقد قلّصت السعودية سلطة شرطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الهيئة) بشكل جذري في نيسان/ أبريل 2016، فأصبح ممنوعاً على أعضائها القبض على الأفراد أو مطاردتهم أو طلب هويّاتهم، واقتصر دورهم على الإبلاغ عن المخالفات للشرطة. وتحوّل الخطاب الرسمي فيها منذ تولّي وليّ العهد محمّد بن سلمان إلى تشجيع الفعّاليات الفنية والترفيهية (ضمن حدود معينة) لتحسين صورة البلاد عالمياً. أما في مصر، فلا تزال السلطات تفاخر علناً بملاحقة الفتيات على ما تعتبره تجاوزات سلوكية.​

حتى إيران، ورغم قمعها الشديد، تدرك حساسية الترويج الإعلامي لقضايا الأخلاق. في قضيّة الفتاة مائده هجبري (18 عاماً) التي اعتُقلت في أيّار/ مايو 2018 بتهمة نشر فيديوهات رقص على إنستغرام، أُجبرت على الاعتذار في التلفزيون الرسمي، لكنّ هذا أثار غضباً شعبياً واسعاً داخل إيران وخارجها، حيث اعتبره كثيرون انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان. وقد علّق باحث في مركز حقوق الإنسان في إيران قائلاً إن “الحكومة لم تترك مجالاً للإيرانيين للتنفّس”. حتى بعض العلماء الدينيين الإيرانيين انتقدوا بثّ الاعتراف، واصفين إيّاه بأنه “وصمة عار” على عائلة الفتاة. في المقابل، نجد النيابة المصرية تنشر فيديوهات مرافعاتها على منصّات التواصل الاجتماعي، وتستخدمها كمنابر دعائية لإظهار حزمها في “حماية القيم”.​

هذا يقودنا إلى تفكيك وهم التفوّق الحضاري الذي نلوذ به في مواجهة واقعنا. صحيح أن مصر لم تنهر كمجتمع ودولة كما حصل في بعض بلدان الإقليم، ولم تخضع لحكم ميليشيات دينية صريحة، لكنّ الثمن كان نوعاً آخر من التدهور الهادئ: تغلغل المحافظة المجتمعية في مؤسّسات الدولة المدنية، حتى باتت تنتج ممارسات تقارب ما كنّا نخشى حدوثه تحت حكم أصولي. أجهزة يفترض أنها مدنية كالأمن والقضاء تتصرّف بعقلية شرطة دينية غير رسمية. ولم يعد الأمر مقتصراً على اجتهادات فردية؛ بل اكتسب طابع السياسة العامّة. وكيف لا نفسّره كذلك والحملة الأمنية تُشنّ باسم الأخلاق منذ آب/ أغسطس 2025، والإعلام الحكومي يتغنّى ببطولات “تطهير المجتمع” من صانعي المحتوى؟​

إن الصدمة في قضيّة سوزي الأردنية ليست في كونها حالة استثنائية، بل بالعكس: شدّتها كخطاب رسمي جاءت لتؤكّد أن ما كان البعض يعتبره حالات متفرّقة أصبح نهجاً ممنهجاً. وربما علينا شكر تلك المرافعة رغم فظاظتها، لأنها نزعت آخر أقنعة الإنكار. لقد تبيّن أننا لسنا بمجتمع أكثر تقدّمية من إيران أو السعودية كما كنّا نظنّ؛ بل ربما أكثر ازدواجية: ندّعي المدنية والتحرّر بينما نمارس الوصاية الاجتماعية بأقصى صورها، وفي المحصّلة تدفع النساء الثمن الأفدح لهذا التناقض: فهن أوّل من يُستهدف لتقديم قرابين “الشرف العامّ”، كلما أراد النظام إثبات ورعه الأخلاقي أو أراد الشعب تنفيس إحباطه.

نحو مواجهة الحقيقة بلا تجميل

في إحدى فقرات مرافعته ضدّ سوزي الأردنية، قال وكيل النيابة بأسى مصطنع: “لا يتحقّق التغيير في حال الأمّة إلا إذا بدأ كلّ فرد بإصلاح نفسه وتهذيب سلوكه”. ربما كان حريّاً به توجيه النظر إلى نفس الدولة ومؤسّساتها قبل أن يطالب فتاة مراهقة بإصلاح نفسها. فالأمّة المصرية اليوم في حاجة ماسّة إلى مراجعة جريئة لذاتها: كيف أصبحت أوهام التفوّق على الآخرين حاجزاً يمنعنا من رؤية عيوبنا الواضحة؟ وكيف تحوّلت مؤسّسات منوط بها العدل والقانون إلى أدوات لترسيخ أعراف اجتماعية بالية؟ إن أوّل خطوة للتغيير هي الاعتراف بواقعنا كما هو، دون إنكار أو تزيين. هذا الواقع يقول إننا في كثير من جوانب حقوق المرأة وحرّياتها لسنا متقدّمين على من حولنا بل متأخّرين. 

وربما يحمل المستقبل بعض الأمل إن استمرّ الضغط المجتمعي لاصلاح القوانين البالية، وإن وُجدت شجاعة سياسية لتقليم أظافر الموادّ القانونية الفضفاضة التي تُسخَّر لقمع الحرّيات. في نهاية المطاف، لن ينقذ المجتمع المصري توازنه الأخلاقي خطب حماسية ولا أحكام قضائية متعسّفة، بل ينقذه أن يواجه الحقائق القاسية: أن الفقر أخطر على أخلاقنا من أي فيديو “تيك توك”، وأن الظلم أشد إفساداً لنفوسنا من أيّ رقصة، وأن العدالة والمساواة – لا الرقابة والوصاية – هي ما يبني مجتمعاً سليماً قوياً. ربما عندها فقط، سنكفّ عن مقارنة أنفسنا بالآخرين وهمومهم، ونشرع في معالجة جراحنا الداخلية التي طال نزيفها.

08.11.2025
زمن القراءة: 14 minutes

بات مصير الكثير من النساء في مصر معلّقاً بأمزجة قضائية واجتماعية متقلّبة. فإذا رأى القاضي أو وكيل النيابة – بدافع من قناعات شخصية أو رضوخاً للتيّار المجتمعي السائد – أن صورة امرأة على فيسبوك “خادشة للحياء”، فبوسعه أن يكيّفها كجريمة. وربما الأهمّ أنه يضمن تصفيق قطاع واسع من الجمهور لتلك الأحكام، مهما ابتعدت عن حرفية القانون

في 21 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025، داخل قاعة محكمة القاهرة الاقتصادية المزدحمة، وقف ممثّل النيابة العامة يلقي مرافعته بلهجة صاخبة أمام هيئة القضاة. المتّهمة فتاة في التاسعة عشرة تُعرَف على مواقع التواصل الاجتماعي باسم سوزي الأردنية. افتتح وكيل النيابة خطابه باقتباس وعظي: “من أصلح نفسه ملكها، ومن أهملها أهلكها، فلا يتحقّق التغيير في حال الأمّة إلا إذا بدأ كلّ فرد بإصلاح نفسه وتهذيب سلوكه“، ثم مضى يؤكّد أن القضيّة لا تخصّ فتاة “تيك توك” واحدة، بل هي ظاهرة مجتمعية خطيرة تسلّلت عبر الشاشات لـ”تعبث بعقول المراهقين والمراهقات تحت شعار الشهرة السريعة”.

على مدار دقائق طويلة، سردت النيابة حكاية صعود هذه الفتاة من طالبة ثانوية تنشر مقاطع راقصة بين زميلاتها إلى “خطر يهدّد النظام الأخلاقي العامّ”.

عرضت المرافعة أدلّة رقمية عبارة عن مقاطع فيديو اعتبرتها حافلة بـ”إيحاءات وعبارات خادشة للحياء”، ورأت فيها تجاوزاً صارخاً لـ”القيم والمبادئ الأسرية”، وفي نهاية المرافعة، طالب ممثّل النيابة بإنزال أقصى عقوبة بالمتّهمة، معتبراً أن الردع واجب لحماية أطفالنا وشبابنا، وأن العدالة لن تتحقّق إلا حين يُعاد للمجتمع توازنه الأخلاقي، الذي اهتزَّ تحت تأثير وهم الشهرة والمال. 

هكذا، ببلاغة أقرب إلى خطب رجال الدين، حوّلت النيابة محاكمة فتاة مراهقة إلى معركة من أجل “إنقاذ” روح المجتمع وأخلاقه.

هذا المشهد الموثّق في فيديو رسمي نشرته النيابة العامّة المصرية بنفسها، يُعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً: أين تقف مصر “المدنية” اليوم من حقوق المرأة والحرّيات الفردية؟ لقد ظنّ كثيرون أنهم شهدوا كلّ شيء في العقد الأخير، وأن لا شيء يمكن أن يفاجئهم بعد موجات الجدل المتتالية، لكنّ حدّة هذه المرافعة الرسمية ضدّ فتاة بسبب فيديوهات على الإنترنت، أيقظت مخاوف عميقة… كيف وصلنا إلى هنا؟ وما الذي يكشفه ذلك عن حال المجتمع والدولة في مصر اليوم؟

قانون مطّاط وسلطة تقديرية بلا حدود

في قلب هذه المفارقة يكمن إطار قانوني فضفاض يسمح بتحويل أي امرأة تقريباً إلى “مذنبة أخلاقياً”، بجرّة قلم قاضٍ أو بمزاج وكيل نيابة. فالقوانين المصرية المتعلّقة بالآداب العامّة وصون القيم الأسرية، صيغت بعبارات مطّاطية، تفتح الباب واسعاً لاجتهادات شخصية وتأويلات محافظة. 

على سبيل المثال، تُعاقِب المادّة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (القانون 175 لسنة 2018) بالحبس والغرامة كلّ من ينتهك “مبادئ أو قيم الأسرة المصرية عبر الإنترنت”. المشكلة أن هذه القيم والمبادئ ليست محدّدة في أيّ نصّ، ما جعلها سيفاً مصلتاً يمكن أن يُشهَر في وجه أيّ سلوك نسائي يُرى أنه خارج عن المألوف المحافظ. 

وقد بيّنت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” في تقرير لها في عام 2025، أن غموض المادّة 25 يمتدّ من نصّها إلى تفسير المحاكم لها؛ إذ لا يوجد معيار قانوني موضوعي يحدّد معنى “القيم الأسرية”، مما دفع محكمة جنح اقتصادية في إحدى القضايا، للاستعانة بمرجع فقهي يتيح لقاضي الموضوع تقدير ما إذا كان سلوك المتّهمة يخلّ بالقيم الأسرية “في ضوء ما استقرّ في أذهان الناس وتعارفوا عليه”، واعتبر حقوقيون هذا التفسير توسّعاً غير مسبوق لسلطة القاضي، وخروجاً عن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، الذي يفترض وضوح القانون وتحديده للجرم بشكل دقيق.

نتيجةً لذلك، بات مصير النساء معلّقاً بأمزجة قضائية واجتماعية متقلّبة. فإذا رأى القاضي أو وكيل النيابة – بدافع من قناعات شخصية أو رضوخاً للتيّار المجتمعي السائد – أن صورة امرأة على فيسبوك “خادشة للحياء”، فبوسعه أن يكيّفها كجريمة. وربما الأهمّ أنه يضمن تصفيق قطاع واسع من الجمهور لتلك الأحكام، مهما ابتعدت عن حرفية القانون. لقد خلقت النزعة الشعبوية الأخلاقية تواطؤاً ضمنياً بين بعض أجهزة إنفاذ القانون وبين رأي عامّ محافظ، بحيث تتوسّع الملاحقة الجنائية لسلوكيات شخصية بحجّة حماية الأخلاق العامّة. أكثر من 150 شخصاً – أغلبيتهم نساء – حوكموا بين 2019 و2024 بتهمة “مخالفة قيم الأسرة المصرية”، استناداً إلى المادّة 25، بعضهم حُبس بالفعل بتهمة منشورات أو فيديوهات على الإنترنت، لا تتضمّن في الواقع ما يجاوز نطاق حرّية التعبير الشخصية. ورغم أن الدستور المصري ينصّ في المادّة 65 على ضمان حرّية الفكر والإبداع، فإن الواقع يُظهر تغوّلاً للمادّة 25 الفضفاضة على تلك الضمانات.

يتّضح ذلك بقوّة في قضايا فتيات “التيك توك” الشهيرات. فمنذ العام 2020 تشنّ السلطات سلسلة حملات ضدّ صانعات المحتوى على المنصّات الرقمية، وكانت الذريعة المتكرّرة هي خدش الحياء والإخلال بالقيم الأسرية. البداية جاءت باعتقال الشابّة حنين حسام واتّهامها بالتحريض على الفسق لمجرّد دعوتها الفتيات للعمل عبر تطبيق دردشة. تلاها توقيف أخريات مثل مودّة الأدهم بسبب بثّ صور اعتُبرت “غير لائقة” تسرّبت من هاتفها المسروق. توسّعت الحملة لتشمل العشرات ثم المئات، وأصبحت تهمة “التعدّي على قيم الأسرة” عصا سحرية تستخدمها النيابة ضدّ كلّ من لا ينسجم محتواه مع المزاج الرسمي والاجتماعي. 

وبحسب بيان أصدرته “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” في آب/ أغسطس 2025، شهدت السنوات الخمسة الأخيرة تصاعداً مطرداً في عداء المؤسّسات القانونية والأمنية تجاه صانعي المحتوى الرقمي، مع التركيز على النساء الشابّات من خلفيات اجتماعية متواضعة. كان الشعار الذي صاحب تلك الحملة في عام 2020 هو #خليها_تنضف في إشارة إلى “تنظيف” الإنترنت من محتوى اعتُبر غير أخلاقي، وقد عاد هذا الشعار للظهور مؤخّراً مع موجة توقيفات جديدة في عام 2025.

اللافت أن القانون نفسه لم يسلم من النقد الشديد. فقد دفع دفاع المتّهمات أمام المحاكم بعدم دستورية المادّة 25، لانطوائها على عبارات غامضة تخالف مبدأ “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنصّ”، ورغم ذلك تستمرّ النيابة في استعمال هذه المادّة كسلاح جاهز. المادّة 25 تحوّلت إلى أداة رئيسية لتجريم التعبير، إذ وسّعت الدولة نطاقها من استهداف فتيات “تيك توك”، إلى ملاحقة أصحاب آراء دينية مخالفة، ومثليين ومثليات، وحتى مستخدمين عاديين بسبب محتوى خاصّ غير منشور للجمهور. بتنا أمام منظومة تقنين للأبوية المجتمعية: تُجرّم المرأة لأنها خرجت عن “الصورة المقبولة”، التي رسمها الحرّاس غير المرئيين للتقاليد.

الشريعة المُجتزأة وقوانين الأسرة:  “لا بلح الشام ولا عنب اليمن”

قد يظنّ البعض أن التشدّد الحالي يعبّر فقط عن مزاج مجتمعي، لكنّ مراجعة قوانين الأحوال الشخصية تكشف إشكاليّات أعمق. 

ورثت مصر مزيجاً معقّداً من قوانين مستوحاة من الشريعة الإسلامية، وأخرى مقتبسة من التقنينات الغربية (خاصّة الفرنسية) منذ القرن التاسع عشر. النتيجة كانت إطاراً قانونياً للأسرة، لا هو تقليدي إسلامي خالص، ولا هو مدني حديث بالكامل. وهذا الوضع الهجين كثيراً ما أضرّ بحقوق المرأة بدل أن يجمع مزايا النظامين، وكما يقول المثل الدارج: “لا طِلنا بلح الشام ولا عنب اليمن”.​

خذ مثلاً قضايا الطلاق والنفقة. في البلدان التي تطبّق الشريعة الإسلامية بصورة مباشرة (كالسعودية وإيران)، ورغم ما فيها من تمييز ضدّ النساء، توجد إجراءات منظّمة تنظّم الانفصال: يستلزم الطلاق إما تراضي الطرفين أو حكم القاضي بعد محاولات صلح. وللمرأة حقّ الخلع في بعض الحالات إذا أرادت إنهاء الزواج. كما تُلزِم الشريعة الزوج بسداد المهر المؤخّر ونفقة العدّة والمتعة. 

في المقابل، تعاني المرأة المصرية الأمرَّين في المحاكم رغم استناد القانون جزئياً إلى الشريعة. فعند رغبتها في الطلاق، إما أن تسلك طريق الدعاوى الطويلة لإثبات الضرر، وهو مسار قد يمتدّ لسنوات في أروقة المحاكم، وإما أن تلجأ إلى الخلع وفق قانون 2000، فتنال حرّيتها مقابل تنازلها عن حقوقها المالية الشرعية (كالنفقة ومؤخّر الصداق). أي أن القانون المصري أخذ من الشريعة الطلاق دون ضوابطه التكافلية، وألبسه ثوب الإجراءات البيروقراطية البطيئة، والنتيجة معلّقات بالآلاف من النساء المصريات اللواتي ينتظرن حكماً بالطلاق أو النفقة، بينما يعجزن عن إعالة أنفسهن وأطفالهن.​

روايات النساء في محاكم الأسرة تُنذر بحجم المأساة. فكم من امرأة تطلّب حصولها على نفقة أو حضانة أولادها معارك قضائية استنزفت سنوات من عمرها ومالها، وكم من أرملة فوجئت بعد وفاة زوجها بأنها لا تملك ولاية تعليمية أو مالية على أطفالها، لأن القانون يعطي الوصاية تلقائياً لجدّهم من الأب! وفق قانون الولاية على المال رقم 119 لسنة 1952 تنتقل ولاية القاصر المالية إلى أبيه ثم جدّه العصبي (جدّ الأب)، ولا يُعترف للأم بأيّ حقّ تلقائي إلا إن لم يوجد ذكر من عائلة الأب. ملايين الأمّهات في مصر وُضعن قانوناً في مرتبة أدنى من أقارب الزوج المتوفى، مهما كان مستواهن التعليمي أو قدرتهن على رعاية أبنائهن.​

وقد أبرز مسلسل تلفزيوني شهير في رمضان 2023 بعنوان “تحت الوصاية” هذه المشكلة، حين اضطرّت بطلة العمل للكفاح ضدّ حماها، الذي سلبها حقّ إدارة أموال أطفالها بعد موت زوجها. دفع نجاح المسلسل نائبتين في البرلمان إلى المطالبة بمراجعة قانون الولاية القديم، فوُصِف بأنه “لا يعكس التطوّرات الحديثة ويضع عقبات غير مبرّرة أمام المرأة”، حتى المجلس القومي للمرأة الرسمي أشاد بالعمل الدرامي لتسليطه الضوء على قضيّة الوصاية التعليمية والمالية للأمّهات.​

اليوم، وبعد ضغط مجتمعي واسع، تقف مصر على أعتاب إصلاح متأخّر في قوانين الأحوال الشخصية، فقد أنجزت لجنة حكومية مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية في كانون الثاني/ يناير 2025، قيل إنه سيعالج بعض هذه التشوّهات. أبرز التعديلات المقترحة تشمل إعطاء الأمّ حقّ الولاية على أولادها القُصَّر تلقائياً بعد وفاة الأب، بدل انتقالها تلقائياً إلى الجدّ كما كان سابقاً. كما يُبَسّط ترتيب الحضانة بحيث تكون الأمّ في المرتبة الأولى والأب في المرتبة الثانية مباشرةً (وكان الأب سابقاً في المرتبة السادسة عشرة). ويحدّد المشروع سنّ حضانة الأطفال بخمسة عشر عاماً للجنسين، ويتيح تمديدها حتى الزواج بالنسبة إلى البنات. هذه الإصلاحات، إن أقرّت وطبّقت بصدق، ستسدّ شيئاً من الفجوة الهائلة في حقوق الأمّ المصرية مقارنةً حتى بنظيراتها في دول محافظة.​

فالسعودية نفسها خطت خطوات لتحسين أوضاع النساء في السنوات الأخيرة: سمحت في آب/ أغسطس 2019 بالسفر دون إذن وليّ الأمر للنساء فوق 21 عاماً، وسمحت بقيادة المرأة للسيارة منذ 2018. بل إن السعودية سنّت نظام أحوال شخصية في عام 2022 يحدّ لأوّل مرّة من سلطة الوليّ الذكر في بعض الجوانب، ويعترف ببعض حقوق الأمّ في الحضانة، حيث أصبحت الأمّ صاحبة الحقّ الأساسي في الحضانة حتى سنّ 15 عاماً، وأصبح بإمكانها الاحتفاظ بالحضانة حتى لو تزوّجت ثانية، إذا لم يكن ذلك ضدّ مصلحة الطفل. مع ذلك، يبقى الأب الوليّ القانوني للطفل، ولا تستطيع الأمّ أن تصبح وليّة إلا بحكم محكمة، كما أن النظام السعودي لا يزال يفرض قيوداً تمييزية كبيرة على النساء في الزواج والطلاق.​

أما إيران فرغم قيودها المشدّدة، فهي تُطبّق ذلك بشكل واضح ضمن قانون مستمدّ من الشريعة: تحصل الأمّ على الحضانة حتى سنّ السابعة للطفل، ثم تنتقل الحضانة إلى الأب، وإن تزوّجت الأمّ ثانية تفقد حقّ الحضانة، والولاية القانونية تبقى دائماً للأب أو للجدّ حتى بعد وفاة الأب. هذا يجعل الحقوق والواجبات واضحة، وإن كانت غير متكافئة ومجحفة بحقّ النساء.

المفارقة أن المرأة المصرية تُركت لعقود في منطقة رمادية بين النظامين. فهي لا تحصل على حماية مدنية كاملة بمساواتها بالرجل في كلّ الحقوق الأسرية، كما في بعض البلدان ذات القوانين المدنية (كحال تونس حيث تمّ إقرار المساواة في عدّة جوانب، أو المغرب بعد مدونة 2004 المحسّنة لوضع المرأة)، وفي الوقت نفسه لا تتمتّع بالحماية التقليدية التي كانت المجتمعات الأبوية توفّرها ضمنياً، كجزء من الواجب الاجتماعي تجاه المطلّقة أو الأرملة. فالطلاق في مصر قد يعني سقوط النفقة إن لجأتِ إلى الخلع، والترمّل يعني الحجر على أموال أولادك من قِبل عائلة زوجك. لا عجب إذاً أن تسجّل مصر أحد أعلى معدّلات التقاضي في شؤون الأحوال الشخصية، في مشهد يصفه حقوقيون بأنه “حرب استنزاف قانونية تخوضها النساء يومياً لمجرّد الحصول على حقوق أساسية”.

طبقية الحشمة – Bikini vs. حجاب في ستّة كيلومترات

في صباح يوم صيفي حارّ، تجلس مجموعة سيّدات بملابس السباحة على حافّة حمّام سباحة في نادي الجزيرة الفاخر، على بُعد بضعة كيلومترات فقط، تقف طالبة جامعية على بوّابة جامعة حلوان يُعيقها أفراد الأمن، لأن فستانها قصير ومكشوف الظهر ولا يتناسب مع “التقاليد الجامعية”. هذا التناقض الفجّ يختزل معضلة الطبقية في فرض معايير الاحتشام في مصر. فالقواعد الأخلاقية ليست موحّدة ولا عامّة التطبيق؛ بل تعتمد كثيراً على من هي المرأة وأين توجد. الغنيّات أو المحظوظات المنتميات إلى الطبقات العليا، يتمتّعن بهامش حرّية أوسع في الملبس والسلوك، خاصّة داخل فضاءاتهن الخاصّة المغلقة. أما الشابّات من الطبقة الوسطى والدنيا فيلقين تضييقاً مضاعفاً من المجتمع والدولة معاً، ويُنظر لأيّ خروج عن المألوف منهن باعتباره انحرافاً أخلاقياً صريحاً.​

لقد أصبحت الأجساد النسائية ساحات صراع طبقي وثقافي. في الجامعات الحكومية، مثلاً، لا توجد لوائح رسمية موحّدة تفرض زيّاً محدّداً، لكن كثيراً ما يتسلّط بعض الإداريين والأمن على الطالبات بدعوى أن ملابسهن “غير لائقة”. حادثة منع الطالبة حنين فؤاد (ابنة السيناريست سيّد فؤاد الجناري) من دخول كليّة السياحة والفنادق بجامعة حلوان في نيسان/ أبريل 2024 بسبب ارتدائها فستاناً قصيراً ومكشوف الظهر، أثارت ضجّة كبيرة. والد الطالبة كتب بغضب: “بنتي عندها برزنتيشن في الكليّة، ولبست فورمال شيك، الأمن وقفها عالباب يقولها فستانك قصير مينفعش”. لم يُسمح للفتاة بالدخول إلا بعد تدخّل أستاذتها الدكتورة ماري ميساك التي أكّدت أن مظهرها مناسب للعرض التقديمي المطلوب، واعتذرت للطالبة. 

هذه الواقعة دفعت النائبة سميرة الجزّار لتقديم سؤال برلماني، معتبرة ما جرى انتهاكاً للحرّية الشخصية التي يكفلها الدستور في المادّة 54. لكن على الجانب الآخر، هناك تأييد شعبي من بعض الأوساط لمثل هذه الإجراءات، بدعوى حماية الحرم الجامعي من “التسيّب الأخلاقي”. هكذا تختلط الأبوية مع الطبقية: يُفرض الحجاب الضمني أو معايير صارمة على فتيات العامّة، بينما ترتدي بنات النخبة ما يشأن في منتجعاتهن المغلقة.​

هذا التفاوت الطبقي يتعدّى مسألة اللباس إلى نظرة الدولة نفسها تجاه المخالفين. في حملة مطاردة صانعي المحتوى على “تيك توك” التي بدأت في عام 2020 وتستمرّ في 2025، استهدفت السلطات بالأساس شابّات من خلفيات اجتماعية متواضعة، يرقصن أو يغنين على وسائل التواصل. وصف تقرير “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” تلك الحملات بأنها منحازة طبقياً  بوضوح؛ فالمستهدفات “جميعهن تقريباً من خلفيات اجتماعية متواضعة تعكس الحالة الاقتصادية لغالبية المصريين”، على عكس نجمات إنستغرام الأكثر ثراءً مثلاً، واللواتي نادراً ما يُمسسن. 

وأشارت المبادرة إلى أن الحملة أثّرت على 151 فرداً على الأقلّ عبر 109 قضايا مختلفة، وأن العدد الفعلي قد يكون أعلى بكثير. بعض المحلّلين يرون أن الأمر لا ينفصل عن سياسة ثقافية قديمة: ففي الوقت الذي تغضّ أجهزة الأمن الطرف عن حفلات راقصة مختلطة للنخبة في منتجعات الساحل الشمالي، تشنّ حملات لاقتحام حفلات الأفراح الشعبية بحجّة مكافحة المخدّرات أو الآداب. إنه مكيالان في آن واحد: تسامح مع من تعتبرهم الدولة “مستوري الحال” أو ذوي النفوذ، وتشدّد وقسوة مع من هم أدنى مكانة. ولعلّ هذا يفسّر لماذا تحظى خطب النيابة الأخلاقية برواج إعلامي عندما تكون المتّهمة فتاة فقيرة تجاهر بالرقص أو الغناء، بينما نادراً ما نسمع نبرة التنديد تلك تجاه مخالفات مشابهة داخل دوائر الأثرياء.

يرتبط ذلك أيضاً بفكرة السيطرة على الفضاء العامّ. فالدولة المصرية الحالية تُظهر حساسية مفرطة تجاه ظهور أنماط حياة مغايرة قادمة من أسفل الهرم الاجتماعي. إن بروز “فتيات التيك توك” كظاهرة شعبية، اعتُبر تهديداً مزدوجاً: تهديد أخلاقي وقيمي كما زعمت النيابة، وتهديد طبقي لأنها تقدّم نموذجاً لنجومية، وتحقيق دخل من خارج منظومات السيطرة التقليدية. وبالتالي كان التجييش ضدّهن فرصة لاستعادة الهيمنة على السردية الاجتماعية، وكما أوضح باحثون في علم الاجتماع، كثيراً ما تُختزل أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة في خطاب أخلاقي ضدّ “انحلال شبابي”، لصرف الأنظار عن جوهر المشكلة. في حالة مصر، بدل أن يُفسَّر انتشار محتوى الرقص والغناء الشعبي كمؤشّر على بطالة الشباب وفراغهم وفقرهم، جرى شيطنة مَن يعبّر عن ذلك الفضاء الرقمي الشعبي، وهنا تتجلّى الأبوية الطبقية: الدولة تعاقب أبناء الطبقات الكادحة على نتائج سياساتها الاقتصادية عبر وصمهم أخلاقياً، ثم تروّج لنفسها حامياً للأخلاق.

أوهام التفوّق والواقع المُرّ

خلال العقد الماضي، سادت في الخطاب الرسمي المصري نبرة استعلاء حضاري تجاه تجارب دول عربية أخرى. اعتبر كثر أننا في مصر “أفضل حالاً” من دول كإيران أو السودان أو حتى السعودية، بحجّة أننا دولة مدنية لا يحكمها رجال دين، وأننا تجنّبنا سيناريو “أسلمة الدولة” بعد إطاحة حكم “الإخوان المسلمين” في عام 2013. رُوِّج لفكرة أن “مصر ليست إيران”، وأن المرأة المصرية محميّة من تطرف ديني كان وشيكاً، لكنّ الوقائع تثبت أن كثيراً مما حذّرنا منه كـ”شبح إيراني” طفا على سطح حياتنا العامّة وإن بأيدٍ محلّية. فمرافعة النيابة في قضيّة سوزي الأردنية – بكلّ مفرداتها عن الشرف والحياء والتوبة – لم تكن لتستغربها محكمة ثورية في طهران أو خطيب حسبة في الرياض. لقد تبنّت الدولة المصرية خطاباً أخلاقياً شمولياً يكاد يضاهي أكثر الدول المحافظة تشدّداً، وإن كان ذلك دون غطاء أيديولوجي ديني صريح. إنه تشدّد باسم المجتمع والعادات بدلاً من الدين، لكنّه يؤدّي الوظيفة ذاتها وربما بقسوة أكبر.

من الصعب مثلاً تخيّل نيابة سعودية معاصرة تنشر بياناً علنياً تصف فيه متّهمة بـ”خطَر على أخلاق المجتمع” فقط لأنها رقصت أمام كاميرا الهاتف، خاصّة في عهد الانفتاح الترفيهي الحالي في الرياض. لقد قلّصت السعودية سلطة شرطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الهيئة) بشكل جذري في نيسان/ أبريل 2016، فأصبح ممنوعاً على أعضائها القبض على الأفراد أو مطاردتهم أو طلب هويّاتهم، واقتصر دورهم على الإبلاغ عن المخالفات للشرطة. وتحوّل الخطاب الرسمي فيها منذ تولّي وليّ العهد محمّد بن سلمان إلى تشجيع الفعّاليات الفنية والترفيهية (ضمن حدود معينة) لتحسين صورة البلاد عالمياً. أما في مصر، فلا تزال السلطات تفاخر علناً بملاحقة الفتيات على ما تعتبره تجاوزات سلوكية.​

حتى إيران، ورغم قمعها الشديد، تدرك حساسية الترويج الإعلامي لقضايا الأخلاق. في قضيّة الفتاة مائده هجبري (18 عاماً) التي اعتُقلت في أيّار/ مايو 2018 بتهمة نشر فيديوهات رقص على إنستغرام، أُجبرت على الاعتذار في التلفزيون الرسمي، لكنّ هذا أثار غضباً شعبياً واسعاً داخل إيران وخارجها، حيث اعتبره كثيرون انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان. وقد علّق باحث في مركز حقوق الإنسان في إيران قائلاً إن “الحكومة لم تترك مجالاً للإيرانيين للتنفّس”. حتى بعض العلماء الدينيين الإيرانيين انتقدوا بثّ الاعتراف، واصفين إيّاه بأنه “وصمة عار” على عائلة الفتاة. في المقابل، نجد النيابة المصرية تنشر فيديوهات مرافعاتها على منصّات التواصل الاجتماعي، وتستخدمها كمنابر دعائية لإظهار حزمها في “حماية القيم”.​

هذا يقودنا إلى تفكيك وهم التفوّق الحضاري الذي نلوذ به في مواجهة واقعنا. صحيح أن مصر لم تنهر كمجتمع ودولة كما حصل في بعض بلدان الإقليم، ولم تخضع لحكم ميليشيات دينية صريحة، لكنّ الثمن كان نوعاً آخر من التدهور الهادئ: تغلغل المحافظة المجتمعية في مؤسّسات الدولة المدنية، حتى باتت تنتج ممارسات تقارب ما كنّا نخشى حدوثه تحت حكم أصولي. أجهزة يفترض أنها مدنية كالأمن والقضاء تتصرّف بعقلية شرطة دينية غير رسمية. ولم يعد الأمر مقتصراً على اجتهادات فردية؛ بل اكتسب طابع السياسة العامّة. وكيف لا نفسّره كذلك والحملة الأمنية تُشنّ باسم الأخلاق منذ آب/ أغسطس 2025، والإعلام الحكومي يتغنّى ببطولات “تطهير المجتمع” من صانعي المحتوى؟​

إن الصدمة في قضيّة سوزي الأردنية ليست في كونها حالة استثنائية، بل بالعكس: شدّتها كخطاب رسمي جاءت لتؤكّد أن ما كان البعض يعتبره حالات متفرّقة أصبح نهجاً ممنهجاً. وربما علينا شكر تلك المرافعة رغم فظاظتها، لأنها نزعت آخر أقنعة الإنكار. لقد تبيّن أننا لسنا بمجتمع أكثر تقدّمية من إيران أو السعودية كما كنّا نظنّ؛ بل ربما أكثر ازدواجية: ندّعي المدنية والتحرّر بينما نمارس الوصاية الاجتماعية بأقصى صورها، وفي المحصّلة تدفع النساء الثمن الأفدح لهذا التناقض: فهن أوّل من يُستهدف لتقديم قرابين “الشرف العامّ”، كلما أراد النظام إثبات ورعه الأخلاقي أو أراد الشعب تنفيس إحباطه.

نحو مواجهة الحقيقة بلا تجميل

في إحدى فقرات مرافعته ضدّ سوزي الأردنية، قال وكيل النيابة بأسى مصطنع: “لا يتحقّق التغيير في حال الأمّة إلا إذا بدأ كلّ فرد بإصلاح نفسه وتهذيب سلوكه”. ربما كان حريّاً به توجيه النظر إلى نفس الدولة ومؤسّساتها قبل أن يطالب فتاة مراهقة بإصلاح نفسها. فالأمّة المصرية اليوم في حاجة ماسّة إلى مراجعة جريئة لذاتها: كيف أصبحت أوهام التفوّق على الآخرين حاجزاً يمنعنا من رؤية عيوبنا الواضحة؟ وكيف تحوّلت مؤسّسات منوط بها العدل والقانون إلى أدوات لترسيخ أعراف اجتماعية بالية؟ إن أوّل خطوة للتغيير هي الاعتراف بواقعنا كما هو، دون إنكار أو تزيين. هذا الواقع يقول إننا في كثير من جوانب حقوق المرأة وحرّياتها لسنا متقدّمين على من حولنا بل متأخّرين. 

وربما يحمل المستقبل بعض الأمل إن استمرّ الضغط المجتمعي لاصلاح القوانين البالية، وإن وُجدت شجاعة سياسية لتقليم أظافر الموادّ القانونية الفضفاضة التي تُسخَّر لقمع الحرّيات. في نهاية المطاف، لن ينقذ المجتمع المصري توازنه الأخلاقي خطب حماسية ولا أحكام قضائية متعسّفة، بل ينقذه أن يواجه الحقائق القاسية: أن الفقر أخطر على أخلاقنا من أي فيديو “تيك توك”، وأن الظلم أشد إفساداً لنفوسنا من أيّ رقصة، وأن العدالة والمساواة – لا الرقابة والوصاية – هي ما يبني مجتمعاً سليماً قوياً. ربما عندها فقط، سنكفّ عن مقارنة أنفسنا بالآخرين وهمومهم، ونشرع في معالجة جراحنا الداخلية التي طال نزيفها.