ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

في مفهوم “الأثر”: ما الذي نخاطر به ونحن نحاول أن نصنع تغييراً؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الاختلاف حول الوسائل أمر طبيعي، بل ضروري، في أي عمل يسعى إلى التغيير. لكن هذا الاختلاف يجب أن يبقى جزءًا من عملية التفكير في كيفية تحقيق التغيير، لا أن يتحول إلى صراع حول من يملك الإجابة الصحيحة. ففي القضايا المعقدة، قد لا يكون التحدي فقط في تحديد الهدف الذي نريد الوصول إليه، بل في فهم المسارات المختلفة للوصول إليه، وما قد ينتج من كل مسار من آثار.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في السنوات الأخيرة، أصبح مفهوم “الأثر” (Impact) معيارًا أساسيًا في تقييم عمل المنظمات الحقوقية والمدنية. فنجاح المبادرات يُقاس غالبًا بعدد القوانين التي تغيرت، وعدد الحملات التي أُطلقت، وعدد التوصيات التي اعتُمدت، والنتائج التي يمكن توثيقها وإظهارها.

 ولا شك في أن الرغبة في تحقيق تغيير ملموس هي جزء أساسي من أي عمل يسعى إلى حماية الحقوق وتعزيز العدالة. فالعمل الحقوقي والمدني غالبًا ما ينطلق من قضايا عادلة ومن رغبة حقيقية في تحسين حياة الناس. لكن في ظل الضغط المتزايد لإثبات النتائج، قد يصبح التركيز على الإنجاز القابل للقياس أقوى أحيانًا من التفكير في التداعيات غير المقصودة لهذا الإنجاز.

لا يمكن فصل هذا الواقع عن البيئة التي تعمل ضمنها المنظمات اليوم. فهي تعمل، في كثير من الأحيان، تحت ضغط مستمر لإثبات نتائج ملموسة أمام المانحين والشركاء والجمهور. وتدفع دورات التمويل القصيرة، ومتطلبات التقارير، والحاجة إلى إظهار نجاحات قابلة للقياس، إلى إعطاء الأولوية لما يمكن تحقيقه وإظهاره خلال فترة زمنية محدودة.

بعض أنواع التغيير لا تظهر دائمًا في مؤشرات سريعة. فقد يكون النجاح أحيانًا في منع تراجع محتمل، أو حماية مساحة قائمة، أو اختيار التوقيت والأدوات المناسبة بدل السعي إلى تحقيق إنجاز يمكن عرضه فورًا. وهذا لا يعني أن الحذر يجب أن يتحول إلى ذريعة لعدم المبادرة، أو أن الحفاظ على الواقع القائم هو دائمًا الخيار الأفضل. فبعض الحقوق لم تتحقق إلا لأن أشخاصًا ومؤسسات اختاروا خوض معارك صعبة في لحظات كان لا بد فيها من المواجهة. لكن التحدي يكمن في التمييز بين اللحظة التي يكون فيها التدخل ضروريًا، واللحظة التي قد يؤدي فيها التدخل، على رغم عدالة الهدف، إلى نتائج تقوّض جزءًا من الغاية التي نسعى إلى تحقيقها.

لذلك، فإن العمل الحقوقي لا يقتصر على تحديد الهدف الذي نسعى إليه، بل يشمل أيضًا التفكير في الوسائل المستخدمة لتحقيقه، وفي السياق الذي ستُطبّق ضمنه، وفي النتائج التي قد تنتج منها. فليست كل معركة يجب أن تُخاض بالطريقة نفسها، ولا في اللحظة نفسها.

ولعلّ هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا في المجتمعات التي تعاني من ضعف المؤسسات واختلال موازين القوى. ففي مثل هذه السياقات، لا يكفي أن نسأل: “هل هذا المطلب عادل؟”، بل علينا أيضًا أن نسأل: “ما الذي قد يحدث إذا نجحنا؟” فليس كل تغيير إصلاحًا، وليس كل تدخل يؤدي بالضرورة إلى توسيع مساحة الحرية. وأحيانًا تكون الحكمة في حماية المساحات المتاحة، وفي بناء التغيير تدريجيًا، بدل السعي إلى انتصار سريع قد يفضي إلى إغلاق أبواب كانت لا تزال مفتوحة.

بين ما نريد تغييره وما نحتاج إلى حمايته

في لبنان، يقدم النقاش حول المادة 534 من قانون العقوبات مثالًا واضحًا على هذا التعقيد. فقد استخدمت هذه المادة تاريخيًا لتجريم العلاقات المثلية، على رغم أن عددًا من الأحكام القضائية في السنوات الأخيرة شكّلت تحولًا مهمًا، إذ اعتبرت أن العلاقات المثلية الرضائية لا تدخل ضمن مفهوم “المخالفة للطبيعة” الذي تستند إليه المادة.

هذه الأحكام لم تُلغِ المادة، لكنها خلقت مساحة قانونية مهمة سمحت بالعمل على مستويات مختلفة: الحد من العنف، تحسين الوصول إلى الخدمات الصحية، تغيير الخطاب العام، وتقليل استخدام المادة كأداة للملاحقة. وفي سياق سياسي وقضائي معقد، شكّل هذا المسار التدريجي فرصة لتحقيق مكاسب عملية من دون فتح مواجهة تشريعية قد تكون نتائجها غير محسوبة.

عندما طُرحت مبادرات تهدف إلى تعديل المادة عبر المسار البرلماني، حذّر عدد من العاملين في المجال القانوني والحقوقي من مخاطر هذا الخيار. لم يكن النقاش متعلقًا برفض مبدأ المساواة أو الحق في الحماية القانونية، بل بقراءة الواقع السياسي القائم، والسؤال حول قدرة هذا المسار على إنتاج نتائج تخدم الهدف الأساسي: حماية الأشخاص وتقليل الأذى الواقع عليهم.

ففي ظل التوازنات الموجودة، كان هناك خطر من أن يتحول هذا النقاش إلى فرصة للقوى المحافظة لطرح تشريعات أكثر تشددًا. وقد حصل بالفعل أن ظهر لاحقًا مشروعان قوانين يهدفان إلى تجريم المثلية بشكل أكثر وضوحًا وصراحة، ما كان سيؤدي إلى إغلاق المساحات القانونية والقضائية التي فُتحت تدريجيًا خلال السنوات السابقة.

النقاش هنا لا يتعلق فقط بهذه القضية، بل يطرح سؤالًا أوسع حول العمل الحقوقي: هل كل معركة قانونية يجب خوضها بالطريقة نفسها وفي كل لحظة؟ وهل تحقيق انتصار تشريعي مباشر يضمن دائمًا حماية أكبر للفئات التي نسعى الى الدفاع عنها؟ أحيانًا، لا تكون الحكمة في تحقيق التغيير الأسرع، بل في حماية المساحات الصغيرة التي تسمح بتراكم التغيير على المدى الطويل. 

بين حماية حرية التعبير وتنظيمها

يتكرر السؤال نفسه في النقاش حول مشروع قانون الإعلام الجديد. فلا خلاف على أن لبنان يحتاج إلى إصلاحات حقيقية في قطاع الإعلام، وأن الصحافيين والعاملين في المجال الإعلامي يحتاجون إلى حماية أكبر، خصوصًا في ظل تاريخ طويل من الضغوط والاستدعاءات والمضايقات.

لكن السؤال لا يتعلق فقط بالحاجة إلى الإصلاح، بل بالوسيلة الأفضل لتحقيقه.

في مراجعتها مشروع القانون، تشير المحامية ليال صقر إلى أن النص يحمل عناصر إيجابية، لكنه يثير في المقابل تساؤلات حول بعض الصلاحيات التنظيمية والرقابية، وحول قدرة أي إطار قانوني جديد على حماية حرية التعبير فعليًا في بيئة تعاني أصلًا من ضعف المؤسسات واستقلالية القضاء. كما تطرح أهمية نموذج التنظيم الذاتي للإعلام باعتباره مسارًا يمكن أن يعزز المسؤولية المهنية والمساءلة من دون توسيع سلطة الدولة على المجال الإعلامي.

يضاف إلى ذلك تحدّ أساسي فرضته التحولات الرقمية: هل يمكن أصلًا تنظيم فضاء واسع ومتحرك مثل وسائل التواصل الاجتماعي من خلال قوانين وطنية تقليدية؟ فالإعلام اليوم لم يعد يقتصر على مؤسسات صحافية واضحة المعالم يمكن مساءلتها ضمن إطار مهني محدد، بل أصبح فضاءً مفتوحًا يشارك فيه الأفراد والمنصات الرقمية والمستخدمون العاديون.

وهذا لا يعني أن الفضاء الرقمي يجب أن يبقى بلا أي مسؤولية أو مساءلة، بل يعني أن أدوات التنظيم يجب أن تُفكر بعناية، لأن محاولة إخضاع مجال معقد وعابر للحدود لمنطق القوانين التقليدية قد تنتج أحيانًا قيودًا على حرية التعبير أكثر مما تنتج حلولًا للمشكلات القائمة.

وهنا تظهر أهمية التفكير في السياق. فالقانون لا يعمل بمعزل عن المؤسسات التي تطبقه، ولا عن البيئة السياسية التي تحدد كيفية استخدامه. ففي دولة ذات مؤسسات مستقرة، قد يكون التشريع أداة إصلاح فعالة. أما في الدول التي تعاني من اختلالات مؤسساتية، فقد يحمل القانون الجديد مخاطر لا تظهر عند صياغته الأولى.

الإصلاح الإعلامي لا يمكن أن يقتصر على إصدار قوانين جديدة، بل يمكن أن يشمل أيضًا بناء ثقافة مهنية تقوم على المسؤولية، والمساءلة، وأخلاقيات العمل الصحافي. فالحرية لا تستمر فقط بحمايتها من الدولة، بل أيضًا ببناء مؤسسات قادرة على ممارستها بمسؤولية.

بين عالمية الحقوق وانتقائية الخطاب

يمتد هذا النقاش إلى المستوى الدولي، حيث يواجه القانون الدولي اليوم أزمة لا تتعلق فقط بضعف آليات التنفيذ، بل أيضًا بطريقة استخدامه في الخطاب العام والسياسي.

القانون الدولي وُجد ليكون إطارًا مشتركًا لحماية الحقوق ومحاسبة الانتهاكات، بغض النظر عن هوية الضحية أو هوية مرتكب الانتهاك. لكن في الممارسة، نرى أحيانًا أن بعض الجهات تستدعي قواعد القانون الدولي بقوة عندما تتوافق مع موقفها السياسي أو السردية التي تدافع عنها، بينما تصبح أقل حضورًا عندما يتعلق الأمر بانتهاكات ترتكبها أطراف قريبة منها سياسيًا أو فكريًا.

وهنا تكمن المشكلة. فالدفاع عن حقوق الإنسان يفقد جزءًا من قوته عندما لا يكون قائمًا على معيار واحد للجميع. فعندما تتم إدانة انتهاك معين باعتباره جريمة تستوجب المساءلة، بينما يتم تجاهل انتهاك مشابه لأن الضحية لا تنتمي إلى الدائرة السياسية أو الفكرية نفسها، فإن الرسالة التي تصل إلى الناس هي أن الحقوق ليست مبادئ ثابتة، بل أدوات تُستخدم في المعارك السياسية.

يشير الحقوقي والباحث في القانون الدولي العام ساجي سنو في نقاشه حول أزمة القانون الدولي، إلى أحد التحديات التي تواجه هذا النظام، والمتمثل في توظيف القانون الدولي أحيانًا كأداة أيديولوجية وسياسية، وتحويله من إطار قانوني يسعى إلى تطبيق معايير مشتركة إلى وسيلة في معارك السرديات السياسية. فالقانون الدولي ليس أيديولوجيا أو أداة في الصراع السياسي، بل هو قبل كل شيء قانون يقوم على قواعد ومبادئ وإجراءات تتطلب الدقة والموضوعية والقدرة على النظر في الوقائع بعيدًا عن الاصطفافات السياسية.

وتصبح المشكلة أكثر خطورة عندما يُعاد تفسير القانون الدولي أو استخدامه بصورة انتقائية بما يخدم موقفًا سياسيًا معينًا، بينما يتم تجاهل المبادئ نفسها عندما لا تنسجم مع هذا الموقف. فهذا لا يضعف فقط قضية محددة، بل يضعف الثقة العامة بإمكانية وجود معيار قانوني مشترك. فالقانون الدولي لا يستمد قوته فقط من النصوص التي يحتويها، بل أيضًا من الاعتقاد بأنه يُطبق على الجميع وفق المعايير نفسها.

 من هنا، فإن المشكلة ليست في استخدام القانون الدولي للدفاع عن حقوق الإنسان، بل في اختزاله إلى أداة تخدم قضية دون أخرى. فالقانون يفقد جزءًا من شرعيته عندما يشعر الناس بأنه يُستدعى أحيانًا ويُهمل أحيانًا أخرى بحسب موقع الأطراف في الخريطة السياسية.

في عالم يشهد مستويات غير مسبوقة من الانتهاكات والإفلات من العقاب، تصبح الحاجة أكبر إلى الدفاع عن عالمية الحقوق، لا إلى تحويلها إلى أدوات في صراعات الهوية والانقسام السياسي. فالازدواجية في تطبيق المعايير لا تضعف فقط من يمارسها، بل تضرّ بالفكرة التي يفترض أن تجمع الجميع: أن هناك مبادئ تتجاوز الاصطفافات السياسية.

بين الأثر وما يتركه فينا

ربما يكون التحدي الأكبر أمام العمل الحقوقي اليوم ليس فقط كيفية تحقيق أثر، بل كيفية التفكير في تداعيات هذا الأثر، وما إذا كان التغيير الذي نسعى إليه يفتح مساحات جديدة أم قد يؤدي، بشكل غير مقصود، إلى تضييق المساحات الموجودة.

في مجتمعنا، لا تُقاس الحكمة بجرأة الفعل وحدها، بل أيضًا بالقدرة على فهم اللحظة، وقراءة السياق، والتفكير بما قد يحدث بعد الخطوة التي نقوم بها. فالعمل الحقوقي لا يتعلق فقط بتحديد ما نريد تغييره، بل أيضًا بفهم البيئة التي يحدث فيها هذا التغيير، والحدود التي تحكمه، والنتائج التي قد تنتج منه.

لكن الحديث عن التعقيد والسياق لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لتجنب النقد أو المساءلة. فاختيار قضية عادلة لا يعفي أي جهة من مسؤولية التفكير في الأدوات والاستراتيجيات المستخدمة لتحقيقها، وفي ما إذا كانت هذه الأدوات تقرّبنا فعلًا من الهدف الذي نسعى إليه.

فالاختلاف حول الوسائل أمر طبيعي، بل ضروري، في أي عمل يسعى إلى التغيير. لكن هذا الاختلاف يجب أن يبقى جزءًا من عملية التفكير في كيفية تحقيق التغيير، لا أن يتحول إلى صراع حول من يملك الإجابة الصحيحة. ففي القضايا المعقدة، قد لا يكون التحدي فقط في تحديد الهدف الذي نريد الوصول إليه، بل في فهم المسارات المختلفة للوصول إليه، وما قد ينتج من كل مسار من آثار.

العمل الحقوقي يحتاج، كما يحتاج أي عمل يسعى إلى تغيير المجتمع، إلى مساحة حقيقية للنقد الذاتي.

فأحيانًا يكون الإنجاز الحقيقي هو القانون الذي لم يُطرح لأنه كان سيؤدي إلى ضرر أكبر، والمعركة التي لم تُخض لأنها كانت ستغلق أبوابًا مفتوحة، والخطوة التي تأجلت لأنها احتاجت إلى سياق أكثر ملاءمة.

لكن الحكمة لا تكمن دائمًا في الانتظار، كما أن الشجاعة لا تكمن دائمًا في المواجهة. التحدي الحقيقي هو معرفة متى نتحرك، وكيف نتحرك، وما الذي نتركه وراءنا بعد كل خطوة.

فالعمل الحقوقي لا يُقاس فقط بقدرته على فتح أبواب جديدة، بل أيضًا بقدرته على منع إغلاق الأبواب التي ما زالت مفتوحة. فالهدف النهائي ليس تحقيق انتصارات سريعة، بل بناء مجتمعات تثق بأن الحقوق ليست شعارات، وأن القانون ليس أداة انتقائية، وأن التغيير الحقيقي لا يُقاس فقط بما ننجزه اليوم، بل بما نتركه للأجيال المقبلة من مساحة أكبر للحرية والتعددية والديمقراطية.

17.07.2026
زمن القراءة: 8 minutes

الاختلاف حول الوسائل أمر طبيعي، بل ضروري، في أي عمل يسعى إلى التغيير. لكن هذا الاختلاف يجب أن يبقى جزءًا من عملية التفكير في كيفية تحقيق التغيير، لا أن يتحول إلى صراع حول من يملك الإجابة الصحيحة. ففي القضايا المعقدة، قد لا يكون التحدي فقط في تحديد الهدف الذي نريد الوصول إليه، بل في فهم المسارات المختلفة للوصول إليه، وما قد ينتج من كل مسار من آثار.

في السنوات الأخيرة، أصبح مفهوم “الأثر” (Impact) معيارًا أساسيًا في تقييم عمل المنظمات الحقوقية والمدنية. فنجاح المبادرات يُقاس غالبًا بعدد القوانين التي تغيرت، وعدد الحملات التي أُطلقت، وعدد التوصيات التي اعتُمدت، والنتائج التي يمكن توثيقها وإظهارها.

 ولا شك في أن الرغبة في تحقيق تغيير ملموس هي جزء أساسي من أي عمل يسعى إلى حماية الحقوق وتعزيز العدالة. فالعمل الحقوقي والمدني غالبًا ما ينطلق من قضايا عادلة ومن رغبة حقيقية في تحسين حياة الناس. لكن في ظل الضغط المتزايد لإثبات النتائج، قد يصبح التركيز على الإنجاز القابل للقياس أقوى أحيانًا من التفكير في التداعيات غير المقصودة لهذا الإنجاز.

لا يمكن فصل هذا الواقع عن البيئة التي تعمل ضمنها المنظمات اليوم. فهي تعمل، في كثير من الأحيان، تحت ضغط مستمر لإثبات نتائج ملموسة أمام المانحين والشركاء والجمهور. وتدفع دورات التمويل القصيرة، ومتطلبات التقارير، والحاجة إلى إظهار نجاحات قابلة للقياس، إلى إعطاء الأولوية لما يمكن تحقيقه وإظهاره خلال فترة زمنية محدودة.

بعض أنواع التغيير لا تظهر دائمًا في مؤشرات سريعة. فقد يكون النجاح أحيانًا في منع تراجع محتمل، أو حماية مساحة قائمة، أو اختيار التوقيت والأدوات المناسبة بدل السعي إلى تحقيق إنجاز يمكن عرضه فورًا. وهذا لا يعني أن الحذر يجب أن يتحول إلى ذريعة لعدم المبادرة، أو أن الحفاظ على الواقع القائم هو دائمًا الخيار الأفضل. فبعض الحقوق لم تتحقق إلا لأن أشخاصًا ومؤسسات اختاروا خوض معارك صعبة في لحظات كان لا بد فيها من المواجهة. لكن التحدي يكمن في التمييز بين اللحظة التي يكون فيها التدخل ضروريًا، واللحظة التي قد يؤدي فيها التدخل، على رغم عدالة الهدف، إلى نتائج تقوّض جزءًا من الغاية التي نسعى إلى تحقيقها.

لذلك، فإن العمل الحقوقي لا يقتصر على تحديد الهدف الذي نسعى إليه، بل يشمل أيضًا التفكير في الوسائل المستخدمة لتحقيقه، وفي السياق الذي ستُطبّق ضمنه، وفي النتائج التي قد تنتج منها. فليست كل معركة يجب أن تُخاض بالطريقة نفسها، ولا في اللحظة نفسها.

ولعلّ هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا في المجتمعات التي تعاني من ضعف المؤسسات واختلال موازين القوى. ففي مثل هذه السياقات، لا يكفي أن نسأل: “هل هذا المطلب عادل؟”، بل علينا أيضًا أن نسأل: “ما الذي قد يحدث إذا نجحنا؟” فليس كل تغيير إصلاحًا، وليس كل تدخل يؤدي بالضرورة إلى توسيع مساحة الحرية. وأحيانًا تكون الحكمة في حماية المساحات المتاحة، وفي بناء التغيير تدريجيًا، بدل السعي إلى انتصار سريع قد يفضي إلى إغلاق أبواب كانت لا تزال مفتوحة.

بين ما نريد تغييره وما نحتاج إلى حمايته

في لبنان، يقدم النقاش حول المادة 534 من قانون العقوبات مثالًا واضحًا على هذا التعقيد. فقد استخدمت هذه المادة تاريخيًا لتجريم العلاقات المثلية، على رغم أن عددًا من الأحكام القضائية في السنوات الأخيرة شكّلت تحولًا مهمًا، إذ اعتبرت أن العلاقات المثلية الرضائية لا تدخل ضمن مفهوم “المخالفة للطبيعة” الذي تستند إليه المادة.

هذه الأحكام لم تُلغِ المادة، لكنها خلقت مساحة قانونية مهمة سمحت بالعمل على مستويات مختلفة: الحد من العنف، تحسين الوصول إلى الخدمات الصحية، تغيير الخطاب العام، وتقليل استخدام المادة كأداة للملاحقة. وفي سياق سياسي وقضائي معقد، شكّل هذا المسار التدريجي فرصة لتحقيق مكاسب عملية من دون فتح مواجهة تشريعية قد تكون نتائجها غير محسوبة.

عندما طُرحت مبادرات تهدف إلى تعديل المادة عبر المسار البرلماني، حذّر عدد من العاملين في المجال القانوني والحقوقي من مخاطر هذا الخيار. لم يكن النقاش متعلقًا برفض مبدأ المساواة أو الحق في الحماية القانونية، بل بقراءة الواقع السياسي القائم، والسؤال حول قدرة هذا المسار على إنتاج نتائج تخدم الهدف الأساسي: حماية الأشخاص وتقليل الأذى الواقع عليهم.

ففي ظل التوازنات الموجودة، كان هناك خطر من أن يتحول هذا النقاش إلى فرصة للقوى المحافظة لطرح تشريعات أكثر تشددًا. وقد حصل بالفعل أن ظهر لاحقًا مشروعان قوانين يهدفان إلى تجريم المثلية بشكل أكثر وضوحًا وصراحة، ما كان سيؤدي إلى إغلاق المساحات القانونية والقضائية التي فُتحت تدريجيًا خلال السنوات السابقة.

النقاش هنا لا يتعلق فقط بهذه القضية، بل يطرح سؤالًا أوسع حول العمل الحقوقي: هل كل معركة قانونية يجب خوضها بالطريقة نفسها وفي كل لحظة؟ وهل تحقيق انتصار تشريعي مباشر يضمن دائمًا حماية أكبر للفئات التي نسعى الى الدفاع عنها؟ أحيانًا، لا تكون الحكمة في تحقيق التغيير الأسرع، بل في حماية المساحات الصغيرة التي تسمح بتراكم التغيير على المدى الطويل. 

بين حماية حرية التعبير وتنظيمها

يتكرر السؤال نفسه في النقاش حول مشروع قانون الإعلام الجديد. فلا خلاف على أن لبنان يحتاج إلى إصلاحات حقيقية في قطاع الإعلام، وأن الصحافيين والعاملين في المجال الإعلامي يحتاجون إلى حماية أكبر، خصوصًا في ظل تاريخ طويل من الضغوط والاستدعاءات والمضايقات.

لكن السؤال لا يتعلق فقط بالحاجة إلى الإصلاح، بل بالوسيلة الأفضل لتحقيقه.

في مراجعتها مشروع القانون، تشير المحامية ليال صقر إلى أن النص يحمل عناصر إيجابية، لكنه يثير في المقابل تساؤلات حول بعض الصلاحيات التنظيمية والرقابية، وحول قدرة أي إطار قانوني جديد على حماية حرية التعبير فعليًا في بيئة تعاني أصلًا من ضعف المؤسسات واستقلالية القضاء. كما تطرح أهمية نموذج التنظيم الذاتي للإعلام باعتباره مسارًا يمكن أن يعزز المسؤولية المهنية والمساءلة من دون توسيع سلطة الدولة على المجال الإعلامي.

يضاف إلى ذلك تحدّ أساسي فرضته التحولات الرقمية: هل يمكن أصلًا تنظيم فضاء واسع ومتحرك مثل وسائل التواصل الاجتماعي من خلال قوانين وطنية تقليدية؟ فالإعلام اليوم لم يعد يقتصر على مؤسسات صحافية واضحة المعالم يمكن مساءلتها ضمن إطار مهني محدد، بل أصبح فضاءً مفتوحًا يشارك فيه الأفراد والمنصات الرقمية والمستخدمون العاديون.

وهذا لا يعني أن الفضاء الرقمي يجب أن يبقى بلا أي مسؤولية أو مساءلة، بل يعني أن أدوات التنظيم يجب أن تُفكر بعناية، لأن محاولة إخضاع مجال معقد وعابر للحدود لمنطق القوانين التقليدية قد تنتج أحيانًا قيودًا على حرية التعبير أكثر مما تنتج حلولًا للمشكلات القائمة.

وهنا تظهر أهمية التفكير في السياق. فالقانون لا يعمل بمعزل عن المؤسسات التي تطبقه، ولا عن البيئة السياسية التي تحدد كيفية استخدامه. ففي دولة ذات مؤسسات مستقرة، قد يكون التشريع أداة إصلاح فعالة. أما في الدول التي تعاني من اختلالات مؤسساتية، فقد يحمل القانون الجديد مخاطر لا تظهر عند صياغته الأولى.

الإصلاح الإعلامي لا يمكن أن يقتصر على إصدار قوانين جديدة، بل يمكن أن يشمل أيضًا بناء ثقافة مهنية تقوم على المسؤولية، والمساءلة، وأخلاقيات العمل الصحافي. فالحرية لا تستمر فقط بحمايتها من الدولة، بل أيضًا ببناء مؤسسات قادرة على ممارستها بمسؤولية.

بين عالمية الحقوق وانتقائية الخطاب

يمتد هذا النقاش إلى المستوى الدولي، حيث يواجه القانون الدولي اليوم أزمة لا تتعلق فقط بضعف آليات التنفيذ، بل أيضًا بطريقة استخدامه في الخطاب العام والسياسي.

القانون الدولي وُجد ليكون إطارًا مشتركًا لحماية الحقوق ومحاسبة الانتهاكات، بغض النظر عن هوية الضحية أو هوية مرتكب الانتهاك. لكن في الممارسة، نرى أحيانًا أن بعض الجهات تستدعي قواعد القانون الدولي بقوة عندما تتوافق مع موقفها السياسي أو السردية التي تدافع عنها، بينما تصبح أقل حضورًا عندما يتعلق الأمر بانتهاكات ترتكبها أطراف قريبة منها سياسيًا أو فكريًا.

وهنا تكمن المشكلة. فالدفاع عن حقوق الإنسان يفقد جزءًا من قوته عندما لا يكون قائمًا على معيار واحد للجميع. فعندما تتم إدانة انتهاك معين باعتباره جريمة تستوجب المساءلة، بينما يتم تجاهل انتهاك مشابه لأن الضحية لا تنتمي إلى الدائرة السياسية أو الفكرية نفسها، فإن الرسالة التي تصل إلى الناس هي أن الحقوق ليست مبادئ ثابتة، بل أدوات تُستخدم في المعارك السياسية.

يشير الحقوقي والباحث في القانون الدولي العام ساجي سنو في نقاشه حول أزمة القانون الدولي، إلى أحد التحديات التي تواجه هذا النظام، والمتمثل في توظيف القانون الدولي أحيانًا كأداة أيديولوجية وسياسية، وتحويله من إطار قانوني يسعى إلى تطبيق معايير مشتركة إلى وسيلة في معارك السرديات السياسية. فالقانون الدولي ليس أيديولوجيا أو أداة في الصراع السياسي، بل هو قبل كل شيء قانون يقوم على قواعد ومبادئ وإجراءات تتطلب الدقة والموضوعية والقدرة على النظر في الوقائع بعيدًا عن الاصطفافات السياسية.

وتصبح المشكلة أكثر خطورة عندما يُعاد تفسير القانون الدولي أو استخدامه بصورة انتقائية بما يخدم موقفًا سياسيًا معينًا، بينما يتم تجاهل المبادئ نفسها عندما لا تنسجم مع هذا الموقف. فهذا لا يضعف فقط قضية محددة، بل يضعف الثقة العامة بإمكانية وجود معيار قانوني مشترك. فالقانون الدولي لا يستمد قوته فقط من النصوص التي يحتويها، بل أيضًا من الاعتقاد بأنه يُطبق على الجميع وفق المعايير نفسها.

 من هنا، فإن المشكلة ليست في استخدام القانون الدولي للدفاع عن حقوق الإنسان، بل في اختزاله إلى أداة تخدم قضية دون أخرى. فالقانون يفقد جزءًا من شرعيته عندما يشعر الناس بأنه يُستدعى أحيانًا ويُهمل أحيانًا أخرى بحسب موقع الأطراف في الخريطة السياسية.

في عالم يشهد مستويات غير مسبوقة من الانتهاكات والإفلات من العقاب، تصبح الحاجة أكبر إلى الدفاع عن عالمية الحقوق، لا إلى تحويلها إلى أدوات في صراعات الهوية والانقسام السياسي. فالازدواجية في تطبيق المعايير لا تضعف فقط من يمارسها، بل تضرّ بالفكرة التي يفترض أن تجمع الجميع: أن هناك مبادئ تتجاوز الاصطفافات السياسية.

بين الأثر وما يتركه فينا

ربما يكون التحدي الأكبر أمام العمل الحقوقي اليوم ليس فقط كيفية تحقيق أثر، بل كيفية التفكير في تداعيات هذا الأثر، وما إذا كان التغيير الذي نسعى إليه يفتح مساحات جديدة أم قد يؤدي، بشكل غير مقصود، إلى تضييق المساحات الموجودة.

في مجتمعنا، لا تُقاس الحكمة بجرأة الفعل وحدها، بل أيضًا بالقدرة على فهم اللحظة، وقراءة السياق، والتفكير بما قد يحدث بعد الخطوة التي نقوم بها. فالعمل الحقوقي لا يتعلق فقط بتحديد ما نريد تغييره، بل أيضًا بفهم البيئة التي يحدث فيها هذا التغيير، والحدود التي تحكمه، والنتائج التي قد تنتج منه.

لكن الحديث عن التعقيد والسياق لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لتجنب النقد أو المساءلة. فاختيار قضية عادلة لا يعفي أي جهة من مسؤولية التفكير في الأدوات والاستراتيجيات المستخدمة لتحقيقها، وفي ما إذا كانت هذه الأدوات تقرّبنا فعلًا من الهدف الذي نسعى إليه.

فالاختلاف حول الوسائل أمر طبيعي، بل ضروري، في أي عمل يسعى إلى التغيير. لكن هذا الاختلاف يجب أن يبقى جزءًا من عملية التفكير في كيفية تحقيق التغيير، لا أن يتحول إلى صراع حول من يملك الإجابة الصحيحة. ففي القضايا المعقدة، قد لا يكون التحدي فقط في تحديد الهدف الذي نريد الوصول إليه، بل في فهم المسارات المختلفة للوصول إليه، وما قد ينتج من كل مسار من آثار.

العمل الحقوقي يحتاج، كما يحتاج أي عمل يسعى إلى تغيير المجتمع، إلى مساحة حقيقية للنقد الذاتي.

فأحيانًا يكون الإنجاز الحقيقي هو القانون الذي لم يُطرح لأنه كان سيؤدي إلى ضرر أكبر، والمعركة التي لم تُخض لأنها كانت ستغلق أبوابًا مفتوحة، والخطوة التي تأجلت لأنها احتاجت إلى سياق أكثر ملاءمة.

لكن الحكمة لا تكمن دائمًا في الانتظار، كما أن الشجاعة لا تكمن دائمًا في المواجهة. التحدي الحقيقي هو معرفة متى نتحرك، وكيف نتحرك، وما الذي نتركه وراءنا بعد كل خطوة.

فالعمل الحقوقي لا يُقاس فقط بقدرته على فتح أبواب جديدة، بل أيضًا بقدرته على منع إغلاق الأبواب التي ما زالت مفتوحة. فالهدف النهائي ليس تحقيق انتصارات سريعة، بل بناء مجتمعات تثق بأن الحقوق ليست شعارات، وأن القانون ليس أداة انتقائية، وأن التغيير الحقيقي لا يُقاس فقط بما ننجزه اليوم، بل بما نتركه للأجيال المقبلة من مساحة أكبر للحرية والتعددية والديمقراطية.