ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

في مواجهة الخطاب المتشدّد في لبنان: عن دور “القصة” 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“اليمين” اليوم هو “المنطق العام”، والقصة السائدة، لغالبية أطراف السلطة والقوة في لبنان بشقيها المسلم والمسيحي، ومن هنا تصبح قيم العزلة والشيطنة والانفعال والتقييم المتسرع للبشر هي أساس تفاعلنا الاجتماعي. وكأننا لا نتحدث عن هيمنة سياسية وأيديولوجية بل عن مجتمعٍ مريضٍ جامدٍ يفقد أي نظرة للمستقبل – نعيشُ ونتخبط بالحاضر بخوف كبير، وبشكوك دائمة ترسم علاقتنا “المضروبة” مع “الآخر”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

نسمع كثيراً عن “صعود اليمين” في مجتمعات عالم الشمال، ويُقصد به هناك تيارات سياسية جماهيرية تقابلها تيارات يسارية أو ليبرالية. لكل من هذه الاتجاهات قصة سياسية عن الخير والشر، الوطن والخيانة، العدالة والهوية، تُبنى حولها تصورات للماضي والمستقبل. في هذه القصص، تبرز شخصيات تاريخية ومعاصرة ترسم ملامح التيار وتُعبّر عنه.

لكن مشهد هذه المجتمعات أبعد ما يكون عن التجانس. فالصراعات السياسية والثقافية المتداخلة داخل الإعلام والجامعات والمنتديات والانتخابات، تفكك أي صورة نهائية. نحن أمام ساحات يتنافس فيها الفاعلون على إعادة تعريف ما تعنيه المفاهيم الكبرى مثل “الوطن” و”الحرية” و”المواطنة”، ولم يعد هناك يمين أو يسار موحد السمات، بل تشكلات متحوّلة تتقاطع فيها المصالح والهويات، وتُعيد رسم الاصطفافات التقليدية.

في لبنان، يبدو أننا نشهد شكلاً آخر من هذا الصراع، لكنه محكوم بتركة الحرب الأهلية ونظام ما بعد الحرب، حيث اختلطت التصنيفات الأيديولوجية باعتبارات طائفية وسلطوية، ما أفقد مصطلحي “اليمين” و”اليسار” الكثير من دلالتهما الأصلية. ومع ذلك، لا تزال هذه المصطلحات تُستخدم بكثافة في النقاش العام، لا باعتبارها تصنيفات سياسية دقيقة، بل كأدوات نقدية أو شعاراتية تعبّر عن موقع أخلاقي أو رمزي.

ومع تراجع دور القوى التغييرية التقليدية، تُصبح الأدبيات والممارسات المرتبطة بما يُسمى بـ”اليمين العالمي” مرجعية ضمنية للسلطة والمجتمع. يظهر ذلك في مقاربة الاقتصاد، الأمن، الهجرة، الجندر، والمجال العام. فغالبيّة القوى النافذة ترفض الحريات الفردية، وتقيّد حقوق النساء والمهمشين، وتتبنى سياسات تقشفية تحابي رأس المال على حساب العدالة الاجتماعية، وتحرض على “الآخر” باسم الجماعة والهُوية.

لكن هذه النزعة ليست مجرد توجه سياسي واحد، بل أصبحت نمطًا عامًّا من التفكير يخترق البنية الاجتماعية والمؤسسات، ويُعاد إنتاجه في الإعلام والتعليم والثقافة الشعبية. هنا، لا نتحدث عن “تيار يميني” بمفهومه الكلاسيكي، بل عن بنية اجتماعية متماسكة حول سرديات قومية ودينية واقتصادية ترى في الاختلاف تهديدًا، وفي الانعزال خلاصًا.

ظهر ذلك جليًا في سياقات محلية متفرقة: في انتخابات بلدية بيروت الأخيرة من خلال اختزال السياسة بالحديث عن المناصفة الاسلامية – المسيحية على حساب قضايا الخدمات والعدالة؛ وسط عاصمة تغرق في النفايات والتلوث وضرائب منهوبة وتدمير كامل للمساحات العامة. في الجنوب حيث يُمارس التخوين ضد أي بديل سياسي؛ في الشمال من خلال الحملات ضد خصوم الأحزاب الطائفية؛ وفي المدن الكبرى حيث تُقمع الفنون والنشاطات المستقلة، ويُشيطَن اللاجئون والسوريون والمعارضون على السواء.

من هنا، يتحول الخطاب المهيمن إلى ما يشبه “المنطق العام”، لا يعكس فقط هيمنة سياسية، بل أزمة مجتمعية أعمق، تُقصي الآخر وتُفرغ السياسة من بعدها التشاركي والإنساني.

نجد ذلك في انتشار الأخبار الكاذبة بحقّ المرشحين المعارضين لهيمنة حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر في الشمال على سبيل المثال، أو في الهجمة الشعبية الواسعة على اللاجئين السوريين، والتعميمات المتبادلة والعنيفة بين سوريي الثورة ومناصري حزب الله على مواقع التواصل الاجتماعي. تعطيل النشاطات الفنية الكوميدية في طرابلس بذرائع دينية وتهديدات جماعة جنود الرب في الأشرفية. 

“اليمين” اليوم هو “المنطق العام”، والقصة السائدة، لغالبية أطراف السلطة والقوة في لبنان بشقيها المسلم والمسيحي، ومن هنا تصبح قيم العزلة والشيطنة والانفعال والتقييم المتسرع للبشر هي أساس تفاعلنا الاجتماعي. وكأننا لا نتحدث عن هيمنة سياسية وأيديولوجية بل عن مجتمعٍ مريضٍ جامدٍ يفقد أي نظرة للمستقبل – نعيشُ ونتخبط بالحاضر بخوف كبير، وبشكوك دائمة ترسم علاقتنا “المضروبة” مع “الآخر”.

نحو قصة بديلة تُعيد المعنى

في المقابل، يظهر عجز القوى التقدمية عن إنتاج “قصة وطنية” جامعة. لم تنجح الأحزاب اليسارية أو المبادرات سواء في لبنان، والتي جسدها ما كان يُعرف باليسار الديمقراطي ولاحقاً ما انبثق من مجموعات ما بعد الربيع العربي، في بلورة مشروع يتجاوز النخب، ولا في تحويل المظلومية إلى قوة تنظيمية قادرة على الفعل. الأسلوب الأخلاقي في الخطاب قد يكون محفّزًا لكنه ليس بديلًا عن التنظيم والقدرة على المواجهة.

ما الإنجازات التي تجمعنا كلبنانيين؟ ما اللحظات التاريخية التي رسمت، بإيجابية، معالم مجتمعنا الثقافية والاقتصادية؟ ما النضالات، المشتركة والمشتتة، التي حافظت على حقوق الناس أثناء العواصف؟ ما التضحيات الصغيرة والكبيرة التي حافظت على بعض المكتسبات في مواجهة أنظمة قاتلة وقوية؟ ما مبادرات التضامن التي حمت الناس في مواجهة الموت السريع؟ 

في زمن الانقسام واللامعنى، نحن بحاجة إلى قصة جديدة لا تقوم على استبعاد المختلف، بل على الاحتفاء بتعدد التجارب النضالية واللحظات التي جمعت اللبنانيين في مواجهة الخوف والعنف والفقر. من النضال ضد الاستعمار إلى إنشاء الجامعة اللبنانية، من تحركات الاستقلال إلى مقاومة الاحتلال، من تظاهرات النفايات إلى انتفاضة 17 تشرين، ومن الإنقاذ بعد تفجير المرفأ إلى التضامن مع الفلسطينيين، هناك سجلّ من اللحظات المؤسسة التي يمكن أن تُعيد تعريف “الوطنية” على أسس إنسانوية شاملة.

قصة كهذه لا تشبه اليمين المتشدد في البلد ولا اليسار المهزوم. هي قصة تُبنى على مبادرات الناس ومقاومتهم اليومية، على الفنّ والتعليم والتوثيق والعمل المجتمعي. هي دعوة إلى استعادة الفعل، في وجه خطاب يشيطن، وسلطة تقمع، ومجتمع يخاف الاختلاف.

20.06.2025
زمن القراءة: 4 minutes

“اليمين” اليوم هو “المنطق العام”، والقصة السائدة، لغالبية أطراف السلطة والقوة في لبنان بشقيها المسلم والمسيحي، ومن هنا تصبح قيم العزلة والشيطنة والانفعال والتقييم المتسرع للبشر هي أساس تفاعلنا الاجتماعي. وكأننا لا نتحدث عن هيمنة سياسية وأيديولوجية بل عن مجتمعٍ مريضٍ جامدٍ يفقد أي نظرة للمستقبل – نعيشُ ونتخبط بالحاضر بخوف كبير، وبشكوك دائمة ترسم علاقتنا “المضروبة” مع “الآخر”.

نسمع كثيراً عن “صعود اليمين” في مجتمعات عالم الشمال، ويُقصد به هناك تيارات سياسية جماهيرية تقابلها تيارات يسارية أو ليبرالية. لكل من هذه الاتجاهات قصة سياسية عن الخير والشر، الوطن والخيانة، العدالة والهوية، تُبنى حولها تصورات للماضي والمستقبل. في هذه القصص، تبرز شخصيات تاريخية ومعاصرة ترسم ملامح التيار وتُعبّر عنه.

لكن مشهد هذه المجتمعات أبعد ما يكون عن التجانس. فالصراعات السياسية والثقافية المتداخلة داخل الإعلام والجامعات والمنتديات والانتخابات، تفكك أي صورة نهائية. نحن أمام ساحات يتنافس فيها الفاعلون على إعادة تعريف ما تعنيه المفاهيم الكبرى مثل “الوطن” و”الحرية” و”المواطنة”، ولم يعد هناك يمين أو يسار موحد السمات، بل تشكلات متحوّلة تتقاطع فيها المصالح والهويات، وتُعيد رسم الاصطفافات التقليدية.

في لبنان، يبدو أننا نشهد شكلاً آخر من هذا الصراع، لكنه محكوم بتركة الحرب الأهلية ونظام ما بعد الحرب، حيث اختلطت التصنيفات الأيديولوجية باعتبارات طائفية وسلطوية، ما أفقد مصطلحي “اليمين” و”اليسار” الكثير من دلالتهما الأصلية. ومع ذلك، لا تزال هذه المصطلحات تُستخدم بكثافة في النقاش العام، لا باعتبارها تصنيفات سياسية دقيقة، بل كأدوات نقدية أو شعاراتية تعبّر عن موقع أخلاقي أو رمزي.

ومع تراجع دور القوى التغييرية التقليدية، تُصبح الأدبيات والممارسات المرتبطة بما يُسمى بـ”اليمين العالمي” مرجعية ضمنية للسلطة والمجتمع. يظهر ذلك في مقاربة الاقتصاد، الأمن، الهجرة، الجندر، والمجال العام. فغالبيّة القوى النافذة ترفض الحريات الفردية، وتقيّد حقوق النساء والمهمشين، وتتبنى سياسات تقشفية تحابي رأس المال على حساب العدالة الاجتماعية، وتحرض على “الآخر” باسم الجماعة والهُوية.

لكن هذه النزعة ليست مجرد توجه سياسي واحد، بل أصبحت نمطًا عامًّا من التفكير يخترق البنية الاجتماعية والمؤسسات، ويُعاد إنتاجه في الإعلام والتعليم والثقافة الشعبية. هنا، لا نتحدث عن “تيار يميني” بمفهومه الكلاسيكي، بل عن بنية اجتماعية متماسكة حول سرديات قومية ودينية واقتصادية ترى في الاختلاف تهديدًا، وفي الانعزال خلاصًا.

ظهر ذلك جليًا في سياقات محلية متفرقة: في انتخابات بلدية بيروت الأخيرة من خلال اختزال السياسة بالحديث عن المناصفة الاسلامية – المسيحية على حساب قضايا الخدمات والعدالة؛ وسط عاصمة تغرق في النفايات والتلوث وضرائب منهوبة وتدمير كامل للمساحات العامة. في الجنوب حيث يُمارس التخوين ضد أي بديل سياسي؛ في الشمال من خلال الحملات ضد خصوم الأحزاب الطائفية؛ وفي المدن الكبرى حيث تُقمع الفنون والنشاطات المستقلة، ويُشيطَن اللاجئون والسوريون والمعارضون على السواء.

من هنا، يتحول الخطاب المهيمن إلى ما يشبه “المنطق العام”، لا يعكس فقط هيمنة سياسية، بل أزمة مجتمعية أعمق، تُقصي الآخر وتُفرغ السياسة من بعدها التشاركي والإنساني.

نجد ذلك في انتشار الأخبار الكاذبة بحقّ المرشحين المعارضين لهيمنة حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر في الشمال على سبيل المثال، أو في الهجمة الشعبية الواسعة على اللاجئين السوريين، والتعميمات المتبادلة والعنيفة بين سوريي الثورة ومناصري حزب الله على مواقع التواصل الاجتماعي. تعطيل النشاطات الفنية الكوميدية في طرابلس بذرائع دينية وتهديدات جماعة جنود الرب في الأشرفية. 

“اليمين” اليوم هو “المنطق العام”، والقصة السائدة، لغالبية أطراف السلطة والقوة في لبنان بشقيها المسلم والمسيحي، ومن هنا تصبح قيم العزلة والشيطنة والانفعال والتقييم المتسرع للبشر هي أساس تفاعلنا الاجتماعي. وكأننا لا نتحدث عن هيمنة سياسية وأيديولوجية بل عن مجتمعٍ مريضٍ جامدٍ يفقد أي نظرة للمستقبل – نعيشُ ونتخبط بالحاضر بخوف كبير، وبشكوك دائمة ترسم علاقتنا “المضروبة” مع “الآخر”.

نحو قصة بديلة تُعيد المعنى

في المقابل، يظهر عجز القوى التقدمية عن إنتاج “قصة وطنية” جامعة. لم تنجح الأحزاب اليسارية أو المبادرات سواء في لبنان، والتي جسدها ما كان يُعرف باليسار الديمقراطي ولاحقاً ما انبثق من مجموعات ما بعد الربيع العربي، في بلورة مشروع يتجاوز النخب، ولا في تحويل المظلومية إلى قوة تنظيمية قادرة على الفعل. الأسلوب الأخلاقي في الخطاب قد يكون محفّزًا لكنه ليس بديلًا عن التنظيم والقدرة على المواجهة.

ما الإنجازات التي تجمعنا كلبنانيين؟ ما اللحظات التاريخية التي رسمت، بإيجابية، معالم مجتمعنا الثقافية والاقتصادية؟ ما النضالات، المشتركة والمشتتة، التي حافظت على حقوق الناس أثناء العواصف؟ ما التضحيات الصغيرة والكبيرة التي حافظت على بعض المكتسبات في مواجهة أنظمة قاتلة وقوية؟ ما مبادرات التضامن التي حمت الناس في مواجهة الموت السريع؟ 

في زمن الانقسام واللامعنى، نحن بحاجة إلى قصة جديدة لا تقوم على استبعاد المختلف، بل على الاحتفاء بتعدد التجارب النضالية واللحظات التي جمعت اللبنانيين في مواجهة الخوف والعنف والفقر. من النضال ضد الاستعمار إلى إنشاء الجامعة اللبنانية، من تحركات الاستقلال إلى مقاومة الاحتلال، من تظاهرات النفايات إلى انتفاضة 17 تشرين، ومن الإنقاذ بعد تفجير المرفأ إلى التضامن مع الفلسطينيين، هناك سجلّ من اللحظات المؤسسة التي يمكن أن تُعيد تعريف “الوطنية” على أسس إنسانوية شاملة.

قصة كهذه لا تشبه اليمين المتشدد في البلد ولا اليسار المهزوم. هي قصة تُبنى على مبادرات الناس ومقاومتهم اليومية، على الفنّ والتعليم والتوثيق والعمل المجتمعي. هي دعوة إلى استعادة الفعل، في وجه خطاب يشيطن، وسلطة تقمع، ومجتمع يخاف الاختلاف.