الحرب قائمة، ولكلّ إمبراطورية اعتباراتها الخاصة، وعلى رأسها الإمبراطورية الأميركية التي يقودها رئيس لا يعرف معنى التسوية السياسية إلا قبل مواجهات عسكرية واقتصادية عنيفة. ولهذه الإمبراطورية شريك فرعي اسمه إسرائيل، يقودها رئيس حكومة أصبحت نافذته الأساسية حروب المحو والإبادة بهدف التمسّك بالسلطة. وتوجد إمبراطورية إيرانية بقيادة نظام يعيش أنفاسه الأخيرة، يرى في الحرب فرصة لتكريس وتوظيف ما تبقّى من أوراقه.
هذا الكلام صار عبارة عن معرفة عامة. ولكن النزاع ليس حول هذا التشخيص، بل حول دورنا كقوى ومجتمعات في لبنان أمام كل الاصطفافات العنيفة. وفي الواقع، اليسار قوة اجتماعية وثقافية حيّة ومؤثرة، ولديه ترجمات حقيقية في الصحف والرأي العام والجامعات والمدارس. لا نقول هذا الكلام للحديث عن «مؤامرة يسارية» كما يصفها بعض اليمينيين، بل للإشارة إلى أنّ الكلام عن إحباط يساري شامل غير دقيق. لذلك، لدينا مسؤولية كبيرة – أولاً كيساريين – لمناقشة الأصول الفكرية والتوجهات الضمنية القائمة في تنظيماتنا ودوائرنا.
العسكرة الشاملة: قيم يمينية بواجهة يسارية
يحتلّ سؤال العسكر بالنسبة إلى هذه النخب اليسارية مكان الأولوية، ليُهمَّش كلّ الأسئلة الحساسة والمصيرية الأخرى بدعوى الضرورة التاريخية التي تفرضها الحرب والدم والشهداء: ليس هذا وقت طرح الأسئلة، أو النقد أو المعارضة؛ الوقت وقت التأييد الأعمى واتباع سياسة «غضّ النظر» عن كل من يقاتل إسرائيل والإمبريالية الأميركية، كائناً من كان، وبغضّ النظر عن أهدافه وعقائده وتاريخه وعلاقاته السياسية، وتقريش حساب المنفعة والمفسدة في خياراته.
يقع هذا الخطاب في مآزق كثيرة، فهو يفترض وحدة عضوية للمجتمع غير موجودة إلا في مخيال من يريد أن يحيل تعددية المجتمع إلى وحدة عضوية ذات رأي واحد وخطاب واحد، مجتمع عضوي شأنه شأن التصفيق للفوهرر الذي يقود الأمة، مجسّداً روحها النقية في الدفاع عن الأرض المخضّبة بدماء الشهداء.
وحدة المجتمع لدى أصحاب هذا الرأي لا تكون من خلال المؤسسات التي تمثّل «الإرادة العامة» والتجسيد العملي للعقد الاجتماعي بين الأفراد والجماعات. الوحدة تكون بالانصهار في بوتقة الحزب الذي يقود الدولة والمجتمع، إنما من على تخوم كلّ من الدولة والمجتمع، و«التصفيق» لخياراته وإنجازاته (حتى لو كنت تراها خسائر، لا يهم).
قد يكون لهذه الأفكار صلة قرابة باليمين القومي في بعض الأحيان، لكنها، وبلغة “خشبية” بعض الشيء، بعيدة للغاية عن تاريخ الحركات الشيوعية في العالم، وخصوصاً عن الأممية الثانية التي أخذت موقفاً مناهضاً للحرب الإمبريالية، بل وجدت فيها فرصة للانقضاض على الطبقات المسيطرة المشغولة بالحرب في بلدانها. لتعود وتنقسم بين أحزاب منخرطة في المجهود الحربي لبلدانها والتي وُصفت فيما بعد “بالخيانة”، وأخرى بقيت مصرّة على موقفها، وعبّرت عنه في مؤتمر زيمرفالد في سويسرا، وعلى رأسها البلاشفة. يمكن في هذا الصدد مقارنة مواقف الحزب الشيوعي الإيراني (توده) واليسار الإيراني بشكل عام، القادر على الموازنة بين رفضه للحرب من جهة ومعارضته للنظام الإيراني من جهة أخرى، بمواقف بعض اليساريين في لبنان.
براغماتية خطابية دون أفق استراتيجي
كما يلجأ اليسار الناشطي الممانع، في نقلة عجيبة من قمّة الأخلاقوية إلى براغماتية من نوع رديء، حين يقول إنه، وبغضّ النظر عن كل ما لخصوم حزب الله من تاريخ سيّئ ودموي معه، إلا أنّ عليهم أن يقفوا إلى جانبه اليوم لأنه يدافع عن لبنان، مفترضاً بشكل تعسّفي أن هذا هو الحل الوحيد، ومتجاهلاً أن الطرف المقابل في البلد يعتبره جزءاً من المشكلة لا الحل. كذلك يرفض هذا التيار كل الحلول الأخرى المطروحة، من منطلق أخلاقوي بالدرجة الأولى، لا براغماتي، وبشكل شديد التشنّج والغضب، إلى حدّ اتهام أصحاب هذا الطرح بالخيانة.
بالإضافة إلى ذلك، يعجز هذا اليسار عن الإجابة عن أسئلة جدّ بديهية، بل يضعها في خانة «اللامفكّر فيه» تحت عناوين أخلاقوية مبتذلة. لماذا، مثلاً، على خصوم حزب الله دعم حزب ديدنه تقريش انتصاراته الخارجية في الداخل، وصاحب تاريخ أسود من الاغتيالات والانقلابات (7 أيار والقمصان السود)، وفرض أعراف لا دستورية على المجتمع (الثلث المعطّل)، والنكث بالعهود (إعلان بعبدا 2013)، وتهديد القضاء (انفجار المرفأ على سبيل المثال لا الحصر)، وتعطيل المؤسسات الدستورية عند كل استحقاق دستوري؟
ولماذا على باقي أفراد المجتمع، من الشيعة الذين لم يشاركوا في اتخاذ القرار، أو من الطوائف الأخرى والمناطق غير المهدَّدة بشكل مباشر من إسرائيل – طالما أننا نتحدث بمنطق براغماتي بحت – تحمّل التبعات المباشرة وغير المباشرة للحرب، كتعطيل التعليم وتراجع الدورة الاقتصادية، وتدمير البنى التحتية المموّلة من ضرائبهم، من دون أن يكون لهم أي رأي أو دور فيها غير «التصفيق» والتضامن؟
حتمية ميتافيزيقية
الجواب الوحيد الذي يُقدَّم على كلّ ذلك هو أن الحرب واقعة لا محالة، وأن إسرائيل لديها نوايا توسّعية تجاه الجوار. وفي هذا استناد إلى قراءة حتمية للتاريخ؛ يا محلاها حتمية المادية التاريخية.
فالحتمية التاريخية بصيغتها «الميكانيكية»، على حدّ تعبير جورج لوكاتش، تنطلق من تحليل سوسيو-اقتصادي لبُنى المجتمع والطبقات الاقتصادية، وتطوّر التاريخ من خلال حركة التناقضات التي تحكم تلك البُنى والطبقات. أمّا ما يطرحه كثر من اليسار اليوم، فهو رواية ميتافيزيقية ساذجة عن ذات شريرة تحرّك التاريخ وتسيره باتجاه واحد، وذات أخرى طيّبة مسلوبة القدرة على الفعل، تنخرط بشكل دائم، ومن موقع ردّ الفعل، في عملية مقاومة تلك الذات الشريرة ضمن سيرورة لامتناهية من العود الأبدي. حتمية تاريخية أقرب إلى «نبوءات» الكتب المقدسة.
لكن إذا كانت الحرب حتمية لأن إسرائيل تسعى إلى احتلال وضمّ محيطها، فلماذا لم تحصل حرب بين إسرائيل ومصر لخمسين عاماً، أو بينها وبين الأردن لأكثر من سبعين عاماً؟ بل بينها وبين سوريا الأسد لعقود طويلة؟ ولماذا لم تضمّ إسرائيل جنوب لبنان، أو تحتله، أو تقيم مستوطنات فيه، رغم الخروقات المحدودة، ورغم وجود نشاط عسكري فلسطيني محدود فيه طوال فترة الخمسينيات والستينيات؟
وإذا كان في إسرائيل من يعتقد أن جزءاً من لبنان يجب ضمّه إليها، فهناك في سوريا من يعتقد أن لبنان بأسره جزء من سوريا. هذا لا يعني أن سوريا أو إسرائيل تستطيعان تنفيذ مخططاتهما في لبنان كيفما جرى؛ فوجود نية لدى جهة معيّنة لا يعني أنها تستطيع، أو أنها قادرة على ترجمة هذه النية عملياً، بغضّ النظر عن الظروف والسياقات والأسباب والذرائع. وتاريخياً، لم تتمكّن لا سوريا ولا إسرائيل من دخول لبنان واحتلال جزء من أراضيه إلا خلال فترة الحرب الأهلية، مع انقسام المجتمع على ذاته، ومع انهيار شبه كامل للدولة اللبنانية، وفقدان الثقة في مؤسساتها (وعلى رأسها الجيش اللبناني) من قبل جميع الأطراف.
هل ننكر التحديات والمخاطر؟ كلا. فمن الواضح أن إسرائيل تريد أن تفرض نفسها كقوة إقليمية مهيمنة، معسكرة وعنيفة. ولكننا نطرح أسئلة مشروعة حول التصورات عن العلاقات والصراعات السياسية والتاريخية في المنطقة، مما يؤدي إلى نقد مشروع لخيارات التنظيمات المسلّحة في لحظات مفصلية. والتخلّي عن التفكير من أجل التمسّك بـ«المقدّس» هو أحد شروط النكسة السياسية والأيديولوجية التي نعيشها.
استعادة اليسار: 5 دروس
هناك يسار يتراجع، ولحدّ ما ينهار على رؤوس الشعوب التي يدّعي تمثيلها: هو يسار الأنظمة الاستبدادية التي تستند إلى ورقة أخلاقية اسمها «مواجهة الإمبراطورية الأميركية»، بالتوازي مع ارتهانها لروسيا والصين وإيران وباقي «الإمبرياليات الصغرى» في العالم. وطبعاً لهذه الأنظمة أوجه مختلفة. مع صمود الجمهورية الإسلامية في إيران في العقود الأخيرة، ومن ثمّ تراجعها التدريجي بعد هيمنتها على بعض بلدان المنطقة لأكثر من عشر سنوات، نرى إعادة انتعاش لـ«نبوءة» جديدة لهذا اليسار: الأصالة الإسلامية «المركّبة». وهي أيضاً نوع من أنواع الحداثة «البديلة» التي انتهزت الفقه كي تستسهل التضحية. وهي نبوءة جذابة جداً، وخاصةً ليسار قد تعب من الهزائم المتكرّرة بسبب خيارات فصائله المأزومة والمحبطة، فأصبح الوهم مهرباً من الهزيمة.
ولكن أيضاً ظهر يسار «جديد» بين عالمي الجنوب والشمال، يهتم بالصراع الداخلي لاستعادة مجتمعه، رغم تقاطعاته الكثيرة مع اليسار القومي/الإسلامي. ظهر بشكل قوي مع انفجار الربيع العربي وحركة «Occupy» في الولايات المتحدة. ولكن هشاشة هذا النوع من الاعتراض فرضت على ناشطيه العودة إلى الانقسامات المعتادة، بين «تحرّر وطني متأسلم» و«تدخّلية متلبرلة». تبيّن هذا الصراع مع حرب العراق وسقوط نظام صدام حسين، فهناك من تمسّك بدبابة بعثية كرهان أخير للحفاظ على «مقدسات» قومية ووطنية، وهناك من راهن على الدبابة الأميركية أملاً بانتقال نحو نمط ليبرالي ديمقراطي لا يكترث بالسيادة. والثورة السورية مثّلت جزءاً من هذا الانقسام على أرض الواقع، خاصة مع دخول حزب الله المعركة وتحويل سوريا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي.
ومن ثمّ برز هذا اليسار، بشقّه الديمقراطي والإنساني، في انتفاضات عام 2019 في عدد من البلدان العربية، ولا سيما في العراق ولبنان والسودان. لكنه ما لبث أن انقسم على وقع النقاشات العالمية حول القضية الفلسطينية، والمقاومات، ومفاهيم نزع الاستعمار، خاصة بعد 7 أكتوبر 2023. ثم عاد وتوحّد، بدرجات متفاوتة، خلف انتصار زهران ممداني كعمدة لمدينة نيويورك، بما تمثّله هذه المدينة من ثقلٍ تجاري واقتصادي وفكري وثقافي على مستوى العالم.
بين كل هذه «اليساريات» هناك شيء نتعلّمه..
اليسار يستطيع أن يكون «سياسياً»، بمعنى أنه ليس محصوراً فقط بدور المراقب التحليلي أو الثقافي. اليسار قادر على إنتاج بدائل سياسية، وجمع موارد، وتنفيذ مهام، وخلق سردية شعبية عامة. يستطيع الترشّح للانتخابات، وتنظيم الناس، وبناء شبكات تضامن. يستطيع أن يكون فاعلاً، وليس فقط مفعولاً به. كما أنه يستطيع تحدّي الإسلام السياسي والتفاوض معه، وليس من الضرورة أن يتنازل كلياً عن هويته ونظرته للمجتمع والكوكب. اليسار يملك قيمة أخلاقية، وعلاقات مهمة حتى في إطاره الثقافي. يستطيع أن ينتزع مكتسبات محددة من أجل حقوق المهمّشين في مجتمعه، ومن أجل طرح عملية سياسية ومجتمعية صحية ومختلفة عن أسلوب ونمط الإسلام السياسي المُعسكَر.
حتماً هناك حاجة إلى المراجعة، ولكن من دون جلد الذات. النقد ليس بالضرورة فعل تفكّك، بل يستطيع أن يبني طالما نملك مسؤولية الممارسة السياسية بعيداً من المزايدات الأخلاقية والعزلة وفقدان الثقة بالذات.
ولإنتاج مشروع يحاكي طموحات اليساريين، فهناك حاجة إلى التخلّي عن «أسلمة» التحرّر الوطني، أي التخلّي عن بعده القومي الشوفيني والفاشي، وبالتالي الانفتاح على التواصل البنّاء والمتبادل مع الحيّز العام الكردي واليهودي، ولكن بجرأة ورؤية، لا تسوية وترقيع.
الأهم من هذا كله، ربما، هو أن على اليساريين أن يستعيدوا علاقتهم مع المشروع الوطني اللبناني، بشكل كيانه الحالي. هذا ليس «رهاناً»، لأن البديل هو تقسيم البلد بين سوريا وإسرائيل، وتفتّت المجتمع، وخسارة مساحة مهمة في المنطقة سياسياً وفكرياً وثقافياً. لدينا مصلحة في الدفاع عن هذا المشروع، وقد يعني ذلك إعادة النظر ببعض الفرضيات التي برّرت المغامرات الأممية لدى اليسار والإسلام السياسي في العقود الأخيرة.
إقرأوا أيضاً:










