في الشارع تلتقط عبارة: “ما فينا نعمل شي، الله يفرجها”…
ثمّة نوع من الانتظار لا يُسمّى، لا لأنه يتجاوز اللغة، بل لأنه يُنتجها. هو ليس توقّعاً، ولا رجاء، بل شكل من أشكال التنظيم الزمني لحياة محكوم عليها بالبطالة السياسية، والفراغ الوجودي، والتكرار الممزوج بالإنهاك. أن تنتظر، في سياق كهذا، لا يعني الأمل، بل يعني الخضوع لمنظومة لا تملك مستقبلاً تقدّمه، لكنّها تُجبرك على الاستمرار في الدور.
بعد انتقالي إلى بيروت، أصرّ جاري في البناية على سؤالي: “من بيت مين إنتِ؟”.
تُستَدعَى باسمك، لا لاستحضار ذاتك، بل لإعادة إنتاج مكانك. الاسم ليس لك، بل وظيفة لغوية تربطك بمسار لم تختره: عائلة، طائفة، نظام. أن تُنادى باسمك، لا يعني أنك تُرى. الاسم إجراء تعريفي في نظام يُصنّف لا ليفهم، بل ليضبط. لا يقول لك من أنت، بل يحدّد مَن المسموح أن تكونه. في النظام، لا يُعترف بك إلا كموقع وظيفيّ: ابنة، عاطلة، ضحيّة، مشروع مهاجرة. كلّ صباح يشبه بداية محتملة، لكنّها بداية بلا إمكان. أنت لا تبدأ، أنت تُعاد. الزمن لا يتقدّم، بل يدور. والمكان لا يُقيمك، بل يحتجزك. أن تستيقظ، لا لأنك نمت، بل لأن ضجيجاً خارجياً أعادك إلى الجسد، هو فعل قسريّ. الضوء لا يعلن نهاراً، بل يكشف عن استمرار يوم لم ينتهِ.
خيانة الكتابة
الكتابة هنا ليست فعل حرية، بل حركة داخل حقل مرصود.
أن تقول “أنا”، هو أن تواجه احتمال ألا تكون هذه الـ”أنا” لك.
اللغة ليست أداة تعبير، بل جهاز ضبط. حتى الألم يُعاد إنتاجه كمنتج لغويّ مشكوك فيه. هل تتكلّم لأنك تفكّر، أم لأن النظام سمح لك بالنطق؟ هل تحزن لأنك تتألّم، أم لأن الحزن هو الدور الوحيد المسموح به؟ الشكّ هو بداية التحرّر من الدور، والكتابة تمرين على الشكّ. كلّما كتبت، تسأل: هل أكتب أم أُكرّر؟ هل أقول شيئاً، أم أنني أُعيد ما قيل لي؟
لكن ماذا لو أن هذا الشكّ نفسه جزء من اللعبة؟
ماذا لو كان هذا “الاضطراب”، هذه الحاجة الدائمة إلى التفكيك، ليست تمرداً، بل جزء من آليّة الضبط؟ أليست السلطة أذكى من أن تُطالبك بالطاعة؟ ألا يكفيها اليوم أن تُقنعك بأن كلّ ما تفكّر به هو أصلاً نابع من حرّيتك؟ أن تشكّ بكلّ شيء، أن تهرب من اليقين، أن ترى ذاتك كقناع… أليس هذا، أحياناً، خطاباً سلطوياً ناعماً؟ ربما ما نظنّه مقاومة، هو في الحقيقة إعادة إنتاج دقيقة للفراغ الذي يُبقيك معلّقاً، لا ساكناً ولا حرّاً.
…
العلاقة لم تعد احتمال تلاقٍ، بل اختبار مطابقة. كلّ وجه تراه، تراه عبر نموذج. كلّ اقتراب يكشف الغرابة. لأن لا لغة مشتركة، فقط إسقاطات متبادلة، وصور معلّبة، وصمت بلا اتفاق. تتألّم بصمت، لا لأنك أقوى، بل لأنك تشكّ في شرعيّة ألمك.
الانتظار كأداة سلطة
“ناطر يعطوني الفيزا”
في لبنان، الانتظار ليس حدثاً، بل بنية. ننتظر من يثور، من يثبت فساده، من يهاجر، من ينهار، من يخلص. لكنّنا لا ننتظر شيئاً محدّداً، بل ننتظر لأن لا فعل ممكن. الانتظار بديل عن الجنون، وعن العدم، وعن المواجهة المباشرة مع الفراغ. كلّ ما لا يُنجَز، يُعلّق على لحظة لم تأتِ بعد: التغيير، الهجرة، الانهيار، الانتحار، وهكذا يُستبدل الفعل بالتعليق، والحياة بالترقّب، والسياسة بالتكرار.
داخل الميتريكس: هل توجد “أنا”؟
في النظام، لا تُنتَج ذوات، بل وظائف. توجد هوّيات مصنّعة، محدّدة مسبقاً، مصمّمة لتتناسب مع القالب، حتى الألم مُبرمج. أنت لا تدري إن كنت تشعر فعلاً، أم أنك تمارس ما يُتوقّع منك. الخروج من المصفوفة يُسمّى خيانة. أن تفكّر، خيانة. أن تصمت، خيانة. لكن في هذا السياق، الخيانة هي النافذة الوحيدة الممكنة، أن تقول “لا أعرف من أنا” هو أوّل أثر في جدار النسخة.
ليست الكتابة بطولة، هي خيانة صغيرة، متردّدة، لكنّها ضرورية، محاولة فردية لإنقاذ الذات من الذوبان في النمط. ومع ذلك، نكتب، لا لنشرح، بل لنرفض. لا لنعطي معنى، بل لنكسر المعنى الجاهز. كلّ كتابة، كلّ تفكير، كلّ شكّ، هو خدش في جدار النسخة، وقد لا نرى الجدار ينهار، لكنّه يتصدّع. نحن لا ننتظر كالمسلوبين من الأمل، بل كمن يخدش النظام بحضوره.










