ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

في وداع الجيش اللبناني 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما يحدث اليوم ليس مجرد ضعف في مؤسسة، بل نتيجة مسار تاريخي طويل، جيش لم يُبنَ ليضبط السيادة، ثم انكسر عندما انهارت الدولة، ثم أُعيد بناؤه ضمن تسوية لم تمنحه السيادة الكاملة، ثم وُضع في مواجهة واقع تتعايش فيه الدولة مع سلاح خارجها. لبنان ولحسن الحظ لم يرد له أن يكون دولة عسكرية، لكنه لم ينجح في أن يكون دولة تحتكر العنف.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

دبابات الجيش اللبناني تنسحب من بلدة رميش الحدودية وسط مناشدة الأهالي. 

لم يكن المشهد عسكرياً بقدر ما كان إنسانياً حدّ الألم. رجال ونساء من البلدة وقفوا في وجه العربات، لا ليمنعوا حركة عسكرية، بل ليؤجلوا لحظة شعرت فيها القرية أنها تُترك لمصيرها. الوجوه مشدودة بين الخوف والرجاء، وكأنهم يتمسكون بآخر ما تبقّى من فكرة الدولة.

في قلب هذا المشهد، وقف كاهن البلدة، الأب نجيب العميل، لا ليخاطب الجيش بقدر ما يخاطب لحظة الانكسار نفسها قائلاً، “منتكل على الله، والأرض مليانة خضار، وعنا تراب مناكل ومنبقى بضيعنا. يا منموت كلنا وبتروح ضيعتنا، يا منعيش كلنا وبتحيا ضيعنا كلنا”.

لم تكن كلماته مجرد تعبير عن صمود، بل إعلاناً عن مفارقة تمسّك أهل البلدة بأرضهم حتى الرمق الأخير، في لحظة تنسحب فيها “الدولة” التي يُفترض أن تحميهم.

لم يكن انسحاب الجيش اللبناني من رميش مجرد خطوة ميدانية في سياق حرب إسرائيلية شرسة مفتوحة على لبنان، بل لحظة كثيفة الدلالة، تختصر مساراً طويلاً من تآكل فكرة الدولة نفسها في لبنان. في تلك القرية الحدودية، لم يشعر الأهالي فقط بأن الجيش تراجع، بل بأن الدولة بما تمثّله من حماية وسيادة، لم تعد قادرة على الوقوف حيث يجب أن تكون. هذا الشعور لا يمكن تفسيره فقط بميزان القوى المختلّ مع إسرائيل، بل بتاريخ معقّد، تم فيه تفريغ دور الجيش تدريجياً، حتى أصبح حاضراً كشكل وصورة، لكنه نادراً ما يكون صاحب قرار.

لفهم هذه اللحظة التراجيدية، لا يكفي النظر إلى السنوات الأخيرة أو إلى الحرب الحالية، بل يجب العودة إلى سؤال أعمق: كيف تكوّن الجيش اللبناني، وما الدور الذي أُريد له منذ البداية؟
منذ نشأة الدولة اللبنانية، لم يشبه الجيش اللبناني جيوش المنطقة. لم يكن، كما في مصر أو سوريا أو العراق، العمود الفقري للنظام السياسي، ولا الأداة التي تحكم باسمه. في تلك الدول، نشأت الدولة الحديثة حول المؤسسة العسكرية من خلال انقلابات دموية غالباً، ومن ثم تحولت إلى مركز السلطة، واحتكرت العنف، وأنتجت أنظمة استبدادية قوية قادرة على فرض سيطرتها بالقوة. هذا النموذج على رغم كل ما فيه من قمع كان واضحاً، الجيش هو الدولة، والدولة هي الجيش.

لبنان، على العكس، بُني على توازنات طائفية وتسويات سياسية دقيقة، لا على هيمنة مؤسسة واحدة. في هذا السياق، لم يُرَد للجيش أن يكون حاكماً، بل أن يكون انعكاساً لهذا التوازن. كان جيشاً “مدنياً” بالمعنى السياسي، متعدد الانتماءات وفق توزعه الطائفي، حذراً في استخدام القوة، ومقيّداً بسقف سياسي يمنعه من الانخراط في صراعات داخلية قد تفجّر البلاد. هذه السمة جعلته أقل قمعاً من جيوش المنطقة، لكنها في الوقت نفسه جعلته أقل قدرة على فرض نفسه كسلطة عليا تحتكر العنف.

هذا التوازن الهشّ لم يصمد أمام الحرب الأهلية. مع اندلاع الصراع عام 1975، بدأ الجيش يتفكك تدريجياً، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً أيضاً. من أبرز المحطات المبكرة كان انشقاق ما عُرف باسم “جيش لبنان العربي” عام 1976، حين خرجت وحدات من الجيش بقيادة أحمد الخطيب عن القيادة المركزية، في مؤشر واضح إلى أن المؤسسة لم تعد قادرة على البقاء فوق الانقسامات. 

في تلك المرحلة، كان الجيش يُتهم، خصوصاً في بيروت الغربية، بأنه يميل إلى السلطة القائمة، التي اعتُبرت منحازة الى المعسكر اليميني المسيحي، في مواجهة “الحركة الوطنية” المتحالفة مع منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك. انطلاقاً من هذا السياق، برّر الخطيب انشقاقه برفضه استخدام الجيش ضد ما كان يعتبره “قوى وطنية وعروبية”، وسعى إلى إعادة تعريف دوره ضمن مشروع سياسي أوسع مرتبط بالحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط، وعلى تماس مباشر مع الفصائل الفلسطينية.

 لم يكن “جيش لبنان العربي” مجرد تسمية، بل إعلان تموضع أيديولوجي واضح في قلب الحرب، ودليل على أن الجيش لم يعد قادراً على البقاء فوق الانقسامات، بل أصبح ساحة لها. هذا الانشقاق شكّل إنذاراً أول لمسار سيتكرّس لاحقاً، أي تفكك تدريجي للمؤسسة العسكرية، وصولاً إلى انهيارها شبه الكامل في الثمانينات.

لكن الانهيار الكامل لم يتبلور إلا مع محطة انتفاضة 6 شباط/ فبراير 1984. في ذلك اليوم، لم يخسر الجيش معركة فقط، بل خسر موقعه كقوة جامعة. في بيروت الغربية، انهارت وحداته بسرعة لافتة، وتفككت على أسس سياسية وطائفية، وانسحب بعضها، فيما انضم بعض عناصره إلى القوى المنتفضة. لم يكن ذلك مجرد فشل عسكري، بل لحظة إعلان انهيار المؤسسة العسكرية. الجيش لم يعد فوق الانقسامات، بل صار محكوماً بها. لعبت آنذاك حركة أمل بقيادة نبيه بري دوراً محورياً في تلك الانتفاضة وفي شق الجيش من خلال ما عُرف حينها بـ”اللواء السادس”. تلك الانتفاضة أسقطت فعلياً سلطة الدولة في غرب العاصمة، وأطاحت اتفاق 17 أيار/ مايو الذي أبرمه حينها الرئيس أمين الجميل مع إسرائيل. منذ تلك اللحظة، ترسّخت قناعة عميقة بأن الجيش اللبناني ليس محصّناً ضد التفكك، ولا يمكنه فرض سلطته على مجتمع منقسم.

لكن الجنوب كان سبق العاصمة في اختبار انهيار الدولة. منذ أواخر السبعينات، ومع تراجع حضور الدولة وتفكك الجيش في تلك المنطقة، نشأ فراغ أمني واسع. في هذا الفراغ، برزت تشكيلات محلية مسلّحة، بعضها بدافع الحماية الذاتية، وبعضها الآخر ارتبط تدريجياً بقوى خارجية. من بين هذه التشكيلات، نشأ ما سيُعرف لاحقاً بـ “جيش لبنان الجنوبي”.

تعود بدايات هذا التشكيل إلى الضابط سعد حداد، الذي انشق عن الجيش عام 1976 وأعلن “جيش لبنان الحر”، مستنداً إلى وحدات محلّية ومتطوعين من القرى الحدودية. مع تصاعد الصراع، وخصوصاً مع وجود الفصائل الفلسطينية المسلحة في الجنوب، تلقى هذا التشكيل دعماً متزايداً من إسرائيل، التي كانت تسعى إلى إنشاء منطقة عازلة على حدودها. ومع الاجتياح الإسرائيلي عام 1978، ثم بشكل أوضح بعد اجتياح 1982، أعيد تنظيم هذه القوات تحت اسم “جيش لبنان الجنوبي”، وتحوّلت إلى قوة منظمة تدير “الشريط الحدودي” وتعمل ضمن منظومة الاحتلال بل ويده الأقسى على الجنوبيين. بعد وفاة حداد، تولى قيادتها أنطوان لحد، وهو أيضاً ضابط سابق في الجيش اللبناني.

ما تكشفه هذه التجربة ليس مجرد تعاون مع الاحتلال، بل حقيقة أعمق، وهي أنه عندما ينهار الجيش المركزي أو يُقيد، لا تختفي القوة، بل يُعاد إنتاجها في أشكال موازية، مرتبطة غالباً بقوى خارجية. الجنوب اللبناني كان، منذ ذلك الوقت، مختبراً لهذا النمط، فانهيار السيادة لا يؤدي إلى فراغ، بل إلى تعدد سلطات.

لم ينتهِ انقسام الجيش اللبناني مع محطة انتفاضة 6 شباط/ فبراير 1984، بل استمرّ بأشكال مختلفة حتى أواخر الحرب، وبلغ ذروته مجدداً في أواخر الثمانينات خلال مرحلة قيادة ميشال عون. ففي عام 1988، ومع انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل من دون انتخاب خلف له، عُيّن عون رئيساً لحكومة انتقالية عسكرية، في سابقة كرّست دخول الجيش مباشرة في قلب الصراع السياسي. منذ تلك اللحظة، لم يعد الجيش مجرد مؤسسة أمنية، بل أصبح طرفاً في معادلة السلطة.

ومع تصاعد الصراع بين حكومة عون من جهة، وحكومة سليم الحص المدعومة من سوريا من جهة أخرى، انقسمت البلاد إلى سلطتين، وانعكس ذلك داخل المؤسسة العسكرية نفسها. عملياً، باتت هناك وحدات عسكرية تدين بالولاء لقيادة عون في المناطق الشرقية، فيما خضعت مناطق أخرى، خصوصاً في بيروت الغربية، لنفوذ قوى مختلفة خارج إطار قيادة الجيش المركزي.

في آذار/ مارس 1989، أعلن عون ما سمّاه حرب التحرير ضد الوجود السوري في لبنان، مستخدماً الجيش كأداة في هذه المواجهة. هذا القرار وضع المؤسسة العسكرية في موقع شديد الخطورة، إذ أصبحت طرفاً مباشراً في حرب إقليمية داخلية معقّدة. ومع أن الخطاب الذي رافق تلك الحرب ارتكز على استعادة شعار السيادة والتحرير، إلا أن النتيجة كانت مزيداً من الاستنزاف والانقسام والاستتباع الإقليمي.

عندما أُقرّ اتفاق الطائف، رفض عون الاعتراف به في البداية، واستمر في المواجهة، إلى أن شنّت القوات السورية هجوماً واسعاً على قصر بعبدا في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 1990، بدعم إقليمي ودولي لإنهاء الحرب. في تلك اللحظة الحاسمة، انهارت جبهة عون العسكرية بسرعة، ولجأ إلى السفارة الفرنسية قبل أن يغادر إلى المنفى، متخلياً عن جنوده الذين واجهوا مصيراً مأساوياً.

هذه النهاية لم تكن مجرد هزيمة سياسية، بل محطة إضافية في مسار تآكل موقع الجيش.

عندما انتهت الحرب الأهلية مع اتفاق الطائف، كان الهدف المعلن إعادة بناء الدولة وتوحيد الجيش. وقد تحقق ذلك شكلياً. أعيد دمج الوحدات، وأصبح هناك جيش واحد. لكن الطائف لم يحسم المسألة الجوهرية التي فجّرت الحرب أصلاً، أعني سؤال: من يحتكر السلاح؟
التسوية التي أنهت الطائف بوصاية سورية – إيرانية – سعودية آنذاك، قضت بحل الميليشيات باستثناء سلاح حزب الله تحت عنوان “المقاومة”، ما أدخل لبنان في مرحلة جديدة، جيش موحد، لكنه ليس القوة الوحيدة ولا يحتكر قرار الحرب. هكذا، انتقل البلد من جيش منقسم في الحرب، إلى جيش موحد يعمل في ظل قوة عسكرية موازية في السلم.

مع الوقت، أوجد هذا الواقع سلطة داخل الدولة تمارس نفوذاً عسكرياً وسياسياً من دون خضوع كامل للمؤسسات. ابتُدع شعار “جيش وشعب ومقاومة” في محاولة لتعويم هذه الازدواجية الفاقعة. وفي ظل هذه المعادلة، طُلب من الجيش أن يعمل ضمن سقف يحدده توازن القوى.

في المرحلة التي أعقبت الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، خسر لبنان لحظة تاريخية كان يمكن أن تؤسس لمسار مختلف وعودة الدولة إلى الجنوب عبر انتشار الجيش اللبناني وفرض احتكارها السلاح، لكن هذه اللحظة لم تُستثمر. على العكس، تم تثبيت واقع مغاير، في ظل الوصاية السورية آنذاك، إذ اعتُبر سلاح حزب الله جزءاً من معادلة “المقاومة”، وتم التعامل معه كاستثناء دائم لا كمرحلة انتقالية. 

في هذا السياق، لم يكن النقاش حول نشر الجيش على الحدود الجنوبية نقاشاً بديهياً لأي دولة تريد بسط سيادتها، بل غالباً ما وُوجه بالرفض أو بالتخوين، باعتباره مساساً بـ”دور المقاومة”.

منذ ذلك الوقت، ترسّخ تدريجياً نموذج الدولة المزدوجة، أي دولة رسمية بمؤسساتها، تقابلها بنية عسكرية أمنية موازية تملك هامش استقلال واسعاً. لم يقتصر الأمر على السلاح، بل امتد إلى نفوذ سياسي وأمني متنامٍ، انعكس في القدرة على التأثير في القرار الحكومي، وفي التعيينات داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، وفي رسم خطوط حمراء لمناطق ونشاطات يصعب على الدولة مقاربتها بشكل كامل. هكذا لم تعد المشكلة محصورة بوجود سلاح خارج الدولة، بل بتكوّن منظومة نفوذ متكاملة حوله.

جاءت حرب تموز/ يوليو 2006 لتطرح هذه المعضلة بأوضح صورها. العملية التي نفذها حزب الله عبر خطف جنود إسرائيليين على الحدود تحوّلت سريعاً إلى حرب إسرائيلية واسعة، من دون أن تكون نتاج قرار دولة أو نتيجة توافق وطني. الحرب كشفت مجدداً أن قرار السلم والحرب لا يُتخذ داخل المؤسسات الرسمية، بل خارجها. وعلى رغم الكلفة البشرية والمادية الهائلة، انتهت الحرب من دون أن تُعاد صياغة هذا الواقع، بل على العكس، خرج حزب الله منها معززاً داخلياً، ومتمسكاً أكثر بشرعية سلاحه.

بعد ذلك، بدأ حزب الله باستثمار سلاحه أكثر صوب الداخل تحديداً في أحداث 7 أيار/ مايو 2008، فانتقل هذا الخلل من مستوى المواجهة مع إسرائيل إلى الداخل اللبناني نفسه. حينها، استخدم حزب الله قوته العسكرية في بيروت ومناطق أخرى رداً على قرارات حكومية، في سابقة خطيرة أظهرت أن السلاح الخارج عن الدولة الذي لطالما كان بذريعة مقاومة إسرائيل، هو في الحقيقة أداة نفوذ في الداخل. في تلك اللحظة، وجد الجيش اللبناني نفسه أمام معضلة شديدة الحساسية: التدخل كان يحمل خطر الانزلاق إلى صدام داخلي واسع، فيما عدم التدخل بدا وكأنه عجز عن حماية القرار السيادي. اختار الجيش مسار الاحتواء وتجنب المواجهة، في محاولة لمنع الانفجار الأهلي، لكن النتيجة السياسية كانت واضحة، تأكيد محدودية قدرته على فرض قرارات الدولة عندما تتعارض مع ميزان القوى القائم.

بهذا المعنى، لم تكن المرحلة بين 2000 و2008 مجرد سياق سياسي عابر، بل مرحلة تأسيسية لترسيخ ازدواجية السلاح، وتكريس نموذج دولة تعمل ضمن سقف تحدده قوة موازية لها، وهو النموذج الذي يصل اليوم إلى أقصى اختباراته.

لا تزال المراحل التي أعقبت غزوة 7 أيار، تحمل التباسات كثيرة في دور الجيش ونفوذ حزب الله المتعاظم، خصوصاً مع مغامراته العابرة للحدود لجهة القتال في سوريا وتهريب السلاح عبر الحدود وأمام أعين الأمن وأجهزته، إضافة الى بؤر أمنية كثيرة كانت تترسخ أكثر فأكثر.. 

ومع الانهيار الاقتصادي منذ 2019، تراجعت قدرات المؤسسة العسكرية بشكل كبير، ما جعله يعمل في ظروف أقرب إلى إدارة الانهيار منها إلى فرض السلطة.

اليوم، ومع الحرب الإسرائيلية الثانية المفتوحة، تنكشف كل هذه التناقضات دفعة واحدة. السؤال الذي كان مؤجلاً منذ الطائف يعود بقوة، من يملك قرار الحرب والسلم؟ الجيش، على رغم رمزيته، ليس هو. ومع توسع الحرب، يجد نفسه محاصراً بين خيارات كلها خطرة، المواجهة غير المتكافئة، أو الحياد، أو الانكفاء، أو الانخراط في صراع داخلي محتمل.

 في هذا السياق، يصبح مشهد رميش موجعاً الى حدّ لا يوصف. الانسحاب ليس قراراً عسكرياً فقط، بل تعبير عن موقع الجيش داخل نظام لا يمنحه القدرة الكاملة على الفعل. وتتضخم المأساة مع تغول قوة إبادية هي إسرائيل، التي لا يعنيها شيء فتقتل وتدمر وتتوسع غير آبهة. 

ما يحدث اليوم ليس مجرد ضعف في مؤسسة، بل نتيجة مسار تاريخي طويل، جيش لم يُبنَ ليضبط السيادة، ثم انكسر عندما انهارت الدولة، ثم أُعيد بناؤه ضمن تسوية لم تمنحه السيادة الكاملة، ثم وُضع في مواجهة واقع تتعايش فيه الدولة مع سلاح خارجها. لبنان ولحسن الحظ لم يرد له أن يكون دولة عسكرية، لكنه لم ينجح في أن يكون دولة تحتكر العنف.

ما يحدث اليوم ليس مجرد ضعف في مؤسسة، بل نتيجة مسار تاريخي طويل، جيش لم يُبنَ ليضبط السيادة، ثم انكسر عندما انهارت الدولة، ثم أُعيد بناؤه ضمن تسوية لم تمنحه السيادة الكاملة، ثم وُضع في مواجهة واقع تتعايش فيه الدولة مع سلاح خارجها. لبنان ولحسن الحظ لم يرد له أن يكون دولة عسكرية، لكنه لم ينجح في أن يكون دولة تحتكر العنف.

دبابات الجيش اللبناني تنسحب من بلدة رميش الحدودية وسط مناشدة الأهالي. 

لم يكن المشهد عسكرياً بقدر ما كان إنسانياً حدّ الألم. رجال ونساء من البلدة وقفوا في وجه العربات، لا ليمنعوا حركة عسكرية، بل ليؤجلوا لحظة شعرت فيها القرية أنها تُترك لمصيرها. الوجوه مشدودة بين الخوف والرجاء، وكأنهم يتمسكون بآخر ما تبقّى من فكرة الدولة.

في قلب هذا المشهد، وقف كاهن البلدة، الأب نجيب العميل، لا ليخاطب الجيش بقدر ما يخاطب لحظة الانكسار نفسها قائلاً، “منتكل على الله، والأرض مليانة خضار، وعنا تراب مناكل ومنبقى بضيعنا. يا منموت كلنا وبتروح ضيعتنا، يا منعيش كلنا وبتحيا ضيعنا كلنا”.

لم تكن كلماته مجرد تعبير عن صمود، بل إعلاناً عن مفارقة تمسّك أهل البلدة بأرضهم حتى الرمق الأخير، في لحظة تنسحب فيها “الدولة” التي يُفترض أن تحميهم.

لم يكن انسحاب الجيش اللبناني من رميش مجرد خطوة ميدانية في سياق حرب إسرائيلية شرسة مفتوحة على لبنان، بل لحظة كثيفة الدلالة، تختصر مساراً طويلاً من تآكل فكرة الدولة نفسها في لبنان. في تلك القرية الحدودية، لم يشعر الأهالي فقط بأن الجيش تراجع، بل بأن الدولة بما تمثّله من حماية وسيادة، لم تعد قادرة على الوقوف حيث يجب أن تكون. هذا الشعور لا يمكن تفسيره فقط بميزان القوى المختلّ مع إسرائيل، بل بتاريخ معقّد، تم فيه تفريغ دور الجيش تدريجياً، حتى أصبح حاضراً كشكل وصورة، لكنه نادراً ما يكون صاحب قرار.

لفهم هذه اللحظة التراجيدية، لا يكفي النظر إلى السنوات الأخيرة أو إلى الحرب الحالية، بل يجب العودة إلى سؤال أعمق: كيف تكوّن الجيش اللبناني، وما الدور الذي أُريد له منذ البداية؟
منذ نشأة الدولة اللبنانية، لم يشبه الجيش اللبناني جيوش المنطقة. لم يكن، كما في مصر أو سوريا أو العراق، العمود الفقري للنظام السياسي، ولا الأداة التي تحكم باسمه. في تلك الدول، نشأت الدولة الحديثة حول المؤسسة العسكرية من خلال انقلابات دموية غالباً، ومن ثم تحولت إلى مركز السلطة، واحتكرت العنف، وأنتجت أنظمة استبدادية قوية قادرة على فرض سيطرتها بالقوة. هذا النموذج على رغم كل ما فيه من قمع كان واضحاً، الجيش هو الدولة، والدولة هي الجيش.

لبنان، على العكس، بُني على توازنات طائفية وتسويات سياسية دقيقة، لا على هيمنة مؤسسة واحدة. في هذا السياق، لم يُرَد للجيش أن يكون حاكماً، بل أن يكون انعكاساً لهذا التوازن. كان جيشاً “مدنياً” بالمعنى السياسي، متعدد الانتماءات وفق توزعه الطائفي، حذراً في استخدام القوة، ومقيّداً بسقف سياسي يمنعه من الانخراط في صراعات داخلية قد تفجّر البلاد. هذه السمة جعلته أقل قمعاً من جيوش المنطقة، لكنها في الوقت نفسه جعلته أقل قدرة على فرض نفسه كسلطة عليا تحتكر العنف.

هذا التوازن الهشّ لم يصمد أمام الحرب الأهلية. مع اندلاع الصراع عام 1975، بدأ الجيش يتفكك تدريجياً، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً أيضاً. من أبرز المحطات المبكرة كان انشقاق ما عُرف باسم “جيش لبنان العربي” عام 1976، حين خرجت وحدات من الجيش بقيادة أحمد الخطيب عن القيادة المركزية، في مؤشر واضح إلى أن المؤسسة لم تعد قادرة على البقاء فوق الانقسامات. 

في تلك المرحلة، كان الجيش يُتهم، خصوصاً في بيروت الغربية، بأنه يميل إلى السلطة القائمة، التي اعتُبرت منحازة الى المعسكر اليميني المسيحي، في مواجهة “الحركة الوطنية” المتحالفة مع منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك. انطلاقاً من هذا السياق، برّر الخطيب انشقاقه برفضه استخدام الجيش ضد ما كان يعتبره “قوى وطنية وعروبية”، وسعى إلى إعادة تعريف دوره ضمن مشروع سياسي أوسع مرتبط بالحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط، وعلى تماس مباشر مع الفصائل الفلسطينية.

 لم يكن “جيش لبنان العربي” مجرد تسمية، بل إعلان تموضع أيديولوجي واضح في قلب الحرب، ودليل على أن الجيش لم يعد قادراً على البقاء فوق الانقسامات، بل أصبح ساحة لها. هذا الانشقاق شكّل إنذاراً أول لمسار سيتكرّس لاحقاً، أي تفكك تدريجي للمؤسسة العسكرية، وصولاً إلى انهيارها شبه الكامل في الثمانينات.

لكن الانهيار الكامل لم يتبلور إلا مع محطة انتفاضة 6 شباط/ فبراير 1984. في ذلك اليوم، لم يخسر الجيش معركة فقط، بل خسر موقعه كقوة جامعة. في بيروت الغربية، انهارت وحداته بسرعة لافتة، وتفككت على أسس سياسية وطائفية، وانسحب بعضها، فيما انضم بعض عناصره إلى القوى المنتفضة. لم يكن ذلك مجرد فشل عسكري، بل لحظة إعلان انهيار المؤسسة العسكرية. الجيش لم يعد فوق الانقسامات، بل صار محكوماً بها. لعبت آنذاك حركة أمل بقيادة نبيه بري دوراً محورياً في تلك الانتفاضة وفي شق الجيش من خلال ما عُرف حينها بـ”اللواء السادس”. تلك الانتفاضة أسقطت فعلياً سلطة الدولة في غرب العاصمة، وأطاحت اتفاق 17 أيار/ مايو الذي أبرمه حينها الرئيس أمين الجميل مع إسرائيل. منذ تلك اللحظة، ترسّخت قناعة عميقة بأن الجيش اللبناني ليس محصّناً ضد التفكك، ولا يمكنه فرض سلطته على مجتمع منقسم.

لكن الجنوب كان سبق العاصمة في اختبار انهيار الدولة. منذ أواخر السبعينات، ومع تراجع حضور الدولة وتفكك الجيش في تلك المنطقة، نشأ فراغ أمني واسع. في هذا الفراغ، برزت تشكيلات محلية مسلّحة، بعضها بدافع الحماية الذاتية، وبعضها الآخر ارتبط تدريجياً بقوى خارجية. من بين هذه التشكيلات، نشأ ما سيُعرف لاحقاً بـ “جيش لبنان الجنوبي”.

تعود بدايات هذا التشكيل إلى الضابط سعد حداد، الذي انشق عن الجيش عام 1976 وأعلن “جيش لبنان الحر”، مستنداً إلى وحدات محلّية ومتطوعين من القرى الحدودية. مع تصاعد الصراع، وخصوصاً مع وجود الفصائل الفلسطينية المسلحة في الجنوب، تلقى هذا التشكيل دعماً متزايداً من إسرائيل، التي كانت تسعى إلى إنشاء منطقة عازلة على حدودها. ومع الاجتياح الإسرائيلي عام 1978، ثم بشكل أوضح بعد اجتياح 1982، أعيد تنظيم هذه القوات تحت اسم “جيش لبنان الجنوبي”، وتحوّلت إلى قوة منظمة تدير “الشريط الحدودي” وتعمل ضمن منظومة الاحتلال بل ويده الأقسى على الجنوبيين. بعد وفاة حداد، تولى قيادتها أنطوان لحد، وهو أيضاً ضابط سابق في الجيش اللبناني.

ما تكشفه هذه التجربة ليس مجرد تعاون مع الاحتلال، بل حقيقة أعمق، وهي أنه عندما ينهار الجيش المركزي أو يُقيد، لا تختفي القوة، بل يُعاد إنتاجها في أشكال موازية، مرتبطة غالباً بقوى خارجية. الجنوب اللبناني كان، منذ ذلك الوقت، مختبراً لهذا النمط، فانهيار السيادة لا يؤدي إلى فراغ، بل إلى تعدد سلطات.

لم ينتهِ انقسام الجيش اللبناني مع محطة انتفاضة 6 شباط/ فبراير 1984، بل استمرّ بأشكال مختلفة حتى أواخر الحرب، وبلغ ذروته مجدداً في أواخر الثمانينات خلال مرحلة قيادة ميشال عون. ففي عام 1988، ومع انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل من دون انتخاب خلف له، عُيّن عون رئيساً لحكومة انتقالية عسكرية، في سابقة كرّست دخول الجيش مباشرة في قلب الصراع السياسي. منذ تلك اللحظة، لم يعد الجيش مجرد مؤسسة أمنية، بل أصبح طرفاً في معادلة السلطة.

ومع تصاعد الصراع بين حكومة عون من جهة، وحكومة سليم الحص المدعومة من سوريا من جهة أخرى، انقسمت البلاد إلى سلطتين، وانعكس ذلك داخل المؤسسة العسكرية نفسها. عملياً، باتت هناك وحدات عسكرية تدين بالولاء لقيادة عون في المناطق الشرقية، فيما خضعت مناطق أخرى، خصوصاً في بيروت الغربية، لنفوذ قوى مختلفة خارج إطار قيادة الجيش المركزي.

في آذار/ مارس 1989، أعلن عون ما سمّاه حرب التحرير ضد الوجود السوري في لبنان، مستخدماً الجيش كأداة في هذه المواجهة. هذا القرار وضع المؤسسة العسكرية في موقع شديد الخطورة، إذ أصبحت طرفاً مباشراً في حرب إقليمية داخلية معقّدة. ومع أن الخطاب الذي رافق تلك الحرب ارتكز على استعادة شعار السيادة والتحرير، إلا أن النتيجة كانت مزيداً من الاستنزاف والانقسام والاستتباع الإقليمي.

عندما أُقرّ اتفاق الطائف، رفض عون الاعتراف به في البداية، واستمر في المواجهة، إلى أن شنّت القوات السورية هجوماً واسعاً على قصر بعبدا في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 1990، بدعم إقليمي ودولي لإنهاء الحرب. في تلك اللحظة الحاسمة، انهارت جبهة عون العسكرية بسرعة، ولجأ إلى السفارة الفرنسية قبل أن يغادر إلى المنفى، متخلياً عن جنوده الذين واجهوا مصيراً مأساوياً.

هذه النهاية لم تكن مجرد هزيمة سياسية، بل محطة إضافية في مسار تآكل موقع الجيش.

عندما انتهت الحرب الأهلية مع اتفاق الطائف، كان الهدف المعلن إعادة بناء الدولة وتوحيد الجيش. وقد تحقق ذلك شكلياً. أعيد دمج الوحدات، وأصبح هناك جيش واحد. لكن الطائف لم يحسم المسألة الجوهرية التي فجّرت الحرب أصلاً، أعني سؤال: من يحتكر السلاح؟
التسوية التي أنهت الطائف بوصاية سورية – إيرانية – سعودية آنذاك، قضت بحل الميليشيات باستثناء سلاح حزب الله تحت عنوان “المقاومة”، ما أدخل لبنان في مرحلة جديدة، جيش موحد، لكنه ليس القوة الوحيدة ولا يحتكر قرار الحرب. هكذا، انتقل البلد من جيش منقسم في الحرب، إلى جيش موحد يعمل في ظل قوة عسكرية موازية في السلم.

مع الوقت، أوجد هذا الواقع سلطة داخل الدولة تمارس نفوذاً عسكرياً وسياسياً من دون خضوع كامل للمؤسسات. ابتُدع شعار “جيش وشعب ومقاومة” في محاولة لتعويم هذه الازدواجية الفاقعة. وفي ظل هذه المعادلة، طُلب من الجيش أن يعمل ضمن سقف يحدده توازن القوى.

في المرحلة التي أعقبت الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، خسر لبنان لحظة تاريخية كان يمكن أن تؤسس لمسار مختلف وعودة الدولة إلى الجنوب عبر انتشار الجيش اللبناني وفرض احتكارها السلاح، لكن هذه اللحظة لم تُستثمر. على العكس، تم تثبيت واقع مغاير، في ظل الوصاية السورية آنذاك، إذ اعتُبر سلاح حزب الله جزءاً من معادلة “المقاومة”، وتم التعامل معه كاستثناء دائم لا كمرحلة انتقالية. 

في هذا السياق، لم يكن النقاش حول نشر الجيش على الحدود الجنوبية نقاشاً بديهياً لأي دولة تريد بسط سيادتها، بل غالباً ما وُوجه بالرفض أو بالتخوين، باعتباره مساساً بـ”دور المقاومة”.

منذ ذلك الوقت، ترسّخ تدريجياً نموذج الدولة المزدوجة، أي دولة رسمية بمؤسساتها، تقابلها بنية عسكرية أمنية موازية تملك هامش استقلال واسعاً. لم يقتصر الأمر على السلاح، بل امتد إلى نفوذ سياسي وأمني متنامٍ، انعكس في القدرة على التأثير في القرار الحكومي، وفي التعيينات داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، وفي رسم خطوط حمراء لمناطق ونشاطات يصعب على الدولة مقاربتها بشكل كامل. هكذا لم تعد المشكلة محصورة بوجود سلاح خارج الدولة، بل بتكوّن منظومة نفوذ متكاملة حوله.

جاءت حرب تموز/ يوليو 2006 لتطرح هذه المعضلة بأوضح صورها. العملية التي نفذها حزب الله عبر خطف جنود إسرائيليين على الحدود تحوّلت سريعاً إلى حرب إسرائيلية واسعة، من دون أن تكون نتاج قرار دولة أو نتيجة توافق وطني. الحرب كشفت مجدداً أن قرار السلم والحرب لا يُتخذ داخل المؤسسات الرسمية، بل خارجها. وعلى رغم الكلفة البشرية والمادية الهائلة، انتهت الحرب من دون أن تُعاد صياغة هذا الواقع، بل على العكس، خرج حزب الله منها معززاً داخلياً، ومتمسكاً أكثر بشرعية سلاحه.

بعد ذلك، بدأ حزب الله باستثمار سلاحه أكثر صوب الداخل تحديداً في أحداث 7 أيار/ مايو 2008، فانتقل هذا الخلل من مستوى المواجهة مع إسرائيل إلى الداخل اللبناني نفسه. حينها، استخدم حزب الله قوته العسكرية في بيروت ومناطق أخرى رداً على قرارات حكومية، في سابقة خطيرة أظهرت أن السلاح الخارج عن الدولة الذي لطالما كان بذريعة مقاومة إسرائيل، هو في الحقيقة أداة نفوذ في الداخل. في تلك اللحظة، وجد الجيش اللبناني نفسه أمام معضلة شديدة الحساسية: التدخل كان يحمل خطر الانزلاق إلى صدام داخلي واسع، فيما عدم التدخل بدا وكأنه عجز عن حماية القرار السيادي. اختار الجيش مسار الاحتواء وتجنب المواجهة، في محاولة لمنع الانفجار الأهلي، لكن النتيجة السياسية كانت واضحة، تأكيد محدودية قدرته على فرض قرارات الدولة عندما تتعارض مع ميزان القوى القائم.

بهذا المعنى، لم تكن المرحلة بين 2000 و2008 مجرد سياق سياسي عابر، بل مرحلة تأسيسية لترسيخ ازدواجية السلاح، وتكريس نموذج دولة تعمل ضمن سقف تحدده قوة موازية لها، وهو النموذج الذي يصل اليوم إلى أقصى اختباراته.

لا تزال المراحل التي أعقبت غزوة 7 أيار، تحمل التباسات كثيرة في دور الجيش ونفوذ حزب الله المتعاظم، خصوصاً مع مغامراته العابرة للحدود لجهة القتال في سوريا وتهريب السلاح عبر الحدود وأمام أعين الأمن وأجهزته، إضافة الى بؤر أمنية كثيرة كانت تترسخ أكثر فأكثر.. 

ومع الانهيار الاقتصادي منذ 2019، تراجعت قدرات المؤسسة العسكرية بشكل كبير، ما جعله يعمل في ظروف أقرب إلى إدارة الانهيار منها إلى فرض السلطة.

اليوم، ومع الحرب الإسرائيلية الثانية المفتوحة، تنكشف كل هذه التناقضات دفعة واحدة. السؤال الذي كان مؤجلاً منذ الطائف يعود بقوة، من يملك قرار الحرب والسلم؟ الجيش، على رغم رمزيته، ليس هو. ومع توسع الحرب، يجد نفسه محاصراً بين خيارات كلها خطرة، المواجهة غير المتكافئة، أو الحياد، أو الانكفاء، أو الانخراط في صراع داخلي محتمل.

 في هذا السياق، يصبح مشهد رميش موجعاً الى حدّ لا يوصف. الانسحاب ليس قراراً عسكرياً فقط، بل تعبير عن موقع الجيش داخل نظام لا يمنحه القدرة الكاملة على الفعل. وتتضخم المأساة مع تغول قوة إبادية هي إسرائيل، التي لا يعنيها شيء فتقتل وتدمر وتتوسع غير آبهة. 

ما يحدث اليوم ليس مجرد ضعف في مؤسسة، بل نتيجة مسار تاريخي طويل، جيش لم يُبنَ ليضبط السيادة، ثم انكسر عندما انهارت الدولة، ثم أُعيد بناؤه ضمن تسوية لم تمنحه السيادة الكاملة، ثم وُضع في مواجهة واقع تتعايش فيه الدولة مع سلاح خارجها. لبنان ولحسن الحظ لم يرد له أن يكون دولة عسكرية، لكنه لم ينجح في أن يكون دولة تحتكر العنف.