fbpx

في يوم “سقوط جسر لندن” على بعد خطوتين من الملك!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بين الحشود كان شباب عراقيون يحملون الزهور أمام القصر ويحيّون الملك. كانوا يرون أن المملكة فتحت أبوابها للاجئين العرب حين تخلى عنهم حكامهم لذلك يشعرون بالامتنان لهذه البلاد.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

الملكة اليزابيث مريضة. كان هذا الخبر الأول بين البريطانيين نهار الخميس في الثامن من هذا الشهر. خريف لندن حمل معه سقوط جسرها. كنت أجلس في أحد المقاهي، وأحاول أنا العراقية الهاربة من بلادي، أن أراقب مشاعر الشعب البريطاني في بلد يضم مختلف الديانات والهويات، كما بلادي، ويعاني اليوم من تفاقم التضخم الاقتصادي، كما بلادي، وكيفية تعاملهم مع مرض ملكتهم واحتضارها. هل هناك بينهم من يبغضها او يتمنى لها الموت والنهاية المؤلمة كما اعتدنا كشعوب عربية تعاني من جور حكامها وإجرامهم؟ معظم الحضور في المقهى، كان يتمنى لها الشفاء. فهم في الغالب، والأمر لا يخلو من استثناءات طبعاً، يحبون ملكتهم، ويرون في وجودها القوة والسلام للمملكة المتحدة. 

أحد العراقيين الذين يعيشون في العاصمة البريطانية لندن، واسمه سالم، في عقده الثالث، كان في المقهى، يقول: “لقد احتضنتنا بريطانيا انا وعائلتي بعدما هربنا من العراق اثناء الحرب الطائفية بين الفصائل الشيعية والسنية، كدت أقتل وأنا أحاول الهرب، سأبقى أشعر بالامتنان طيلة حياتي لبريطانيا وملكتها، بفضلهما أصبح لدي جواز سفر يمكنني من مواصلة تعليمي والعمل بحرية حول العالم، ادعو لها بالشفاء العاجل”.

بعدها ببضع ساعات، حلّ المساء، وكنت لا أزال في المقهى، أعمل من هناك. أتى أحد العاملين في المقهى ليقول: “جلالتها فارقت الحياة“، ثم ذهب ليكمل عمله.

كنت أترقب ردود فعل الموجودين: هل سيكون هناك غضب؟ فوضى في الشارع؟ اضطرابات سياسية؟ توترات أمنية؟ بعض الحاضرين غادروا وتوجهوا إلى قصر باكنغهام الرئيسي في لندن حيث نُكّس علم الاتحاد البريطاني في تمام الساعة السادسة والنصف بحسب التوقيت البريطاني. كان المشهد مطابقاً للذي اعتدنا على رؤيته في الأفلام التلفزيونية التي تحدثت عن وفاة الاميرة الراحلة ديانا، حين ذهب المواطنون إلى القصر ليضعوا الزهور والرسائل معبرين عن أسفهم لفقدان أحد أفراد العائلة المالكة وكأنهم جزء لا يتجزأ من ثقافة ووحدة البريطانيين. 

في صباح اليوم التالي، قرعت أجراس الكنائس وأطلقت أعيرة نارية رمزية لتأبين الملكة. صوت المدافع كان آمناً هذه المرة. في العراق هذه الأصوات تنبئ بالخطر والموت وتثير الرعب في النفوس. 

في قصر باكنغهام حضر الملك العتيد تشارلز الثالث مع زوجته كاميلا، التي تزوجها عام 2005 بعد قصة حب طويلة ترافقت مع رفض العائلة هذا الارتباط، قبل أن تحلّ الأمور. كان المشهد غريباً بعض الشيء بالنسبة إلي، انا القادمة من بلد حيث لا تمكننا رؤية السياسي ورجل الدين إلا في قنوات التلفزيون محاطاً بجيش من المسلحين. في لندن، أقف على بعد أمتار من الملك الذي تم تنصيبه للتو محاطاً بجمهور من الشعب البريطاني والمهاجرين من مختلف الاعمار وهو يصافحهم، ويتلقى باقات الزهور تعبيراً عن الحزن على رحيل الملكة الأم. كنت على بعد خطوتين من الملك، أراه بأم العين، بلا تدابير أمنية ولا تزاحم أو استعراضات أمنية من الحرس والحاشية.

بين الحشود كان شباب عراقيون يحملون الزهور أمام القصر ويحيّون الملك. كانوا يرون أن المملكة فتحت أبوابها للاجئين العرب حين تخلى عنهم حكامهم لذلك يشعرون بالامتنان لهذه البلاد، التي تتقبلهم كما هم، وتتقبل غيرهم حتى من العراقيين القلة الذين، على النقيض من مشاعر السلام والحزن برحيل الملكة، يعبرون بوضوح عن معاداة النظام الملكي البريطاني بسبب دور بريطانيا في احتلال العراق عام 2003، وبعضهم يذهب أبعد إلى مرحلة الانتداب البريطاني، لتطغى على هؤلاء انطباعات ساخرة على رحيل الملكة، وكأن وفاتها تشكّل انتقاماً لهم من تاريخ بريطانيا الاستعماري. والنقاش حول الملكية ينسحب إلى أوساط البريطانيين عموماً، وكثيرون من دافعي الضرائب يناقشون مواقفهم حول الملكية، فما زال يتعين على المواطنين البريطانيين الدفع من جيوبهم من أجل سداد نفقات العائلة المالكة. وقد كلفت المنحة السيادية التي تحصل عليها العائلة المالكة دافعي الضرائب البريطانيين 86.3 مليون جنيه إسترليني (100.12 مليون دولار) في عام 2021 وزادت بمقدار 27.3 مليون جنيه إسترليني (31.67 مليون دولار) خلال العامين المقبلين للمساعدة في تغطية زيادة بنسبة 17 في المئة في إنفاق أفراد العائلة المالكة. هذه كلها أمور مطروحة للنقاش الداخلي ولا يتعرض من يناقشها للقمع أو الملاحقة أو القتل كما يحدث في بلادي اذا انتقدت زعيماً سياسياً أو مرجعاً طائفياً. 

كي أنقل المشهد بحيادية أكثر، لم يكن هناك على الإطلاق ما يوحي، بحسب ما خبرت من موت كثر في بلادي، بأن ملكة قد ماتت للتو.

 يقوم الناس بعملهم المعتاد. يلتقط بعضهم الصور التذكارية وآخرون اصطحبوا أطفالهم معهم كما لو كان الأمر نزهة، في الخارج حفل زفاف لمجموعة تحتفل، وشباب يخططون لتمضية ليلة في الخارج كما هو معتاد في لندن. وفكرت في غرابة الأمر: لماذا يمضي سكان البلاد العربية في الشرق الأوسط حياتهم في الحداد على الموتى، وتلزم النساء بارتداء السواد معظم حياتهن ويمنع الأطفال من مظاهر الفرح حتى لو كان الميت شيخاً كبيراً؟ هل تصالحت هذه الشعوب بسلام مع فكرة الموت أكثر من شعوبنا؟ ها هم يودعون ملكتهم بمشاعر دافئة، تبدو متصالحة مع فكرة الموت، فيما يخيّم شبح الموت على بلادنا، فتبدو الحياة مجرد محاولة للهروب منه…

إقرأوا أيضاً:

14.09.2022
زمن القراءة: 4 minutes

بين الحشود كان شباب عراقيون يحملون الزهور أمام القصر ويحيّون الملك. كانوا يرون أن المملكة فتحت أبوابها للاجئين العرب حين تخلى عنهم حكامهم لذلك يشعرون بالامتنان لهذه البلاد.

الملكة اليزابيث مريضة. كان هذا الخبر الأول بين البريطانيين نهار الخميس في الثامن من هذا الشهر. خريف لندن حمل معه سقوط جسرها. كنت أجلس في أحد المقاهي، وأحاول أنا العراقية الهاربة من بلادي، أن أراقب مشاعر الشعب البريطاني في بلد يضم مختلف الديانات والهويات، كما بلادي، ويعاني اليوم من تفاقم التضخم الاقتصادي، كما بلادي، وكيفية تعاملهم مع مرض ملكتهم واحتضارها. هل هناك بينهم من يبغضها او يتمنى لها الموت والنهاية المؤلمة كما اعتدنا كشعوب عربية تعاني من جور حكامها وإجرامهم؟ معظم الحضور في المقهى، كان يتمنى لها الشفاء. فهم في الغالب، والأمر لا يخلو من استثناءات طبعاً، يحبون ملكتهم، ويرون في وجودها القوة والسلام للمملكة المتحدة. 

أحد العراقيين الذين يعيشون في العاصمة البريطانية لندن، واسمه سالم، في عقده الثالث، كان في المقهى، يقول: “لقد احتضنتنا بريطانيا انا وعائلتي بعدما هربنا من العراق اثناء الحرب الطائفية بين الفصائل الشيعية والسنية، كدت أقتل وأنا أحاول الهرب، سأبقى أشعر بالامتنان طيلة حياتي لبريطانيا وملكتها، بفضلهما أصبح لدي جواز سفر يمكنني من مواصلة تعليمي والعمل بحرية حول العالم، ادعو لها بالشفاء العاجل”.

بعدها ببضع ساعات، حلّ المساء، وكنت لا أزال في المقهى، أعمل من هناك. أتى أحد العاملين في المقهى ليقول: “جلالتها فارقت الحياة“، ثم ذهب ليكمل عمله.

كنت أترقب ردود فعل الموجودين: هل سيكون هناك غضب؟ فوضى في الشارع؟ اضطرابات سياسية؟ توترات أمنية؟ بعض الحاضرين غادروا وتوجهوا إلى قصر باكنغهام الرئيسي في لندن حيث نُكّس علم الاتحاد البريطاني في تمام الساعة السادسة والنصف بحسب التوقيت البريطاني. كان المشهد مطابقاً للذي اعتدنا على رؤيته في الأفلام التلفزيونية التي تحدثت عن وفاة الاميرة الراحلة ديانا، حين ذهب المواطنون إلى القصر ليضعوا الزهور والرسائل معبرين عن أسفهم لفقدان أحد أفراد العائلة المالكة وكأنهم جزء لا يتجزأ من ثقافة ووحدة البريطانيين. 

في صباح اليوم التالي، قرعت أجراس الكنائس وأطلقت أعيرة نارية رمزية لتأبين الملكة. صوت المدافع كان آمناً هذه المرة. في العراق هذه الأصوات تنبئ بالخطر والموت وتثير الرعب في النفوس. 

في قصر باكنغهام حضر الملك العتيد تشارلز الثالث مع زوجته كاميلا، التي تزوجها عام 2005 بعد قصة حب طويلة ترافقت مع رفض العائلة هذا الارتباط، قبل أن تحلّ الأمور. كان المشهد غريباً بعض الشيء بالنسبة إلي، انا القادمة من بلد حيث لا تمكننا رؤية السياسي ورجل الدين إلا في قنوات التلفزيون محاطاً بجيش من المسلحين. في لندن، أقف على بعد أمتار من الملك الذي تم تنصيبه للتو محاطاً بجمهور من الشعب البريطاني والمهاجرين من مختلف الاعمار وهو يصافحهم، ويتلقى باقات الزهور تعبيراً عن الحزن على رحيل الملكة الأم. كنت على بعد خطوتين من الملك، أراه بأم العين، بلا تدابير أمنية ولا تزاحم أو استعراضات أمنية من الحرس والحاشية.

بين الحشود كان شباب عراقيون يحملون الزهور أمام القصر ويحيّون الملك. كانوا يرون أن المملكة فتحت أبوابها للاجئين العرب حين تخلى عنهم حكامهم لذلك يشعرون بالامتنان لهذه البلاد، التي تتقبلهم كما هم، وتتقبل غيرهم حتى من العراقيين القلة الذين، على النقيض من مشاعر السلام والحزن برحيل الملكة، يعبرون بوضوح عن معاداة النظام الملكي البريطاني بسبب دور بريطانيا في احتلال العراق عام 2003، وبعضهم يذهب أبعد إلى مرحلة الانتداب البريطاني، لتطغى على هؤلاء انطباعات ساخرة على رحيل الملكة، وكأن وفاتها تشكّل انتقاماً لهم من تاريخ بريطانيا الاستعماري. والنقاش حول الملكية ينسحب إلى أوساط البريطانيين عموماً، وكثيرون من دافعي الضرائب يناقشون مواقفهم حول الملكية، فما زال يتعين على المواطنين البريطانيين الدفع من جيوبهم من أجل سداد نفقات العائلة المالكة. وقد كلفت المنحة السيادية التي تحصل عليها العائلة المالكة دافعي الضرائب البريطانيين 86.3 مليون جنيه إسترليني (100.12 مليون دولار) في عام 2021 وزادت بمقدار 27.3 مليون جنيه إسترليني (31.67 مليون دولار) خلال العامين المقبلين للمساعدة في تغطية زيادة بنسبة 17 في المئة في إنفاق أفراد العائلة المالكة. هذه كلها أمور مطروحة للنقاش الداخلي ولا يتعرض من يناقشها للقمع أو الملاحقة أو القتل كما يحدث في بلادي اذا انتقدت زعيماً سياسياً أو مرجعاً طائفياً. 

كي أنقل المشهد بحيادية أكثر، لم يكن هناك على الإطلاق ما يوحي، بحسب ما خبرت من موت كثر في بلادي، بأن ملكة قد ماتت للتو.

 يقوم الناس بعملهم المعتاد. يلتقط بعضهم الصور التذكارية وآخرون اصطحبوا أطفالهم معهم كما لو كان الأمر نزهة، في الخارج حفل زفاف لمجموعة تحتفل، وشباب يخططون لتمضية ليلة في الخارج كما هو معتاد في لندن. وفكرت في غرابة الأمر: لماذا يمضي سكان البلاد العربية في الشرق الأوسط حياتهم في الحداد على الموتى، وتلزم النساء بارتداء السواد معظم حياتهن ويمنع الأطفال من مظاهر الفرح حتى لو كان الميت شيخاً كبيراً؟ هل تصالحت هذه الشعوب بسلام مع فكرة الموت أكثر من شعوبنا؟ ها هم يودعون ملكتهم بمشاعر دافئة، تبدو متصالحة مع فكرة الموت، فيما يخيّم شبح الموت على بلادنا، فتبدو الحياة مجرد محاولة للهروب منه…

إقرأوا أيضاً:

14.09.2022
زمن القراءة: 4 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية