داخل بغداد، لا تُولد الحكومة من نصوص البرلمان وحدها، بل تُشكَّل وفق خرائط نفوذ متداخلة، وعلى امتداد خطوط تماسّ مفتوحة بين واشنطن وطهران، حيث تُحسم التوازنات قبل أن تُعلن التشكيلة الوزارية. هناك، حيث تبدو المنطقة كلها كأنها تعيش على إيقاع الحروب المؤجلة، يقف رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي مثل رجل يحاول عبور حقل ألغام وهو يحمل فوق كتفيه دولة كاملة تتأرجح بين مشروعين متصارعين.
الرجل الذي لم يكن قبل أشهر اسماً متداولاً بقوة في السباق السياسي العراقي، تحوّل فجأة إلى محور معركة إقليمية ودولية مفتوحة. الأميركيون رأوا فيه فرصة لإعادة هندسة المشهد العراقي بطريقة تقلص نفوذ الفصائل المسلحة وتعيد بغداد إلى المدار الأميركي. أما الإيرانيون، فقرأوا صعوده باعتباره محاولة لإنتاج “نسخة عراقية” من مشروع الاحتواء الأميركي لطهران في المنطقة.
ولذلك، لم يكن مستغرباً أن يتحول تكليف الزيدي إلى ملف يُناقش في واشنطن وطهران قبل أن يُحسم داخل بغداد نفسها.
العراق لا يعيش أزمة تشكيل حكومة فقط، بل يعيش أزمة تعريف الدولة ذاتها. فبعد أكثر من عقدين على سقوط نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، لا تزال البلاد تتحرك داخل نظام سياسي هجين، دولة بمؤسسات رسمية، لكن بجوارها سلطات موازية، وسلاح موازٍ، واقتصاد ظلّ ينمو خارج سيطرة الحكومة.
“التسوية الاضطرارية”
على وقع هذا التصادم السياسي والإقليمي، برز علي الزيدي بوصفه مرشح “التسوية الاضطرارية”. لم يكن الرجل زعيماً حزبياً تقليدياً، ولا قائداً جماهيرياً، ولا حتى صاحب تاريخ سياسي طويل، بل رجل أعمال راكم نفوذه عبر المصارف والتجارة والمقاولات والإعلام، قبل أن يجد نفسه فجأة مرشحاً لرئاسة حكومة ربما تكون الأخطر منذ سنوات.
المفارقة أن اختياره لم يكن انتصاراً خالصاً لأي طرف. “الإطار التنسيقي”، قبِل به لأنه أقل استفزازاً من أسماء أخرى، وواشنطن دعمته لأنه ليس محسوباً بالكامل على المعسكر الإيراني، بينما رأت فيه بعض القوى فرصة لامتصاص الغضب الأميركي بعد التوترات الأخيرة المتعلقة بالفصائل والدولار والنفط.
لكن هذه “المرونة” التي جعلته مقبولاً للجميع مؤقتاً، تحولت سريعاً إلى نقطة ضعفه الكبرى.
فالولايات المتحدة، التي فتحت له أبواب الدعم السياسي، لم تُخفِ الثمن المطلوب. الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يكتفِ بإعلان تأييده، بل وضع شرطاً واضحاً: تقليص نفوذ الفصائل المسلحة وإبعادها عن الحكومة الجديدة. عملياً، كانت واشنطن تقول للزيدي، يمكنك أن تحكم، لكن بشرط أن تُعيد صياغة ميزان القوة داخل العراق، هنا تحديداً بدأ الصدام الحقيقي.
إيران، التي بنت خلال سنوات طويلة شبكة نفوذ معقدة داخل العراق، لا تنظر إلى الفصائل المسلحة بوصفها مجرد حلفاء سياسيين، على العكس باعتبارها الضمانة الأساسية لبقاء نفوذها. لذلك، فإن أي محاولة لإقصاء هذه الجماعات تعني بالنسبة الى طهران استهدافاً مباشراً لمشروعها الإقليمي.
ولهذا جاء وصول قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد أشبه بعملية تدخل سياسي عاجلة أكثر منه زيارة اعتيادية. الرسالة الإيرانية كانت واضحة: لا حكومة عراقية تُولد على مقاس واشنطن وحدها.
الفصائل والضغط الأمريكي
ما يجعل الساحة أكثر تعقيداً أن الأميركيين هذه المرة لا يبدون مستعدين للتراجع بسهولة. فواشنطن تعتبر أن الفصائل المسلحة تجاوزت الخطوط الحمراء، خصوصاً بعد الهجمات التي استهدفت المصالح الأميركية. لذلك لم يعد الهدف الأميركي مجرد “احتواء” هذه الجماعات، بل إعادة ضبط الفضاء الأمني والسياسي بالكامل. ومن هنا بدأ الحديث الخطير عن نزع السلاح.
للمرة الأولى منذ سنوات، تتحدث دوائر عراقية عن مشروع فعلي لإعادة هيكلة هيئة الحشد الشعبي وتقليص قدرات الفصائل المسلحة الثقيلة والمتوسطة. وتقول التسريبات إن لجنة تضم علي الزيدي، ورئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، وزعيم منظمة بدر هادي العامري، تعمل على إعداد “مشروع تنفيذي” يمكن تقديمه لواشنطن بوصفه خريطة طريق لضبط السلاح. لكن مجرد طرح هذه الفكرة كان كافياً لإشعال الإنذارات داخل الفصائل.
فالجماعات المسلحة تدرك أن الحديث عن نزع السلاح لا يتعلق فقط بالبندقية، لكن بالنفوذ الاقتصادي والسياسي الذي بُني حولها طوال سنوات. السلاح ليس أداة عسكرية فقط، بل ضمانة وجود ومصدر قوة داخل الدولة نفسها.
ولهذا جاءت مواقف فصائل مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء حادة وواضحة، لا تسليم للسلاح “مهما كان الثمن”.
المعضلة الكبرى أمام الزيدي أن واشنطن تريد منه خطوات سريعة وملموسة، بينما يعرف هو أن أي صدام مباشر مع الفصائل قد يدفع العراق نحو انفجار داخلي.
فالقوى المسلحة ليست مجموعات معزولة خارج النظام، إنما جزء من البرلمان، والحكومة، والاقتصاد، وحتى الإدارة المحلية. بعض هذه الفصائل يمتلك أحزاباً ومصارف وشركات واستثمارات ضخمة، بل وأذرعاً إعلامية مؤثرة.
وهنا تتجلى عقدة أخرى في قصة الزيدي، ملف المصارف والعقوبات، الرجل الذي يُطلب منه أميركياً مواجهة النفوذ الإيراني، يواجه هو نفسه شبهة الارتباط غير المباشر بشبكات مالية تقول واشنطن إنها قريبة من الفصائل.
مصرف الجنوب الإسلامي، الذي يمتلك الزيدي جزءاً من أسهمه، كان واحداً من المصارف العراقية التي حظرتها وزارة الخزانة الأميركية من التعامل بالدولار. الأميركيون يقولون إن لديهم معلومات استخباراتية عن صلات محتملة بين المصرف والأمين العام لكتائب الإمام علي شبل الزيدي.
وعلى رغم نفي إدارة المصرف هذه الاتهامات، فإن القضية تكشف حجم التشابك المعقد بين الاقتصاد والسياسة والسلاح في العراق.
فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الفصائل باعتبارها مجرد جماعات عسكرية، بل كشبكات اقتصادية ومالية عابرة للمؤسسات. ولهذا كان استهداف المصارف جزءاً من استراتيجية أوسع لخنق النفوذ الإيراني مالياً.
لكن الأزمة أن الاقتصاد العراقي نفسه بات شديد الارتباط بهذه الشبكات. حتى برنامج “السلة الغذائية” الحكومي تأثر بالحظر الأميركي على مصرف الجنوب، لأن شركة “الأويس” التابعة للزيدي كانت تدير جانباً من عمليات الاستيراد.
هنا ينكشف العراق كأنه دولة تحاول إدارة اقتصادها، فيما الدولار نفسه أصبح أداة ضغط سياسي.
المفارقة أن الأميركيين والإيرانيين يتفقون على أمر واحد، أهمية العراق. لكن كل طرف يريد عراقاً مختلفاً.
واشنطن تريد بغداد أقل ارتباطاً بطهران، وأكثر انفتاحاً على المحور الأميركي والخليجي، مع تقليص نفوذ الفصائل وإعادة هيبة الدولة المركزية.
أما إيران، فتريد عراقاً يضمن استمرار عمقها الاستراتيجي، ويحافظ على خطوط نفوذها السياسية والأمنية والاقتصادية الممتدة من بغداد إلى دمشق وبيروت.
بين هذين المشروعين، يقف علي الزيدي محاصراً.
إيران تخشى أن يتحول الرجل إلى بوابة لتقويض نفوذها، والولايات المتحدة تخشى أن ينتهي به الأمر مجرد نسخة معدلة من الحكومات السابقة التي قدّمت تعهدات إصلاحية لكنها أبقت التوازنات القديمة كما هي.
لذلك يُلاحظ أن معركة تشكيل الحكومة الحالية أخطر من مجرد خلاف على الوزارات. صحيح أن الصراع على النفط والداخلية والمالية يبدو حاداً، لكن خلف هذه الحقائب تختبئ معركة السيطرة على الدولة نفسها. وزارة النفط تعني التحكم بثروة العراق، ووزارة الداخلية تعني النفوذ الأمني، والمالية تعني التحكم بتدفق الأموال والنظام المصرفي.
لهذا لم يكن غريباً أن تتحول هذه الوزارات إلى خطوط اشتباك بين القوى السياسية والفصائل والضغوط الدولية.
حتى داخل “الإطار التنسيقي”، نفسه، تبدو الانقسامات عميقة، بعض القوى ترى ضرورة تقديم تنازلات لواشنطن لتجنب العقوبات والانهيار المالي، بينما تعتبر قوى أخرى أن التراجع أمام الأميركيين سيؤدي إلى تفكيك نفوذها بالكامل.
النائب عن كتلة بدر شاكر أبو تراب التميمي كشف بوضوح حجم هذه الخلافات عندما تحدث عن صراع محتدم على وزارات النفط والداخلية والمالية، محذراً من أن عدم تمرير الكابينة الوزارية سريعاً قد يقود إلى فشل الزيدي في تشكيل الحكومة.
وفي خضم هذا كله، يقترب عامل الوقت من التحول إلى خصم إضافي للزيدي.
المهلة الدستورية تضيق، والخلافات تتوسع، والبرلمان نفسه مهدد بفقدان النصاب مع سفر نواب لأداء الحج، بينما تتحدث تسريبات عن احتمال تأجيل جلسة منح الثقة.
لكن المشكلة الأكبر ليست في موعد الجلسة، إنما في السؤال الذي يطارد الجميع: هل يستطيع الزيدي فعلاً تشكيل حكومة قابلة للحياة؟
معادلة مستحيلة ؟
حتى الآن، يتبين أن الرجل يحاول إنتاج معادلة شبه مستحيلة، حكومة ترضي الأميركيين من دون استفزاز الإيرانيين، وتحتوي الفصائل من دون الصدام معها، وتحافظ على الدعم الدولي من دون خسارة الغطاء الشيعي الداخلي.
لكن العراق لم يعد يحتمل بسهولة هذه “التوازنات الرمادية”.
فالمنطقة كلها تعيش مرحلة إعادة تموضع كبرى، من الخليج إلى سوريا ولبنان، والعراق يقف في قلب هذا الزلزال الجيوسياسي. لذلك تبدو حكومة الزيدي، إن تشكلت، أشبه بحكومة هدنة مؤقتة أكثر من كونها حكومة استقرار طويل الأمد.
وربما لهذا السبب تحديداً يبدو العراق أقرب إلى صورة رجل يقف في منتصف جسر يتهاوى من الجهتين. خلفه إيران التي تخشى خسارة بغداد، وأمامه واشنطن التي تريد إعادة تشكيلها، وتحته دولة منهكة بالعقوبات والفساد والسلاح والتجاذبات.
وفي تقدير معهد “منتدى الخليج الدولي” الأميركي، فإن المشكلة في العراق لا تتوقف عند شخص رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، بل تتجاوز ذلك إلى طريقة عمل النظام السياسي نفسه. فالمعهد يرى أن الدولة تُدار بمنطق توازنات ثابتة بين قوى سياسية وشبكات نفوذ متداخلة، ما يجعل أي رئيس حكومة أقرب إلى إدارة الواقع القائم بدل تغييره.
ويشير المعهد الأميركي في تقرير تحت عنوان “ما لن يجلبه الزيدي للعراق“، إلى أن موقع رئاسة الوزراء في العراق لم يعد مساحة لاتخاذ قرارات كبرى، بقدر ما أصبح موقعاً لتنسيق المصالح بين أطراف متعددة داخل الدولة وخارجها. لذلك، فإن قدرة أي حكومة على معالجة ملفات مثل الفساد أو السلاح أو الاقتصاد تبقى محدودة، طالما أن أدوات القرار موزعة خارج الإطار الحكومي نفسه.
ويضيف أن الزيدي، في حال نجاحه بتشكيل الحكومة، لن يكون أمامه هامش واسع للتحرك، لأن طبيعة النظام السياسي تفرض عليه العمل ضمن حدود مرسومة مسبقاً، حيث تُحسم الملفات الكبرى عبر التفاهمات السياسية قبل وصولها إلى طاولة مجلس الوزراء.
في النهاية، لا يتضح أن الزيدي يملك رفاهية الاختيار، بل يظهر كمن يحاول النجاة داخل أخطر معادلة سياسية عرفها العراق منذ سنوات.










