يوم 15 حزيران/ يونيو الحالي، كان اليوم المقرر لوصول قافلة الصمود المغاربية لكسر الحصار على غزة إلى رفح، لكن لا يبدو أنها ستصل قط، بخاصة بعد تصدي قوات حفتر في شرق ليبيا لمسارها والاعتداء على القائمين عليها وسجن بعضهم. كان متوقعاً أن تتعرض القافلة التي انطلقت من تونس العاصمة يوم 9 حزيران بمبادرة من المجتمع المدني وبعض الناشطين المدنيين التونسيين الذين سرعان ما انضم إليهم آخرون من الجزائر وليبيا، للعرقلة من الجانب المصري على الحدود الليبية – المصرية، بسبب عدم الحصول على التأشيرات للدخول إلى التراب المصري.
لكن، ما لم يكن متوقعاً هو الوحشية التي واجهت بها السلطات الحاكمة في شرق ليبيا القافلة عند مدخل مدينة سرت الليبية، وهي تتقدم نحو بنغازي: محاصرة، قطع لشبكة الإنترنت والهاتف، قطع الطريق نحو الإمدادات الغذائية والماء والدواء، الاعتداء بالعنف الشديد على بعض القائمين على القافلة واعتقال 13 من أفرادها، الذين يبلغ عددهم حوالى 1500 شخص، إلى جانب الهرسلة، واقتحام المخيم مرات عدة ونشر الجواسيس داخله.
جاء في فيديو نشره وائل نوار، الناطق الرسمي باسم القافلة، أنه تعرض للاعتقال ثم للضرب والشتم قبل أن يُطلق سراحه بعد ساعات. بدا في الفيديو، مستلقياً بوجه شاحب ومتعب وهو يتلقى الإسعافات الأولية في المخيم ويروي بصوت منكسر هول ما تعرّض له.
صُدم المشاركون في قافلة الصمود ومن ورائهم جزء كبير من الرأي العام في الدول المغاربية الثلاث، من تعنّت السلطات في شرق ليبيا في التنكيل بهم، بخاصة وأنهم لا يمثلون أي جهة رسمية وإنما هم في غالبيتهم ناشطون من المجتمع المدني ومواطنون أرادوا من تحركهم هذا تقديم نوع من الدعم للشعب الفلسطيني في غزة، الذي يتعرض إلى إبادة يومية من آلة القمع الإسرائيلية. لكن يبدو أن حفتر هبّ لنجدة حليفه الاستراتيجي الجنرال السيسي بعدما أحرجه قرب وصول القافلة إلى الأراضي المصرية في اتجاه رفح والمواكبة الإعلامية لتقدمها في القنوات التلفزيونية الدولية ووسائل التواصل الاجتماعي.
لأيام، ومنذ بداية وصول القافلة إلى ليبيا وتقدمها نحو مصر، والجدال قائم حول ما إذا ستسمح لها السلطات المصرية بتجاوز الحدود والمرور نحو رفح. جدال بلغ أشده على وسائل التواصل الاجتماعي بين “مُدين” لتمسك مصر بفرض الحصول على التأشيرة للعبور إلى أراضيها، في ما اعتُبر محاولة لتعطيل وصول القافلة إلى هدفها الأخير، و”مُتهم” للقائمين عليها بعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة للحصول على التأشيرات قبل انطلاقها، في محاولة منهم لإحراج النظام المصري.
جدال تطوّر إلى تراشق بالاتهامات حول مفهومي “الوطنية” و”المساندة للقضية الفلسطينية”، ما دفع الطرفين إلى نشر بيانات رسمية. إذ أكّد بيان الخارجية المصرية “أهمية التزام مواطني كل الدول بالإجراءات القانونية المتبعة للدخول إلى أراضيها، بما في ذلك “التأشيرات أو التصاريح المسبقة”، لتردّ تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين القائمة على قافلة الصمود، بأن المنظمين لها قدموا طلبات للسفير المصري في تونس لتسهيل الإجراءات اللازمة لمرور القافلة عند وصولها إلى مصر، وذهبوا فعلياً لمقابلته لهذا الغرض منذ شهر أيار/ مايو الماضي، أي تقريباً نحو شهر قبل انطلاق القافلة. ووعد الأخير باستشارة السلطات المصرية من دون أن يعود إليهم بأي رد.
إقرأوا أيضاً:
الاتهام بالتواطؤ مع الإخوان المسلمين
على رغم احتدام هذا الجدل، كانت القافلة تتقدم تدريجياً في التراب الليبي من الجهة الغربية، وتحظى في كل محطة تمر منها، سواء في الزاوية أو في طرابلس أو غيرها من مدن غرب ليبيا، باستقبال وحفاوة كبيرين من المواطنين الذين قدموا لها كل أنواع المساعدة من الطعام والبنزين، ناهيك بالانضمام إليها.
لكن مع اقترابها من مدخل مدينة سرت، تم التعرض للقافلة ومحاصرتها والتنكيل بأفرادها في محاولة لثنيهم عن مواصلة التقدم في اتجاه مصر، ووصل الأمر إلى حد اتهام منظمي القافلة بالتواطؤ مع الإخوان المسلمين لضمان وصولهم من الأراضي التونسية والليبية إلى التراب المصري لتهديد أمنه.
اضطرت القافلة بعد أكثر من يومين من التخييم في العراء، في الصحراء، والتعرض لكل أنواع الهرسلة، إلى التراجع نحو مصراتة، حيث توجد تغطية لشبكة الإنترنت، وذلك للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين. كما تم إخبار أفراد القافلة بأنهن مخيرون بين أن يبقوا أو يعودوا إلى بلدانهم.
ولا تزال القافلة إلى الآن تراوح مكانها على بعد كيلومترات من سرت، تواصل التفاوض مع السلطات الليبية لإيجاد حلول تسمح بمواصلة تقدّمها.
بالتوازي، تم تنظيم وقفات مساندة لها في مدن تونسية عدة، آخرها كان البارحة الأحد 15 حزيران/ يونيو من أمام المسرح البلدي بتونس العاصمة، نظمتها مجموعة من الجمعيات للتنديد بما تتعرض له القافلة من تضييقات وصمت السلطات الرسمية للبلدان المشاركة فيها عن اتخاذ أي مواقف لدعمها.
صمت مريب للسلطات التونسيّة
في خضم هذه الأحداث كلها التي لاقت صدىً عالمياً، بخاصة مع تواتر أخبار عن اعتقال وترحيل ناشطين آخرين جاؤوا من بلدان عدة الى مصر في مبادرة لكسر الحصار على غزة، ومُنعوا من الوصول إلى رفح، كان هناك صوت غائب، تألق بغيابه، إذ لم ينبس بكلمة حول كل ما حصل منذ انطلاق قافلة الصمود إلى الآن، وهو النظام التونسي. لا تصريح رئاسي ولا بيان رسمي من وزارة الخارجية التونسية ولا حتى إشارة إلى قافلة الصمود في صفحة الرئاسة، وكأن الامر لا يعني الدولة التونسية في شيء.
موقف غريب ومستراب إلى حد ما، بخاصة وأن الرئيس قيس سعيد عُرف منذ توليه الرئاسة وحتى قبلها، بمواقفه القوية في مساندة القضية الفلسطينية ومحاربته التطبيع مع إسرائيل. وهنا نذكر أنه كان وراء مبادرة مشروع قانون يُجرم التطبيع، مُرِّر قبل سنتين الى البرلمان للتصويت، والذي شرع بالفعل في مناقشته قبل أن يغير النظام موقفه ويتم إيقاف المشروع.
فماذا حصل؟ ولماذا هذا الصمت المطبق حيال ما تتعرض له قافلة الصمود من تضييقات؟ ولماذا لا تتدخل السلطات التونسية للضغط على نظيرتيها الليبية والمصرية لتسهيل إجراءات مرور أفراد القافلة وإخراج المعتقلين التونسيين من السجون؟
كثر من المراقبين في تونس يرون أن النظام التونسي مُحرج، فمن جهة، وجد نفسه أمام مبادرة قافلة الصمود التي جاءت أساساً من المجتمع المدني ولم يكن قادراً على إيقاف خروجها، بخاصة وأنه رفع منذ البداية شعار مساندة القضية الفلسطينية، ومن جهة أخرى، لا يستطيع الضغط على النظام المصري الذي كان ولا يزال من أكبر مسانديه في حربه على الإخوان المسلمين. ليقرر أخيراً التزام الصمت، على الأقل إلى حد الآن، ولكنه يبقى صمتاً مريباً وغير مقبول.













