ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“قافلة الصمود” واستحالة عبور معتصمي الإسماعيليّة إلى العريش

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا تعود قصة القافلة مجرد فصل في سردية التضامن مع غزة، بل تتحول إلى مرآة عاكسة لواحد من أكثر الأسئلة تعقيدًا في علاقة الدولة المصرية بسيناء: كيف تُدار المناطق الحدودية حين تتحول من مساحات تفاعل إلى فضاءات خاضعة لمنطق العزل والسيطرة؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في اليوم نفسه الذي اعترضت فيه إسرائيل السفينة “مادلين” واعتقلت من فيها، انطلقت الدعوات للمشاركة في “قافلة الصمود” التي قصدت كسر الحصار عن غزة من خلال الطريق البري الذي بدأ من تونس، وكان من المفترض أن ينتهي في معبر رفح، وهذا الافتراض من خيال مؤلف سيناريو القافلة، هذا الخيال المستحيل.

بدأت الدعوات لقافلة الصمود كأنها تحاول أن تفعل ما فعلته – وما لم تفعله – السفينة مادلين، بكسر الحصار بإحراج القاهرة – وكأن الحكومة في مصر يحركها الإحراج! – وبدأت خطابات وشعارات مثل “الزحف العربي إلى غزة” و”الزحف الشعبي الهادر”. لكن الحماسة أوقفت المشاركين عن فهم طبيعة سيطرة الجيش والمخابرات الحربية المصرية على منطقة العريش وأسبابها، حتى إن كسر الحصار من خلال المياه الدولية أهون ألف مرة من أن يمر إنسان أو طير إلى داخل العريش من دون موافقة من المخابرات الحربية المصرية.

فيما كان يسألنا الصحافيون غير المصريين عن رأينا في “قافلة الصمود” وعن احتمالية نجاحها، كانت أفضل إجابة هي الصمت مع ابتسامة تشبه ابتسامة خبير سبق له الهزيمة في أن يدخل العريش، حتى ولو كنت مصريًا وتحمل بطاقة صحافية وخطابًا من مؤسسة إعلامية تطلب دخولك، لن يُسمح لك بدخول العريش، فما بالك بـ”غريب” يأتي بشعارات كسر الحصار؟!

الكذبة البيضاء في سبيل تغطية إنسانية

بعد بدء حرب الإبادة على غزة، ومنذ عام ونصف العام، تعرضت لأكبر هزيمة صحافية تشبه هزيمة “قافلة الصمود”، وأعي الآن ما يشعرون به وهم عائدون من ليبيا إلى تونس مجددًا، وبعضهم في الإسماعيلية ثائرون ويُضربون. هؤلاء جميعهم يشعرون بالصدمة، لكن صدمتي كانت أكبر، كوني مصرية، أو كما نقول لهم، بنت البلد التي مُنعت من دخول منطقة في بلادها.

قبل عام ونصف العام، طلبت نصيحة زميل صحافي يعيش في العريش عن الإجراءات التي يجب أن أتبعها كي أدخل المنطقة، ومن أي طريق؟ البري أم من خلال القنطرة وعبور قناة السويس؟ فـأكد لي أن الأمر مستحيل، إلا إذا نجحت في الالتحاق بإحدى قوافل الإغاثة التي تستطيع دخول العريش.

تواصلت مع أحد مسؤولي القوافل، وطلب مني إثبات مكان العمل وأسباب المشاركة. كنت واضحة تمامًا في الجزء الأول من المعلومات، وتحايلت في الجزء الثاني، إذ قلت إنني أعمل مع “درج” وأود الدخول لتغطية الدور المصري في الإغاثة، وأن الدولة “تقوم بالواجب” تجاه أشقائنا في غزة. في الحقيقة، كنت أود الدخول الى مستشفيات العريش وأتابع قصص الجرحى وأوثّق جريمة الحرب الواضحة على أجسادهم وفي روايتهم للإبادة.

غاب مسؤول القافلة، وبعدها أبلغني بعدم قدرته على اصطحابي لأن الصحافيين تُراجع أسماءهم “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية” التابعة للمخابرات الحربية، واسمي ليس من ضمن الأسماء التي تمت الموافقة عليها. طبعًا، لم يدخل العريش صحافي إلا ويعمل مع مؤسسة تابعة للشركة المتحدة أو تابع لجهة استطاعت التنسيق الواضح والصارم في المحتوى الإعلامي الذي ستبثّه من هناك.

عاودت التواصل مع الزميل الصحافي في العريش، وأخبرته أن باب الدخول مع قافلة أُغلق في وجهي، فقالها لي ثانية: إذن مستحيل. ومع إصراري، قال لي: “إذا مُصرة تجربي، احجزي فندقًا في العريش وتعالي من خلال القنطرة وليس من خلال الطريق البري”.

حجزت غرفة بالفعل في فندق بالعريش، وبعدها اتصل بي مسؤول الفندق وطلب مني تحويل ثمن الإقامة، لأنه لن يُبقي الغرفة بلا استخدام إذا مُنعت من دخول العريش. دفعت له ثمن الإقامة مسبقًا، وطلبت منه تزويدي بمستندات تؤكد الحجز كي أستخدمها عند وصولي الى القنطرة.

القنطرة شرق: ضباط وطوابير ودموع مُهينة

كان “الدوبامين” يدب في عروقي بطريقة تجعلني أعجز عن النوم قبل السفر، الدوبامين الذي تحوّل كليًا إلى أدرينالين عندما وصلت إلى القنطرة شرق، على الضفة الشرقية لقناة السويس في شبه جزيرة سيناء، على الحدود الشمالية لمحافظة الإسماعيلية.

على لقنطرة شرق، تنتظر طوابير من البشر المرور على التفتيش والاستجواب. بعضهم يمر بعد النظر في هويته والتأكد أنه بالفعل من سكان العريش، والبعض الآخر يأخذونه إلى ضابط المخابرات الذي يجلس رفقة ضباط آخرين على القنطرة. وفي الطابور الطويل الذي يتحرك ببطء، أقف وأسمع الحكايات. لن أنسى السيدة العجوز التي جلست تبكي بعد رفضهم مرورها لأن هويتها تظهر أنها من سكان الإسماعيلية، وليست من أهالي العريش. كانت السيدة تتوسل الدخول وتقول: “بنتي متجوزة في العريش وبتولد هناك ومحتجاني”، ورغم ذلك لم تعبر  إلى العريش.

تقدّمت في الطابور حتى أتى دوري، أظهرت هويتي وكارنيه عملي مع “درج” وحجز الفندق، وقلت إنني أرغب في دخول العريش لتغطية القوافل الإغاثية التي تقدمها مصر لأشقائنا الفلسطينيين. هنا ضحك الضابط وأخذني إلى بقية الضباط، حتى العساكر كنت بالنسبة إليهم أضحوكة. قال لي أحدهم: “أنتِ شاطرة وواثقة في نفسك أوي! فاكرة إن الدخول سهل كده؟”. أمضيت قرابة الساعة ونصف الساعة من التوتر والخوف من أن يتم اقتيادي لأي جهة للاستجواب أو أن أتعرض لإخفاء قسري، إلا أن التجاوزات لم تتعدّ السخرية واللاسلكي الذي يتصل مرارًا بأشخاص لا أعرفهم، لكن الضابط يقول إنهم مرؤوسوه في المخابرات الحربية. قال لي: “ارجعي بيتكم، ولا أقولك روحي من الطريق البري في الإسماعيلية”.

أخذت النصيحة من الضابط على محمل الجد، أو بالأحرى الجزء الثاني منها، ولم أعلم أنه فخ أكبر من الفخ الذي وقعت فيه على القنطرة شرق!

اتجهت إلى موقف الإسماعيلية، ثم وقفت أمام ميكروباص العريش، وكانت الصدمة التالية: السائق يطلب من كل شخص ينوي ركوب الميني باص أن يظهر له هويته وتصريح دخول العريش، وكأنه فرد أمن مدرّب. وكانت الفانتازيا أنني أعرض للسائق هويتي الصحافية وحجز الفندق كي يسمح لي بالصعود، صاح السائق في وجهي وقال: “وريني بطاقتك والتصريح”. 

البطاقة لا تظهر أنني من سكان العريش، وليس لدي تصريح دخول. حاولت أن أوضح له، لكنه قال إنه غير مستعد لأن يستوقفوا الميني باص ويأمروه بالعودة وسحب رخصته إذا وجدوني داخله من دون تصريح. دخل كل من يحمل تصريحًا وبطاقة من سكان العريش الباص، كانوا في غالبيتهم نساء يعملن في مستشفى العريش، ممرضات وطبيبات، ومنتقبات في معظمهن. طلبت أرقامهن وأنا أقف قبالتهن من النافذة، فقالت إحداهن: “ممنوع، يتهمونا بالإرهاب لو اتكلمنا للصحافة”، وانطلق الباص وكأنه يبصقني وراءه ببساطة.

الثقة التي أسقطتها البوابة الثانية

أتذكر الآن إصراري، وأضحك، حين قلت لنفسي: “بسيطة، آخد تاكسي مخصوص يوصلني العريش، مش مهم الباص”، وبالفعل استوقفت تاكسي في الإسماعيلية، وطلب مني أجرة باهظة، واشترط أن يحصل على أجرته سواء نجحنا في دخول العريش أم لا. وافقت وانطلقنا.

كانت الشمس قد أوشكت على الغروب، وقف التاكسي أمام البوابة الأولى، وطلب ضابط الأمن نزولي. أظهرت له هويتي وحجز الفندق وكارنيه الصحافة، قال لي: “أيوه أيوه، عارف”، وهنا فهمت أن ضابط القنطرة شرق أبلغه بقدومي. قال لي: “شكلك شاطرة ومثابرة، وهساعدك”، هنا شعرت بالانتصار وقلت لنفسي بسذاجة: “يفوز باللذة الجسور”. طلب مني الضابط أن أذهب إلى سيارة ملاكي لشابين من العريش كانت تحت التفتيش، وقال لهما: “خدوها معاكم كأنها أختكم”. هنا استغرب الشابان، لأن فتيات العريش في غالبيتهن منتقبات أو على الأقل محجبات، من هذه صاحبة الشعر الأحمر والملابس الكاجوال التي تحمل كاميرا وشنطة لابتوب؟!

بالفعل، ركبت مع الشابين بعدما دفعت للتاكسي أجرته كاملة، وضعت اللابتوب جانبي والكاميرا، وبدأت أتخيل حين أصل الى الفندق وأبدأ في التواصل مع صديقي الصحافي من العريش، لأنجز بمساعدته تقارير وقصصًا مصورة. لكن حين وصلت سيارة الشابين الى البوابة الثانية، وكانت قد قطعت مسافة طويلة من البوابة الأولى للثانية، طلب مني الضابط النزول والعودة الى الإسماعيلية. هنا أدركت أن ضابط البوابة الأولى لم يكن يساعدني، بل كان “يؤدبني”. صُدمت وقلت له: كيف أعود والضابط سمح لي بالدخول من البوابة الأولى؟! قال لي: “عارف، هو عايزك تعملي رياضة شوية”!

خرجت من السيارة، والرياح في الصحراء مفزعة، والبرد يضرب فكيّ ببعضهما. سألت الضابط إن كانت هناك مواصلات للعودة إلى الإسماعيلية، فأشار إليّ بحركة السبابة والوسطى: عودي مشيًا على الأقدام، في قلب الصحراء والظلام والبرد.

طوال فترة سيري، كنت على وشك البكاء، لكن كنت مشغولة بدفن إحساسي بالمهانة، وأقول: هل أنا “ولا حاجة”؟ هل دوافعي “ولا حاجة”؟ هل وظيفتي “ولا حاجة”؟ هل جنسيتي “ولا حاجة”؟ عدت إلى بيتي في صباح اليوم التالي، ولا أعلم متى استعاد جسدي دفئه من شدة البرد الذي واجهته، لكن ما علمته جيدًا أن بعض دوافعي وشغفي سُلب مني تلك الليلة، لأبدأ مراحل اكتئاب لم تتوقف حتى الآن.

خطاب إلى الجهة التي لا تقرأ

طلبت من “درج” خطابًا موجهًا الى المخابرات الحربية في الإسماعيلية، وعدت في اليوم التالي الى مبنى الخرساني وأسواره ضخمة، حتى الحراسة لم تكن على السور، كانت في ثكنات بالداخل ترى السور من أعلى. ضغطت على زر، وصاح الأمن من الداخل أن أذهب وأبتعد عن السور. طلبت تقديم الخطاب، قال لي: لا نستقبل خطابات اليوم. قلت له إنني قادمة من القاهرة، وإنه سُمح لي بأخذ الطلب. مررته من سنتيمتر من الباب، وطلبت رقمه أو رقم أحد الموظفين لأتابع الرد على الطلب، قال: ممنوع! وإن كان هناك رد، سيتم الاتصال بي. وحتى اليوم، لم أتلقَّ ردًا.

العريش: من مدينة إلى منطقة عبور مُراقبة

لم تكن المسافة بين القاهرة والعريش يومًا طويلة بالمعنى الجغرافي. لكنها، منذ سنوات، باتت مسافة رمزية تفصل بين مركز الحكم ومركز القلق الأمني. فالعريش، بوصفها أكبر مدن شمال سيناء، تحولت خلال العقد الأخير إلى ما يشبه “منطقة شبه مغلقة” أمام غالبية المصريين، إلا من يحمل تصريحًا خاصًا أو ينتمي الى مؤسسة رسمية بعينها. كيف حدث هذا التحول؟ وما الذي يكشفه عن طريقة التعامل مع ملف “مكافحة الإرهاب” في شمال سيناء؟

قبل أن يتولى الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في عام 2014، شهدت سيناء بالفعل موجات عدة من التوتر الأمني، بعضها يعود إلى ما بعد اتفاقية كامب ديفيد، وبعضها الآخر ارتبط بتحولات ما بعد 2011. لكن منذ منتصف العقد الماضي، اتخذ المشهد الأمني طابعًا أكثر مركزية وحساسية. أُعلن عن بدء عمليات عسكرية موسعة، وبدأت تغطية الأخبار المتعلقة بشمال سيناء تأخذ منحىً واحدًا: خطر الإرهاب، ورد الدولة عليه.

اعتمدت الدولة المصرية مقاربة شاملة تُصنَّف ضمن ما يمكن تسميته بـ”الحرب المستمرة على الإرهاب”. لا يوجد موعد محدد لانتهائها، ولا تعريف قاطع للعدو، ما يفتح المجال أمام استمرار الإجراءات الاستثنائية لفترات طويلة. في هذا السياق، أصبحت العريش أشبه بنموذج مصغر لما تعنيه الحرب المستمرة: نقاط تفتيش، موافقات أمنية، قيود على الحركة، وإعلام شبه موحد في روايته.

بمرور الوقت، لم تعد العريش فقط مدينة مصرية، بل صارت نقطة عبور مشروطة لكل من يرغب في دخولها. المراسلون الصحافيون، فرق الإغاثة، الأطباء، وحتى بعض السكان الأصليين العائدين من الخارج، جميعهم باتوا مطالبين بالحصول على تصاريح عبور من جهات أمنية محددة.

هذه الإجراءات الأمنية لم تأتِ من فراغ، بل تأسست على سردية مفادها أن “الحرب على الإرهاب” تقتضي السيطرة التامة على الدخول والخروج من المناطق الحساسة. غير أن هذه السيطرة امتدت لتشمل حتى المدنيين الذين لا تربطهم أي صلة بالنشاط الأمني أو الإعلامي.

أحد أبرز التحولات غير المعلنة في تعامل الدولة مع ملف سيناء هو تشكيل ما يمكن تسميته بـ”جغرافيا الاشتباه”. في هذه الجغرافيا، تُعامل بعض المناطق باعتبارها مرادفًا للتهديد، بغض النظر عن طبيعة سكانها أو موقعها داخل الخريطة. سيناء، والعريش تحديدًا، أصبحت جزءًا من هذا التصنيف، ما جعل التنقل إليها مرادفًا للعبور في مساحة محفوفة بالشكوك

تجربة العريش ليست مجرد قصة عن مدينة محظورة، بل نموذج أوسع عن كيفية تعامل الدول مع المناطق التي تُصنّف كمناطق “متوترة”. حين يتحوّل التوتر إلى قاعدة، والحرب إلى نمط إدارة، يصبح من الصعب العودة إلى الحالة الطبيعية.

قافلة الصمود… في مواجهة هندسة المنع

تبدو واقعة منع “قافلة الصمود” من دخول مدينة العريش في شباط/ فبراير 2024، أكثر من مجرد إجراء أمني مؤقت. إذ تعكس، في جوهرها، مسارًا متّصلًا بدأ منذ سنوات، يقوم على تحويل شمال سيناء إلى “نطاق سيادي مغلق” في وجه أي وجود مدني غير خاضع بالكامل للرقابة. وعلى الرغم من أن القافلة، التي ضمت ناشطين ومتضامنين من دول مغاربية، جاءت في سياق دعم إنساني لسكان غزة خلال إحدى موجات التصعيد، فإن طبيعة مرورها عبر مناطق خاضعة لترتيبات أمنية صارمة كانت كافية لتحول دون تحقيق مسارها.

ومن هذا المنطلق، لم يكن من المستغرب أن يُرفض السماح بمرور القافلة، لا استنادًا إلى محتواها الإنساني أو خلفيات أعضائها، بل لانخراطها في جغرافيا باتت تُدار بمنطق المراقبة المُحكمة.

رفض السماح بدخول قافلة الصمود لا يمكن عزله عن سجلّ طويل من السياسات التي تعاملت مع العريش بوصفها منطقة “حساسة مركزيًا”، وليست مجرد مدينة تمر عبرها وسائل دعم أو تغطية إعلامية. فقد رُسِّخ نمط تدريجي من “المنع الاستباقي” لأي وجود مدني عابر، بخاصة إن حمل طابعًا تضامنيًا أو إعلاميًا قد يُسفر عن سرديات موازية للسردية الرسمية.

جوهر المفارقة هنا لا يكمن في منع القافلة ذاته، بل في اتساقه شبه التام مع نهج أوسع من القرارات التي تجعل من التحرك داخل سيناء، خصوصًا العريش، خاضعًا لسلسلة حسابات أمنية متشابكة، لا تُعلن بالضرورة لكنها تُمارس بدقة. هذا النمط من الإدارة يجعل من أي استثناء أو عبور غير منسق أمرًا مرفوضًا من حيث المبدأ، ويكشف في الوقت ذاته عن هشاشة التوازن بين واجبات الدولة في صيانة الأمن، وحقوق الأفراد والمبادرات المدنية في الوصول والتفاعل.

وبذلك، لا تعود قصة القافلة مجرد فصل في سردية التضامن مع غزة، بل تتحول إلى مرآة عاكسة لواحد من أكثر الأسئلة تعقيدًا في علاقة الدولة المصرية بسيناء: كيف تُدار المناطق الحدودية حين تتحول من مساحات تفاعل إلى فضاءات خاضعة لمنطق العزل والسيطرة؟

17.06.2025
زمن القراءة: 9 minutes

لا تعود قصة القافلة مجرد فصل في سردية التضامن مع غزة، بل تتحول إلى مرآة عاكسة لواحد من أكثر الأسئلة تعقيدًا في علاقة الدولة المصرية بسيناء: كيف تُدار المناطق الحدودية حين تتحول من مساحات تفاعل إلى فضاءات خاضعة لمنطق العزل والسيطرة؟

في اليوم نفسه الذي اعترضت فيه إسرائيل السفينة “مادلين” واعتقلت من فيها، انطلقت الدعوات للمشاركة في “قافلة الصمود” التي قصدت كسر الحصار عن غزة من خلال الطريق البري الذي بدأ من تونس، وكان من المفترض أن ينتهي في معبر رفح، وهذا الافتراض من خيال مؤلف سيناريو القافلة، هذا الخيال المستحيل.

بدأت الدعوات لقافلة الصمود كأنها تحاول أن تفعل ما فعلته – وما لم تفعله – السفينة مادلين، بكسر الحصار بإحراج القاهرة – وكأن الحكومة في مصر يحركها الإحراج! – وبدأت خطابات وشعارات مثل “الزحف العربي إلى غزة” و”الزحف الشعبي الهادر”. لكن الحماسة أوقفت المشاركين عن فهم طبيعة سيطرة الجيش والمخابرات الحربية المصرية على منطقة العريش وأسبابها، حتى إن كسر الحصار من خلال المياه الدولية أهون ألف مرة من أن يمر إنسان أو طير إلى داخل العريش من دون موافقة من المخابرات الحربية المصرية.

فيما كان يسألنا الصحافيون غير المصريين عن رأينا في “قافلة الصمود” وعن احتمالية نجاحها، كانت أفضل إجابة هي الصمت مع ابتسامة تشبه ابتسامة خبير سبق له الهزيمة في أن يدخل العريش، حتى ولو كنت مصريًا وتحمل بطاقة صحافية وخطابًا من مؤسسة إعلامية تطلب دخولك، لن يُسمح لك بدخول العريش، فما بالك بـ”غريب” يأتي بشعارات كسر الحصار؟!

الكذبة البيضاء في سبيل تغطية إنسانية

بعد بدء حرب الإبادة على غزة، ومنذ عام ونصف العام، تعرضت لأكبر هزيمة صحافية تشبه هزيمة “قافلة الصمود”، وأعي الآن ما يشعرون به وهم عائدون من ليبيا إلى تونس مجددًا، وبعضهم في الإسماعيلية ثائرون ويُضربون. هؤلاء جميعهم يشعرون بالصدمة، لكن صدمتي كانت أكبر، كوني مصرية، أو كما نقول لهم، بنت البلد التي مُنعت من دخول منطقة في بلادها.

قبل عام ونصف العام، طلبت نصيحة زميل صحافي يعيش في العريش عن الإجراءات التي يجب أن أتبعها كي أدخل المنطقة، ومن أي طريق؟ البري أم من خلال القنطرة وعبور قناة السويس؟ فـأكد لي أن الأمر مستحيل، إلا إذا نجحت في الالتحاق بإحدى قوافل الإغاثة التي تستطيع دخول العريش.

تواصلت مع أحد مسؤولي القوافل، وطلب مني إثبات مكان العمل وأسباب المشاركة. كنت واضحة تمامًا في الجزء الأول من المعلومات، وتحايلت في الجزء الثاني، إذ قلت إنني أعمل مع “درج” وأود الدخول لتغطية الدور المصري في الإغاثة، وأن الدولة “تقوم بالواجب” تجاه أشقائنا في غزة. في الحقيقة، كنت أود الدخول الى مستشفيات العريش وأتابع قصص الجرحى وأوثّق جريمة الحرب الواضحة على أجسادهم وفي روايتهم للإبادة.

غاب مسؤول القافلة، وبعدها أبلغني بعدم قدرته على اصطحابي لأن الصحافيين تُراجع أسماءهم “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية” التابعة للمخابرات الحربية، واسمي ليس من ضمن الأسماء التي تمت الموافقة عليها. طبعًا، لم يدخل العريش صحافي إلا ويعمل مع مؤسسة تابعة للشركة المتحدة أو تابع لجهة استطاعت التنسيق الواضح والصارم في المحتوى الإعلامي الذي ستبثّه من هناك.

عاودت التواصل مع الزميل الصحافي في العريش، وأخبرته أن باب الدخول مع قافلة أُغلق في وجهي، فقالها لي ثانية: إذن مستحيل. ومع إصراري، قال لي: “إذا مُصرة تجربي، احجزي فندقًا في العريش وتعالي من خلال القنطرة وليس من خلال الطريق البري”.

حجزت غرفة بالفعل في فندق بالعريش، وبعدها اتصل بي مسؤول الفندق وطلب مني تحويل ثمن الإقامة، لأنه لن يُبقي الغرفة بلا استخدام إذا مُنعت من دخول العريش. دفعت له ثمن الإقامة مسبقًا، وطلبت منه تزويدي بمستندات تؤكد الحجز كي أستخدمها عند وصولي الى القنطرة.

القنطرة شرق: ضباط وطوابير ودموع مُهينة

كان “الدوبامين” يدب في عروقي بطريقة تجعلني أعجز عن النوم قبل السفر، الدوبامين الذي تحوّل كليًا إلى أدرينالين عندما وصلت إلى القنطرة شرق، على الضفة الشرقية لقناة السويس في شبه جزيرة سيناء، على الحدود الشمالية لمحافظة الإسماعيلية.

على لقنطرة شرق، تنتظر طوابير من البشر المرور على التفتيش والاستجواب. بعضهم يمر بعد النظر في هويته والتأكد أنه بالفعل من سكان العريش، والبعض الآخر يأخذونه إلى ضابط المخابرات الذي يجلس رفقة ضباط آخرين على القنطرة. وفي الطابور الطويل الذي يتحرك ببطء، أقف وأسمع الحكايات. لن أنسى السيدة العجوز التي جلست تبكي بعد رفضهم مرورها لأن هويتها تظهر أنها من سكان الإسماعيلية، وليست من أهالي العريش. كانت السيدة تتوسل الدخول وتقول: “بنتي متجوزة في العريش وبتولد هناك ومحتجاني”، ورغم ذلك لم تعبر  إلى العريش.

تقدّمت في الطابور حتى أتى دوري، أظهرت هويتي وكارنيه عملي مع “درج” وحجز الفندق، وقلت إنني أرغب في دخول العريش لتغطية القوافل الإغاثية التي تقدمها مصر لأشقائنا الفلسطينيين. هنا ضحك الضابط وأخذني إلى بقية الضباط، حتى العساكر كنت بالنسبة إليهم أضحوكة. قال لي أحدهم: “أنتِ شاطرة وواثقة في نفسك أوي! فاكرة إن الدخول سهل كده؟”. أمضيت قرابة الساعة ونصف الساعة من التوتر والخوف من أن يتم اقتيادي لأي جهة للاستجواب أو أن أتعرض لإخفاء قسري، إلا أن التجاوزات لم تتعدّ السخرية واللاسلكي الذي يتصل مرارًا بأشخاص لا أعرفهم، لكن الضابط يقول إنهم مرؤوسوه في المخابرات الحربية. قال لي: “ارجعي بيتكم، ولا أقولك روحي من الطريق البري في الإسماعيلية”.

أخذت النصيحة من الضابط على محمل الجد، أو بالأحرى الجزء الثاني منها، ولم أعلم أنه فخ أكبر من الفخ الذي وقعت فيه على القنطرة شرق!

اتجهت إلى موقف الإسماعيلية، ثم وقفت أمام ميكروباص العريش، وكانت الصدمة التالية: السائق يطلب من كل شخص ينوي ركوب الميني باص أن يظهر له هويته وتصريح دخول العريش، وكأنه فرد أمن مدرّب. وكانت الفانتازيا أنني أعرض للسائق هويتي الصحافية وحجز الفندق كي يسمح لي بالصعود، صاح السائق في وجهي وقال: “وريني بطاقتك والتصريح”. 

البطاقة لا تظهر أنني من سكان العريش، وليس لدي تصريح دخول. حاولت أن أوضح له، لكنه قال إنه غير مستعد لأن يستوقفوا الميني باص ويأمروه بالعودة وسحب رخصته إذا وجدوني داخله من دون تصريح. دخل كل من يحمل تصريحًا وبطاقة من سكان العريش الباص، كانوا في غالبيتهم نساء يعملن في مستشفى العريش، ممرضات وطبيبات، ومنتقبات في معظمهن. طلبت أرقامهن وأنا أقف قبالتهن من النافذة، فقالت إحداهن: “ممنوع، يتهمونا بالإرهاب لو اتكلمنا للصحافة”، وانطلق الباص وكأنه يبصقني وراءه ببساطة.

الثقة التي أسقطتها البوابة الثانية

أتذكر الآن إصراري، وأضحك، حين قلت لنفسي: “بسيطة، آخد تاكسي مخصوص يوصلني العريش، مش مهم الباص”، وبالفعل استوقفت تاكسي في الإسماعيلية، وطلب مني أجرة باهظة، واشترط أن يحصل على أجرته سواء نجحنا في دخول العريش أم لا. وافقت وانطلقنا.

كانت الشمس قد أوشكت على الغروب، وقف التاكسي أمام البوابة الأولى، وطلب ضابط الأمن نزولي. أظهرت له هويتي وحجز الفندق وكارنيه الصحافة، قال لي: “أيوه أيوه، عارف”، وهنا فهمت أن ضابط القنطرة شرق أبلغه بقدومي. قال لي: “شكلك شاطرة ومثابرة، وهساعدك”، هنا شعرت بالانتصار وقلت لنفسي بسذاجة: “يفوز باللذة الجسور”. طلب مني الضابط أن أذهب إلى سيارة ملاكي لشابين من العريش كانت تحت التفتيش، وقال لهما: “خدوها معاكم كأنها أختكم”. هنا استغرب الشابان، لأن فتيات العريش في غالبيتهن منتقبات أو على الأقل محجبات، من هذه صاحبة الشعر الأحمر والملابس الكاجوال التي تحمل كاميرا وشنطة لابتوب؟!

بالفعل، ركبت مع الشابين بعدما دفعت للتاكسي أجرته كاملة، وضعت اللابتوب جانبي والكاميرا، وبدأت أتخيل حين أصل الى الفندق وأبدأ في التواصل مع صديقي الصحافي من العريش، لأنجز بمساعدته تقارير وقصصًا مصورة. لكن حين وصلت سيارة الشابين الى البوابة الثانية، وكانت قد قطعت مسافة طويلة من البوابة الأولى للثانية، طلب مني الضابط النزول والعودة الى الإسماعيلية. هنا أدركت أن ضابط البوابة الأولى لم يكن يساعدني، بل كان “يؤدبني”. صُدمت وقلت له: كيف أعود والضابط سمح لي بالدخول من البوابة الأولى؟! قال لي: “عارف، هو عايزك تعملي رياضة شوية”!

خرجت من السيارة، والرياح في الصحراء مفزعة، والبرد يضرب فكيّ ببعضهما. سألت الضابط إن كانت هناك مواصلات للعودة إلى الإسماعيلية، فأشار إليّ بحركة السبابة والوسطى: عودي مشيًا على الأقدام، في قلب الصحراء والظلام والبرد.

طوال فترة سيري، كنت على وشك البكاء، لكن كنت مشغولة بدفن إحساسي بالمهانة، وأقول: هل أنا “ولا حاجة”؟ هل دوافعي “ولا حاجة”؟ هل وظيفتي “ولا حاجة”؟ هل جنسيتي “ولا حاجة”؟ عدت إلى بيتي في صباح اليوم التالي، ولا أعلم متى استعاد جسدي دفئه من شدة البرد الذي واجهته، لكن ما علمته جيدًا أن بعض دوافعي وشغفي سُلب مني تلك الليلة، لأبدأ مراحل اكتئاب لم تتوقف حتى الآن.

خطاب إلى الجهة التي لا تقرأ

طلبت من “درج” خطابًا موجهًا الى المخابرات الحربية في الإسماعيلية، وعدت في اليوم التالي الى مبنى الخرساني وأسواره ضخمة، حتى الحراسة لم تكن على السور، كانت في ثكنات بالداخل ترى السور من أعلى. ضغطت على زر، وصاح الأمن من الداخل أن أذهب وأبتعد عن السور. طلبت تقديم الخطاب، قال لي: لا نستقبل خطابات اليوم. قلت له إنني قادمة من القاهرة، وإنه سُمح لي بأخذ الطلب. مررته من سنتيمتر من الباب، وطلبت رقمه أو رقم أحد الموظفين لأتابع الرد على الطلب، قال: ممنوع! وإن كان هناك رد، سيتم الاتصال بي. وحتى اليوم، لم أتلقَّ ردًا.

العريش: من مدينة إلى منطقة عبور مُراقبة

لم تكن المسافة بين القاهرة والعريش يومًا طويلة بالمعنى الجغرافي. لكنها، منذ سنوات، باتت مسافة رمزية تفصل بين مركز الحكم ومركز القلق الأمني. فالعريش، بوصفها أكبر مدن شمال سيناء، تحولت خلال العقد الأخير إلى ما يشبه “منطقة شبه مغلقة” أمام غالبية المصريين، إلا من يحمل تصريحًا خاصًا أو ينتمي الى مؤسسة رسمية بعينها. كيف حدث هذا التحول؟ وما الذي يكشفه عن طريقة التعامل مع ملف “مكافحة الإرهاب” في شمال سيناء؟

قبل أن يتولى الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في عام 2014، شهدت سيناء بالفعل موجات عدة من التوتر الأمني، بعضها يعود إلى ما بعد اتفاقية كامب ديفيد، وبعضها الآخر ارتبط بتحولات ما بعد 2011. لكن منذ منتصف العقد الماضي، اتخذ المشهد الأمني طابعًا أكثر مركزية وحساسية. أُعلن عن بدء عمليات عسكرية موسعة، وبدأت تغطية الأخبار المتعلقة بشمال سيناء تأخذ منحىً واحدًا: خطر الإرهاب، ورد الدولة عليه.

اعتمدت الدولة المصرية مقاربة شاملة تُصنَّف ضمن ما يمكن تسميته بـ”الحرب المستمرة على الإرهاب”. لا يوجد موعد محدد لانتهائها، ولا تعريف قاطع للعدو، ما يفتح المجال أمام استمرار الإجراءات الاستثنائية لفترات طويلة. في هذا السياق، أصبحت العريش أشبه بنموذج مصغر لما تعنيه الحرب المستمرة: نقاط تفتيش، موافقات أمنية، قيود على الحركة، وإعلام شبه موحد في روايته.

بمرور الوقت، لم تعد العريش فقط مدينة مصرية، بل صارت نقطة عبور مشروطة لكل من يرغب في دخولها. المراسلون الصحافيون، فرق الإغاثة، الأطباء، وحتى بعض السكان الأصليين العائدين من الخارج، جميعهم باتوا مطالبين بالحصول على تصاريح عبور من جهات أمنية محددة.

هذه الإجراءات الأمنية لم تأتِ من فراغ، بل تأسست على سردية مفادها أن “الحرب على الإرهاب” تقتضي السيطرة التامة على الدخول والخروج من المناطق الحساسة. غير أن هذه السيطرة امتدت لتشمل حتى المدنيين الذين لا تربطهم أي صلة بالنشاط الأمني أو الإعلامي.

أحد أبرز التحولات غير المعلنة في تعامل الدولة مع ملف سيناء هو تشكيل ما يمكن تسميته بـ”جغرافيا الاشتباه”. في هذه الجغرافيا، تُعامل بعض المناطق باعتبارها مرادفًا للتهديد، بغض النظر عن طبيعة سكانها أو موقعها داخل الخريطة. سيناء، والعريش تحديدًا، أصبحت جزءًا من هذا التصنيف، ما جعل التنقل إليها مرادفًا للعبور في مساحة محفوفة بالشكوك

تجربة العريش ليست مجرد قصة عن مدينة محظورة، بل نموذج أوسع عن كيفية تعامل الدول مع المناطق التي تُصنّف كمناطق “متوترة”. حين يتحوّل التوتر إلى قاعدة، والحرب إلى نمط إدارة، يصبح من الصعب العودة إلى الحالة الطبيعية.

قافلة الصمود… في مواجهة هندسة المنع

تبدو واقعة منع “قافلة الصمود” من دخول مدينة العريش في شباط/ فبراير 2024، أكثر من مجرد إجراء أمني مؤقت. إذ تعكس، في جوهرها، مسارًا متّصلًا بدأ منذ سنوات، يقوم على تحويل شمال سيناء إلى “نطاق سيادي مغلق” في وجه أي وجود مدني غير خاضع بالكامل للرقابة. وعلى الرغم من أن القافلة، التي ضمت ناشطين ومتضامنين من دول مغاربية، جاءت في سياق دعم إنساني لسكان غزة خلال إحدى موجات التصعيد، فإن طبيعة مرورها عبر مناطق خاضعة لترتيبات أمنية صارمة كانت كافية لتحول دون تحقيق مسارها.

ومن هذا المنطلق، لم يكن من المستغرب أن يُرفض السماح بمرور القافلة، لا استنادًا إلى محتواها الإنساني أو خلفيات أعضائها، بل لانخراطها في جغرافيا باتت تُدار بمنطق المراقبة المُحكمة.

رفض السماح بدخول قافلة الصمود لا يمكن عزله عن سجلّ طويل من السياسات التي تعاملت مع العريش بوصفها منطقة “حساسة مركزيًا”، وليست مجرد مدينة تمر عبرها وسائل دعم أو تغطية إعلامية. فقد رُسِّخ نمط تدريجي من “المنع الاستباقي” لأي وجود مدني عابر، بخاصة إن حمل طابعًا تضامنيًا أو إعلاميًا قد يُسفر عن سرديات موازية للسردية الرسمية.

جوهر المفارقة هنا لا يكمن في منع القافلة ذاته، بل في اتساقه شبه التام مع نهج أوسع من القرارات التي تجعل من التحرك داخل سيناء، خصوصًا العريش، خاضعًا لسلسلة حسابات أمنية متشابكة، لا تُعلن بالضرورة لكنها تُمارس بدقة. هذا النمط من الإدارة يجعل من أي استثناء أو عبور غير منسق أمرًا مرفوضًا من حيث المبدأ، ويكشف في الوقت ذاته عن هشاشة التوازن بين واجبات الدولة في صيانة الأمن، وحقوق الأفراد والمبادرات المدنية في الوصول والتفاعل.

وبذلك، لا تعود قصة القافلة مجرد فصل في سردية التضامن مع غزة، بل تتحول إلى مرآة عاكسة لواحد من أكثر الأسئلة تعقيدًا في علاقة الدولة المصرية بسيناء: كيف تُدار المناطق الحدودية حين تتحول من مساحات تفاعل إلى فضاءات خاضعة لمنطق العزل والسيطرة؟

17.06.2025
زمن القراءة: 9 minutes
|
آخر القصص
مناورات وزارة العدل السوريّة: نظام الأسد ليس فرداً واحداً فقط!
ياسر شالتي- محقّق مختصّ بجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية | 27.02.2026
مسخ نائم في بادية الشام… فمن يحاول إيقاظه؟
حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 27.02.2026
كيف تحوّل حفظ القمح إلى جنازات يوميّة في مصر؟
إيمان عادل- صحافية مصرية | 26.02.2026

اشترك بنشرتنا البريدية