ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

قانون التعليم الجديد في مصر: نحو مجانية متخيّلة ومآزق بلا حلول!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

المقارنة بين القوانين التعليمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم سابقًا وبين ما يحدث الآن، تكشف غموضًا مريبًا.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يكشف قانون التعليم الذي اعتُمد في مصر في 8 تموز/ يوليو الماضي، عن الطريقة التي تفكر بها السلطة في القضايا المتعلقة بالفقراء بشكل عام، وفي التعليم بشكل خاص. إذ من الواضح أن القوانين إما تُسنّ لسحق الفقراء، أو لضبط أخلاقهم كما في حالة عودة الكتاتيب، وربما يتقاطع نظام البكالوريا مع عودة الكتاتيب في مفهوم الدولة عن شكل الدين أو عن كيفية حضوره.
ولفهم هذه التشريعات، علينا العودة قليلًا إلى الوراء لنتبيّن كيف يتقاطع التعليم مع الاقتصاد، وآثار هذه التقاطعات على الأفراد من مختلف الطبقات، فضلًا عن آثارها التي تؤدي إلى الهروب من التعليم بشكل عام.

جامعات حكوميّة بنكهة جامعات خاصة

بين عامَي 2002 و2008، أُنشئت ثلاث جامعات أهلية، وبين سنتَي 1996 و2013 كان عدد الجامعات الخاصة 20 جامعة فقط. أما من 2018 حتى نهاية العام الماضي، فقد وصل عدد الجامعات الخاصة إلى 30 جامعة، بالإضافة إلى ارتفاع عدد الجامعات الأهلية التي تشرف عليها الدولة بشراكة مع جهات استثمارية. هذه الجامعات كان الهدف المعلن من إنشائها هو تطوير التعليم، وكان من المفترض أن تُوجَّه مصروفاتها لتحقيق هذا الهدف.

لكن التطوير لم يحدث، إذ أصبحت هذه الجامعات تستعير أساتذة من الجامعات الحكومية للتدريس، أي أنها تحولت إلى عبء إضافي، ومع ذلك ازداد عددها من ثلاث جامعات في بداية عام 2020 إلى 17 جامعة في عام 2022، أي أن عدد الجامعات الأهلية بلغ عشرين جامعة، منها 17 أنشئت في عهد الحكومة الحالية.

قد يكون ذلك غير مقصود، بمعنى أن الإنشاء تم فقط لاستيعاب الزيادة السكانية، أو لتوفير خدمة تعليمية غير مجانية لا علاقة لها بالفقراء. غير أن هذه الجامعات، التي أُنشئت بهذا الشكل، تسببت بشكل أو بآخر في زيادة المصروفات في الجامعات الحكومية، سواء تلك التي طُبّق عليها نظام الساعات المعتمدة الذي بدأ في عام 2011 في بعض التخصصات، أو حتى غير المطبقة لهذا النظام.فالمصاريف الجامعية التي كانت تتراوح قيمتها ما بين 100 و200 جنيه في بداية الألفية، أصبحت اليوم تصل إلى 1500 جنيه وتتجاوزها أحيانًا. أما نظام الساعات المعتمدة الذي بدأ بثلاثة آلاف جنيه كحد أقصى، فقد تجاوز الآن الأربعين ألف جنيه في الجامعات الحكومية، بل إن بعض التخصصات تصل مصروفاتها إلى سبعين ألف جنيه.

وليس هذا التضارب عبثًا، بل يقوم على فرضية أن هذا التعليم أفضل من ذاك، على  رغم أن المناهج واحدة، والفارق الوحيد قد يكون في لغة الدراسة – الإنكليزية بدلًا من العربية – في بعض التخصصات، أو في ظروف التدريس من حيث التهوية والإمكانات في تخصصات أخرى.

لكن هل تكمن المشكلة هنا فقط؟ وهل نظام البكالوريا الذي شرعته الحكومة سيؤدي إلى مزيد من المشكلات أم أنه حلّ مرتجى؟

البكالوريا والقانون الجديد: مأزق جديد أم حلّ؟

رغبة وزير التربية والتعليم الحالي في إضافة نظام جديد مثل “البكالوريا” أو إعادته إلى الساحة مرة أخرى، تتقاطع مع رغبة الدولة في خصخصة التعليم أو محو مجانيته تمامًا. وقد يكون ذلك امتدادًا للوتيرة السريعة في إنشاء الجامعات الأهلية التي يُفترض أنها حكومية.

ينص النظام الجديد على التالي: “يتكون النظام من مرحلتين: المرحلة التمهيدية وتشمل الصف الأول الثانوي، والمرحلة الرئيسية التي تضم الصفين الثاني والثالث الثانوي. يعتمد النظام الجديد على دمج المواد العلمية والأدبية والفنية، حيث يدرس الطالب 14 مادة موزعة بواقع سبع مواد في الصف الأول الثانوي، وسبع مواد خلال الصفين الثاني والثالث الثانوي، يتم توزيعها على مدار عامين على الأقل. كما يمنح النظام فرصتين للامتحان سنويًا، إحداهما مجانية والأخرى بمقابل مادي قدره 500 جنيه للمادة الواحدة. ويتيح النظام الجديد للطلاب الدراسة في المرحلة الرئيسية لمدة أقصاها أربع سنوات، بخلاف الصف الأول الثانوي”.

لا تكمن المشكلة فقط في المبالغ التي سيتحملها أولياء الأمور والطلاب في حال الرسوب، بل في عوار القانون ذاته، إذ لا يُطبّق إلا على المدارس التابعة للمنهج المصري، أي الحكومية والخاصة العادية، التي تضم النسبة الأكبر من المصريين المنتمين إلى الطبقتين المتوسطة والفقيرة.

ووفقًا لما قاله الدكتور محمد عبد اللطيف خلال اجتماع مجلس الوزراء: “تستند فلسفة النظام إلى تنمية مهارات التفكير النقدي والتحليلي، بدلاً من الاعتماد على الحفظ والتلقين، ضمن إطار تعليمي شامل يشمل التقييم المستمر. ومن المقرر أن يُطبَّق النظام على المدارس الرسمية، والرسمية للغات، والمدارس الخاصة التي تتبع المنهج المصري، بينما يُستثنى منه طلاب المدارس التي تمنح شهادات غير مصرية، كمدارس النيل والمدارس الدولية”.

تبلغ رسوم إعادة امتحان المادة الواحدة 500 جنيه، أي ما يعادل 3500 جنيه لإعادة المواد السبع. وبالنظر إلى وجود نحو 750 ألف طالب سنويًا في الصف الثالث الثانوي، فإن إعادة نصف هؤلاء الطلاب للامتحانات قد تدر على وزارة التربية والتعليم أكثر من 1.3 مليار جنيه، بينما تعادل إعادة 25 في المئة من الطلاب نحو 656 مليون جنيه. وهذا ما أثار نقاشًا واسعًا بشأن الأعباء المالية التي قد يتحملها أولياء الأمور.

وتعكس شهادة إحدى الأمهات هذه المعضلة بوضوح، إذ تقول سحر، وهي بائعة خضار من الجيزة: “ابني بيشتغل معايا بعد المدرسة عشان نقدر نحوش فلوس عشان يتعلم هو وإخواته، وأوقات مش بيروح المدرسة عشان يساعدني، وفي النهاية إحنا بنحصل 3000 جنيه في الشهر، إزاي هدفع له في المادة الواحدة 500 جنيه؟”.

ولا يمكن فصل ذلك عن الحد الأدنى للأجور الذي ارتفع بداية من الشهر الماضي من 6000 إلى 7000 جنيه مصري، أي إن الطالب إذا أعاد سبع مواد، فسيستهلك وحده نصف الدخل الشهري للأسرة من الحد الأدنى للأجور، إذا كان أحد الأبوين هو المعيل الوحيد للأسرة. وهذا سيؤدي بالضرورة إلى تفاقم ظاهرتي تسرّب الطلاب من المدارس وتحولهم إلى أطفال عاملين بسبب الظروف الاقتصادية الطاحنة.

هل ينقذ القانون الجديد التعليم أم يزيد أزماته؟

المقارنة بين القوانين التعليمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم سابقًا وبين ما يحدث الآن، تكشف غموضًا مريبًا.

يقول الدكتور كمال مغيث، الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، في حديثه لموقع “درج”: “لا أحد يعرف كيف تُصاغ القوانين الجديدة الخاصة بالتعليم. ففي الماضي، أي قبل وجود الحكومة الحالية، كان يتم الاجتماع بالمتخصصين في مجال التعليم والاستماع إلى توصياتهم التي تتعلق بالمشكلات القائمة في التعليم ككل، بينما الآن لا أحد يفعل ذلك، وهذا ما ترتب عليه صدور القانون الجديد بهذه الصيغة”.ولا يخفى على أحد الأزمة الحادة التي تعاني منها وزارة التربية والتعليم، سواء من حيث نقص المعلمين أو عدم مجاراتهم الأنظمة الإلكترونية الحديثة واعتمادهم على أساليب تقليدية في التدريس داخل الفصول.

يضيف مغيث: “هذا القانون سيضيف مشكلات جديدة مثل زيادة الأنظمة التعليمية المزدوجة، وهو لا يعالج أزمة نقص المعلمين ولا يهتم بترشيد تعدد الأنظمة، بل يضيف نظامًا جديدًا لا يستطيع أحد تحمّل مصاريفه. وللعلم، هذا النظام ليس هو البكالوريا القديمة، بل يختلف عنها كليًا، ويميل إلى نظام البكالوريا العالمي الذي يتطلب من الطالب القيام بأنشطة اجتماعية لن تتوافر بسهولة في مصر، ولا أحد يستطيع تحمّل كلفتها المادية. أي أن التعليم نفسه تحوّل إلى عبء على الطالب، وعلى الأسرة التي تريد تعليم أبنائها عليها أن تدفع كل ما تملك في سبيل ذلك”.

يرى مغيث أن الأزمة تمتد إلى رواتب المعلمين، فالمعلم يبدأ حياته براتب قدره 3000 جنيه، وبعد أربعين عامًا ينهيها بـ 7000 جنيه مصري، أي يبدأ بما يقارب الـ50 دولارًا وينهيها بما يقارب الـ150 دولارًا.

يقول مغيث: “هذا يعطيك لمحة عن أزمة حقيقية، وهي أن رواتب المعلمين في مصر ربما تكون من أقل الرواتب في العالم. ولا يمكن نسيان مسألة التابلت التي اقترحها الوزير السابق طارق شوقي لحل أزمة التعليم، لكنها لم تؤتِ ثمارها، بل زادت الطين بلة، وكانت محاولة فاشلة كلّفت خزينة الدولة مليارات الجنيهات، بزعم أنها ستحل أزمة نقص المعلمين، لكنها لم تفعل ذلك”.

التعليم بين الدستور والواقع

يفتح تشريع البكالوريا مجالًا للتساؤل حول علاقة التعليم بالدخل القومي، أو بمعنى أكثر دقة حول تقاطعات الاقتصاد القومي مع التعليم.

وعن هذه التقاطعات، يصرّح لـ”درج” الباحث الاقتصادي ونائب رئيس حزب التحالف الاشتراكي إلهامي الميرغني، قائلًا: “قرار البكالوريا لا يمكن التعامل معه بمعزل عن كل ما يحدث في قطاع التعليم، الذي يعاني من عجزٍ يبلغ 650 ألف معلم و250 ألف فصل دراسي. فبعدما كان الإنفاق على التعليم 3.4 في المئة من الناتج القومي في عام 2010/2011، تراجع إلى 1.5 في المئة فقط في موازنة 2025/2026، على رغم أن دستور 2014 نص على تخصيص 7 في المئة من الدخل القومي للتعليم، أي ما يعادل 1429 مليار جنيه، بينما المخصّص فعليًا في الموازنة لم يتجاوز الـ315 مليار جنيه”.

في هذه التقاطعات، لا يمكن تجاهل ما يُسمّى بـ “الاستثمار التعليمي” الذي تقوم به الشركات الخاصة في إدارة التعليم المصري، إذ تصنع شكل النظام التعليمي وحدوده وأبعاده، وتحدد من يلتحق به، فتحوّله ليكون ملكًا للطبقة العليا فقط. وحتى إن لم يظهر ذلك بوضوح الآن، فإنه على المدى القريب سيغدو أكثر وضوحًا.

ولا يمكن فصل هذا أيضًا عن طريقة السلطة في التعامل مع الأخلاق والدين، فمنذ عام 2020 تتعامل الدولة بقمعٍ مع فتيات الـ”تيك توك” وتزجّ بهن في السجون بتهمة “خدش الحياء” وعدم مراعاة الأخلاق والدين.

في هذا السياق، يضيف الميرغني: “إلى جانب انسحاب الدولة من مسؤولياتها وفتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار والربح، توجد حاليًا خمس شركات كبرى مقيدة في البورصة المصرية تعمل في مجال التعليم. لذلك لا يجب النظر إلى موضوع البكالوريا بمعزل عن باقي ما يحدث في قطاع التعليم، من فرض مادة الدين الإسلامي كمادة أساسية – بما يخلّ بقيم المواطنة المتساوية – إلى عودة الكتاتيب، وإنشاء حضانات في المساجد”.

يختم الميرغني بقوله: “إذاً، نحن أمام منظومة متكاملة لتخريب التعليم وتسليعه، وتحويله من حقّ إلى سلعة تُباع لمن يملك ثمنها. فالبكالوريا ليست سوى محطة على طريق طويل لتسليع التعليم وانسحاب الدولة، وإطلاق يد القطاع الخاص. إنها علامة على انتهاء عصر التعليم المجاني وتدشين مرحلة جديدة يكون فيها التعليم سلعة”.

المناهج بين الأجيال: عبء جديد على الأسر

يعكس ما قاله كمال مغيث والميرغني فكرة المناهج التي تُرحَّل من المراحل الأكبر إلى المراحل الأصغر، أي أن المناهج التي كان يدرسها الآباء في الثانوية العامة أصبحت تُدرَّس الآن للطلاب في مراحل التكوين، أي في المرحلة الابتدائية.

فمادة الرياضيات، مثلًا، تحوّلت إلى كابوس لأولياء الأمور الذين لديهم طفل في منتصف المرحلة الابتدائية، نظرًا الى صعوبتها.

توضح ذلك أمٌّ لطفلين في مدرسة تجريبية بقولها لـ”درج”: “هناك مشكلة حقيقية في تدريب المدرسين على المناهج الجديدة، فبعضهم لا يستطيع التعامل معها، خصوصًا كبار السن. وهناك مشكلة أخرى تتعلق بتطوير المدارس وقدرتها على استيعاب الطلاب. مثلًا، تم تحديد يوم واحد فقط لتقييم حالة الطالب، ولو جاء في يوم آخر يُقال له مباشرة (إنت جيت ليه؟). وفي اعتماد تام على فكرة إن الطالب بياخد درس. المشكلة الأكبر أن المناهج اللي كنت باخدها أنا كأم في الثانوية، ابني بقى بياخدها في الإعدادي! ومصيبة التقييم بقت عبء علينا كأهالي، بنضطر نحلّ إحنا بنفسنا عشان نخفف مأزق التعليم عن أولادنا”.

التعليم بين التسرّب والعمل

تقول الأستاذة في كلية العلوم “ي.ح”، إنها لاحظت ارتفاعًا واضحًا في أعداد الطلاب العاملين مقارنة بالماضي، وتشير إلى أن بعضهم يتغيب عن المحاضرات والدروس العملية بسبب العمل.

وترى أن هذا ينعكس على مدة دراستهم في الكلية، إذ يقضي بعضهم سنوات أطول بسبب موقعهم الطبقي والاجتماعي، مضيفةً أن هذه الظاهرة يمكن النظر إليها ببعض التعاطف، لكنها في الوقت نفسه تعكس أزمة أكبر وأخطر، وهي تسرّب الطلاب من التعليم مقابل العمل.

يجسّد حديث الأستاذة ما رواه الطالب ياسر أحمد، الذي يدرس في كلية الآداب بجامعة القاهرة، إذ يقول لـ”درج”: “أنا بدأت أشتغل وأنا في ثانوي، أنا من منطقة السلام. الأول كانت ظروفنا معقولة، عيلتي كانت مرتاحة، لكن مع التعويم بدأت الظروف تبقى صعبة. اشتغلت في مصنع شفاطات مطاعم، وسبت الشغل بعد ما صباعي كان هيتقطع. ولما دخلت الجامعة كانت المصاريف 14 ألف، وده رقم كبير علينا، وبعد فترة فجأة المصاريف بقت 28 ألف! ومكانش ينفع أحوّل عشان كنت قضيت شهر، فبدأت أشتغل عشان أقدر أصرف، وده خلاني أعيد سنة، وبدل ما الكلية تبقى أربع سنين، بقت خمس”.

لم يعد الأمر مقتصرًا على بنات الأقاليم أو الريف، بل يطاول أيضًا بعض الفتيات في القاهرة. تقول أم منة، صاحبة فرشة خضار: “أنا بدفع كل شهر 500 جنيه في جمعية عشان أقدر أدفع مصاريف بنتي في معهد التمريض. المصاريف كانت 7000 وبقت فجأة 13 ألف، وده بيخلّي بنتي فوق دراستها تساعدني في الشغل”.

كذلك، لا يمكن إغفال حادثة الطريق الإقليمي، التي كشفت أن المقابل المادي الذي يحصل عليه الطلاب العاملون ضئيل جدًا، إذ يتقاضون أجرًا يوميًا لا يتجاوز الـ 130 جنيهًا. أي أن هذا المبلغ لا يُحسّن جودة حياتهم أو تعليمهم، بل بالكاد يساعدهم على تحصيل الحد الأدنى من كل شيء: تعليم، غذاء، أمان، واستقرار نفسي.

غلاء المعيشة لبنان
يولا خضره - صحافية لبنانية | 11.09.2026

السلع والبنزين والأقساط في تصاعد مستمرّ… والحد الأدنى في الثلاجة

تشير دراسة أعدّها اتحاد لجان الأهل بالتعاون مع مصلحة التعليم الخاص في وزارة التربية، إلى أن الزيادة المقبولة على القسط يجب ألا تتجاوز 36 إلى 150 دولاراً عن كل تلميذ، فإن الواقع في عدد كبير من المدارس الخاصة إن لم نقل جميعها، يروي قصة مختلفة تماماً: زيادات تخطّت الألف دولار وأكثر في بعض المؤسسات، وأقساط…
09.10.2025
زمن القراءة: 9 minutes

المقارنة بين القوانين التعليمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم سابقًا وبين ما يحدث الآن، تكشف غموضًا مريبًا.

يكشف قانون التعليم الذي اعتُمد في مصر في 8 تموز/ يوليو الماضي، عن الطريقة التي تفكر بها السلطة في القضايا المتعلقة بالفقراء بشكل عام، وفي التعليم بشكل خاص. إذ من الواضح أن القوانين إما تُسنّ لسحق الفقراء، أو لضبط أخلاقهم كما في حالة عودة الكتاتيب، وربما يتقاطع نظام البكالوريا مع عودة الكتاتيب في مفهوم الدولة عن شكل الدين أو عن كيفية حضوره.
ولفهم هذه التشريعات، علينا العودة قليلًا إلى الوراء لنتبيّن كيف يتقاطع التعليم مع الاقتصاد، وآثار هذه التقاطعات على الأفراد من مختلف الطبقات، فضلًا عن آثارها التي تؤدي إلى الهروب من التعليم بشكل عام.

جامعات حكوميّة بنكهة جامعات خاصة

بين عامَي 2002 و2008، أُنشئت ثلاث جامعات أهلية، وبين سنتَي 1996 و2013 كان عدد الجامعات الخاصة 20 جامعة فقط. أما من 2018 حتى نهاية العام الماضي، فقد وصل عدد الجامعات الخاصة إلى 30 جامعة، بالإضافة إلى ارتفاع عدد الجامعات الأهلية التي تشرف عليها الدولة بشراكة مع جهات استثمارية. هذه الجامعات كان الهدف المعلن من إنشائها هو تطوير التعليم، وكان من المفترض أن تُوجَّه مصروفاتها لتحقيق هذا الهدف.

لكن التطوير لم يحدث، إذ أصبحت هذه الجامعات تستعير أساتذة من الجامعات الحكومية للتدريس، أي أنها تحولت إلى عبء إضافي، ومع ذلك ازداد عددها من ثلاث جامعات في بداية عام 2020 إلى 17 جامعة في عام 2022، أي أن عدد الجامعات الأهلية بلغ عشرين جامعة، منها 17 أنشئت في عهد الحكومة الحالية.

قد يكون ذلك غير مقصود، بمعنى أن الإنشاء تم فقط لاستيعاب الزيادة السكانية، أو لتوفير خدمة تعليمية غير مجانية لا علاقة لها بالفقراء. غير أن هذه الجامعات، التي أُنشئت بهذا الشكل، تسببت بشكل أو بآخر في زيادة المصروفات في الجامعات الحكومية، سواء تلك التي طُبّق عليها نظام الساعات المعتمدة الذي بدأ في عام 2011 في بعض التخصصات، أو حتى غير المطبقة لهذا النظام.فالمصاريف الجامعية التي كانت تتراوح قيمتها ما بين 100 و200 جنيه في بداية الألفية، أصبحت اليوم تصل إلى 1500 جنيه وتتجاوزها أحيانًا. أما نظام الساعات المعتمدة الذي بدأ بثلاثة آلاف جنيه كحد أقصى، فقد تجاوز الآن الأربعين ألف جنيه في الجامعات الحكومية، بل إن بعض التخصصات تصل مصروفاتها إلى سبعين ألف جنيه.

وليس هذا التضارب عبثًا، بل يقوم على فرضية أن هذا التعليم أفضل من ذاك، على  رغم أن المناهج واحدة، والفارق الوحيد قد يكون في لغة الدراسة – الإنكليزية بدلًا من العربية – في بعض التخصصات، أو في ظروف التدريس من حيث التهوية والإمكانات في تخصصات أخرى.

لكن هل تكمن المشكلة هنا فقط؟ وهل نظام البكالوريا الذي شرعته الحكومة سيؤدي إلى مزيد من المشكلات أم أنه حلّ مرتجى؟

البكالوريا والقانون الجديد: مأزق جديد أم حلّ؟

رغبة وزير التربية والتعليم الحالي في إضافة نظام جديد مثل “البكالوريا” أو إعادته إلى الساحة مرة أخرى، تتقاطع مع رغبة الدولة في خصخصة التعليم أو محو مجانيته تمامًا. وقد يكون ذلك امتدادًا للوتيرة السريعة في إنشاء الجامعات الأهلية التي يُفترض أنها حكومية.

ينص النظام الجديد على التالي: “يتكون النظام من مرحلتين: المرحلة التمهيدية وتشمل الصف الأول الثانوي، والمرحلة الرئيسية التي تضم الصفين الثاني والثالث الثانوي. يعتمد النظام الجديد على دمج المواد العلمية والأدبية والفنية، حيث يدرس الطالب 14 مادة موزعة بواقع سبع مواد في الصف الأول الثانوي، وسبع مواد خلال الصفين الثاني والثالث الثانوي، يتم توزيعها على مدار عامين على الأقل. كما يمنح النظام فرصتين للامتحان سنويًا، إحداهما مجانية والأخرى بمقابل مادي قدره 500 جنيه للمادة الواحدة. ويتيح النظام الجديد للطلاب الدراسة في المرحلة الرئيسية لمدة أقصاها أربع سنوات، بخلاف الصف الأول الثانوي”.

لا تكمن المشكلة فقط في المبالغ التي سيتحملها أولياء الأمور والطلاب في حال الرسوب، بل في عوار القانون ذاته، إذ لا يُطبّق إلا على المدارس التابعة للمنهج المصري، أي الحكومية والخاصة العادية، التي تضم النسبة الأكبر من المصريين المنتمين إلى الطبقتين المتوسطة والفقيرة.

ووفقًا لما قاله الدكتور محمد عبد اللطيف خلال اجتماع مجلس الوزراء: “تستند فلسفة النظام إلى تنمية مهارات التفكير النقدي والتحليلي، بدلاً من الاعتماد على الحفظ والتلقين، ضمن إطار تعليمي شامل يشمل التقييم المستمر. ومن المقرر أن يُطبَّق النظام على المدارس الرسمية، والرسمية للغات، والمدارس الخاصة التي تتبع المنهج المصري، بينما يُستثنى منه طلاب المدارس التي تمنح شهادات غير مصرية، كمدارس النيل والمدارس الدولية”.

تبلغ رسوم إعادة امتحان المادة الواحدة 500 جنيه، أي ما يعادل 3500 جنيه لإعادة المواد السبع. وبالنظر إلى وجود نحو 750 ألف طالب سنويًا في الصف الثالث الثانوي، فإن إعادة نصف هؤلاء الطلاب للامتحانات قد تدر على وزارة التربية والتعليم أكثر من 1.3 مليار جنيه، بينما تعادل إعادة 25 في المئة من الطلاب نحو 656 مليون جنيه. وهذا ما أثار نقاشًا واسعًا بشأن الأعباء المالية التي قد يتحملها أولياء الأمور.

وتعكس شهادة إحدى الأمهات هذه المعضلة بوضوح، إذ تقول سحر، وهي بائعة خضار من الجيزة: “ابني بيشتغل معايا بعد المدرسة عشان نقدر نحوش فلوس عشان يتعلم هو وإخواته، وأوقات مش بيروح المدرسة عشان يساعدني، وفي النهاية إحنا بنحصل 3000 جنيه في الشهر، إزاي هدفع له في المادة الواحدة 500 جنيه؟”.

ولا يمكن فصل ذلك عن الحد الأدنى للأجور الذي ارتفع بداية من الشهر الماضي من 6000 إلى 7000 جنيه مصري، أي إن الطالب إذا أعاد سبع مواد، فسيستهلك وحده نصف الدخل الشهري للأسرة من الحد الأدنى للأجور، إذا كان أحد الأبوين هو المعيل الوحيد للأسرة. وهذا سيؤدي بالضرورة إلى تفاقم ظاهرتي تسرّب الطلاب من المدارس وتحولهم إلى أطفال عاملين بسبب الظروف الاقتصادية الطاحنة.

هل ينقذ القانون الجديد التعليم أم يزيد أزماته؟

المقارنة بين القوانين التعليمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم سابقًا وبين ما يحدث الآن، تكشف غموضًا مريبًا.

يقول الدكتور كمال مغيث، الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، في حديثه لموقع “درج”: “لا أحد يعرف كيف تُصاغ القوانين الجديدة الخاصة بالتعليم. ففي الماضي، أي قبل وجود الحكومة الحالية، كان يتم الاجتماع بالمتخصصين في مجال التعليم والاستماع إلى توصياتهم التي تتعلق بالمشكلات القائمة في التعليم ككل، بينما الآن لا أحد يفعل ذلك، وهذا ما ترتب عليه صدور القانون الجديد بهذه الصيغة”.ولا يخفى على أحد الأزمة الحادة التي تعاني منها وزارة التربية والتعليم، سواء من حيث نقص المعلمين أو عدم مجاراتهم الأنظمة الإلكترونية الحديثة واعتمادهم على أساليب تقليدية في التدريس داخل الفصول.

يضيف مغيث: “هذا القانون سيضيف مشكلات جديدة مثل زيادة الأنظمة التعليمية المزدوجة، وهو لا يعالج أزمة نقص المعلمين ولا يهتم بترشيد تعدد الأنظمة، بل يضيف نظامًا جديدًا لا يستطيع أحد تحمّل مصاريفه. وللعلم، هذا النظام ليس هو البكالوريا القديمة، بل يختلف عنها كليًا، ويميل إلى نظام البكالوريا العالمي الذي يتطلب من الطالب القيام بأنشطة اجتماعية لن تتوافر بسهولة في مصر، ولا أحد يستطيع تحمّل كلفتها المادية. أي أن التعليم نفسه تحوّل إلى عبء على الطالب، وعلى الأسرة التي تريد تعليم أبنائها عليها أن تدفع كل ما تملك في سبيل ذلك”.

يرى مغيث أن الأزمة تمتد إلى رواتب المعلمين، فالمعلم يبدأ حياته براتب قدره 3000 جنيه، وبعد أربعين عامًا ينهيها بـ 7000 جنيه مصري، أي يبدأ بما يقارب الـ50 دولارًا وينهيها بما يقارب الـ150 دولارًا.

يقول مغيث: “هذا يعطيك لمحة عن أزمة حقيقية، وهي أن رواتب المعلمين في مصر ربما تكون من أقل الرواتب في العالم. ولا يمكن نسيان مسألة التابلت التي اقترحها الوزير السابق طارق شوقي لحل أزمة التعليم، لكنها لم تؤتِ ثمارها، بل زادت الطين بلة، وكانت محاولة فاشلة كلّفت خزينة الدولة مليارات الجنيهات، بزعم أنها ستحل أزمة نقص المعلمين، لكنها لم تفعل ذلك”.

التعليم بين الدستور والواقع

يفتح تشريع البكالوريا مجالًا للتساؤل حول علاقة التعليم بالدخل القومي، أو بمعنى أكثر دقة حول تقاطعات الاقتصاد القومي مع التعليم.

وعن هذه التقاطعات، يصرّح لـ”درج” الباحث الاقتصادي ونائب رئيس حزب التحالف الاشتراكي إلهامي الميرغني، قائلًا: “قرار البكالوريا لا يمكن التعامل معه بمعزل عن كل ما يحدث في قطاع التعليم، الذي يعاني من عجزٍ يبلغ 650 ألف معلم و250 ألف فصل دراسي. فبعدما كان الإنفاق على التعليم 3.4 في المئة من الناتج القومي في عام 2010/2011، تراجع إلى 1.5 في المئة فقط في موازنة 2025/2026، على رغم أن دستور 2014 نص على تخصيص 7 في المئة من الدخل القومي للتعليم، أي ما يعادل 1429 مليار جنيه، بينما المخصّص فعليًا في الموازنة لم يتجاوز الـ315 مليار جنيه”.

في هذه التقاطعات، لا يمكن تجاهل ما يُسمّى بـ “الاستثمار التعليمي” الذي تقوم به الشركات الخاصة في إدارة التعليم المصري، إذ تصنع شكل النظام التعليمي وحدوده وأبعاده، وتحدد من يلتحق به، فتحوّله ليكون ملكًا للطبقة العليا فقط. وحتى إن لم يظهر ذلك بوضوح الآن، فإنه على المدى القريب سيغدو أكثر وضوحًا.

ولا يمكن فصل هذا أيضًا عن طريقة السلطة في التعامل مع الأخلاق والدين، فمنذ عام 2020 تتعامل الدولة بقمعٍ مع فتيات الـ”تيك توك” وتزجّ بهن في السجون بتهمة “خدش الحياء” وعدم مراعاة الأخلاق والدين.

في هذا السياق، يضيف الميرغني: “إلى جانب انسحاب الدولة من مسؤولياتها وفتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار والربح، توجد حاليًا خمس شركات كبرى مقيدة في البورصة المصرية تعمل في مجال التعليم. لذلك لا يجب النظر إلى موضوع البكالوريا بمعزل عن باقي ما يحدث في قطاع التعليم، من فرض مادة الدين الإسلامي كمادة أساسية – بما يخلّ بقيم المواطنة المتساوية – إلى عودة الكتاتيب، وإنشاء حضانات في المساجد”.

يختم الميرغني بقوله: “إذاً، نحن أمام منظومة متكاملة لتخريب التعليم وتسليعه، وتحويله من حقّ إلى سلعة تُباع لمن يملك ثمنها. فالبكالوريا ليست سوى محطة على طريق طويل لتسليع التعليم وانسحاب الدولة، وإطلاق يد القطاع الخاص. إنها علامة على انتهاء عصر التعليم المجاني وتدشين مرحلة جديدة يكون فيها التعليم سلعة”.

المناهج بين الأجيال: عبء جديد على الأسر

يعكس ما قاله كمال مغيث والميرغني فكرة المناهج التي تُرحَّل من المراحل الأكبر إلى المراحل الأصغر، أي أن المناهج التي كان يدرسها الآباء في الثانوية العامة أصبحت تُدرَّس الآن للطلاب في مراحل التكوين، أي في المرحلة الابتدائية.

فمادة الرياضيات، مثلًا، تحوّلت إلى كابوس لأولياء الأمور الذين لديهم طفل في منتصف المرحلة الابتدائية، نظرًا الى صعوبتها.

توضح ذلك أمٌّ لطفلين في مدرسة تجريبية بقولها لـ”درج”: “هناك مشكلة حقيقية في تدريب المدرسين على المناهج الجديدة، فبعضهم لا يستطيع التعامل معها، خصوصًا كبار السن. وهناك مشكلة أخرى تتعلق بتطوير المدارس وقدرتها على استيعاب الطلاب. مثلًا، تم تحديد يوم واحد فقط لتقييم حالة الطالب، ولو جاء في يوم آخر يُقال له مباشرة (إنت جيت ليه؟). وفي اعتماد تام على فكرة إن الطالب بياخد درس. المشكلة الأكبر أن المناهج اللي كنت باخدها أنا كأم في الثانوية، ابني بقى بياخدها في الإعدادي! ومصيبة التقييم بقت عبء علينا كأهالي، بنضطر نحلّ إحنا بنفسنا عشان نخفف مأزق التعليم عن أولادنا”.

التعليم بين التسرّب والعمل

تقول الأستاذة في كلية العلوم “ي.ح”، إنها لاحظت ارتفاعًا واضحًا في أعداد الطلاب العاملين مقارنة بالماضي، وتشير إلى أن بعضهم يتغيب عن المحاضرات والدروس العملية بسبب العمل.

وترى أن هذا ينعكس على مدة دراستهم في الكلية، إذ يقضي بعضهم سنوات أطول بسبب موقعهم الطبقي والاجتماعي، مضيفةً أن هذه الظاهرة يمكن النظر إليها ببعض التعاطف، لكنها في الوقت نفسه تعكس أزمة أكبر وأخطر، وهي تسرّب الطلاب من التعليم مقابل العمل.

يجسّد حديث الأستاذة ما رواه الطالب ياسر أحمد، الذي يدرس في كلية الآداب بجامعة القاهرة، إذ يقول لـ”درج”: “أنا بدأت أشتغل وأنا في ثانوي، أنا من منطقة السلام. الأول كانت ظروفنا معقولة، عيلتي كانت مرتاحة، لكن مع التعويم بدأت الظروف تبقى صعبة. اشتغلت في مصنع شفاطات مطاعم، وسبت الشغل بعد ما صباعي كان هيتقطع. ولما دخلت الجامعة كانت المصاريف 14 ألف، وده رقم كبير علينا، وبعد فترة فجأة المصاريف بقت 28 ألف! ومكانش ينفع أحوّل عشان كنت قضيت شهر، فبدأت أشتغل عشان أقدر أصرف، وده خلاني أعيد سنة، وبدل ما الكلية تبقى أربع سنين، بقت خمس”.

لم يعد الأمر مقتصرًا على بنات الأقاليم أو الريف، بل يطاول أيضًا بعض الفتيات في القاهرة. تقول أم منة، صاحبة فرشة خضار: “أنا بدفع كل شهر 500 جنيه في جمعية عشان أقدر أدفع مصاريف بنتي في معهد التمريض. المصاريف كانت 7000 وبقت فجأة 13 ألف، وده بيخلّي بنتي فوق دراستها تساعدني في الشغل”.

كذلك، لا يمكن إغفال حادثة الطريق الإقليمي، التي كشفت أن المقابل المادي الذي يحصل عليه الطلاب العاملون ضئيل جدًا، إذ يتقاضون أجرًا يوميًا لا يتجاوز الـ 130 جنيهًا. أي أن هذا المبلغ لا يُحسّن جودة حياتهم أو تعليمهم، بل بالكاد يساعدهم على تحصيل الحد الأدنى من كل شيء: تعليم، غذاء، أمان، واستقرار نفسي.