ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

قانون العفو العام: بين إرضاء مطالب سنية وشيعية ومسيحية وثغرات عشوائية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

العفو قد يفرغ بعض الزنازين اليوم لكنه لن يمنع امتلاءها مجدداً إذا بقيت أسباب الأزمة نفسها لجهة التوقيف الاحتياطي المفرط وبطء المحاكمات وغياب التأهيل وضعف استقلال القضاء. وهنا يلفت المحامي محمد صبلوح الى أن قانون العفو لم يحقّق المصالحة الوطنية كما يروّج له لأن الصراع السياسي ما زال مستمراً. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أقرّ مجلس النواب اللبناني أخيراً قانون العفو العام؛ القانون الذي لطالما أثار جدلاً واسعاً، خصوصاً قبيل الانتخابات النيابية حيث كان موسم التلويح به يتكرر. في مواسم الانتخابات كان اقتراح قانون العفو يتحوّل إلى أداة لشحذ العصب الطائفي والانتخابي وحصد الأصوات، فيصدر اقتراح قانون عفو هو بمثابة تحاصص يستخدمه زعماء سياسيون لاستقطاب ناخبين.

عادة ومع انتهاء الانتخابات، كان قانون العفو يعود إلى الأدراج، ليُعاد طرحه مجدداً عند كل استحقاق أو لحظة سياسية حساسة، ويُستخدم ورقة ضغط في مواجهة الفريق الآخر.

لكن هذه المرة، أُقرّ القانون…

الحجة الأبرز للدفع باتجاه إقرار قانون العفو العام هي أزمة اكتظاظ السجون، التي وصلت إلى نحو 350 في المئة من طاقتها الاستيعابية، فيما يشكّل الموقوفون من دون محاكمة نحو 83 في المئة من إجمالي نزلاء السجون، وفق المحامية ليال صقر.

يقول المحامي محمّد صبلوح إنه لا يمكن اعتبار حلّ مشلكة الاكتظاظ كافية لأنه ببساطة يمكن أن تمتلئ السجون سريعاً. لذلك، شدّد على أهمية توقّف قوى الأمن الداخلي عن التوقيفات العشوائية، وإعادة هيكلة السجون، ومكننة القضاء. 

مع ذلك، أثار القانون الجديد جدلاً واسعاً، إذ اعترض “حزب الله” على إعفاء المبعدين إلى إسرائيل والسماح لهم بالعودة إلى لبنان، فيما رفض “التيار الوطني الحر” شمول ما يُعرف بـ”الإسلاميين” بالعفو، معتبراً أن ذلك يهدر حق شهداء الجيش اللبناني وعائلاتهم.

في المقابل، أكدت شخصيات عامة سنية أن قانون العفو لا يمكن التعويل عليه ما دام لا يشمل الشيخ أحمد الأسير، المدان بإدارة معركة عبرا في صيدا، جنوب لبنان في العام 2013، ضد الجيش اللبناني.

من يشمل العفو؟ 

ليست هذه المرة الأولى التي يصدر فيها قانون عفو عام، فأول قانون عفو عام صدر عام 1991 وشمل عفواً عن جرائم الحرب اللبنانية، وهو ما تحوّل منذ ذلك التاريخ الى ما يشبه السياسة المكرسة، حيث استُبدلت المحاكمات والاعتراف والعدالة بقوانين عفو تطوي صفحة الملفات الشائكة. 

بعد قانون عام 1991 صدرت قوانين عفو عام أخرى، أبرزها القانونان 677 و678 في تموز/ يوليو 2005، المتعلقان بسمير جعجع وبموقوفي الضنية ومجدل عنجر، كما صدر عام 1997 قانون عفو عام شامل عن جرائم المخدرات المختلفة. 

تكرار هذه القوانين كان دوماً محل إدانة وانتقاد حقوقيين كونه يعلي من شأن التسويات الطائفية على حساب إحقاق العدالة.

القانون الحالي شمل ثلاث فئات أساسية، هي: 

الفارون الى إسرائيل: وهم الذين ذهبوا من جنوب لبنان إلى إسرائيل ومعهم عائلاتهم، وذلك بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب عام 2000 بسبب انضمامهم إلى “جيش لحد” أو “جيش لبنان الجنوبي”، وهو ميليشيا تشكّلت، بدعم من إسرائيل، من أبناء القرى الجنوبية ووحدات منشقّة عن الجيش اللبناني في 1976. ولم يسمح لهؤلاء بالعودة إلى لبنان منذ ذلك الوقت، بخاصة مع امتلاكهم جواز سفر إسرائيلياً. وكان حزب القوات اللبنانية الضاغط الأكبر باتجاه العفو عنهم. 

الموقوفون الإسلاميون: وهم مجموعة من السجناء، غالبيتهم من اللبنانيين السنّة، إلى جانب سوريين وفلسطينيين، المتهمين أو المحكومين في قضايا مرتبطة بأحداث أمنية أو مواجهات مع الجيش اللبناني، أو بالانتماء إلى تنظيمات متشددة مثل “داعش” أو “جبهة النصرة”. ويعود هذا الملف إلى مطلع الألفية، وتحديداً إلى أحداث الضنية عام 2000، قبل أن يتوسع مع سلسلة من المحطات الأمنية، أبرزها معارك نهر البارد، وأحداث عبرا في صيدا، ومعارك جرود عرسال. وهذا ملف لطالما طالبت به قوى وأحزاب سنية.

ملف المطلوبين ومحكومين في قضايا مخدرات وسرقات، وهذا مطلب بارز في منطقة بعلبك الهرمل حيث الثقل السياسي والانتخابي لأمل وحزب الله، وقد تبنى نواب الحزبين هذا المطلب. 

هل يعود جميع المبعدين؟ 

لعلّ أكثر البنود إثارةً للجدل هو ذلك المتعلّق باللبنانيين الفارين إلى إسرائيل، ولا سيما بعد تصريح النائبة عن حزب “القوات اللبنانية” غادة أيوب، التي أعربت عن أهمية هذه الخطوة، مؤيدةً عودة اللبنانيين كافة، سواء كانوا يحملون الجنسية الإسرائيلية أم لا.

في هذا السياق، شرحت المحامية ليال صقر لـ”درج” أن القانون يستثني أولئك الذين “شاركوا في جرائم الخيانة والتجسس والصِلات غير المشروعة بالعدو”، ولا سيما من انضموا إلى “جيش لحد” وشاركوا في أعمال قتالية وعسكرية.

في المقابل، هناك تعقيدات في هذا الملف. فقد وُلد عدد من اللبنانيين في إسرائيل بعد انتقال عائلاتهم إليها عام 2000، ونشأوا هناك وحصلوا على الجنسية الإسرائيلية، من دون أن يشاركوا في أي أعمال عدائية ضد اللبنانيين أو الدولة اللبنانية. وهؤلاء، بحسب صقر، هم من يشملهم قانون العفو العام.

لكن بالنسبة إلى صقر، لا يخلو هذا البند من ثغرات تحتاج إلى توضيح، أبرزها: كيف سيُحدَّد من شارك في أعمال عدائية؟ وماذا عن الذين خدموا لاحقاً في الجيش الإسرائيلي؟ ومن هي الجهة المخوّلة بالتحقيق في هذه الحالات؟ وماذا عن حاملي الجنسية الإسرائيلية؟ وهل يشكّل التخلّي عنها شرطاً أساسياً للعودة إلى لبنان؟

وتبدو النقطة الأخيرة الأكثر حساسية بالنسبة إلى صقر، إذ ترى أن وجود هذه الثغرات قد ينقل الخلاف من مجلس النواب إلى القضاء والأجهزة الأمنية، حيث ستُترك عملية تحديد من يحق له الاستفادة من العفو لتفسيرات وإجراءات قد تكون موضع خلاف.

في محاذاة ذلك، علق عدد من اللبنانيين الموجودين في إسرائيل على القانون عبر السوشال ميديا، فبرزت أصوات من بينهم رافضة له وللعودة إلى لبنان لأنها لا تجد فيه الحماية الكافية أو المكان الصحيح للاستقرار كما يقولون.

ملف الإسلاميين: المعضلة الأكبر في الملف

بين الحين والآخر، كان أهالي ما يُعرف بـ”الموقوفين الإسلاميين” يتجمعون أمام سجن رومية أو في الساحات العامة، ويعمدون أحياناً إلى قطع الطرقات، احتجاجاً على إبقاء ذويهم في السجون من دون محاكمات. وكان هذا الملف من أكثر الملفات التي يستخدمها بعض النواب السنّة قبيل الانتخابات النيابية، قبل أن يعود إلى الواجهة مجدداً مع تسليم عدد من السجناء السوريين إلى بلادهم، إما لاستكمال محكومياتهم أو للإفراج عنهم.

ومن هنا، تصاعدت الضغوط باتجاه إدراج هذه الفئة ضمن قانون العفو العام، مع بعض الاستثناءات، أبرزها قضية أحمد الأسير.

يوضح المحامي صبلوح أن المرحلة الأولى من تنفيذ القانون ستشمل خروج 57 سجيناً من أصل نحو 150، على أن يُخلى سبيل الآخرين تدريجياً، وفقاً للأحكام الصادرة بحقهم. ومن أبرز من يُتوقع خروجهم فوراً أولئك الذين أمضوا محكومياتهم كاملة أو الجزء الأكبر منها، ومن بينهم عدد من موقوفي ملف “فتح الإسلام”، من لبنانيين وفلسطينيين.

لكن لا بد من الإشارة الى أن عبارة “الموقوفون الإسلاميون” ليست تصنيفاً قانونياً، إذ لا تُحدَّد الاستفادة من العفو على أساس الانتماء الديني أو التسمية السياسية، وإنما استناداً إلى الجرائم المسندة إلى كل شخص، وهذا ما شدّدت عليه صقر.

وبحسب نص القانون، لا يستفيد من العفو الكامل من تتضمن ملفاتهم اتهامات أو أحكاماً تتعلق بـ:

القتل العمد أو القتل قصداً.

الجرائم الإرهابية المرتكبة بحق مدنيين أو عسكريين أو عناصر القوى الأمنية.

الجرائم العسكرية المستثناة صراحةً من أحكام العفو.

الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي.

لذلك، لا تعتبر صقر أن القانون يعفو عن “الإسلاميين” ككتلة واحدة، إنما تتجزأ بحسب التهم الموجّهة. 

تجار المخدرات إلى الحرية؟ 

عقب إقرار قانون العفو العام في مجلس النواب بساعات، انتشرت صورة على مواقع التواصل الاجتماعي لأشهر تاجر مخدرات في لبنان، نوح زعيتر، خلال محاكمته، مرفقة بخبر أن العفو لا يشمله. 

وهنا، نصل إلى الفئة الشيعية، بعد المسيحية والسنية، التي حثّت على ضم هذه الفئة ولكنها قبلت حتى الآن باستثناء كبار التجار. 

يركّز نص القرار على استثناء “جرائم زراعة المواد المخدرة، بعض جرائم الإتجار أو الترويج إذا لم تتوافر حالة التكرار القانوني، المتهم للمرة الأولى بجناية مخدرات”. 

والثغرة الأبرز في هذا البند هي أنه لا يفرّق بوضوح بين المزارع الصغير، والمتعاطي، والمروّج، والتاجر المنظم؛ بل يجعل التكرار معيارًا أساسيًا، مع أن خطورة الفعل لا تقاس دائمًا بعدد السوابق، بحسب صقر. 

في الخلاصة، أُقر القانون الذي دافع عنه سياسيون وأحزاب وانتقده حقوقيون كثر. لكن هناك إجماع على ضرورة حصول محاكمات عادلة والإفراج والتعويض لأشخاص أمضوا سنوات في السجن بلا محاكمة. 

العفو قد يفرغ بعض الزنازين اليوم لكنه لن يمنع امتلاءها مجدداً إذا بقيت أسباب الأزمة نفسها لجهة التوقيف الاحتياطي المفرط وبطء المحاكمات وغياب التأهيل وضعف استقلال القضاء. وهنا يلفت المحامي محمد صبلوح الى أن قانون العفو لم يحقّق المصالحة الوطنية كما يروّج له لأن الصراع السياسي ما زال مستمراً. 

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 04.09.2026

لبنان: مليار دولار قد يستعيدها المودعون من مجالس إدارات المصارف 

محامو المصارف يستعينون بدفاعهم عن فعلة موكليهم بعبارة رهيبة، تتمثل بأن ما أقدم عليه موكلوهم عندما أنقذوا ودائعهم الشخصية من الفعلة التي ارتكبوها بحق زبائنهم هو "قانوني وإن كان غير أخلاقي"، ويبدو أنهم بصدد الاستعانة بهذه المعادلة في المرحلة التي تعقب اعترافهم بفعلتهم "القانونية وغير الأخلاقية".
17.08.2026
زمن القراءة: 6 minutes

العفو قد يفرغ بعض الزنازين اليوم لكنه لن يمنع امتلاءها مجدداً إذا بقيت أسباب الأزمة نفسها لجهة التوقيف الاحتياطي المفرط وبطء المحاكمات وغياب التأهيل وضعف استقلال القضاء. وهنا يلفت المحامي محمد صبلوح الى أن قانون العفو لم يحقّق المصالحة الوطنية كما يروّج له لأن الصراع السياسي ما زال مستمراً. 

أقرّ مجلس النواب اللبناني أخيراً قانون العفو العام؛ القانون الذي لطالما أثار جدلاً واسعاً، خصوصاً قبيل الانتخابات النيابية حيث كان موسم التلويح به يتكرر. في مواسم الانتخابات كان اقتراح قانون العفو يتحوّل إلى أداة لشحذ العصب الطائفي والانتخابي وحصد الأصوات، فيصدر اقتراح قانون عفو هو بمثابة تحاصص يستخدمه زعماء سياسيون لاستقطاب ناخبين.

عادة ومع انتهاء الانتخابات، كان قانون العفو يعود إلى الأدراج، ليُعاد طرحه مجدداً عند كل استحقاق أو لحظة سياسية حساسة، ويُستخدم ورقة ضغط في مواجهة الفريق الآخر.

لكن هذه المرة، أُقرّ القانون…

الحجة الأبرز للدفع باتجاه إقرار قانون العفو العام هي أزمة اكتظاظ السجون، التي وصلت إلى نحو 350 في المئة من طاقتها الاستيعابية، فيما يشكّل الموقوفون من دون محاكمة نحو 83 في المئة من إجمالي نزلاء السجون، وفق المحامية ليال صقر.

يقول المحامي محمّد صبلوح إنه لا يمكن اعتبار حلّ مشلكة الاكتظاظ كافية لأنه ببساطة يمكن أن تمتلئ السجون سريعاً. لذلك، شدّد على أهمية توقّف قوى الأمن الداخلي عن التوقيفات العشوائية، وإعادة هيكلة السجون، ومكننة القضاء. 

مع ذلك، أثار القانون الجديد جدلاً واسعاً، إذ اعترض “حزب الله” على إعفاء المبعدين إلى إسرائيل والسماح لهم بالعودة إلى لبنان، فيما رفض “التيار الوطني الحر” شمول ما يُعرف بـ”الإسلاميين” بالعفو، معتبراً أن ذلك يهدر حق شهداء الجيش اللبناني وعائلاتهم.

في المقابل، أكدت شخصيات عامة سنية أن قانون العفو لا يمكن التعويل عليه ما دام لا يشمل الشيخ أحمد الأسير، المدان بإدارة معركة عبرا في صيدا، جنوب لبنان في العام 2013، ضد الجيش اللبناني.

من يشمل العفو؟ 

ليست هذه المرة الأولى التي يصدر فيها قانون عفو عام، فأول قانون عفو عام صدر عام 1991 وشمل عفواً عن جرائم الحرب اللبنانية، وهو ما تحوّل منذ ذلك التاريخ الى ما يشبه السياسة المكرسة، حيث استُبدلت المحاكمات والاعتراف والعدالة بقوانين عفو تطوي صفحة الملفات الشائكة. 

بعد قانون عام 1991 صدرت قوانين عفو عام أخرى، أبرزها القانونان 677 و678 في تموز/ يوليو 2005، المتعلقان بسمير جعجع وبموقوفي الضنية ومجدل عنجر، كما صدر عام 1997 قانون عفو عام شامل عن جرائم المخدرات المختلفة. 

تكرار هذه القوانين كان دوماً محل إدانة وانتقاد حقوقيين كونه يعلي من شأن التسويات الطائفية على حساب إحقاق العدالة.

القانون الحالي شمل ثلاث فئات أساسية، هي: 

الفارون الى إسرائيل: وهم الذين ذهبوا من جنوب لبنان إلى إسرائيل ومعهم عائلاتهم، وذلك بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب عام 2000 بسبب انضمامهم إلى “جيش لحد” أو “جيش لبنان الجنوبي”، وهو ميليشيا تشكّلت، بدعم من إسرائيل، من أبناء القرى الجنوبية ووحدات منشقّة عن الجيش اللبناني في 1976. ولم يسمح لهؤلاء بالعودة إلى لبنان منذ ذلك الوقت، بخاصة مع امتلاكهم جواز سفر إسرائيلياً. وكان حزب القوات اللبنانية الضاغط الأكبر باتجاه العفو عنهم. 

الموقوفون الإسلاميون: وهم مجموعة من السجناء، غالبيتهم من اللبنانيين السنّة، إلى جانب سوريين وفلسطينيين، المتهمين أو المحكومين في قضايا مرتبطة بأحداث أمنية أو مواجهات مع الجيش اللبناني، أو بالانتماء إلى تنظيمات متشددة مثل “داعش” أو “جبهة النصرة”. ويعود هذا الملف إلى مطلع الألفية، وتحديداً إلى أحداث الضنية عام 2000، قبل أن يتوسع مع سلسلة من المحطات الأمنية، أبرزها معارك نهر البارد، وأحداث عبرا في صيدا، ومعارك جرود عرسال. وهذا ملف لطالما طالبت به قوى وأحزاب سنية.

ملف المطلوبين ومحكومين في قضايا مخدرات وسرقات، وهذا مطلب بارز في منطقة بعلبك الهرمل حيث الثقل السياسي والانتخابي لأمل وحزب الله، وقد تبنى نواب الحزبين هذا المطلب. 

هل يعود جميع المبعدين؟ 

لعلّ أكثر البنود إثارةً للجدل هو ذلك المتعلّق باللبنانيين الفارين إلى إسرائيل، ولا سيما بعد تصريح النائبة عن حزب “القوات اللبنانية” غادة أيوب، التي أعربت عن أهمية هذه الخطوة، مؤيدةً عودة اللبنانيين كافة، سواء كانوا يحملون الجنسية الإسرائيلية أم لا.

في هذا السياق، شرحت المحامية ليال صقر لـ”درج” أن القانون يستثني أولئك الذين “شاركوا في جرائم الخيانة والتجسس والصِلات غير المشروعة بالعدو”، ولا سيما من انضموا إلى “جيش لحد” وشاركوا في أعمال قتالية وعسكرية.

في المقابل، هناك تعقيدات في هذا الملف. فقد وُلد عدد من اللبنانيين في إسرائيل بعد انتقال عائلاتهم إليها عام 2000، ونشأوا هناك وحصلوا على الجنسية الإسرائيلية، من دون أن يشاركوا في أي أعمال عدائية ضد اللبنانيين أو الدولة اللبنانية. وهؤلاء، بحسب صقر، هم من يشملهم قانون العفو العام.

لكن بالنسبة إلى صقر، لا يخلو هذا البند من ثغرات تحتاج إلى توضيح، أبرزها: كيف سيُحدَّد من شارك في أعمال عدائية؟ وماذا عن الذين خدموا لاحقاً في الجيش الإسرائيلي؟ ومن هي الجهة المخوّلة بالتحقيق في هذه الحالات؟ وماذا عن حاملي الجنسية الإسرائيلية؟ وهل يشكّل التخلّي عنها شرطاً أساسياً للعودة إلى لبنان؟

وتبدو النقطة الأخيرة الأكثر حساسية بالنسبة إلى صقر، إذ ترى أن وجود هذه الثغرات قد ينقل الخلاف من مجلس النواب إلى القضاء والأجهزة الأمنية، حيث ستُترك عملية تحديد من يحق له الاستفادة من العفو لتفسيرات وإجراءات قد تكون موضع خلاف.

في محاذاة ذلك، علق عدد من اللبنانيين الموجودين في إسرائيل على القانون عبر السوشال ميديا، فبرزت أصوات من بينهم رافضة له وللعودة إلى لبنان لأنها لا تجد فيه الحماية الكافية أو المكان الصحيح للاستقرار كما يقولون.

ملف الإسلاميين: المعضلة الأكبر في الملف

بين الحين والآخر، كان أهالي ما يُعرف بـ”الموقوفين الإسلاميين” يتجمعون أمام سجن رومية أو في الساحات العامة، ويعمدون أحياناً إلى قطع الطرقات، احتجاجاً على إبقاء ذويهم في السجون من دون محاكمات. وكان هذا الملف من أكثر الملفات التي يستخدمها بعض النواب السنّة قبيل الانتخابات النيابية، قبل أن يعود إلى الواجهة مجدداً مع تسليم عدد من السجناء السوريين إلى بلادهم، إما لاستكمال محكومياتهم أو للإفراج عنهم.

ومن هنا، تصاعدت الضغوط باتجاه إدراج هذه الفئة ضمن قانون العفو العام، مع بعض الاستثناءات، أبرزها قضية أحمد الأسير.

يوضح المحامي صبلوح أن المرحلة الأولى من تنفيذ القانون ستشمل خروج 57 سجيناً من أصل نحو 150، على أن يُخلى سبيل الآخرين تدريجياً، وفقاً للأحكام الصادرة بحقهم. ومن أبرز من يُتوقع خروجهم فوراً أولئك الذين أمضوا محكومياتهم كاملة أو الجزء الأكبر منها، ومن بينهم عدد من موقوفي ملف “فتح الإسلام”، من لبنانيين وفلسطينيين.

لكن لا بد من الإشارة الى أن عبارة “الموقوفون الإسلاميون” ليست تصنيفاً قانونياً، إذ لا تُحدَّد الاستفادة من العفو على أساس الانتماء الديني أو التسمية السياسية، وإنما استناداً إلى الجرائم المسندة إلى كل شخص، وهذا ما شدّدت عليه صقر.

وبحسب نص القانون، لا يستفيد من العفو الكامل من تتضمن ملفاتهم اتهامات أو أحكاماً تتعلق بـ:

القتل العمد أو القتل قصداً.

الجرائم الإرهابية المرتكبة بحق مدنيين أو عسكريين أو عناصر القوى الأمنية.

الجرائم العسكرية المستثناة صراحةً من أحكام العفو.

الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي.

لذلك، لا تعتبر صقر أن القانون يعفو عن “الإسلاميين” ككتلة واحدة، إنما تتجزأ بحسب التهم الموجّهة. 

تجار المخدرات إلى الحرية؟ 

عقب إقرار قانون العفو العام في مجلس النواب بساعات، انتشرت صورة على مواقع التواصل الاجتماعي لأشهر تاجر مخدرات في لبنان، نوح زعيتر، خلال محاكمته، مرفقة بخبر أن العفو لا يشمله. 

وهنا، نصل إلى الفئة الشيعية، بعد المسيحية والسنية، التي حثّت على ضم هذه الفئة ولكنها قبلت حتى الآن باستثناء كبار التجار. 

يركّز نص القرار على استثناء “جرائم زراعة المواد المخدرة، بعض جرائم الإتجار أو الترويج إذا لم تتوافر حالة التكرار القانوني، المتهم للمرة الأولى بجناية مخدرات”. 

والثغرة الأبرز في هذا البند هي أنه لا يفرّق بوضوح بين المزارع الصغير، والمتعاطي، والمروّج، والتاجر المنظم؛ بل يجعل التكرار معيارًا أساسيًا، مع أن خطورة الفعل لا تقاس دائمًا بعدد السوابق، بحسب صقر. 

في الخلاصة، أُقر القانون الذي دافع عنه سياسيون وأحزاب وانتقده حقوقيون كثر. لكن هناك إجماع على ضرورة حصول محاكمات عادلة والإفراج والتعويض لأشخاص أمضوا سنوات في السجن بلا محاكمة. 

العفو قد يفرغ بعض الزنازين اليوم لكنه لن يمنع امتلاءها مجدداً إذا بقيت أسباب الأزمة نفسها لجهة التوقيف الاحتياطي المفرط وبطء المحاكمات وغياب التأهيل وضعف استقلال القضاء. وهنا يلفت المحامي محمد صبلوح الى أن قانون العفو لم يحقّق المصالحة الوطنية كما يروّج له لأن الصراع السياسي ما زال مستمراً.