في مطلع آب/ أغسطس الحالي، فوجئ المعنيّون بالعمل المدني بإعلان “مؤسّسة قضايا المرأة المصرية”، تعليق العمل لمدّة شهر على أن يتمّ استئناف العمل بالمؤسّسة بعدها.
قرار تعليق العمل جاء بعد أزمة تمويلية كأثر متأخّر لقانون العمل الأهلي الصادر في 2019، الذي ضيّق على عمل المنظّمات غير الحكومية الخارجة. بدت السياسة الرسمية في السنوات الاخيرة واضحة لجهة خنق المساحة أمام المنظّمات المستقلّة وإتاحتها لمؤسّسات منسجمة مع سياسات السلطة، وتحديداً تلك المتمثّلة بالتحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي الذي أُطلق في عام 2022.
مؤسّسة مثل “مؤسّسة قضايا المرأة المصرية” عانت من التضييق بموجب القانون خلال العامين الماضيين، ممّا أثّر على تمويلها حيث استمرّ العمل منذ تدشين القانون حتى الآن استناداً إلى المشروعات المستمرّة من حينها حتى الآن، ولم تتمكّن من الحصول على مشروعات جديدة.
رفض المشروعات
يقول شريف جمال المدير التنفيذي لـ”مركز قضايا المرأة المصرية”، إن تعليق المؤسّسة عملها لمدّة شهر جاء نتيجة أزمة ممتدّة في الحصول على الموافقات اللازمة لتنفيذ المشروعات، موضحاً أن المؤسّسة لم تحصل، على مدار نحو ثلاث سنوات، على الموافقة على أي مشروع من المشروعات التي تقدّمت بها.
ويضيف جمال أن المؤسّسة تقدمت خلال هذه الفترة بسبعة مشروعات، رُفض خمسة منها بشكل مباشر، بينما ظلّت المشروعات الأخرى قيد المماطلة والاستفسارات لفترات تراوحت بين ستّة أشهر وعام، ما أدّى في النهاية إلى إلغاء الجهات المانحة للتعاقدات بسبب انتهاء المواعيد المحدّدة للاحتفاظ بالتمويل.
ويؤكّد أن هذا الوضع حرم المستفيدين والمستفيدات من خدمات وبرامج كان من المفترض أن تنفّذها المؤسّسة.
ويتيح قانون تنظيم العمل الأهلي للمؤسّسات والجمعيّات الأهلية تلقّي المنح المقدّمة من جهات مانحة مصرية أو أجنبية لتمويل مشروعاتها، على أن تُودع هذه الأموال في حساباتها البنكية.
وبموجب اللائحة التنفيذية للقانون، يتعيّن على المؤسّسة أو الجمعيّة إخطار الوحدة المركزية للجمعيّات والعمل الأهلي بوزارة التضامن، بتلقّي الأموال خلال 30 يوم عمل من تاريخ إيداعها في الحساب البنكي، مع تقديم بيانات تفصيلية بشأن الجهة المانحة، والمشروع المزمع تنفيذه، وموازنته التقديرية.
وتتيح اللائحة للوحدة، بعد استطلاع رأي الجهات المعنيّة دون تحديدها، الاعتراض على قبول أو تلقّي هذه الأموال خلال 60 يوم عمل من تاريخ استلام الإخطار، مستوفياً جميع البيانات والمستندات المطلوبة.
وكانت مؤسّسة “قضايا المرأة” قد اشتكت قبل شهرين من تعطيل نشاطها التنموي على مدار العامين الماضيين، نتيجة ما اعتبرته “رفضاً إدارياً غير مسبّب ومماطلة في الإجراءات”، الأمر الذي أدّى، وفقاً للمؤسّسة، إلى تعثّر ستّة مشروعات حقوقية وتنموية منذ العام 2024، كان أحدثها مشروع “من حقّي حمايتي”، الذي أُخطرت المؤسّسة أمس الاثنين برفضه.
وقالت المؤسّسة في بيان إن “مسار التعطيل شمل رفض أربعة مشروعات خلال العامين الماضيين من دون تقديم مبرّرات مكتوبة، فيما تعذّر تنفيذ مشروعين آخرين بسبب تأخّر الجهة الإدارية المختصّة بوزارة التضامن في البتّ فيهما، ما أدّى إلى انتهاء المدد المحدّدة في التعاقدات مع الجهات المانحة وفقدان تمويلات كانت مخصّصة لدعم النساء والفتيات”.
وكان آخر المشروعات المرفوضة “من حقّي حمايتي”، الذي يستهدف مواجهة العنف ضد النساء من خلال تعزيز الحقوق الجنسية والإنجابية، إلى جانب تقديم الدعم القانوني والنفسي للناجيات من العنف في القاهرة الكبرى. وتقدّمت المؤسّسة بالمشروع في كانون الأوّل/ ديسمبر 2025، لكنّها لم تتلقَّ ردّاً بشأنه إلا بعد نحو خمسة أشهر، ليأتي الردّ بالرفض من دون إبداء أسباب، بحسب البيان.
ويرى جمال أن المشكلة لا تتعلّق فقط برفض التمويل، إنما بغياب الوضوح في أسباب الرفض، قائلاً إن المؤسّسة لم تتلقَّ أي ملاحظات تتعلّق بمخالفات إدارية أو مالية، كما أن تقارير المتابعة الخاصّة بالوزارة كانت مرضية. ويضيف أن بعض الجهات المانحة التي رُفضت مشروعات المؤسّسة المقدّمة إليها، سبق أن حصلت المؤسّسة على موافقات منها في مشروعات سابقة، كما حصلت مؤسّسات أخرى على موافقات من الجهات نفسها.
بحسب خبراء حقوقيين فإن قانون تنظيم العمل الأهلي الصادر في عام 2019 يطرح إشكاليات في التطبيق، خصوصاً في ما يتعلّق بضرورة تسبيب قرارات رفض طلبات التمويل. ويقول جمال إن المؤسّسات لا تحصل، بحسب ما واجهت المؤسّسة، على أسباب واضحة للرفض تمكّنها من معالجة أي ملاحظات أو تعديل مشروعاتها.
بحسب جمال فإن الوزارة وضعت ثغرات في قانونها للتضييق على المؤسّسات بداية من طريقة احتساب مدّة الستّين يوماً المنصوص عليها في القانون، مشيراً إلى أن الإجراءات قد تستغرق أشهراً قبل وصول ملفّ المشروع إلى الوزارة، ثم يمكن أن تمتدّ المدّة مجدّداً بسبب الاستفسارات التي تعيد احتساب المدّة من البداية، وهو ما يجعل الموافقة على المشروعات تستغرق في بعض الحالات ستّة أشهر أو عاماً كاملاً.
ويحذّر المدير التنفيذي لـ”مركز قضايا المرأة” من أن إطالة الإجراءات لا تؤثّر فقط على المؤسّسات والمستفيدين من خدماتها، إنما تمتدّ آثارها إلى النشاط الاقتصادي المرتبط بالمشروعات، باعتبار أن التمويلات الأجنبية تخضع للرقابة القانونية، وتُنفق داخل مصر على أنشطة وخدمات وباحثين وقاعات وفنادق ومطابع وغيرها.
ويشدّد جمال على أن التمويل الأجنبي للمؤسّسات الأهلية لا ينبغي التعامل معه باعتباره شبهة في حدّ ذاته، مؤكّداً ن هذه الأموال تدخل إلى مصر وفقاً للقانون وتحت رقابة الدولة، وتتحوّل إلى نشاط اقتصادي يستفيد منه عدد كبير من القطاعات.
ويحذّر في الوقت نفسه من أن “شيطنة” مؤسّسات المجتمع المدني، خصوصاً المنظّمات النسوية التي تعمل في قضايا حقوق النساء، تخلق بيئة معادية للعمل الحقوقي بدلاً من معالجة أي ملاحظات أو مخالفات بشكل واضح ومعلن.
وفي ما يتعلّق بما إذا كان التضييق على مركز قضايا المرأة مرتبطاً بطبيعة القضايا التي يعمل عليها، يقول جمال إنه لا يستطيع الجزم بوجود علاقة مباشرة، لكنّه يشير إلى وجود “نظرة أبوية ورجعية”، تظهر أحياناً في بعض المقترحات والتشريعات المتعلّقة بالمرأة والأحوال الشخصية، ويؤكّد أن عمل المؤسّسات النسوية يستند إلى الإشكاليات التي تواجهها النساء على أرض الواقع، وإلى القوانين والدستور والاستراتيجيات التي أعلنتها الدولة نفسها.
ويؤكّد جمال أهمّية الحوار المجتمعي عند إعداد القوانين، موضحاً أن “مركز قضايا المرأة” عمل لسنوات على مقترح لقانون الأحوال الشخصية، ونظّم نقاشات في عدد من المحافظات للوصول إلى صيغة تتضمّن ملاحظات واحتياجات مختلفة من المواطنين والمواطنات.
ويقول إن المؤسّسات المدنية نفسها تراجع مقترحاتها باستمرار بناءً على ما تسمعه من الناس، ولذلك فإن إشراك المجتمع في مناقشة القوانين يجب أن يكون جزءاً أساسياً من عمليّة التشريع.
هذا الواقع تترجمه حملات الهجوم التي تتعرّض لها المنظّمات النسوية على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ إن كثيراً من الانتقادات تستند إلى معلومات غير دقيقة أو إلى مقترحات لم يقرأها أصحابها.
التضييق بالقانون
وعلى غرار كافّة قوانين البرلمان الحالي والسابق، فإن قانون تنظيم العمل الأهلي قد حظي برفض من 10 مؤسّسات حقوقية مصرية، بالإضافة إلى رفض دولي، حيث رفضت عشر مؤسّسات حقوقية مصرية، من بينها “مركز النديم” و”المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية” و”مؤسّسة حرّية الفكر والتعبير”.
وبحسب بيان المؤسّسات فأن أسباب الرفض أن القانون الحالي هو إعادة تسويق للقانون رقم 70 لسنة 2017، الذي لاقى انتقادات واسعة دولياً وداخلياً.
وكان القانون السابق قد انتُقد بسبب توجيه نسبة 1% من تمويل أي جمعيّة أهلية لصالح صندوق الجمعيّات الأهلية، وهو ما رفضته الجهات المانحة، وكذلك العقوبات السالبة للحرّيات، وإشراف المجلس الأمني، وهو ما تحايل عليه القانون الحالي بالوحدة المركزية المسؤولة عن الموافقة على المشروعات، كما استبدل القانون العقوبات السالبة للحرّيات بغرامات باهظة.
وبحسب المنظّمات فقد تحايل القانون على المادّة 75 من الدستور التي تشترط تأسيس الجمعيّة بمجرّد الإخطار، وحوّل عمليّة الإخطار إلى ترخيص من الناحية العمليّة، بأن علّق شرط اكتساب الشخصيّة القانونية للجمعيّة على عدم اعتراض الجهة الإدارية، واشترط إصدار تلك الجهة خطاباً للبنوك يتيح للجمعيّة فتح حساب، كذلك توافق القانون الحالي ومشروع القانون على استثناء الجمعيّات في المناطق الحدودية من شرط الإخطار لتأسيس الجمعيّة، وجعلها بالترخيص المسبق بعد استطلاع رأي المحافظ.
إقرأوا أيضاً:
والجدير بالذكر أن تحديد نطاق المناطق الحدودية ليس أمراً ثابتاً أو معروفاً، إنما هو أمر متغيّر يخضع لقرار من الدولة، قد تتوسّع فيه إن رغبت.
كما اعتبر القانون أموال الجمعيّات كأموال عامّة، رغم أن الجمعيّات ليست من مؤسّسات الدولة، وأموالها ليست أموالاً عامّة –كما أقرّت المحكمة الدستورية العليا في أحكام سابقة– فإن اعتبار أموالها أموالاً عامّة والقائمين على تلك الأموال في حكم الموظّفين العموميين قد يؤدّي إلى وقوع عقوبات قاسية على جرائم من قبيل إهدار المال العامّ وغيرها، ومن الممكن أن يعدّ فقد مبلغ 100 جنيه من حساب الجمعيّة جناية تصل عقوبتها إلى السجن خمسة عشر عاماً.
تضييق إداري
في مقال له، انتقد محمّد عبد السلام المدير التنفيذي لـ”مؤسّسة حرّية الفكر والتعبير”، التضييق الإداري الذي طال المؤسّسة في توفيق أوضاعها بموجب القانون الذي يفرض التسجيل والترخيص على كافّة المؤسّسات التي عملت تحت شكل قانوني، غير الجمعيّات الأهلية ومن بينها “مؤسّسة الفكر والتعبير”.
وقال عبد السلام في مقاله إن تجربة المؤسّسة في توفيق أوضاعها وفق قانون تنظيم العمل الأهلي تكشف أن العقبات لا تنتهي بمجرّد التسجيل، بل تبدأ بعدها مرحلة أخرى من التعطيل الإداري والأمني.
وأشار في مقال له تناول فيه تجربة المؤسّسة، إلى أن إجراءات الإشهار التي بدأت في كانون الأوّل/ ديسمبر 2022 وانتهت في تمّوز/ يوليو 2023، لم تكن سوى الخطوة الأولى، إذ واجهت المؤسّسة لاحقاً عراقيل امتدّت إلى تفعيل حسابها البنكي، الذي ظلّ معطّلاً لنحو 11 شهراً، قبل أن تواجه طلبات المنح المقدّمة لتنفيذ أنشطة مرتبطة بحرّية التعبير والإعلام والتعبير الرقمي بالرفض، رغم أن تقارير مديرية التضامن الاجتماعي أوصت بقبولها وتوافُقها مع القانون والنظام الأساسي للمؤسّسة، بسبب “الجهات الأمنية” التي يجب أن توافق على القرارات.
وبحسب عبد السلام، فإن جوهر المشكلة يتمثّل في تراجع سلطة الجهة الإدارية أمام ما يسمّيه “الاعتبارات الأمنية”، إذ لا تُكشف للمؤسّسات أسباب واضحة لرفض طلبات المنح، بما يحرمها من القدرة على مناقشة القرارات أو الطعن فيها بصورة فعّالة، مشيراً إلى همسات غير رسمية تتحدّث عن “تعليمات عليا” برفض التمويل الأجنبي للجمعيّات والمؤسّسات الأهلية.
و”تارة أخرى” يشير البعض إلى عدم حماسة وزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي لعمل الجمعيّات والمؤسّسات الأهلية غير المُنضوية تحت راية التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي، الذي أُطلق استجابةً لإعلان 2022 للمجتمع المدني.
ويربط عبد السلام هذه الممارسات بسياق أوسع من التضييق على المجتمع المدني المستقلّ، معتبراً أن الإجراءات الإدارية تتحوّل إلى أداة لتقييد قدرة المنظّمات الحقوقية على العمل، رغم الخطاب الرسمي حول الشراكة مع المجتمع المدني.
قد يكون القانون صدر قبل 7 سنوات، إلا أن آثاره المتأخّرة بدأت في الظهور على المجتمع المدني، الذي تعاني باقي مؤسّساته من غياب التمويل بسبب رفض المشروعات، حتى لا يتبقّى سوى المؤسّسات والمنظّمات التي ترضى عنها الدولة فقط.











