ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

قانون يادان بين مكافحة معاداة السامية وتقييد الحريات في فرنسا

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

القانون قد يطاول حتى الساسة والأكاديميين “البراغماتيين” الداعين إلى حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي على أساس قيام دولة واحدة ثنائية القومية. طرح قد يعد بدوره دعوى إلى تدمير إسرائيل بذريعة أن هذا الطرح ينهي مفهوم إسرائيل كدولة يهودية، ناهيك بالحسابات الديمغرافية. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

هل باتت معاداة الصهيونية أحد تجليات معاداة السامية؟ وهل يتخذ معادو السامية من الصهيونية ستاراً للتعبير عن عنصريتهم؟ أسئلة تؤرق الرأي العام الفرنسي منذ سنوات من دون أن ينجح الجدل الأكاديمي والسياسي في حسمها. وتيرة هذا الجدل تصاعدت منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مع انزلاق المشهد السياسي الفرنسي إلى سباق محموم لإظهار الدعم غير المشروط لإسرائيل.

النائبة عن حزب النهضة الحاكم كارولين يادان أقدمت على خطوة غير مفاجئة، إذ تقدمت في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 باقتراح قانون “لمكافحة الأشكال المتجددة لمعاداة السامية”. اقتراح أقرته لجنة القوانين في الجمعية الوطنية الفرنسية في 20 كانون الثاني 2026، بانتظار مناقشته في جلسة عامة. 

المقصود بـ”الأشكال المتجددة”، وفق الصيغة الأصلية للنص، هي معاداة الصهيونية لينطوي بذلك اقتراح القانون بنسخته الأصلية على أربعة محاور: 

أولاً، تعديل المادة 421-2-5 من قانون العقوبات، التي تنص بصيغتها الحالية على السجن من 5 إلى 7 سنوات، وعلى غرامة مالية تتراوح بين 75000 و100000 يورو لكل من يحرض بشكل مباشر على ارتكاب أعمال إرهابية أو يمجّدها. يادان طالبت بتوسيع نطاق التجريم ليشمل التحريض “المباشر وغير المباشر”. 

ثانياً، طالبت يادان بمعاقبة كل دعوة إلى تدمير دولة أو إنكار وجودها. ثالثاً، سعت إلى منح الجمعيات الفرنسية الناشطة في مجال مكافحة العنصرية، حق الادعاء كطرف مدني ضد المطالبين بتدمير دولة أو إنكار وجودها. أخيراً، يهدف النص الأصلي إلى توسيع نطاق تطبيق عقوبة إنكار المحرقة لتطاول كل من يقارن إسرائيل بالنظام النازي. وفقاً ليادان، تشكل هذه المقارنة استخفافاً بالمحرقة، ما يفرض تعديل مواد في قانون حرية الصحافة بما ينسجم مع نصّها. 

 لمنح مبادرتها ما يلزم من “الشرعية”، استندت يادان إلى جملة من الحجج روّجت لها في المطالعة السياسية التي تضمنها نصها أو عبر إطلالاتها الإعلامية. أبرز ما تناولته يادان هو الأرقام الرسمية الدالة على ارتفاع الاعتداءات ذات الطابع المعادي للسامية، داخل فرنسا، منذ هجمات 7 أكتوبر. كما شدّدت يادان على أن معاداة السامية باتت تتخذ أشكالاً جديدة في وقتنا الحالي. وفقا لهاً، الكراهية تجاه دولة إسرائيل ونزع الشرعية عنها والدعوات إلى إزالتها من الوجود ومقارنتها بالنازية، ليست سوى واجهة لإخفاء معاداة للسامية: فإسرائيل تعد أكبر تجمع لليهود في العالم، وتدميرها أو إزالتها من الوجود مرادف لإبادة اليهود، بحسب يادان، التي أضافت أن مقارنتها بالنازية تعد تبريراً لما يتعرض له الإسرائيليون. 

علاوة على ذلك، استحضرت يادان تعريف معاداة السامية الصادر عن “التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة”، والذي تبنته فرنسا في العام 2019 ويشمل من بين أمور أخرى: اتهام اليهود كشعب أو إسرائيل كدولة باختراع الهولوكوست أو بالمبالغة في أبعاده، إنكار حق الشعب اليهودي في تقرير المصير عبر الادعاء بأن وجود دولة إسرائيل مجرد اجتهاد عنصري، وما شابه ذلك، تطبيق معايير مزدوجة من خلال مطالبة إسرائيل بتصرفات غير متوقعة من أي دولة ديمقراطية أخرى، إلقاء مسؤولية جماعية على اليهود عن إجراءات تقوم بها إسرائيل.

كارولين يادان رأت في الفاصل الزمني بين تاريخ التقدم باقتراح القانون وتاريخ إقراره في لجنة القوانين، حرصاً على اعتماد نص لا يمس الحريات العامة. فالجمعية الوطنية أحالت اقتراح القانون إلى مجلس الدولة الفرنسي في أيار/ مايو 2025، وقد تم الأخذ بملاحظاته خلال المناقشات. 

النسخة التي أقرتها لجنة القوانين في الجمعية الوطنية الفرنسية، تضمنت تعديلات يمكن وصفها بالشكلية، ما أجّج المخاوف حياله: فاللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان سجلت اعتراضين اثنين. يتعلق الاعتراض الأول بالتعديل المقترح للمادة 421-2-5 من قانون العقوبات بعد استبدال عبارة “التحريض غير المباشر” بـ”التحريض الضمني”. استناداً إلى بيان اللجنة، هذا التعديل وما ينطوي عليه من ضبابية، يفتح الباب أمام “محاكمة النوايا” بما يتناقض مع المادتين 7 و8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومع توصيات واجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. 

ويتعلق الاعتراض الثاني بتجريم دعوة “تدمير وإزالة أي دولة تحظى باعتراف الجمهورية الفرنسية”. ترى اللجنة في هذه المادة تقييداً للنقاش العام حول الملفات الجيوسياسية، ما يفضي إلى ردع “النقاشات المشروعة والصحية التي تشهدها الأنظمة الديمقراطية حول أهمية الاعتراف بدولة جديدة، أو شرعية الحكم الذي تتبناه الدولة، أو حتى الظروف التاريخية لإنشائها”.

لذا، طالبت اللجنة بإلغاء هذين المقترحين مذكِّرة بموقفها المتحفّظ أصلاً على تبنّي فرنسا تعريف معاداة السامية الصادر عن التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة.

ملاحظات اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان لم تمنع كارولين يادان من تحدّي معارضي مشروعها بالعثور على “كلمة واحدة تنتهك حرية التعبير”.

بالنظر إلى السياق السياسي الفرنسي منذ 7 أكتوبر، الذي يمتاز باستقطاب و”الإفراط” في التصدي لمعاداة السامية، تبدو الاعتراضات على اقتراح القانون مبرَّرة إلى حد كبير. تسود خشية في الأوساط السياسية والأكاديمية والإعلامية الفرنسية من تحويل هذا القانون إلى أداة لإسكات أي نقد موجه الى إسرائيل أو حتى لتجريم التضامن مع الشعب الفلسطيني، تحت عنوان التصدي لمعاداة السامية. وعليه تم التصويب على قانون يادان من أربعة محاور: تقييد الحريات، منح حصانة لإسرائيل، الإساءة الى اليهود وتأجيج معاداة السامية بدل مكافحتها. 

وفقاً للرئيس الفخري لرابطة حقوق الأنسان، بيار تارتاكوفسكي، يقوم هذا القانون على خلط لثلاثة مفاهيم منفصلة: اليهودية، الصهيونية وإسرائيل. 

نتيجة هذا الخلط، سيتحول أي انتقاد موجّه الى الحكومة الإسرائيلية إلى مدخل للملاحقة القضائية بذريعة استهدافه اليهود، ما يشكل مساساً بحرية التعبير في فرنسا. 

مجموعة من “المواطنين والمواطنات من أصل يهودي، والمؤيّدين لسلام عادل ودائم يقوم على احترام حقوق الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني”، وقعت عريضة نشرتها صحيفة “ليبراسيون”. الموقعون اعتبروا انتقاد الصهيونية جزءاً من النقاش الديمقراطي، وأي خلط بين هذه الأيديولوجيا السياسية والديانة اليهودية يعد تقويضاً للحريات. موقف مماثل عبّر عنه عدد من النقابيين والناشطين الحقوقيين الفرنسيين من خلال عريضة نشرتها صحيفة “لومانيتيه” تحت عنوان: “في مواجهة معاداة السامية، لا غنى عن حرية التعبير”. 

الباحثان الفرنسيان جان كريستوف أتياس وإستير بينباسا تناولا من جهتهما الضرر الذي سيلحق بالحريات الأكاديمية. برأي أتياس وبينباسا، يهدف قانون يادان إلى “اصطياد الكلمات” لينعكس بذلك سلباً على الأكاديميين والصحافيين الذين يتناولون “معاناة الفلسطينيين التي تتسبّب بها إسرائيل”. 

الباحثان الفرنسيان طرحا التساؤل التالي: “هل سيتعين علينا الصمت حيال ما يُرتكب من فظائع ومجاعات وتدميرٍ للمستشفيات (في غزة) وعرقلةٍ لوصول المساعدات الإنسانية ومنعٍ للمنظمات الإنسانية من العمل للتخفيف عن معاناة الفلسطينيين؟”، تساؤل تقاطع مع ما ورد في عريضة “ليبراسيون” التي رفضت، باسم مناهضة معاداة السامية، منع انتقاد الحكومة الإسرائيلية المُتهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة.  

تارتاكوفسكي ذهب أبعد من ذلك. برأيه، سيعفي قانون يادان إسرائيل من التزاماتها تجاه القانون الدولي، ما يعزز نظريات المؤامرة بسبب سياسة “الكيل بمكيالين”. على سبيل المثال، قد يُمنع، باسم التصدّي لمعاداة السامية، انتقاد الاستيطان في الضفة الغربية على رغم تجريمه دولياً. 

وبخصوص “الكيل بمكيالين”، استحضر تارتاكوفسكي إقدام المسؤولين الإسرائيليين على ارتداء النجمة السداسية الصفراء، ما اعتبره تطويعاً سياسياً للمحرقة وانتقائية في استحضار التاريخ: فيما يُسمح بتشبيه هجوم 7 أكتوبر امتداداً بالمحرقة، يُمنع بالمقابل تشبيه إسرائيل بالنازية. 

عريضة “ليبراسيون” توقّفت بدورها عند سياسة “الكيل بمكيالين” التي توحي بامتلاك اليهود امتيازات دوناً عن سواهم، ما يؤدي ليس فقط إلى عرقلة جهود مكافحة معاداة السامية، بل أيضاً إلى تأجيج هذه النظرة العنصرية. من جانبه، رأى تارتاكوفسكي في الخلط بين المفاهيم الثلاثة، إساءة لليهود الفرنسيين عبر الإيحاء بولائهم المزدوج.

موقع ميديا الاستقصائي نشر بدوره عريضة وقّعها أكاديميون وصحافيون وناشطون استغربوا خلوّ اقتراح القانون من أي إشارة إلى تصاعد الإسلاموفوبيا في فرنسا منذ 7 أكتوبر، حالها حال الأعمال المعادية للسامية. ليطرح الموقعون تساؤلات عن الغايات الفعلية من اقتراح القانون هذا. 

من المفيد في هذا الإطار، الإشارة إلى كون كارولين يادان نائبة عن الدائرة الثامنة للفرنسيين المقيمين في الخارج: استناداً إلى البيانات الرسمية الفرنسية، يشكل الناخبون في إسرائيل 40 في المئة من إجمالي ناخبي هذه الدائرة التي تشمل تسع دول (إيطاليا، تركيا، اليونان، إسرائيل، الأراضي الفلسطينية، الفاتيكان، مالطا، قبرص وسان مارينو)، ما يعني أن خطوتها قد تكون بدوافع انتخابية.

جان كريستوف أتياس وإستير بينباسا صنفا قانون يادان في خانة “لزوم ما لا يلزم”، إذ تمتلك فرنسا ترسانة قانونية قادرة على التصدّي لمعاداة السامية، يضاف إليها “حكمة القضاة”. 

لكن حتى لو افترضنا حسن النوايا وأن نص القانون لا ينتقص من الحريات العامة، لم يعد خافياً على أحد حجم التضييق الداخلي الفرنسي بحق الرأي العام المنحاز الى الجانب الفلسطيني، ما يسمح بتطويع هذا القانون للتضييق على هذه الشريحة السياسية. 

فالسياسيون والصحافيون والأكاديميون الفرنسيون المنحازون الى الموقف الإسرائيلي، لا يدخرون جهداً في إطلاق تهمتي معاداة السامية ومحاباة الإرهاب على نحو واسع، على رغم غياب الإدانات القضائية. على سبيل المثال، منذ عملية طوفان الأقصى والتصويب مستمر على كوادر حركة فرنسا الأبية (أبرز الأحزاب اليسارية الفرنسية) من باب معاداة السامية من دون النجاح في انتزاع حكم قضائي واحد. آخر فصول هذا المسلسل كان تبرئة النائب دافيد غيرو من معاداة السامية بعد دعوى تقدم بها مائير حبيب (النائب الذي كان يشغل مقعد كارولين يادان ويوصف برجل إسرائيل في فرنسا) عقب مشادة كلامية وثّقتها عدسات المصوّرين.

المفارقة أن المؤيدين للسياسة الإسرائيلية داخل فرنسا يستمرون بتوجيه هاتين التهمتين على رغم أحكام بالبراءة، خير مثال على ذلك ما يحصل مع الباحث المتخصص في الشؤون العربية والإسلامية فرنسوا بورغا، الذي وبالرغم من تبرئته من تهمة محاباة الإرهاب، يتمسك خصومه بالتذكير بالدعوى التي رفعت ضده عند كل مناسبة: معيار الإدانة بنظرهم لم يعد الحكم القضائي بل توجيه التهمة، سلوك يكشف احتقاراً للأحكام القضائية.

سلوك تجلّى خلال مناقشة القانون في لجنة القوانين، حين رفضت اللجنة طلباً تقدمت به نائبتان يساريتان بحذف مادة تجريم إنكار إسرائيل، على رغم استناد طلب الحذف إلى حكم قضائي صريح صادر عن محكمة “كليرمون فيرون” في كانون الأول/ ديسمبر 2025، جاء فيه أن معاداة الصهيونية ليست مرادفاً لمعاداة السامية. وعلى رغم هذه الحجة القانونية لم يؤخذ بطلبهما. 

ما ذُكر أعلاه يشير الى أن نص كارولين يادان سيمنح أنصار إسرائيل إطاراً قانونياً يتيح لهم مرونة أكبر إن في توجيه التهم “جزافاً” أو في حرف أي نقاش عن سياقه الأصلي: الدعوة إلى إزالة المستوطنات في الضفة الغربية قد تصنف مثلاً دعوة إلى إزالة إسرائيل، فمن تنكر للأحكام القضائية الفرنسية هل سيجد حرجاً في التعرض للقانون الدولي؟ 

القانون قد يطاول حتى الساسة والأكاديميين “البراغماتيين” الداعين إلى حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي على أساس قيام دولة واحدة ثنائية القومية. طرح قد يعد بدوره دعوى إلى تدمير إسرائيل بذريعة أن هذا الطرح ينهي مفهوم إسرائيل كدولة يهودية، ناهيك بالحسابات الديمغرافية. 

إقرار هذا القانون الإشكالي، بعباراته “الضبابية” وفي بيئة سياسية يحكمها الاستقطاب الحاد ويتراجع فيها احترام السلطة القضائية، سيتحول حكماً إلى أداة إضافية بيد المنحازين إلى الطرف الإسرائيلي لاستخدامها ضد خصومهم. فالضبابية لا توفر إطاراً واضحاً لتوجيه التهم، ما يترك هامشاً أوسع للتأويلات والاجتهادات السياسية وما يواكبها من حملات إعلامية مضلّلة.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
12.02.2026
زمن القراءة: 8 minutes

القانون قد يطاول حتى الساسة والأكاديميين “البراغماتيين” الداعين إلى حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي على أساس قيام دولة واحدة ثنائية القومية. طرح قد يعد بدوره دعوى إلى تدمير إسرائيل بذريعة أن هذا الطرح ينهي مفهوم إسرائيل كدولة يهودية، ناهيك بالحسابات الديمغرافية. 

هل باتت معاداة الصهيونية أحد تجليات معاداة السامية؟ وهل يتخذ معادو السامية من الصهيونية ستاراً للتعبير عن عنصريتهم؟ أسئلة تؤرق الرأي العام الفرنسي منذ سنوات من دون أن ينجح الجدل الأكاديمي والسياسي في حسمها. وتيرة هذا الجدل تصاعدت منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مع انزلاق المشهد السياسي الفرنسي إلى سباق محموم لإظهار الدعم غير المشروط لإسرائيل.

النائبة عن حزب النهضة الحاكم كارولين يادان أقدمت على خطوة غير مفاجئة، إذ تقدمت في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 باقتراح قانون “لمكافحة الأشكال المتجددة لمعاداة السامية”. اقتراح أقرته لجنة القوانين في الجمعية الوطنية الفرنسية في 20 كانون الثاني 2026، بانتظار مناقشته في جلسة عامة. 

المقصود بـ”الأشكال المتجددة”، وفق الصيغة الأصلية للنص، هي معاداة الصهيونية لينطوي بذلك اقتراح القانون بنسخته الأصلية على أربعة محاور: 

أولاً، تعديل المادة 421-2-5 من قانون العقوبات، التي تنص بصيغتها الحالية على السجن من 5 إلى 7 سنوات، وعلى غرامة مالية تتراوح بين 75000 و100000 يورو لكل من يحرض بشكل مباشر على ارتكاب أعمال إرهابية أو يمجّدها. يادان طالبت بتوسيع نطاق التجريم ليشمل التحريض “المباشر وغير المباشر”. 

ثانياً، طالبت يادان بمعاقبة كل دعوة إلى تدمير دولة أو إنكار وجودها. ثالثاً، سعت إلى منح الجمعيات الفرنسية الناشطة في مجال مكافحة العنصرية، حق الادعاء كطرف مدني ضد المطالبين بتدمير دولة أو إنكار وجودها. أخيراً، يهدف النص الأصلي إلى توسيع نطاق تطبيق عقوبة إنكار المحرقة لتطاول كل من يقارن إسرائيل بالنظام النازي. وفقاً ليادان، تشكل هذه المقارنة استخفافاً بالمحرقة، ما يفرض تعديل مواد في قانون حرية الصحافة بما ينسجم مع نصّها. 

 لمنح مبادرتها ما يلزم من “الشرعية”، استندت يادان إلى جملة من الحجج روّجت لها في المطالعة السياسية التي تضمنها نصها أو عبر إطلالاتها الإعلامية. أبرز ما تناولته يادان هو الأرقام الرسمية الدالة على ارتفاع الاعتداءات ذات الطابع المعادي للسامية، داخل فرنسا، منذ هجمات 7 أكتوبر. كما شدّدت يادان على أن معاداة السامية باتت تتخذ أشكالاً جديدة في وقتنا الحالي. وفقا لهاً، الكراهية تجاه دولة إسرائيل ونزع الشرعية عنها والدعوات إلى إزالتها من الوجود ومقارنتها بالنازية، ليست سوى واجهة لإخفاء معاداة للسامية: فإسرائيل تعد أكبر تجمع لليهود في العالم، وتدميرها أو إزالتها من الوجود مرادف لإبادة اليهود، بحسب يادان، التي أضافت أن مقارنتها بالنازية تعد تبريراً لما يتعرض له الإسرائيليون. 

علاوة على ذلك، استحضرت يادان تعريف معاداة السامية الصادر عن “التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة”، والذي تبنته فرنسا في العام 2019 ويشمل من بين أمور أخرى: اتهام اليهود كشعب أو إسرائيل كدولة باختراع الهولوكوست أو بالمبالغة في أبعاده، إنكار حق الشعب اليهودي في تقرير المصير عبر الادعاء بأن وجود دولة إسرائيل مجرد اجتهاد عنصري، وما شابه ذلك، تطبيق معايير مزدوجة من خلال مطالبة إسرائيل بتصرفات غير متوقعة من أي دولة ديمقراطية أخرى، إلقاء مسؤولية جماعية على اليهود عن إجراءات تقوم بها إسرائيل.

كارولين يادان رأت في الفاصل الزمني بين تاريخ التقدم باقتراح القانون وتاريخ إقراره في لجنة القوانين، حرصاً على اعتماد نص لا يمس الحريات العامة. فالجمعية الوطنية أحالت اقتراح القانون إلى مجلس الدولة الفرنسي في أيار/ مايو 2025، وقد تم الأخذ بملاحظاته خلال المناقشات. 

النسخة التي أقرتها لجنة القوانين في الجمعية الوطنية الفرنسية، تضمنت تعديلات يمكن وصفها بالشكلية، ما أجّج المخاوف حياله: فاللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان سجلت اعتراضين اثنين. يتعلق الاعتراض الأول بالتعديل المقترح للمادة 421-2-5 من قانون العقوبات بعد استبدال عبارة “التحريض غير المباشر” بـ”التحريض الضمني”. استناداً إلى بيان اللجنة، هذا التعديل وما ينطوي عليه من ضبابية، يفتح الباب أمام “محاكمة النوايا” بما يتناقض مع المادتين 7 و8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومع توصيات واجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. 

ويتعلق الاعتراض الثاني بتجريم دعوة “تدمير وإزالة أي دولة تحظى باعتراف الجمهورية الفرنسية”. ترى اللجنة في هذه المادة تقييداً للنقاش العام حول الملفات الجيوسياسية، ما يفضي إلى ردع “النقاشات المشروعة والصحية التي تشهدها الأنظمة الديمقراطية حول أهمية الاعتراف بدولة جديدة، أو شرعية الحكم الذي تتبناه الدولة، أو حتى الظروف التاريخية لإنشائها”.

لذا، طالبت اللجنة بإلغاء هذين المقترحين مذكِّرة بموقفها المتحفّظ أصلاً على تبنّي فرنسا تعريف معاداة السامية الصادر عن التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة.

ملاحظات اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان لم تمنع كارولين يادان من تحدّي معارضي مشروعها بالعثور على “كلمة واحدة تنتهك حرية التعبير”.

بالنظر إلى السياق السياسي الفرنسي منذ 7 أكتوبر، الذي يمتاز باستقطاب و”الإفراط” في التصدي لمعاداة السامية، تبدو الاعتراضات على اقتراح القانون مبرَّرة إلى حد كبير. تسود خشية في الأوساط السياسية والأكاديمية والإعلامية الفرنسية من تحويل هذا القانون إلى أداة لإسكات أي نقد موجه الى إسرائيل أو حتى لتجريم التضامن مع الشعب الفلسطيني، تحت عنوان التصدي لمعاداة السامية. وعليه تم التصويب على قانون يادان من أربعة محاور: تقييد الحريات، منح حصانة لإسرائيل، الإساءة الى اليهود وتأجيج معاداة السامية بدل مكافحتها. 

وفقاً للرئيس الفخري لرابطة حقوق الأنسان، بيار تارتاكوفسكي، يقوم هذا القانون على خلط لثلاثة مفاهيم منفصلة: اليهودية، الصهيونية وإسرائيل. 

نتيجة هذا الخلط، سيتحول أي انتقاد موجّه الى الحكومة الإسرائيلية إلى مدخل للملاحقة القضائية بذريعة استهدافه اليهود، ما يشكل مساساً بحرية التعبير في فرنسا. 

مجموعة من “المواطنين والمواطنات من أصل يهودي، والمؤيّدين لسلام عادل ودائم يقوم على احترام حقوق الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني”، وقعت عريضة نشرتها صحيفة “ليبراسيون”. الموقعون اعتبروا انتقاد الصهيونية جزءاً من النقاش الديمقراطي، وأي خلط بين هذه الأيديولوجيا السياسية والديانة اليهودية يعد تقويضاً للحريات. موقف مماثل عبّر عنه عدد من النقابيين والناشطين الحقوقيين الفرنسيين من خلال عريضة نشرتها صحيفة “لومانيتيه” تحت عنوان: “في مواجهة معاداة السامية، لا غنى عن حرية التعبير”. 

الباحثان الفرنسيان جان كريستوف أتياس وإستير بينباسا تناولا من جهتهما الضرر الذي سيلحق بالحريات الأكاديمية. برأي أتياس وبينباسا، يهدف قانون يادان إلى “اصطياد الكلمات” لينعكس بذلك سلباً على الأكاديميين والصحافيين الذين يتناولون “معاناة الفلسطينيين التي تتسبّب بها إسرائيل”. 

الباحثان الفرنسيان طرحا التساؤل التالي: “هل سيتعين علينا الصمت حيال ما يُرتكب من فظائع ومجاعات وتدميرٍ للمستشفيات (في غزة) وعرقلةٍ لوصول المساعدات الإنسانية ومنعٍ للمنظمات الإنسانية من العمل للتخفيف عن معاناة الفلسطينيين؟”، تساؤل تقاطع مع ما ورد في عريضة “ليبراسيون” التي رفضت، باسم مناهضة معاداة السامية، منع انتقاد الحكومة الإسرائيلية المُتهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة.  

تارتاكوفسكي ذهب أبعد من ذلك. برأيه، سيعفي قانون يادان إسرائيل من التزاماتها تجاه القانون الدولي، ما يعزز نظريات المؤامرة بسبب سياسة “الكيل بمكيالين”. على سبيل المثال، قد يُمنع، باسم التصدّي لمعاداة السامية، انتقاد الاستيطان في الضفة الغربية على رغم تجريمه دولياً. 

وبخصوص “الكيل بمكيالين”، استحضر تارتاكوفسكي إقدام المسؤولين الإسرائيليين على ارتداء النجمة السداسية الصفراء، ما اعتبره تطويعاً سياسياً للمحرقة وانتقائية في استحضار التاريخ: فيما يُسمح بتشبيه هجوم 7 أكتوبر امتداداً بالمحرقة، يُمنع بالمقابل تشبيه إسرائيل بالنازية. 

عريضة “ليبراسيون” توقّفت بدورها عند سياسة “الكيل بمكيالين” التي توحي بامتلاك اليهود امتيازات دوناً عن سواهم، ما يؤدي ليس فقط إلى عرقلة جهود مكافحة معاداة السامية، بل أيضاً إلى تأجيج هذه النظرة العنصرية. من جانبه، رأى تارتاكوفسكي في الخلط بين المفاهيم الثلاثة، إساءة لليهود الفرنسيين عبر الإيحاء بولائهم المزدوج.

موقع ميديا الاستقصائي نشر بدوره عريضة وقّعها أكاديميون وصحافيون وناشطون استغربوا خلوّ اقتراح القانون من أي إشارة إلى تصاعد الإسلاموفوبيا في فرنسا منذ 7 أكتوبر، حالها حال الأعمال المعادية للسامية. ليطرح الموقعون تساؤلات عن الغايات الفعلية من اقتراح القانون هذا. 

من المفيد في هذا الإطار، الإشارة إلى كون كارولين يادان نائبة عن الدائرة الثامنة للفرنسيين المقيمين في الخارج: استناداً إلى البيانات الرسمية الفرنسية، يشكل الناخبون في إسرائيل 40 في المئة من إجمالي ناخبي هذه الدائرة التي تشمل تسع دول (إيطاليا، تركيا، اليونان، إسرائيل، الأراضي الفلسطينية، الفاتيكان، مالطا، قبرص وسان مارينو)، ما يعني أن خطوتها قد تكون بدوافع انتخابية.

جان كريستوف أتياس وإستير بينباسا صنفا قانون يادان في خانة “لزوم ما لا يلزم”، إذ تمتلك فرنسا ترسانة قانونية قادرة على التصدّي لمعاداة السامية، يضاف إليها “حكمة القضاة”. 

لكن حتى لو افترضنا حسن النوايا وأن نص القانون لا ينتقص من الحريات العامة، لم يعد خافياً على أحد حجم التضييق الداخلي الفرنسي بحق الرأي العام المنحاز الى الجانب الفلسطيني، ما يسمح بتطويع هذا القانون للتضييق على هذه الشريحة السياسية. 

فالسياسيون والصحافيون والأكاديميون الفرنسيون المنحازون الى الموقف الإسرائيلي، لا يدخرون جهداً في إطلاق تهمتي معاداة السامية ومحاباة الإرهاب على نحو واسع، على رغم غياب الإدانات القضائية. على سبيل المثال، منذ عملية طوفان الأقصى والتصويب مستمر على كوادر حركة فرنسا الأبية (أبرز الأحزاب اليسارية الفرنسية) من باب معاداة السامية من دون النجاح في انتزاع حكم قضائي واحد. آخر فصول هذا المسلسل كان تبرئة النائب دافيد غيرو من معاداة السامية بعد دعوى تقدم بها مائير حبيب (النائب الذي كان يشغل مقعد كارولين يادان ويوصف برجل إسرائيل في فرنسا) عقب مشادة كلامية وثّقتها عدسات المصوّرين.

المفارقة أن المؤيدين للسياسة الإسرائيلية داخل فرنسا يستمرون بتوجيه هاتين التهمتين على رغم أحكام بالبراءة، خير مثال على ذلك ما يحصل مع الباحث المتخصص في الشؤون العربية والإسلامية فرنسوا بورغا، الذي وبالرغم من تبرئته من تهمة محاباة الإرهاب، يتمسك خصومه بالتذكير بالدعوى التي رفعت ضده عند كل مناسبة: معيار الإدانة بنظرهم لم يعد الحكم القضائي بل توجيه التهمة، سلوك يكشف احتقاراً للأحكام القضائية.

سلوك تجلّى خلال مناقشة القانون في لجنة القوانين، حين رفضت اللجنة طلباً تقدمت به نائبتان يساريتان بحذف مادة تجريم إنكار إسرائيل، على رغم استناد طلب الحذف إلى حكم قضائي صريح صادر عن محكمة “كليرمون فيرون” في كانون الأول/ ديسمبر 2025، جاء فيه أن معاداة الصهيونية ليست مرادفاً لمعاداة السامية. وعلى رغم هذه الحجة القانونية لم يؤخذ بطلبهما. 

ما ذُكر أعلاه يشير الى أن نص كارولين يادان سيمنح أنصار إسرائيل إطاراً قانونياً يتيح لهم مرونة أكبر إن في توجيه التهم “جزافاً” أو في حرف أي نقاش عن سياقه الأصلي: الدعوة إلى إزالة المستوطنات في الضفة الغربية قد تصنف مثلاً دعوة إلى إزالة إسرائيل، فمن تنكر للأحكام القضائية الفرنسية هل سيجد حرجاً في التعرض للقانون الدولي؟ 

القانون قد يطاول حتى الساسة والأكاديميين “البراغماتيين” الداعين إلى حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي على أساس قيام دولة واحدة ثنائية القومية. طرح قد يعد بدوره دعوى إلى تدمير إسرائيل بذريعة أن هذا الطرح ينهي مفهوم إسرائيل كدولة يهودية، ناهيك بالحسابات الديمغرافية. 

إقرار هذا القانون الإشكالي، بعباراته “الضبابية” وفي بيئة سياسية يحكمها الاستقطاب الحاد ويتراجع فيها احترام السلطة القضائية، سيتحول حكماً إلى أداة إضافية بيد المنحازين إلى الطرف الإسرائيلي لاستخدامها ضد خصومهم. فالضبابية لا توفر إطاراً واضحاً لتوجيه التهم، ما يترك هامشاً أوسع للتأويلات والاجتهادات السياسية وما يواكبها من حملات إعلامية مضلّلة.