ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

قبل أن يفسد مكاني

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

المكان محيّر، لذا احتار الفقهاء المسلمون في تعريف “مكان الله”، إذ إن المكان بالتعريف هو الحيّز الذي يشغله جسم، وجسم الله لا ينوجد، أفلا مكان له إذن؟ كيف نعبد من لا مكان له ولا حيّز؟ ولذا يستحيل المكان على الله، يصبح تعريفه محالاً، وإلا فهو المحال، فكان عليهم أن يقولوا إنه “في كلّ مكان” وليس في مكان ما على وجه التحديد، المعضلة التي أرّقت الجميع.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يقول باليان من إبلين الشخصيّة الخيالية في رائعة ريدلي سكوت “مملكة الجن”: “ما هي القدس؟ بُنيت أماكننا المقدّسة على أنقاض الهيكل اليهودي الذي هدمه الرومان، بنى المسلمون مسجدهم عليه. ما هو الأكثر قدسية؟ الحائط، المسجد، القبر؟ ما هو الشرعي؟ لا أحد شرعي ولا أحد غير شرعي”.

لقد انشغل البشر منذ وقت طويل بإيجاد مكان لهم، يشبههم ويشبهونه، يشبههم بحيث يُعرف بهم ويشبهونه بحيث يُعرّفون به، وما حالات النزوح والهجرة واللجوء السياسي والاقتصادي والبيئي، وحتى القتل والاحتلال والاستيطان، إلا محاولات لإيجاد المكان الذي هو “مكاني/ها/نا”، لدرجة أننا أطلقنا الاسم على أريكة الصالون، وسرير غرفة النوم، ومقعد التواليت الخزفي، وكرسي المكتب الدوّار، والمقعد الخشبي في الحدائق الأوروبية، وكامبات اللجوء، والطاولة البلاستيكية في المقهى، ولم نقتنع بأن لا مكان لأحد إلا ذاته.

تعريف المكان غير المعرّف

المكان، بقدر ما هو حسّي وملموس، يأخذ نسقاً تجريدياً في الفراغ، يتعيّن من معناه المرافق للإشغال الفيزيائي. هو السؤال الأكثر أهمّية في عصرنا، ربما في عصور أخرى أيضاً: أن تأخذ، تحتلّ، تستعيد، تسترجع، تشغل، تبسط، تُعيد مكانك في العالم، وبالنسبة إلى بعض المفكرين أيضاً فإن الصراع الطبقي، وكلّ الصراعات التي تحمل طابعاً جذرياً ووجودياً يفسّرها البحث عن المكان، أو استعادته، وحتى ماركس وإنغلز بحثا في الأمر حين كتبا في موضوع الفضاء الإنتاجي، الورشة والمعمل ومساكن الطبقة العاملة، والعملية التاريخية التي راكمت من خلالها المدن الثروة لتنفصل عن المكان الريفي وعلاقاته.

المكان محيّر، لذا احتار الفقهاء المسلمون في تعريف “مكان الله”، إذ إن المكان بالتعريف هو الحيّز الذي يشغله جسم، وجسم الله لا ينوجد، أفلا مكان له إذن؟ كيف نعبد من لا مكان له ولا حيّز؟ ولذا يستحيل المكان على الله، يصبح تعريفه محالاً، وإلا فهو المحال، فكان عليهم أن يقولوا إنه “في كلّ مكان” وليس في مكان ما على وجه التحديد، المعضلة التي أرّقت الجميع.

يتقبّل البشر الأماكن رغم ضيقها إذا كانوا مقتنعين أنها “أماكنهم”، وبسبب من قوّة الرغبة في الحصول على الحيّز المعرّف على أنه “لنا”، في البداية يكون الأمر أشبه بإزعاج بسيط، ضيّق يجثم على الصدر، كأننا نغمة ناشزة أو شعرة نبتت في مكان غير مناسب، وبعد أن يتعاظم هذا الإحساس الغامض، نخرج إلى مكان آخر، أي ننتقل من حالة السكن السلبي إلى السكون الإيجابي لا غير.

يستخدم السجناء مفردة منحوتة من الحبس، وهي “استحبس”، للدلالة على أن السجن أصبح لا يشكّل ضغطاً نفسياً على روح السجين، أي أنه لم يعد يعاني من وجوده داخل الحبس، فالحبس أصبح في داخله، في أحشائه، في أنفاسه، وأنه أصبح أيضاً جزءاً من السجن، ككرسي أو فراش إسفنجي أو قصعة طعام، جزءاً من “السيستم السجني” بأكمله.

استغرقت وقتاً حتى استحبست، كنت أقاوم بكلّ ذرة من وجودي، وجودي ذاك، كنت أقبل أن أتألّم يومياً، وأبكي يومياً، وأستغرب القسوة يومياً، وأرفض أن أصبح جزءاً من السجن. لكني فعلت أخيراً بعد قرابة السنتين، صرت جزءاً من السجن، من أخلاقه ومن قواعده، من مكوّناته ومن أفراده أيضاً. صرت أستخدم اللغة نفسها التي يستخدمها السجناء الآخرون، ولا أحاول تعقيد الأمر ولا تبسيطه. أشرح الأمر بأقلّ قدر من الكلمات وبما يلزم، وهذا يعتبر في علم النفس اكتئاباً، لكنّه طريقة ما للحصول على مكان أيضاً، للتآلف معه والالتصاق به حدّ التمازج، بحيث صرت أستطيع أن أمدّ يدي داخل فمي لأخرج سلاسل معدنية، وأستطيع أن أركل جرذاً ضخماً شاء له حظه العاثر أن يدخل إلى ساحة حياتنا تلك. وبهذا المعنى يصبح كلّ من يقبل بمكانه “مستحبساً”، ضمن السيستم، قانعاً، خانعاً، مستقرّاً، وليس من استقرار إلا للبرك الآسنة.

اللانهاية المضطربة

مثل كلّ العلامات والرموز، الأمكنة تدلّ، أي أنها تحمل ما نحمّلها إياه من معنى أو قيمة، في هذا السياق قد لا تبدو، مدينة مثل اللاذقية أو دمشق أو حتى الحيّ الذي قطنت فيه فيما مضى، أكثر من مجموعة من المباني المضطربة، عشوائية البناء، من دون مسافات كافية للتنفّس حتى، لكنّها بمجموعها تصنع حقّي في الحضور، بل تصنع أيضاً الدليل الوحيد على حضوري هناك.

الأماكن كلّها تحمل رمزية اجتماعية وسلطوية، والسلطات تدرك هذا، فتشحنها بما يعزّز هذه القيمة. دمشق، ذات القيمة الكبيرة تاريخياً والهامشية حالياً، شُحنت في أزمنة التسلّط برمزية إعلامية ومهيمنة، واللاذقية كذلك، باعتبارها بلد القوّة الخارجة عن السيطرة، وتماهى سكّان هاتين المدينتين، بالرمزية، الحقيقية حيناً والمفتعلة والمبالغ بتضمينها حيناً آخر، ففقدنا، نحن السكّان والقاطنين، حميمية المكان هذه والحقّ بالانفصال عن السردية المعمّمة، وأصبحنا، حين نحاول التماس الحنين فيهما، نحنّ إلى زمن عبودية قبيح، زمن مضطرب لا نملك له فصلاً عن مآسينا، وأصبحنا، من خلال انتمائنا الذي لا يد لنا فيه، جزءاً من هذا الفضاء الرمزي أيضاً، نستهلكه ونعيد إنتاجه في أدبياتنا وفي تعابيرنا: لا يرجع أحد من دمشق من دون أن يقول “مو” بدل “ما”.

محنة المتغرّبين عن بلدانهم الأصلية، أنهم يحنّون إلى مكان لم يعد موجوداً، ليس لأنه تغيّر أو هم تغيّروا فقط، بل أيضاً لأن فكرتهم عن الأمكنة اختلفت، بعدما نشأت لديهم رمزيات مغايرة لما اعتادوا أن يفهموه، أو يتعاملوا معه بوصفه حقيقة، إذ لا مثيل لتكريت أو للقرداحة مثلاً في أوروبا. هذه الأمكنة أصلاً لم تكن موجودة لأنهم داخلها، وحين خرجوا منها انوجدت، لكن بمعزل عنهم، بمعزل عن فهمهم السطحي أو العميق حتى، لمعنى المكان، وبهذا تكون هذه الأمكنة قد فسدت في مخيّلتهم، مرّة واحدة وللأبد.

المكان واللغة

كلمة “مكان” بالفرنسية مؤنثة. تخيّلوا دهشة ابن عربي على سبيل المثال في هذه اللحظة، ودهشة من بنى سردية كبرى عن المكان المؤنث، الذي يمكن أن يعوّل عليه، لكنّ الأمر مفهوم إذا استرجعنا صور المساجد التي تبدو، بمآذنها المنتصبة وقبابها، كأنها قضبان ذكرية تنكح السماء.

يحلو لبعض الفخورين القول إن دمشق أقدم عاصمة أو أقدم مدينة، وإذا كنّا لا ننال جائزة لقولنا هذا، فأستطيع الزعم إن دمشق لم تصبح مدينة بعد، القدم مسألة لا خلاف عليها، لكن أن تصبح مدينة شيء مختلف، واليوم أكثر من أي وقت مضى، تحت حكم أمراء الحرب وقادة الفصائل المتشددة، تبتعد أكثر فأكثر عن “تمدّنها”.

أظنّ، والعهدة عليّ، أن المدن تبدأ بـ “التمدّن” (بالصيرورة  أقصد وليس بالمدنية) عندما تبدأ بإنتاج لغتها الخاصّة، عندما تتحوّل إلى مكان يبتلع ويعيد إنتاج ما ابتلعه، وليس مكاناً مبتلعاً ومستقبلاً على الدوام، لا يوجد في سوريا مدن بهذا المعنى، إنما قرى ضخمة، متورّمة، ريفها ملتصق بحضرها، أحياؤها عبارة عن جزر ريفية احتفظت بداخلها بعلاقاتها العائلية والعشائرية. 

لغة المدينة الخاصّة ليست التعابير العتيقة التي تمّ إنتاجها في السابق وليست اللكنة، هي قدرتها على اختراع كلمات جديدة تناسب الجديد الذي يحصل فيها، وتقاطعاتها مع المعرفة القادمة من خارجها، أي أن حركية الحياة الاجتماعية فيها، هي ما يفرض هذه المفردات الجديدة التي تسدّ الحاجة للتعبير بمفردات أخرى لم تكن موجودة مسبقاً، وهذا لا نراه في مدننا. يمكنك أن تميّز الشامي والحمصي واللاذقاني والديري من لكنته أو لهجته، لكنك لن ترى أثر العلاقات الاجتماعية المدينية فيها، لن ترى هذا الهضم المكاني للعلاقات الجديدة والبنى الاجتماعية التي تنشأ، ومن المفترض أن تفعّل، كلّ ساعة، على غرار القاهرة مثلاً.

وإلى أن ينتهي هذا الجمود والانغلاق، نحلم بمدينة، بمكان، وأقول لكم بكلّ صراحة، قبل أن يفسد مكاني، لن نجد أبداً مكاناً أفضل من السرير.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
19.06.2025
زمن القراءة: 5 minutes

المكان محيّر، لذا احتار الفقهاء المسلمون في تعريف “مكان الله”، إذ إن المكان بالتعريف هو الحيّز الذي يشغله جسم، وجسم الله لا ينوجد، أفلا مكان له إذن؟ كيف نعبد من لا مكان له ولا حيّز؟ ولذا يستحيل المكان على الله، يصبح تعريفه محالاً، وإلا فهو المحال، فكان عليهم أن يقولوا إنه “في كلّ مكان” وليس في مكان ما على وجه التحديد، المعضلة التي أرّقت الجميع.

يقول باليان من إبلين الشخصيّة الخيالية في رائعة ريدلي سكوت “مملكة الجن”: “ما هي القدس؟ بُنيت أماكننا المقدّسة على أنقاض الهيكل اليهودي الذي هدمه الرومان، بنى المسلمون مسجدهم عليه. ما هو الأكثر قدسية؟ الحائط، المسجد، القبر؟ ما هو الشرعي؟ لا أحد شرعي ولا أحد غير شرعي”.

لقد انشغل البشر منذ وقت طويل بإيجاد مكان لهم، يشبههم ويشبهونه، يشبههم بحيث يُعرف بهم ويشبهونه بحيث يُعرّفون به، وما حالات النزوح والهجرة واللجوء السياسي والاقتصادي والبيئي، وحتى القتل والاحتلال والاستيطان، إلا محاولات لإيجاد المكان الذي هو “مكاني/ها/نا”، لدرجة أننا أطلقنا الاسم على أريكة الصالون، وسرير غرفة النوم، ومقعد التواليت الخزفي، وكرسي المكتب الدوّار، والمقعد الخشبي في الحدائق الأوروبية، وكامبات اللجوء، والطاولة البلاستيكية في المقهى، ولم نقتنع بأن لا مكان لأحد إلا ذاته.

تعريف المكان غير المعرّف

المكان، بقدر ما هو حسّي وملموس، يأخذ نسقاً تجريدياً في الفراغ، يتعيّن من معناه المرافق للإشغال الفيزيائي. هو السؤال الأكثر أهمّية في عصرنا، ربما في عصور أخرى أيضاً: أن تأخذ، تحتلّ، تستعيد، تسترجع، تشغل، تبسط، تُعيد مكانك في العالم، وبالنسبة إلى بعض المفكرين أيضاً فإن الصراع الطبقي، وكلّ الصراعات التي تحمل طابعاً جذرياً ووجودياً يفسّرها البحث عن المكان، أو استعادته، وحتى ماركس وإنغلز بحثا في الأمر حين كتبا في موضوع الفضاء الإنتاجي، الورشة والمعمل ومساكن الطبقة العاملة، والعملية التاريخية التي راكمت من خلالها المدن الثروة لتنفصل عن المكان الريفي وعلاقاته.

المكان محيّر، لذا احتار الفقهاء المسلمون في تعريف “مكان الله”، إذ إن المكان بالتعريف هو الحيّز الذي يشغله جسم، وجسم الله لا ينوجد، أفلا مكان له إذن؟ كيف نعبد من لا مكان له ولا حيّز؟ ولذا يستحيل المكان على الله، يصبح تعريفه محالاً، وإلا فهو المحال، فكان عليهم أن يقولوا إنه “في كلّ مكان” وليس في مكان ما على وجه التحديد، المعضلة التي أرّقت الجميع.

يتقبّل البشر الأماكن رغم ضيقها إذا كانوا مقتنعين أنها “أماكنهم”، وبسبب من قوّة الرغبة في الحصول على الحيّز المعرّف على أنه “لنا”، في البداية يكون الأمر أشبه بإزعاج بسيط، ضيّق يجثم على الصدر، كأننا نغمة ناشزة أو شعرة نبتت في مكان غير مناسب، وبعد أن يتعاظم هذا الإحساس الغامض، نخرج إلى مكان آخر، أي ننتقل من حالة السكن السلبي إلى السكون الإيجابي لا غير.

يستخدم السجناء مفردة منحوتة من الحبس، وهي “استحبس”، للدلالة على أن السجن أصبح لا يشكّل ضغطاً نفسياً على روح السجين، أي أنه لم يعد يعاني من وجوده داخل الحبس، فالحبس أصبح في داخله، في أحشائه، في أنفاسه، وأنه أصبح أيضاً جزءاً من السجن، ككرسي أو فراش إسفنجي أو قصعة طعام، جزءاً من “السيستم السجني” بأكمله.

استغرقت وقتاً حتى استحبست، كنت أقاوم بكلّ ذرة من وجودي، وجودي ذاك، كنت أقبل أن أتألّم يومياً، وأبكي يومياً، وأستغرب القسوة يومياً، وأرفض أن أصبح جزءاً من السجن. لكني فعلت أخيراً بعد قرابة السنتين، صرت جزءاً من السجن، من أخلاقه ومن قواعده، من مكوّناته ومن أفراده أيضاً. صرت أستخدم اللغة نفسها التي يستخدمها السجناء الآخرون، ولا أحاول تعقيد الأمر ولا تبسيطه. أشرح الأمر بأقلّ قدر من الكلمات وبما يلزم، وهذا يعتبر في علم النفس اكتئاباً، لكنّه طريقة ما للحصول على مكان أيضاً، للتآلف معه والالتصاق به حدّ التمازج، بحيث صرت أستطيع أن أمدّ يدي داخل فمي لأخرج سلاسل معدنية، وأستطيع أن أركل جرذاً ضخماً شاء له حظه العاثر أن يدخل إلى ساحة حياتنا تلك. وبهذا المعنى يصبح كلّ من يقبل بمكانه “مستحبساً”، ضمن السيستم، قانعاً، خانعاً، مستقرّاً، وليس من استقرار إلا للبرك الآسنة.

اللانهاية المضطربة

مثل كلّ العلامات والرموز، الأمكنة تدلّ، أي أنها تحمل ما نحمّلها إياه من معنى أو قيمة، في هذا السياق قد لا تبدو، مدينة مثل اللاذقية أو دمشق أو حتى الحيّ الذي قطنت فيه فيما مضى، أكثر من مجموعة من المباني المضطربة، عشوائية البناء، من دون مسافات كافية للتنفّس حتى، لكنّها بمجموعها تصنع حقّي في الحضور، بل تصنع أيضاً الدليل الوحيد على حضوري هناك.

الأماكن كلّها تحمل رمزية اجتماعية وسلطوية، والسلطات تدرك هذا، فتشحنها بما يعزّز هذه القيمة. دمشق، ذات القيمة الكبيرة تاريخياً والهامشية حالياً، شُحنت في أزمنة التسلّط برمزية إعلامية ومهيمنة، واللاذقية كذلك، باعتبارها بلد القوّة الخارجة عن السيطرة، وتماهى سكّان هاتين المدينتين، بالرمزية، الحقيقية حيناً والمفتعلة والمبالغ بتضمينها حيناً آخر، ففقدنا، نحن السكّان والقاطنين، حميمية المكان هذه والحقّ بالانفصال عن السردية المعمّمة، وأصبحنا، حين نحاول التماس الحنين فيهما، نحنّ إلى زمن عبودية قبيح، زمن مضطرب لا نملك له فصلاً عن مآسينا، وأصبحنا، من خلال انتمائنا الذي لا يد لنا فيه، جزءاً من هذا الفضاء الرمزي أيضاً، نستهلكه ونعيد إنتاجه في أدبياتنا وفي تعابيرنا: لا يرجع أحد من دمشق من دون أن يقول “مو” بدل “ما”.

محنة المتغرّبين عن بلدانهم الأصلية، أنهم يحنّون إلى مكان لم يعد موجوداً، ليس لأنه تغيّر أو هم تغيّروا فقط، بل أيضاً لأن فكرتهم عن الأمكنة اختلفت، بعدما نشأت لديهم رمزيات مغايرة لما اعتادوا أن يفهموه، أو يتعاملوا معه بوصفه حقيقة، إذ لا مثيل لتكريت أو للقرداحة مثلاً في أوروبا. هذه الأمكنة أصلاً لم تكن موجودة لأنهم داخلها، وحين خرجوا منها انوجدت، لكن بمعزل عنهم، بمعزل عن فهمهم السطحي أو العميق حتى، لمعنى المكان، وبهذا تكون هذه الأمكنة قد فسدت في مخيّلتهم، مرّة واحدة وللأبد.

المكان واللغة

كلمة “مكان” بالفرنسية مؤنثة. تخيّلوا دهشة ابن عربي على سبيل المثال في هذه اللحظة، ودهشة من بنى سردية كبرى عن المكان المؤنث، الذي يمكن أن يعوّل عليه، لكنّ الأمر مفهوم إذا استرجعنا صور المساجد التي تبدو، بمآذنها المنتصبة وقبابها، كأنها قضبان ذكرية تنكح السماء.

يحلو لبعض الفخورين القول إن دمشق أقدم عاصمة أو أقدم مدينة، وإذا كنّا لا ننال جائزة لقولنا هذا، فأستطيع الزعم إن دمشق لم تصبح مدينة بعد، القدم مسألة لا خلاف عليها، لكن أن تصبح مدينة شيء مختلف، واليوم أكثر من أي وقت مضى، تحت حكم أمراء الحرب وقادة الفصائل المتشددة، تبتعد أكثر فأكثر عن “تمدّنها”.

أظنّ، والعهدة عليّ، أن المدن تبدأ بـ “التمدّن” (بالصيرورة  أقصد وليس بالمدنية) عندما تبدأ بإنتاج لغتها الخاصّة، عندما تتحوّل إلى مكان يبتلع ويعيد إنتاج ما ابتلعه، وليس مكاناً مبتلعاً ومستقبلاً على الدوام، لا يوجد في سوريا مدن بهذا المعنى، إنما قرى ضخمة، متورّمة، ريفها ملتصق بحضرها، أحياؤها عبارة عن جزر ريفية احتفظت بداخلها بعلاقاتها العائلية والعشائرية. 

لغة المدينة الخاصّة ليست التعابير العتيقة التي تمّ إنتاجها في السابق وليست اللكنة، هي قدرتها على اختراع كلمات جديدة تناسب الجديد الذي يحصل فيها، وتقاطعاتها مع المعرفة القادمة من خارجها، أي أن حركية الحياة الاجتماعية فيها، هي ما يفرض هذه المفردات الجديدة التي تسدّ الحاجة للتعبير بمفردات أخرى لم تكن موجودة مسبقاً، وهذا لا نراه في مدننا. يمكنك أن تميّز الشامي والحمصي واللاذقاني والديري من لكنته أو لهجته، لكنك لن ترى أثر العلاقات الاجتماعية المدينية فيها، لن ترى هذا الهضم المكاني للعلاقات الجديدة والبنى الاجتماعية التي تنشأ، ومن المفترض أن تفعّل، كلّ ساعة، على غرار القاهرة مثلاً.

وإلى أن ينتهي هذا الجمود والانغلاق، نحلم بمدينة، بمكان، وأقول لكم بكلّ صراحة، قبل أن يفسد مكاني، لن نجد أبداً مكاناً أفضل من السرير.