فشلت البحرية اللبنانية في دقّ ناقوس الخطر بشأن شحنة نترات الأمونيوم القاتلة على متن سفينة الشحن Rhosus، أثناء تفتيش أُجري في عام 2013، أي قبل سبع سنوات من الانفجار الكارثي في بيروت، الذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص.
الوثائق التي حصلت عليها OCCRP تُظهر أن الأمم المتّحدة، عبر قوّة حفظ السلام البحرية (UNIFIL Maritime Task Force)، كانت قد أدرجت Rhosus في قائمة السفن المطلوب تفتيشها عندما وصلت إلى مرفأ بيروت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، وبحسب الوثائق، صعدت البحرية اللبنانية إلى متن السفينة، وأجرت تفتيشاً دون أن تُبلّغ عن شحنتها القابلة للاشتعال. وكتبت البحرية في تقريرها الموجز آنذاك: “السفينة خالية ولم يُبلّغ عن أيّ نشاط غير قانوني”.
لكنّ هذا التفتيش لم يُذكر في التقرير المفصّل المؤلّف من أربع صفحات، الذي رفعته القوّات المسلّحة اللبنانية إلى وزارة الدفاع في 9 آب/ أغسطس 2020، بعد خمسة أيّام من الانفجار الذي دمّر أجزاء واسعة من العاصمة، وشرّد مئات الآلاف من السكّان.
ورغم أن التقرير تضمّن تسلسلاً زمنياً دقيقاً للأحداث المتعلّقة بالسفينة وشحنتها، بدءاً ممّا قبل دخولها المياه اللبنانية في عام 2013، لم يشر إطلاقاً إلى عمليّة التفتيش البحرية.
مكتب الرئيس اللبناني جوزاف عون — الذي شغل منصب قائد الجيش من عام 2017 حتى انتخابه رئيساً العام الماضي — لم يردّ على طلبات التعليق، كما لم ترد قيادة الجيش على الاستفسارات المرسلة إليها.
وقالت لمى فقيه مديرة البرامج العالمية في منظّمة “هيومن رايتس ووتش”: “تكشف هذه النتائج أسئلة خطيرة بشأن مسؤولية الأفراد، بمن فيهم عناصر الجيش، الذين فتّشوا السفينة Rhosus وسمحوا لها بالرسوّ في مرفأ بيروت، رغم حملها آلاف الأطنان من مواد غير مستقرّة”، وأضافت: “على السلطات أن تفسّر سبب عدم ذكر الجيش تفتيش السفينة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013. لقد حان وقت المحاسبة لمن تسبّب في انفجار بيروت”.
سفينة “موضع اهتمام”
الوثائق التي حصلت عليها OCCRP تُظهر أنه في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، وبينما كانت Rhosus تُبحر نحو مرفأ بيروت، صنّفتها قوّة المهام البحرية التابعة للأمم المتّحدة (UNIFIL) كسفينة “موضع اهتمام”.
تتولّى هذه القوّة مراقبة المياه الإقليمية اللبنانية ومنع دخول الأسلحة غير المصرّح عنها، وقد طلبت من السلطات اللبنانية تفتيش السفينة، بحسب ما ورد في “تقرير نداء” صدر عنها في ذلك اليوم.
عادة ما تُدرج UNIFIL السفن ضمن “قائمة الاهتمام” إذا أظهرت سلوكاً مريباً، أو كانت تحمل شحنة مشكوك في أمرها، أو دخلت أو غادرت الميناء بشكل غير متوقّع.
لم تردّ UNIFIL على سؤال حول سبب تصنيف Rhosus بتلك الطريقة، كما لا توضح السجلّات القديمة السبب، غير أن وثيقة حصلت عليها OCCRP (يبدو أنها أُرفقت بتقرير النداء) تشير إلى أن السفينة كانت تحمل مادّة مذكورة على النحو التالي: “amonion 2755 nitrato”.
وتُظهر وثائق الشحن أن السفينة كانت تنقل 2,750 طناً من نترات الأمونيوم عالية الكثافة، بينما أشار بيان البضائع إلى أن الشحنة كانت مرسلة إلى شركة متفجّرات في موزمبيق.
إقرأوا أيضاً:
كما وُضعت المادّة في أكياس تحمل علامة “Nitroprill HD”، مع رموز تُحذّر من أن المحتوى مادّة قابلة للاشتعال، وفقًا للصور التي اطّلعت عليها OCCRP.
في وقتٍ متأخر من تلك الليلة، أرسلت القوّات البحرية اللبنانية تقريراً موجزاً إلى “اليونيفيل”، ذكرت فيه أنها صعدت إلى السفينة وفتشتها “أمام مرفأ بيروت”، ولم يتضمّن التقرير أيّ إشارة إلى محتوى السفينة.
تُستخدم نترات الأمونيوم في صناعة الأسمدة والمتفجّرات على حدّ سواء، وهي مادّة تخضع لتنظيم بموجب قانون الأسلحة والذخائر في لبنان، الذي يصنّفها كمادّة تُستخدَم في صناعة المتفجّرات إذا تجاوزت نسبة النيتروجين فيها 33.5%.
لم تردّ القوّات المسلّحة اللبنانية، التي تضمّ البحرية، على الأسئلة المتعلّقة بعمليّة التفتيش، أما “اليونيفيل” فقالت إن دورها في العمليّة اقتصر على الإشارة إلى السفينة، وجاء في بيانها: “لبنان دولة ذات سيادة، والسلطات اللبنانية وحدها هي المخوّلة بتقرير ما إذا كانت ستنفّذ تفتيش إحدى السفن وكيف”.
إهمال جنائي
بعيداً عن الشحنة الخطرة، لم تكن Rhosus في حالة جيّدة خلال الأشهر التي سبقت وصولها إلى بيروت. ففي حزيران/ يونيو 2013، كشف تفتيش لبناني في مرفأ صيدا عن 17 عيباً في السفينة، من بينها تآكل في الهيكل ومعدّات ملاحة معطّلة، وفقاً لقاعدة بيانات الملاحة البحرية “إكواسيس” Equasis.
ورغم السماح للسفينة بالرسوّ في بيروت بعد تفتيش البحرية، فقد تُركت لاحقاً وتعرّضت للحجز، وتمّ نقل شحنة نترات الأمونيوم التي كانت تحملها إلى أحد مستودعات المرفأ في عام 2014.
وظلّّت تلك المواد في ظروف تخزين غير آمنة على مدى السنوات الستّ التالية.
وتُظهر الوثائق أن العديد من الجهات اللبنانية، بما في ذلك الجيش، وإدارة المرفأ، والجمارك، ووزارات حكومية، أمضت سنوات تتبادل فيها المسؤولية حول الجهة التي ينبغي أن تتكفّل بالتخلّص من المادّة، أما السفينة المهجورة Rhosus، فقد غرقت في المرفأ في عام 2018.
بعد خمسة أيّام على الانفجار، وبناءً على طلب من رئيس الوزراء حسّان دياب لتقديم تقرير مفصّل حول الملابسات، رفعت قيادة العمليّات في الجيش تقريراً مصنّفاً “سرّي للغاية” إلى وزارة الدفاع.
حمل التقرير توقيع العماد جوزاف عون، الرئيس الحالي، وتضمّن تسلسلاً زمنياً مفصّلاً للأحداث المرتبطة بالسفينة Rhosus وشحنتها، لكنّه لم يذكر أبداً تفتيش البحرية في عام 2013، ولا إعلانها أن السفينة “نظيفة”، ولا يُعرف سبب هذا الإغفال.
ويشير التقرير إلى أن الجيش تلقّى في عام 2014، تحذيرات من سلطات المرفأ تُفيد بأن نترات الأمونيوم تشكّل خطراً، ويجب نقلها إلى الجيش أو إعادة تصديرها. لكنّ الجيش رفض تسلّم المادّة، بحجّة أنه لا يحتاج إليها، ولا يمتلك القدرة على تخزينها أو تدميرها.
وفي مراجعة موسّعة أجرتها “هيومن رايتس ووتش” في عام 2021، تمّ العثور على أدلّة تُشير إلى أن جهات رسمية متعدّدة، تصرّفت بإهمال جنائي في تعاملها مع الشحنة المتفجّرة، من خلال فشلها في إدراك مدى خطورتها، وتأمينها بشكل سيّئ، وضعف التنسيق في ما بينها بشأن المخاطر.
كما واجهت الحكومة اللبنانية انتقادات حادّة بسبب إدارتها للتحقيق في انفجار المرفأ، الذي لم يُختتم بعد، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على الكارثة، ويرجع ذلك جزئياً إلى الطعون المتكرّرة ضدّ القضاة المكلّفين بالتحقيق، وصعوبة استدعاء شخصيّات رفيعة المستوى للإدلاء بشهاداتها.
وفي عام 2023، أعربت المقرّرة الخاصّة للأمم المتّحدة المعنيّة باستقلال القضاء مارغريت ساترثوايت عن قلقها من أن “هذه التأخيرات ترقى إلى مستوى التدخّل السياسي”.
وفي أوائل شباط/ فبراير الجاري، ذكرت الوكالة الوطنية للإعلام أن “صدور قرار ظنّي في التحقيق يُتوقّع قريباً”.
وقالت لمى فقيه من “هيومن رايتس ووتش” لـ OCCRP: “لقد انتظر الضحايا وعائلاتهم وقتاً طويلاً للحصول على إجابات حول المسؤولين عن الانفجار، الذي دمّر بيروت وأودى بحياة هذا العدد الكبير من الناس وأصاب آخرين”.














