بعد شهور من استمرار عمليات السرقة والنهب لشاحنات المساعدات والتجار في قطاع غزة، نفذت مجموعة مسلّحة تابعة لوزارة الداخلية الحمساوية (وحدة سهم) في قطاع غزة، عملية أمنية ضد أفراد من عائلة أبو شباب البدوية، وقتلت منهم 20 شخصاً وأصابت آخرين.
العملية الأمنية النادرة في هذا الوقت من الحرب لوزارة الداخلية في قطاع غزة، التي تراجع دورها ووجودها في الشارع بسبب القصف الإسرائيلي واستهداف عناصرها وقيادتها، نُفذت في منطقة قريبة من وجود الجيش الإسرائيلي شرق رفح، يتمركز فيها اللصوص وقطاع الطرق.
المنطقة التي تتعرض فيها الشاحنات للسرقة تمتد جغرافياً من حدود معبر كرم أبو سالم حتى مستشفى غزة الأوروبي، وهي منطقة قريبة من الحدود مع إسرائيل ويتمركز في شرقها وغربها جيش الاحتلال، وتبلغ مساحتها قرابة الـ7 كيلومترات.
نقلت قناة “الأقصى” التابعة لحركة “حماس” عن مصادر في وزارة داخلية في حكومة قطاع غزة، الاثنين 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، تأكيدها أن أكثر من 20 شخصاً ممن سمّتهم “عصابات لصوص شاحنات المساعدات”، قتلوا في عملية أمنية نفذتها أجهزة الشرطة بالتعاون مع لجان عشائرية.
وقالت المصادر إن “هذه العملية الأمنية لن تكون الأخيرة، وهي بداية عمل أمني موسع تم التخطيط له مطولاً، وسيتوسع ليشمل كل من تورط في سرقة شاحنات المساعدات، وإن الأجهزة الأمنية ستعاقب بيد من حديد كل من تورط في مساعدة عصابات اللصوص.
وأوضحت أن الحملة الأمنية لا تستهدف عشائر بعينها، وإنما تهدف الى القضاء على ظاهرة سرقة الشاحنات التي أثرت بشكل كبير على المجتمع وتسببت في بوادر مجاعة جنوب قطاع غزة.
وبيّنت أن ا”لأجهزة الأمنية رصدت اتصالات بين عصابات اللصوص وقوات الاحتلال، لتغطية أعمالها وتوجيه مهامها”، وتوفير غطاء أمني لها من ضباط جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي “الشاباك”.
وأشارت المصادر إلى أن الأجهزة الأمنية وضعت الفصائل الفلسطينية في مخطط العملية، وحظيت بمباركة وطنية واسعة، وهي تفخر بالعشائر الفلسطينية شرق رفح، معتبرة أن انجرار بعض أفرادها الى مخططات السرقة لن يسيء إلى تاريخ هذه العائلات التي قدمت مئات الشهداء المقاومين.
وقبل العملية بأيام، أجرى “درج” تحقيقاً كشف فيه أن أكثر السرقات تقوم بها مجموعات من البدو القاطنين شرق رفح، الذين شكّلوا عصابات مسلحة في تلك المناطق تقطع الطريق أمام الشاحنات، وتسطو على المساعدات الإغاثية وبضائع التجار، ثم تبيعها في الأسواق بأسعار مرتفعة.
وعلى رغم نشر عائلات أفراد هذه العصابات بيانات تبرأت من أفعالهم ودعتهم إلى التوقف عن قطع الطريق وعن أعمال السطو، إلا أنهم ما زالوا مستمرين فيها.
ورصد مراسل “درج” في أسواق قطاع غزة، وجود صناديق من الكرتون تحتوي على منظفات ومواد غذائية وإغاثية، مكتوباً عليها أنها مساعدات مقدّمة من الأمم المتحدة وغير مخصصة للبيع، لكن التجار الذين يشترون البضائع المسروقة من اللصوص، يعودون بها إلى داخل الأسواق ويبيعونها بأسعار مرتفعة.
نجاة المستهدف
استهدفت عملية عناصر حركة “حماس”، ياسر أبو شباب، وهو أحد الذين شكلوا مجموعة مسلّحة من أقاربه بشرق رفح، ونفذ عمليات سرقة كبيرة جداً ضد شاحنات المساعدات والتجار.
نجا أبو شباب وقُتل شقيقه وعدد من أقاربه من العملية الأمنية، ليغلق في اليوم الثاني طريق صلاح الدين بشكل كامل أمام حركة الشاحنات، ويحرق شاحنة وقود تعود لمحطة معن التابعة لعائلة إصليح. وتعهدت عائلة إصليح في بيان لها، بعد حرق شاحنة وقود تابعة لأحد أبناء عائلتها، بأنها ستحصل على حقها، وهو ما يفتح المجال أمام مزيد من الفوضى داخل قطاع غزة.
وحول ما حدث، روى محمد معمر، أحد شهود العيان، تفاصيل مثيرة عن العملية التي نفّذها مسلحون تابعون لـ”حماس”، يقول معمر لـ”درج”: “جاءت جيبات دفع رفاعي محملة بعشرات المسلحين الملثمين إلى طريق صلاح الدين، ونزلوا عند الحواجز التي وضعها اللصوص الذين يقدر عددهم بالعشرات، ثم بدأ إطلاق النار”.
أضاف معمر: “خلال إطلاق النار الكثيف، سُمع صوت انفجار عنيف، تبين أنه استهداف جيب استخدمه اللصوص للهروب بقذيفة (آر بي جي)، فُحرق بشكل فوري وقُتل جميع من كان فيه”.
استمرت عملية إطلاق النار وفق شاهد العيان لأكثر من 20 دقيقة، قُتل خلالها الكثير من اللصوص وأصيب آخرون، ثم عادت القوة المهاجمة باتجاه مدينة خان يونس.
تابع معمر: “بعد ساعات من الهجوم، خرج ياسر أبو شباب إلى طريق صلاح الدين وأطلق النار في الهواء، متوعداً بعدم السماح لأي شاحنة بالمرور إلى قطاع غزة”.
ارتفاعا الأسعار و”إشادة شعبية”
ارتفعت الأسعار في الأسواق داخل قطاع غزة، بشكل جنوني بعد نجاة ياسر أبو شباب، ووصلت نسبة الارتفاع إلى 500 في المئة لبعض الأصناف، بخاصة الدقيق، السكر، الزيت، البقوليات، والمنظفات.
ووصل سعر شوال الدقيق في جنوب القطاع إلى 1000 شيكل (300 دولار) بعد العملية التي نفذتها “حماس”، أما كيلوغرام السكر فبلغ 50 شيكلاً (15 دولاراً) فيما وصل سعر لتر الزيت الى 50 شيكلاً أيضاً.
لاقى الهجوم على اللصوص شرق مدينة رفح، إشادة شعبية واسعة في قطاع غزة، الذي يعيش حالياً مجاعة حقيقية. اللجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية في غزة أشادت بالجهود التي قامت بها وزارة الداخلية تجاه اللصوص المجرمين الذين يعبثون بأمن الجبهة الداخلية ويسرقون قوت المواطنين وخبزهم ودواءهم، ويكملون دور الاحتلال في محاصرة شعبنا وتجويع أطفاله ونسائه وشيوخه.
وأوضحت اللجنة في بيان لها، أنها حذرت مراراً وتكراراً كل العابثين وقطاع الطرق وعصابات اللصوص، وطالبت بضرورة التحرك الفاعل والسريع ضد كل السارقين واللصوص. واليوم توجه اللجنة رسالة إلى التجار، محذرة إياهم من العبث والكسب غير المشروع على حساب المواطن النازح والفقير.
ودعت اللجنة التجار إلى وقفة صادقة مع أنفسهم وعدم الانسياق وراء رغبات النفس ونزواتها على حساب الأمر الذي يزيد من معاناة أبناء شعبهم. وجددت تأكيد رفع الغطاء الوطني عن جميع المتورطين، والاستعداد الدائم لإسناد جهات الاختصاص في عملها المرتكز على حماية مصالح المواطنين وتأمين إيصال المساعدات وتوزيعها بشكل عادل لكل مواطن.
تنديد أممي
المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، سبق أن أشار الى سرقة المساعدات الإنسانية في غزة، معتبراً أن هذه الظاهرة “أصبحت منظّمة ويجب أن تتوقف”، وذلك بعد أيام قليلة على نهب قافلة مساعدات أممية في القطاع.
وقال دوجاريك خلال مؤتمر صحافي له، الثلاثاء الماضي، إن “هذا الأمر يعوق العمليات الإنسانية الحيوية ويعرّض طواقمنا لمزيد من الخطر، لكن عمليات حفظ النظام يجب أن تكون قانونية وضرورية ومتناسبة”. وأعرب عن قلقه إزاء العملية التي نفذتها حكومة حماس الاثنين ضد “عصابات لصوص شاحنات المساعدات”.
ولفت دوجاريك، “حذرنا منذ بعض الوقت من مشكلة النهب المسلح ولاحظنا أنها أصبحت عمليات أكثر تنظيماً وفعالية”. وشدد على أن “عمليات إنفاذ القانون يجب أن تكون شرعية وضرورية ومتناسبة”، في إشارة إلى العملية التي قادتها حماس ضد لصوص مفترضين. وأضاف “نحن قلقون جداً بشأن هذه المعلومات”.










