في 17 آب/ أغسطس، تعرّضت حافلة كانت في طريقها إلى السويداء عبر المعبر الإنساني الوحيد المفتوح أمام المحافظة المحاصرة للاختطاف، وكان من بين ركابها ست نساء وطفل. وبحسب شهادة قريبة إحدى المخطوفات، تواصل الخاطفون مع العائلة مدّعين أنهم يتبعون لـ”الأمن العام”، وأنهم يطالبون بمبادلة النساء بأسرى لديهم. غير أن العائلة لم تتمكن من التحقق مما إذا كان الخاطفون بالفعل جهة رسمية أم أنهم ينتمون إلى فصائل عشائرية.
هؤلاء النساء لسن أول حالات خطف، فمع انسحاب القوات الحكومية والفصائل العشائرية، بدأت تتكشف ليس فقط فظاعة الانتهاكات التي شهدتها السويداء أخيراً، بل أيضاً حالات اختفاء قسري طاولت نساءً وأطفالاً.
تستمر القصص في الظهور تباعاً، وتطالب العائلات الخائفة بالكشف عن مصير النساء المختفيات وعودتهن. وحتى الآن، لم يصدر أي تقرير رسمي أو دولي حول ما حدث، في ظل حصار مفروض على المدينة، وإصرار جهات محلية على دخول لجنة تحقيق أممية مستقلة ورفضهم دخول لجنة تحقيق من اختيار الحكومة السورية، إذ يعتبرونها متورّطة في الصراع ولن تكون حيادية.
هل هناك ظاهرة خطف نساء في السويداء؟
يُعدّ ملف الاختفاء القسري في السويداء شديد التعقيد، إذ تتراوح الحالات بين ضحايا يُرجَّح أنهم فارقوا الحياة ولم يُعثر على جثامينهم، وآخرين اختُطفوا بشكل عشوائي على أيدي جهات رسمية أو غير رسمية.
وبحسب إحصاءات محلية قاطعتها منصة “السويداء 24” المحلية، بلغ عدد المفقودين منذ بدء الهجمات على المحافظة في 14 تموز/ يوليو نحو 450 شخصاً. وثّقت اللجنة القانونية العليا التي شكّلتها الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية، قوائم تضم 230 مفقوداً بينهم 17 امرأة و8 أطفال، أحدهم رضيع لا يتجاوز عمره الثلاثة أشهر. كما تلقّت الطبابة الشرعية بلاغات عن 170 مفقوداً يعتقد الأهالي أنهم ماتوا.
ويُعرض على العائلات صور الجثامين المجهولة للتعرّف عليها. وبالمقارنة بين أرقام اللجنة القانونية والطب الشرعي والمصادر المحلية، يُقدَّر عدد المفقودين بنحو 450 شخصاً، بينهم حوالى 60 امرأة و20 طفلاً، ولا يزال أكثر من نصفهم مجهولي المصير، بحسب “السويداء 24”.
خلال الأسبوعين الماضيين، أُفرج عن دفعات من المختطفين والمختطفات، في حين تصل الجثامين بشكل شبه يومي إلى مستشفى السويداء الوطني من القرى المنكوبة شمال المحافظة وغربها، عبر فرق الهلال الأحمر القادمة من دمشق ودرعا. ومن بين المفرج عنهم سيدة وفتاة وطفلتان ظهرن أولاً في مقطع فيديو لمقاتل قال إنه أنقذهن، قبل أن يتبين لاحقاً أنهن كنّ مختطفات وتمت مبادلتهن بأسرى.
وذكرت السيدة ماجدة ريدان التي كانت ضمن المبادلة، أن الخاطفين سلّموهن للحكومة، التي أحالتهن بدورها إلى الهلال الأحمر السوري. وأكدت مصادر السويداء 24 أن وساطة أميركية ساهمت في عودة بعض المختطفين بالتوازي مع عمليات إجلاء للبدو من داخل المحافظة.
على رغم ذلك، بقي الملف متشعباً، إذ احتُجزت عائلات في مراكز إيواء بدرعا، أُفرج عن بعضها ونُقل إلى جرمانا، بينما لا تزال عائلات أخرى محتجزة داخل بيوت في درعا وبلدات بريف دمشق، وحتى في محافظة حماة. وتركزت عمليات الخطف في الأيام الأولى للاجتياح على القرى الغربية مثل الثعلة والدور والمجدل والمزرعة وتعارة والدويرة، كما امتدت إلى القرى الشمالية من الصورة الكبيرة وصولاً إلى المتونة، وإلى بعض أحياء مدينة السويداء. لم يصدر الى الآن أي تقرير رسمي عن حوادث عنف جنسي في السويداء، لكن مصادر أهلية تحدثت لـ”درج” عن وجود حالات اغتصاب لم نستطع التأكد منها.
انتشرت خلال الأيام الماضية، صورة مروعة تظهر ثلاث نساءً عاريات ومقتولات، وأُشيع في البداية أنهن من بدو السويداء. إلا أن منصة “تأكد” تمكنت من التحقق من أن النساء الثلاث ينتمين الى الطائفة الدرزية، وقد أُعدمن مع 9 أفراد آخرين من عائلتهن على أيدي عناصر محسوبين على السلطة. وأوضحت المنصة أنها تتحفظ عن نشر تفاصيل إضافية التزاماً باعتبارات أخلاقية وبناءً على طلب ذوي الضحايا، مع التأكيد على تقديم كامل المعلومات لأي جهة تحقيق مستقلة.
إقرأوا أيضاً:
اختطاف وعنف جنسي في الساحل
تتزايد مخاوف النساء في السويداء خصوصاً وفي سوريا عموماً بعد تزايد حالات اختطاف فتيات ونساء علويات خلال أحداث الساحل وبعدها.
ووثّقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن أحداث الساحل حالات تهديد وخطف واعتداءات جنسية استهدفت نساءً من الطائفة العلوية في محافظات حماة وطرطوس واللاذقية خلال الفترة من كانون الثاني/ يناير إلى آذار/ مارس 2025.
وبحسب التقرير الذي أورد شهادات مرعبة، استخدم المسلّحون لغة مهينة، وهدّدوا النساء بالاختطاف والزواج القسري، ووصفوهنّ بـ”عبيد” و”غنائم حرب”، بخاصة بعد تنفيذ إعدامات بحق الأقارب الذكور. في حالات محددة، أُطلقت تهديدات مباشرة بالعنف الجنسي وقتل الأطفال، كما وقع اغتصاب متكرر وإهانات دينية، وأُجبر بعض الضحايا على الزواج القسري ونقلهن إلى محافظات أخرى.
وقد وُثِّقت عمليات خطف لست نساء على الأقل، وفيما لا يزال مكان اثنتين منهن مجهولاً، أُفرج عن الأخريات. وهُدِّدت نساءٌ في قرى الرصافة والصنوبر خلال أحداث الساحل بالعنف الجنسي و”أخذهنّ كسبايا” بعدما أعدم مسلّحون أقاربهنّ الذكور.
وفي قرية القبو العوامية بمحافظة اللاذقية، قال مسلّحٌ لشاهد عيان: “يا خنازير علويين، سنقضي عليكم. أنتم كفّار. يجب قتل رجالكم بالسيف، واستخدام نسائكم للتسلية”. تشير التحقيقات الأولية للجنة إلى أن بعض النساء اختُطفن بغرض الزواج القسري أو ابتزاز العائلات لفدية، ولا يزال التحقيق جارياً لتوثيق المزيد من الحالات وتحديد المسؤولين عنها.
وفي حالة وصفها التقرير بأنها “مقلقة بشكل خاص”، تعرّضت امرأة للاغتصاب المتكرّر من مسلّحين ينتمون إلى فصيل مجهول بعدما فتّشوا منزلها بحثاً عن أسلحة. إضافة إلى العنف الجنسي، تعرّضت الضحية للضرب المبرح وإهانات دينية، ووُصفت بأنها “غنيمة حرب”. استمرّ الاعتداء أياماً عدة، وخلالها ناقش الجناة خططاً لنقلها إلى محافظة أخرى حيث أُخِذت نساء أخريات، لكنها تمكنت في نهاية المطاف من الهروب مع سكان آخرين من بلدتها.
في المقابل، نفى تحقيق لجنة تقصي الحقائق المكلّفة من الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، تلقي أي معلومات حول اختطاف نساء أو فتيات من الطائفة العلوية. يطرح هذا الإنكار تساؤلات حول ما إذا كانت هناك فصائل أو جهات مسلّحة مرتبطة بالدولة قد تكون متورطة في هذه الانتهاكات، أو ما إذا كان الهدف من النفي هو إبعاد المسؤولية عن أي طرف رسمي؟
ما الذي يجمع اختطاف النساء في الساحل والسويداء؟ على رغم اختلاف الذرائع بين الزواج القسري في الساحل ومبادلة الأسرى في السويداء، إلا أن ما يجمع الحالتين هو أنه تم التعامل مع النساء كأوراق ضغط وأدوات تفاوض وإذلال للمجتمعات المحلية في سياق صراعات مسلحة واجتماعية معقّدة.
هذا الواقع يكشف عن هشاشة وضع النساء في أماكن النزاع وغياب أي حماية قانونية أو اجتماعية فعلية تضمن حقوقهن الأساسية.
هناك دلالات خطيرة، من بينها أن مصائر النساء السوريات لا تُحدد وفق القانون أو العدالة، بل وفق موازين القوى والمصالح الميدانية. كما يعكس ذلك الواقع الهش الذي تعيشه النساء، فإلى جانب الإذلال كونهن ينتمين إلى أقليات دينية أو قومية، في صراع تبدو ملامحه طائفية، يتضاعف هذا الإذلال ويتعمّق في سياق استضعاف النساء عموماً، إذ يُنظر إليهن باعتبارهن الحلقة الأضعف، فيُستَخدمن كأدوات في الصراعات، سواء عبر التهجير والاغتصاب أو فرض أدوار قسرية عليهن. وهكذا يتحوّل جسد المرأة وهويتها الدينية والعرقية إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات وإنتاج المزيد من الإقصاء.
إقرأوا أيضاً:













