ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

قديسو حرب إيران في لبنان

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

مكلفة قداسة علي خامنئي، مكلفة إلى حد بإمكان المرء معه أن يشاهد مشروع قديس كنعيم قاسم يفكك مأساة الجنوبيين بالأوهام. والأكثر كلفة أن يصدقه من يصدق. ذلك أن الكلفة تتبدى كلفتين تصيبان الجسد والعقل، وهذا أبشع ما في الأيديولوجيات القاتلة التي أنتجت قداسة الخامنئي وأوهام قاسم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

القداسة مكلفة، وقديسوها ميتون. أمّا اللبنانيون الأحياء، ومنهم المقدِّسون، فيندرجون بين ضحايا قتل ناجز، ومثلهم قيد التضحية، وغالبيتهم ضحايا يقع عليهم عبؤها، كما في المشهدية ـ المأساة الراهنة، حين يتماهَون مع طرقات التيه نزوحاً وافتراشاً.

يندرج “حزب الله” بوصفه الأكثر تكثيفاً للقداسة في وعينا، لكن أعرافه تضيق بمستحقيها، ونائلوها ليسوا إلا رهطاً من الموتى، يتصدرهم راهناً ولي أمر الحزب علي خامنئي وأمينه العام الأسبق السيد حسن نصرالله، فيما يبقى الخميني المقدَّس الذي بوشرت به لائحة القداسة.

وأعراف الحزب، حين تتسع للقداسة، تتسع لها بأكلاف عالية. فقداسة كقداسة السيد حسن نصرالله أفضت إليها سياقات كثيرة، فيما المشترك بين تلك السياقات هو الدم. الدم كمنتج للحروب التي جعلت الرجل أسمى ضحاياها، على ما تشيعه سردية حزبه.

والقداسة، كتطويب ديني، لا تقف عند “حزب الله”. الأخير يتشاركها مع المذاهب المسيحية كمنحة “إلهية”، لكن الافتراق فيها تحدثه الوقائع المفضية إليها. ففي حين تتماهى القداسة في الفهم المسيحي الراهن بالسلام الإنساني (البابا نموذجاً)، يستدعيها الحزب من مورد عنفي، ثم يعمد إلى ترشيد هذا المورد ببعد إنساني لتخفيف وقعه الطردي على الوعي.

ولا ضير في القول إن التلازم السببي بين العنف والإنسانية مكّن “حزب الله” من إحراز نجاح مفرط في بيئته، وملموس في بيئات مذهبية أخرى. لكنه تبدّى في الأخيرة نجاحاً مرحلياً، وارتبط بفكرة الحرب مع إسرائيل وتحرير فلسطين، قبل أن يبدده الحزب في حروبه الأخرى.

آخر حروب “حزب الله”، والتي نعيش مآسيها راهناً، هي نتاج تلك القداسات. اغتالت إسرائيل المرشد الإيراني علي خامنئي، فوسِم قديساً. ولم يلبث الاغتيال أن فتح شهية الحزب على حرب لا لبس في هويتها هذه المرة: إنها حرب إيران في لبنان، مع افتقادها مسوغات وطنية، كان الحزب، قبلها، قادراً على تسييلها في الوعي، حتى في الحرب التي سماها حرب الإسناد.

اغتيال خامنئي، وحرب قداسته، استدعيا راهناً اغتيال جغرافيا اسمها “الجنوب”، على ما تشي به مشاهد البؤس، وأيضاً الخرائط الحمراء التي ينشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي.

دخلت القداسة الوعي الشيعي منذ زمن بعيد، لكنها مع ثورة الخميني في إيران انشطرت إلى قداستين. الأولى دانت لمراجع شيعية بدا الفقه الديني موردها الحصري. ومع الخميني، كانت الثانية تتجاوز الفقه إلى السياسة، وصار الفقيه ولياً على الأمة وحاكمها السياسي. وموته، أو اغتياله كما في حال الخامنئي، يقتضي قداسة استثنائية يستطيع معها حزب كـ”حزب الله” أن يفتديها بحرب ليست وقائعها بأقل من مشهدية اليوم الثاني من آذار/مارس الحالي وما تلاه.

وكمنحة إلهية، لا تنزل القداسة على صاحبها كوحي إلهي، ذلك أن مصدرها ليس إلا لساناً بشرياً لا يتأخر في تحويلها إلى محنة بشرية يحدثها سلوك عنفي. وسلوك كهذا ينقاد إليه مدّعيه مجرداً من الحكمة، ويقود الناس إلى هذه المواءمة العبثية بين الموت والقداسة.

مكلفة قداسة علي خامنئي، مكلفة إلى حد بإمكان المرء معه أن يشاهد مشروع قديس كنعيم قاسم يفكك مأساة الجنوبيين بالأوهام. والأكثر كلفة أن يصدقه من يصدق. ذلك أن الكلفة تتبدى كلفتين تصيبان الجسد والعقل، وهذا أبشع ما في الأيديولوجيات القاتلة التي أنتجت قداسة الخامنئي وأوهام قاسم.

ما خرج بالأمس من قهر الجنوبيين إلى العلن، وشاهدناه كبكائيات في عيون امرأة، هو أصدق من “ثرثرة” فوق المأساة؛ “ثرثرة” فيها ما فيها من الخواء، ومكثفة بنعيم قاسم نفسه، وبنبرته التي لا تترك مجالاً للمفاضلة بين صدق دموع المرأة الجنوبية وبين قداسة علي خامنئي المصطنعة.

والخوض في القداسة أيضاً يفضي إلى مفارقة ينعدم فيها الالتباس: أن “القديسين” ليسوا على سوية واحدة، وأن قداسة خامنئي تتقدم على قداسة نصرالله. فحين يقتضي اغتيال الأخير اعتكافاً إيرانياً عن الثأر، ويستدعي اغتيال خامنئي “حزب الله” إليه، نكون، والحال هذه، أمام إعادة ترتيب “القديسين”، وأمام كلفة الثأر لهم.

والحال أن كلاماً كثيراً بإمكان المرء أن يقوله في وجع الناس، ويقوله أيضاً في “قديس” اقتضى الثأر له جريمة إنسانية تقاطع على الخوض فيها الآمر والمأمور، وإسرائيل التي تكتب بالدم والتشرد فصلها الأخير.

05.03.2026
زمن القراءة: 3 minutes

مكلفة قداسة علي خامنئي، مكلفة إلى حد بإمكان المرء معه أن يشاهد مشروع قديس كنعيم قاسم يفكك مأساة الجنوبيين بالأوهام. والأكثر كلفة أن يصدقه من يصدق. ذلك أن الكلفة تتبدى كلفتين تصيبان الجسد والعقل، وهذا أبشع ما في الأيديولوجيات القاتلة التي أنتجت قداسة الخامنئي وأوهام قاسم.

القداسة مكلفة، وقديسوها ميتون. أمّا اللبنانيون الأحياء، ومنهم المقدِّسون، فيندرجون بين ضحايا قتل ناجز، ومثلهم قيد التضحية، وغالبيتهم ضحايا يقع عليهم عبؤها، كما في المشهدية ـ المأساة الراهنة، حين يتماهَون مع طرقات التيه نزوحاً وافتراشاً.

يندرج “حزب الله” بوصفه الأكثر تكثيفاً للقداسة في وعينا، لكن أعرافه تضيق بمستحقيها، ونائلوها ليسوا إلا رهطاً من الموتى، يتصدرهم راهناً ولي أمر الحزب علي خامنئي وأمينه العام الأسبق السيد حسن نصرالله، فيما يبقى الخميني المقدَّس الذي بوشرت به لائحة القداسة.

وأعراف الحزب، حين تتسع للقداسة، تتسع لها بأكلاف عالية. فقداسة كقداسة السيد حسن نصرالله أفضت إليها سياقات كثيرة، فيما المشترك بين تلك السياقات هو الدم. الدم كمنتج للحروب التي جعلت الرجل أسمى ضحاياها، على ما تشيعه سردية حزبه.

والقداسة، كتطويب ديني، لا تقف عند “حزب الله”. الأخير يتشاركها مع المذاهب المسيحية كمنحة “إلهية”، لكن الافتراق فيها تحدثه الوقائع المفضية إليها. ففي حين تتماهى القداسة في الفهم المسيحي الراهن بالسلام الإنساني (البابا نموذجاً)، يستدعيها الحزب من مورد عنفي، ثم يعمد إلى ترشيد هذا المورد ببعد إنساني لتخفيف وقعه الطردي على الوعي.

ولا ضير في القول إن التلازم السببي بين العنف والإنسانية مكّن “حزب الله” من إحراز نجاح مفرط في بيئته، وملموس في بيئات مذهبية أخرى. لكنه تبدّى في الأخيرة نجاحاً مرحلياً، وارتبط بفكرة الحرب مع إسرائيل وتحرير فلسطين، قبل أن يبدده الحزب في حروبه الأخرى.

آخر حروب “حزب الله”، والتي نعيش مآسيها راهناً، هي نتاج تلك القداسات. اغتالت إسرائيل المرشد الإيراني علي خامنئي، فوسِم قديساً. ولم يلبث الاغتيال أن فتح شهية الحزب على حرب لا لبس في هويتها هذه المرة: إنها حرب إيران في لبنان، مع افتقادها مسوغات وطنية، كان الحزب، قبلها، قادراً على تسييلها في الوعي، حتى في الحرب التي سماها حرب الإسناد.

اغتيال خامنئي، وحرب قداسته، استدعيا راهناً اغتيال جغرافيا اسمها “الجنوب”، على ما تشي به مشاهد البؤس، وأيضاً الخرائط الحمراء التي ينشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي.

دخلت القداسة الوعي الشيعي منذ زمن بعيد، لكنها مع ثورة الخميني في إيران انشطرت إلى قداستين. الأولى دانت لمراجع شيعية بدا الفقه الديني موردها الحصري. ومع الخميني، كانت الثانية تتجاوز الفقه إلى السياسة، وصار الفقيه ولياً على الأمة وحاكمها السياسي. وموته، أو اغتياله كما في حال الخامنئي، يقتضي قداسة استثنائية يستطيع معها حزب كـ”حزب الله” أن يفتديها بحرب ليست وقائعها بأقل من مشهدية اليوم الثاني من آذار/مارس الحالي وما تلاه.

وكمنحة إلهية، لا تنزل القداسة على صاحبها كوحي إلهي، ذلك أن مصدرها ليس إلا لساناً بشرياً لا يتأخر في تحويلها إلى محنة بشرية يحدثها سلوك عنفي. وسلوك كهذا ينقاد إليه مدّعيه مجرداً من الحكمة، ويقود الناس إلى هذه المواءمة العبثية بين الموت والقداسة.

مكلفة قداسة علي خامنئي، مكلفة إلى حد بإمكان المرء معه أن يشاهد مشروع قديس كنعيم قاسم يفكك مأساة الجنوبيين بالأوهام. والأكثر كلفة أن يصدقه من يصدق. ذلك أن الكلفة تتبدى كلفتين تصيبان الجسد والعقل، وهذا أبشع ما في الأيديولوجيات القاتلة التي أنتجت قداسة الخامنئي وأوهام قاسم.

ما خرج بالأمس من قهر الجنوبيين إلى العلن، وشاهدناه كبكائيات في عيون امرأة، هو أصدق من “ثرثرة” فوق المأساة؛ “ثرثرة” فيها ما فيها من الخواء، ومكثفة بنعيم قاسم نفسه، وبنبرته التي لا تترك مجالاً للمفاضلة بين صدق دموع المرأة الجنوبية وبين قداسة علي خامنئي المصطنعة.

والخوض في القداسة أيضاً يفضي إلى مفارقة ينعدم فيها الالتباس: أن “القديسين” ليسوا على سوية واحدة، وأن قداسة خامنئي تتقدم على قداسة نصرالله. فحين يقتضي اغتيال الأخير اعتكافاً إيرانياً عن الثأر، ويستدعي اغتيال خامنئي “حزب الله” إليه، نكون، والحال هذه، أمام إعادة ترتيب “القديسين”، وأمام كلفة الثأر لهم.

والحال أن كلاماً كثيراً بإمكان المرء أن يقوله في وجع الناس، ويقوله أيضاً في “قديس” اقتضى الثأر له جريمة إنسانية تقاطع على الخوض فيها الآمر والمأمور، وإسرائيل التي تكتب بالدم والتشرد فصلها الأخير.