هل حاولت أن تجد “صفّة” في بيروت؟ وكم دفعت لتركن سيّارتك على الطريق؟ إنّه سؤال الموسم، في الأسانسيرات، في صباحيات العمل، سؤال لتكسر حاجز الخجل في المحادثات الصغيرة، سؤال الموعد الأوّل، وحتى حديث الموسم مع حبيبتك التي شهدت معك ارتفاع أسعار الباركينغ من 5 سنين حتى اليوم. حتى الأشخاص الذين لا يقودون سيّارة، تجد نفسك تحدّثهم/ن عن الباركينغ، فيحدّثونك عن أن “أوبر” أخذ أكثر من المطلوب بحجّة أن تسعيرة التطبيق غير عادلة.
ينتقل الحديث بعدها إلى أسعار البيرة في الحانات، وأسعار أغراض السوبرماركت، وما إن كانت الجبنة في “سبينيز” أغلى من جبنة “كارفور”، وأخيراً تصل إلى الحديث الأهمّ، حديث القمة، حديث اللا نهائية، الحديث الذي دمّر البلد، كم فاتورة ميّ دفعت هالشهر؟ لتنتقل إلى نجمة الساحات، كاسرة القلوب ومدمّرة الأحلام: إنّها فاتورة الكهرباء.
أشعر أحياناً أن البلد يلاحقني ويحاصرني ويجبرني على أن أدفع مقابل أيّ شيء، وكأنّي لا أملك شيئاً. ذهبت إلى حفلة الأسبوع الماضي، أتعرفون من هم أكثر الأشخاص الذين يستحقّون أن تسلبهم أموالهم؟ الأشخاص الذين يذهبون إلى الحفلات. هذه ليست نظريتي، بل هي نظرية عمّال الحفلات، فتخيّل أن تكون عاملاً في شركة فاليه باركينغ في “البيال”، وتصل شابّة إلى الحفلة الساعة 11:30 مساءً، وأنت في دوام العمل، ستنتقم من الكوكب بها. إنّها موازين القوّة، هذا ما يمكنك أن تفعله لتشعر أنّ البلد عادل.
حينما وصلت إلى “البيال” وسألت عن سعر الباركينغ، علمت أنّه بـ700،000 (من دون خدمة الفاليه) أي نحو 7.8$، علماً أنّه كان بـ500 ألف من أشهر قليلة، لكن اضطرّت الجهات الفاعلة أن تزيد السعر لأسباب لا أعلمها، لربما زادت البلدية إيجار الأرض، لربما هناك ضريبة جديدة، لربما زاد سعر الوقود على صاحب الأرض، لا أعلم.
كان معي 10$، أعطيتها للفاليه منتظرةً أن يردّ لي 190,000، انتظرته… لم يردّ… سألته، هل الباركينغ بـ10$؟ قال لا. قلت له: “ردّلي الباقي”، أجابني: “ما معي صرافة”. نظرت إلى النقود في يده، الكثير من الكاش اللبناني… نظر هو إليها أيضاً، نظرنا إلى بعضنا بعضاً، وذهبت، وكأنّي أستحقّ أن أدفع 190،000 زيادة لأنّني خرجت من المنزل. لربما هكذا يجمّع سعر فاتورة المياه، لربما هذا جزائي لأنّني لا أشعر مع الفقراء وقرّرت أن أهرب إلى سهرة غالية أصلاً.
كأنّ لبنان أصبح دبّاً يركض خلفك ليسلبك أموالك، يركض خلفك ليذكّرك أنّ رياض سلامة حرّ بكفالة 20 مليون دولار كاش، دبّ يركض خلفك لينتقم منك لأنّك رغبت في السهر في سبت من سبوت بيروت الصاخبة
الأسعار في بيروت غير معقولة. ..إنّها حديث الجميع كلّ يوم في كلّ وقت، ولكن لسبب ما، هي فقط تبقى في فقاعة الحديث ولا يحصل شيء من بعدها. كانت شركة الفاليه باركينغ وما زالت، غير عادلة، وتمثّل الحكم في لبنان. إنّها مرآة لهذا السيستم. وهذا غير مهم، فالبلد مقسوم بين أشخاص يبحثون عن الـ 190،000 يعملون لصالح الشركة التي تجني الكثير من الأرباح، وبين أشخاص يدفعون 100$ باركينغ كي يركنوا جنب الباب خوفاً على سيّارتهم.
وهذا ما يجري كلّ مرّة في بيروت، لا يصدّق أحد أنّ هناك أزمة غلاء لأنّ أماكن السهر والأكل ممتلئة بالحجوزات. ولا أحد يريد أن يناقش سعر البيرة في المقاهي، والجميع تعب من الكلام عن فاتورة الكهرباء، أو عن صاحب الملك الذي يعتبرك ابنه المنسي، وكأنّه كُتب عليك أن تصرف على أهلك وعليه. والتعب هذا سببه أن لا شيء يتغيّر، وهو أصلاً يعتبَر “نق” و”النق” يجلب الفقر، والطاقة السلبية تزيد الكورتيزول في الجسم.
هذا الشهر زاد سعر الضمان الاجتماعي من 30$ إلى 50$، ولا أحد يعلم لماذا أو كيف يمكن أن نستفيد من هذا الضمان، وماذا يحدث لل50$ حقّاً، ويأتي صاحب العمل ليخبرك أنّ “الزودة” مستحيلة، وهناك أزمة عالمية قد تُغلق المؤسّسة عن بكرة أبيها، وأنّه حتى إن كان هناك زيادة على الراتب، ستدفعها كضريبة.
كلّ هذا غير مهم، وهو مجرّد حديث طويل متعب في مدينة مكتظة. يقول شقيقي الذي يعمل في أكثر مهنة “نصّابة”، أي مهنة التسويق: “إنّنا في العادة ندفع سعر “التجربة” وليس المواد الأوّلية فقط”، لكن ما التجربة هنا؟ التجربة تبدأ من الباركينغ الذي يحاول أن ينصب عليك علناً، لتقف في وجهه وتظنّ أنّك مواطن يعرف حقوقه جيّداً، وتقول له: “ما إلك حق تاخد مصاري منّي أنا صفّيت عالطريق”، ليردّ عليك: “لكن نحن نحمي سيّارتك من السرقة”، وتنتهي القصّة هنا.
أنت تدفع ثمن التجربة في بلد يسلبك أموالك في كلّ ثانية مقابل لا شيء حقّاً، ولا أتكلّم فقط عن أموال “السهر والبسط”، أعلم أنّ أوّل “كومنت” على هذا المقال سيكون: “في عالم عم تموت الجوع”، لكن هناك غلاء معيشي نتعايش معه، وهناك الكثير من الفواتير تقف في وجهنا، وكلّ هذا يقابله الكثير من النصب والسرقة. وهذه ليست المرّة الأولى أو الوحيدة التي يحدث فيها كلّ هذا، ونعلم أنّ البلد يتّجه نحو الأسوأ، كما اتّجه سابقاً إلى ما هو عليه اليوم. نحن أمام عالم غير واقعي، من جهة لا نفهم كيف تطير أموالنا، ومن جهة أخرى تظهر “أبليكيشن” جديدة تسمح لك بالدفع من الهاتف، ويصبح الهاتف هو “الكارد”… دعايتها في كلّ مكان… إنّها قمّة التكنولوجيا، وكأنّ البلد في أحسن أحواله.
في كلّ مرّة نواجه أزمة جديدة في لبنان، يخرج الحلّ أمامنا على هيئة فواتير إضافية، حتى ننسى أنّنا كنّا نعيش في فترة من دون كهرباء، ومن دون وقود. اليوم مثل عالم الـfintech المزدهر، كلّ شيء له حلّ من خلال دفع الأموال، إدفع إكسترا، تجد المخرج.
منذ 8 سنوات أي في 2017، كان البلد أمام قرار تفصيلي، هل الباركينغ بـ5000 ليرة أو 10000 ليرة؟ كان هناك مشكلة أنّ تعرفة الفاليه باركينغ تبلغ 5000 ليرة خارج بيروت (أي 3$) و10000 ليرة داخل بيروت (أي 7.5$) ويومها برّر وزير السياحة أنّ شركات الفاليه قدّمت خططاً ومستندات تُظهر أنّ تكاليف الشركات غالية جداً، وكانت يومها هناك صرخة لأنّ القرار كان يحدّد أنّ خدمة الباركينغ من دون فاليه في بيروت تبلغ 5000 ليرة، والصرخة ليست لأنّ التسعيرة غالية، بل لأنّ الشركات تشعر أنّه قرار مجحف، وهي تستحقّ أكثر من 5000 ليرة. حتى وزير السياحة يومها شعر أنّ التسعيرة غير عادلة، ويجب أن تُرفع لأنّ الشركات معها حقّ.
اليوم يمكن أن نقول إنّ خدمة الباركينغ من دون فاليه أصبحت “عالهلّة”، يوم تدفع 350 ألف، ويوم آخر تدفع 10$، وحتى جملة “مثل أيّام الـ”1500 لا يمكنك أن تقولها بعد اليوم، لأنّنا ما عدنا مثل أيام الـ1500، أصبحنا في مرحلة جديدة، فيا ليت الزمن يعود إلى أيام الـ1500.
في كلّ الأحوال، الجميع سيشعر أنّ حقوقه منتقصة هنا، سواء أنت أو صاحب الملك أو شركة الفاليه أو موظّف الفاليه، وحتى وزير السياحة. وكأنّ البلد أصبح دبّاً يركض خلفك ليسلبك أموالك، يركض خلفك ليذكّرك أنّ رياض سلامة حرّ بكفالة 20 مليون دولار كاش، دبّ يركض خلفك لينتقم منك لأنّك رغبت في السهر في سبت من سبوت بيروت الصاخبة.
إقرأوا أيضاً:










