ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

قراءات وتأمّلات في توقعات ميشال حايك للعام الجديد

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تطييبنا للمنجمين تطييب المستمعين لآهات أم كلثوم آن لها أن تصيبنا بالإحراج من أنفسنا، لأنها للأسف تجعلنا نبدو شعباً ساذجاً مصاباً بيأس عام وخيبة وإحباط مديدين وفقدان تام للأمل. كما أنها تفضح تخلفنا المخزي عن اللحاق بالركب العلمي للكوكب.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أناقش نفسي، محاولاً إقناعها، في طرح سؤال على الذكاء الاصطناعي: من هو، يا ذكاء باشا، اللبناني الأول الذي اخترع فكرة التنجيم والمنجمين ليلة رأس السنة؟

أنا، أصلاً، فقدت السنة الماضية الاهتمام بالاستماع إلى كبير الفلكيين ميشال حايك بعدما أضجرني حتى الموت بينما أتفرج عليه يكرر توقعاته على وزن واحد، ليس زجلياً تماماً، أي ليس مقفى، لكنه على جملة موسيقية يتيمة لا يحيد عنها، يقولها مرنمة بعدد كلمات محدد. جملة موسيقية بعد إعادتها للمرة الرابعة تتحول إلى ضوضاء تامة، تشبه جرس الإسعاف، أو رنين المنبه الذي وظيفته الوحيدة إزعاجك بما يكفي لأن تخرج من نومك وتبدأ نهارك.

كنت مهتماً به اهتمام من يراقب الساحر عن كثب ليكتشف حيلته. من أين يأتي بالأرنب، وأين يخفيه، هذا المحتال الكبير؟ كيف يأتي ميشال بتوقعات لا تقول شيئاً، يدعي فيها معرفته بمستقبل كل الكائنات والأشياء، مع أنها لا تحدد زمن الحدث، وماهيته وأثره، ومع ذلك تجد لدى اللبنانيين كل هذا الاهتمام الذي يدفع الكثيرين منهم الى حمل أوراق وأقلام والانكباب، آخر يوم في السنة، على تسجيلها والاحتفاظ بها للعودة إليها بعد كل خبر عاجل، أو حادثة شخصية.

اهتمامي بميشال حايك وأترابه دافعه الملل الذي يجعلني أدمن هذه الترّهات الرائعة، الرداءة التي ليس كمثلها رداءة. الرداءة التي لا يمكن مقاومة مشاركتها مع الأصدقاء في سبيل إضحاكهم كرد جميل على ما أرسلوه. وهذا كله في سبيل تسلية العالم بدونها عالم لا يطاق.

مع هذه الفقرة الخامسة تاهت مني فكرتي، أنا الذي لا علم لي أبداً بما سأحمل لآخر المقال، وما يحمله لي، فكيف يمكن لميشال حايك وليلى عبد اللطيف أن يعرفا ما الذي سيحدث خلال الـ 366 يوماً المقبلة (هذه سنة كبيسة أعادها الله علينا بالخير والبركة)؟ ليس على صعيد راس بيروت وجوارها مثلاً، بل على صعيد الكوكب. كيف بحث كوننا الختيار وكدّ في بحثه حتى وجد من بين 8 مليارات بني آدم يعيشون على واحد من كواكبه الجانبية الصغيرة رجلاً (أو امرأة) وقال هذا هو الذي سأكسر كل قواعد الفيزياء والكيمياء ومفهوم الزمن الغامض المعقد، وأضع فيه سر معرفة ما لم يحدث بعد؟ سأطلع ليلى وميشال وحدهما على اللوح المحفوظ عندي منذ 14 مليار سنة، على أقل تقدير، وكنت طوال هذا الوقت أتشوق لمجيء القرن العشرين كي يعرف أبو ميشال امرأته أم ميشال ويأتي ميشال ويكبر ويحترف الظهور السنوي على “أم تي في” ليخبر البشرية كل سنة عما ينتظرها السنة المقبلة.

فقدت الاهتمام، أقول، ثم سألت نفسي بعدما سألت الكون: لماذا أصلاً نريد أن نعرف ما الذي سيحدث؟

 لتجنب الأحداث السيئة على الأرجح. كأن يرى ميشال مثلاً غيماً أسود يتجمع فوق ساحة ما، في وقت ما، من دون أن يحدد، هل هو انفجار 4 آب آخر مثلاً، أو حادث سير، أو اغتيال، أو حبيبة كسرت قلب حبيبها. حينها يمكننا أن نحدد بالأحمر، بأسلوب الكريه أفيخاي أدرعي، المساحات التي يفترض الابتعاد عنها خلال فترة محددة. لكن ميشال يبقي توقعاته مفتوحة على الإبهام في أهم تفاصيلها، أي في الأسئلة الصحافية الخمسة: أين ومتى ومن وماذا وكيف؟

هذه التفاصيل المتروكة لنا تبدو غير مهمة لدى ميشال لأنه ليس صحافياً بل مشعوذ. والشعوذة هنا ليست صفة قبيحة، بخاصة أن ميشال وليلى ليسا مؤذيين البتة، غير مضرّين، وغير مفيدين أيضاً. ليسا مرضاً كما أنهما ليسا دواء، ولا أعراض جانبية، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية لهما. هكذا، كلعبة نفخ فقاعات الصابون. لم يحدث أن سببت فقاعة صابون إصابة في الرأس، أو رضوضاً في البال الخاطر. هما لا يقارنان بمطلقي النار في الهواء ابتهاجاً. والإعلام والسوشال ميديا محشوان بمشعوذين أكثر ضرراً، من السياسيين إلى الفود بلوغرز، والجميع يرمي توقعاته علينا، من شكل الحرب المقبلة إلى شكل فخذ الفروج المقلي. لن نصل إلى ميشال ونقرر أن نفرض عليه الدقة في الكلام كي نتجنب الاستفتاء في أمور قضي فيها سلفاً. وبما أن ميشال حايك لن يحدد لنا الأرقام الستة الرابحة في السحب المقبل من اللوتو، كما لن يضع مربعاً أحمر حول المبنى الذي سيسقط بعد نصف ساعة من الآن، فتوقعاته ليست مفيدة لتجنب الشرور.

سبب آخر محتمل هو فضول الإنسان. ومع أن القطط أكثر فضولاً من البشر إلا أنها لا تهتم مثلنا حين يرى ميشال غيمة فوق رأس شخصية لا هي كبيرة ولا صغيرة، لا مربعة ولا مستطيلة، ولها علامة فارقة في مطرح سري من جسدها. القطط تغفو بينما نحن نحلل ونطرح أسماء. نطرح آلاف الأسماء، وحين يكسر شخص معروف رجله، نصرخ: يا عجيبة! قالها ميشال!

وللبنانيين قلوب طيبة وكبيرة. لا ينتبهون أن التوقعات في الأصل عنهم وفي سبيلهم وأن ميشال عالم آخر بالغيب ووسيلتهم لكشفه، وأنهم هم الأساس وليس هو. بمعنى، ليس مطلوباً منهم كل سنة تجديد النفخ في بوقه ومتابعة الانبهار به ثم الاستمرار في الدوران اللامتناهي من تلقي التنبؤات، وتحليلها، وإسقاطها على الأحداث، والانبهار، وهكذا دواليك. ليس لأن أيام السنة وشهورها تتكرر فهذا معناه أن الزمن دائري. هذه وحدة قياس اخترعناها لننظم حياتنا، لكن الزمن يجري إلى الأمام، وعلينا كلما توقع ميشال حدثاً، ثم حدث، أن نخرج بدروس وعبر للتقدم إلى الأمام، أو على الأقل للاستثمار في التوقعات قبل وقوعها وليس بعد فوات الأوان. 

كأن نراهن مثلاً، كما نراهن على نتائج مباريات كرة القدم، أو أحصنة سباق الخيل، بأن الشخصية التي لا هي مكوّرة ولا مخروطية التي فوق رأسها غيمة هي فلانة الفلانية، ونضع مالاً في مكتب مراهنات عليها، ونحن وحظنا للعام الجديد، كما رأته عالمة الغيب وقارئة الكف وضاربة المندل، والمحللة الاستراتيجية ليلى عبد اللطيف. قد نربح، وقد نخسر،  فنجرب في العام المقبل. أما هكذا، بلا أي فائدة ترجى من التوقعات، فهذا فن للفن في غير مكانه. تطييبنا للمنجمين تطييب المستمعين لآهات أم كلثوم آن لها أن تصيبنا بالإحراج من أنفسنا، لأنها للأسف تجعلنا نبدو شعباً ساذجاً مصاباً بيأس عام وخيبة وإحباط مديدين وفقدان تام للأمل. كما أنها تفضح تخلفنا المخزي عن اللحاق بالركب العلمي للكوكب.

الأنكى من هذه الصورة المسيئة لنا، هو انقسامنا بين ميشال حايك وليلى عبد اللطيف، انقسامنا على ميشال عون وسمير جعجع مثلاً، أو على سلاح الحزب. وإذا كانت السياسة في لبنان أكثر غموضاً وخفة من توقعات ميشال وليلى، فهذا لا يعني أن يصير لهذين الإثنين أتباع ومريدون ينقسمون على أيهما أكثر مهارة في جلب المحبوب، والتنبؤ بمصير نيكولاس مادورو. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، كان يمكن في أي لحظة من السنة الفائتة سؤاله عن مصير الرفيق سيئ الحظ، وكان سيرسم كل سيناريوهات مستقبله وفق منطق مفهوم، لا أن يقول كما قال ميشال: “أصوات وأصداء وتداعيات حول مادورو واسمه وشخصه ومقربين منه”. فكل من قرأ عما حشده دونالد ترامب في الكاريبي من عتيد وعتاد حربيين، وعما ردده مراراً عما سيفعله بمادورو، يعلم أن آخر هموم اللاتيني المسكين في العام الجديد ستكون الأصوات والأصداء.

ومع أن ترامب الواضح هو الذي صدق في توقعاته، هرعنا نستعيد ما قاله الغامض ميشال حايك، ونبحث عما رآه عن الحرب القادمة علينا. ويا للهول، فقد تنبأ بـ”تلاشي الاجتياح الإسرائيلي وعودته” و”سلاماً يعقبه نفس عميق”، وتنبأ بأن “تضرب إسرائيل حيث تريد”. حقاً؟ تضرب حيث تريد؟ هذه هي النبوءة التي جعلنا الكون ننتظر ميشال حايك 14 مليار سنة كي يبشرنا بها؟       

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.

تطييبنا للمنجمين تطييب المستمعين لآهات أم كلثوم آن لها أن تصيبنا بالإحراج من أنفسنا، لأنها للأسف تجعلنا نبدو شعباً ساذجاً مصاباً بيأس عام وخيبة وإحباط مديدين وفقدان تام للأمل. كما أنها تفضح تخلفنا المخزي عن اللحاق بالركب العلمي للكوكب.

أناقش نفسي، محاولاً إقناعها، في طرح سؤال على الذكاء الاصطناعي: من هو، يا ذكاء باشا، اللبناني الأول الذي اخترع فكرة التنجيم والمنجمين ليلة رأس السنة؟

أنا، أصلاً، فقدت السنة الماضية الاهتمام بالاستماع إلى كبير الفلكيين ميشال حايك بعدما أضجرني حتى الموت بينما أتفرج عليه يكرر توقعاته على وزن واحد، ليس زجلياً تماماً، أي ليس مقفى، لكنه على جملة موسيقية يتيمة لا يحيد عنها، يقولها مرنمة بعدد كلمات محدد. جملة موسيقية بعد إعادتها للمرة الرابعة تتحول إلى ضوضاء تامة، تشبه جرس الإسعاف، أو رنين المنبه الذي وظيفته الوحيدة إزعاجك بما يكفي لأن تخرج من نومك وتبدأ نهارك.

كنت مهتماً به اهتمام من يراقب الساحر عن كثب ليكتشف حيلته. من أين يأتي بالأرنب، وأين يخفيه، هذا المحتال الكبير؟ كيف يأتي ميشال بتوقعات لا تقول شيئاً، يدعي فيها معرفته بمستقبل كل الكائنات والأشياء، مع أنها لا تحدد زمن الحدث، وماهيته وأثره، ومع ذلك تجد لدى اللبنانيين كل هذا الاهتمام الذي يدفع الكثيرين منهم الى حمل أوراق وأقلام والانكباب، آخر يوم في السنة، على تسجيلها والاحتفاظ بها للعودة إليها بعد كل خبر عاجل، أو حادثة شخصية.

اهتمامي بميشال حايك وأترابه دافعه الملل الذي يجعلني أدمن هذه الترّهات الرائعة، الرداءة التي ليس كمثلها رداءة. الرداءة التي لا يمكن مقاومة مشاركتها مع الأصدقاء في سبيل إضحاكهم كرد جميل على ما أرسلوه. وهذا كله في سبيل تسلية العالم بدونها عالم لا يطاق.

مع هذه الفقرة الخامسة تاهت مني فكرتي، أنا الذي لا علم لي أبداً بما سأحمل لآخر المقال، وما يحمله لي، فكيف يمكن لميشال حايك وليلى عبد اللطيف أن يعرفا ما الذي سيحدث خلال الـ 366 يوماً المقبلة (هذه سنة كبيسة أعادها الله علينا بالخير والبركة)؟ ليس على صعيد راس بيروت وجوارها مثلاً، بل على صعيد الكوكب. كيف بحث كوننا الختيار وكدّ في بحثه حتى وجد من بين 8 مليارات بني آدم يعيشون على واحد من كواكبه الجانبية الصغيرة رجلاً (أو امرأة) وقال هذا هو الذي سأكسر كل قواعد الفيزياء والكيمياء ومفهوم الزمن الغامض المعقد، وأضع فيه سر معرفة ما لم يحدث بعد؟ سأطلع ليلى وميشال وحدهما على اللوح المحفوظ عندي منذ 14 مليار سنة، على أقل تقدير، وكنت طوال هذا الوقت أتشوق لمجيء القرن العشرين كي يعرف أبو ميشال امرأته أم ميشال ويأتي ميشال ويكبر ويحترف الظهور السنوي على “أم تي في” ليخبر البشرية كل سنة عما ينتظرها السنة المقبلة.

فقدت الاهتمام، أقول، ثم سألت نفسي بعدما سألت الكون: لماذا أصلاً نريد أن نعرف ما الذي سيحدث؟

 لتجنب الأحداث السيئة على الأرجح. كأن يرى ميشال مثلاً غيماً أسود يتجمع فوق ساحة ما، في وقت ما، من دون أن يحدد، هل هو انفجار 4 آب آخر مثلاً، أو حادث سير، أو اغتيال، أو حبيبة كسرت قلب حبيبها. حينها يمكننا أن نحدد بالأحمر، بأسلوب الكريه أفيخاي أدرعي، المساحات التي يفترض الابتعاد عنها خلال فترة محددة. لكن ميشال يبقي توقعاته مفتوحة على الإبهام في أهم تفاصيلها، أي في الأسئلة الصحافية الخمسة: أين ومتى ومن وماذا وكيف؟

هذه التفاصيل المتروكة لنا تبدو غير مهمة لدى ميشال لأنه ليس صحافياً بل مشعوذ. والشعوذة هنا ليست صفة قبيحة، بخاصة أن ميشال وليلى ليسا مؤذيين البتة، غير مضرّين، وغير مفيدين أيضاً. ليسا مرضاً كما أنهما ليسا دواء، ولا أعراض جانبية، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية لهما. هكذا، كلعبة نفخ فقاعات الصابون. لم يحدث أن سببت فقاعة صابون إصابة في الرأس، أو رضوضاً في البال الخاطر. هما لا يقارنان بمطلقي النار في الهواء ابتهاجاً. والإعلام والسوشال ميديا محشوان بمشعوذين أكثر ضرراً، من السياسيين إلى الفود بلوغرز، والجميع يرمي توقعاته علينا، من شكل الحرب المقبلة إلى شكل فخذ الفروج المقلي. لن نصل إلى ميشال ونقرر أن نفرض عليه الدقة في الكلام كي نتجنب الاستفتاء في أمور قضي فيها سلفاً. وبما أن ميشال حايك لن يحدد لنا الأرقام الستة الرابحة في السحب المقبل من اللوتو، كما لن يضع مربعاً أحمر حول المبنى الذي سيسقط بعد نصف ساعة من الآن، فتوقعاته ليست مفيدة لتجنب الشرور.

سبب آخر محتمل هو فضول الإنسان. ومع أن القطط أكثر فضولاً من البشر إلا أنها لا تهتم مثلنا حين يرى ميشال غيمة فوق رأس شخصية لا هي كبيرة ولا صغيرة، لا مربعة ولا مستطيلة، ولها علامة فارقة في مطرح سري من جسدها. القطط تغفو بينما نحن نحلل ونطرح أسماء. نطرح آلاف الأسماء، وحين يكسر شخص معروف رجله، نصرخ: يا عجيبة! قالها ميشال!

وللبنانيين قلوب طيبة وكبيرة. لا ينتبهون أن التوقعات في الأصل عنهم وفي سبيلهم وأن ميشال عالم آخر بالغيب ووسيلتهم لكشفه، وأنهم هم الأساس وليس هو. بمعنى، ليس مطلوباً منهم كل سنة تجديد النفخ في بوقه ومتابعة الانبهار به ثم الاستمرار في الدوران اللامتناهي من تلقي التنبؤات، وتحليلها، وإسقاطها على الأحداث، والانبهار، وهكذا دواليك. ليس لأن أيام السنة وشهورها تتكرر فهذا معناه أن الزمن دائري. هذه وحدة قياس اخترعناها لننظم حياتنا، لكن الزمن يجري إلى الأمام، وعلينا كلما توقع ميشال حدثاً، ثم حدث، أن نخرج بدروس وعبر للتقدم إلى الأمام، أو على الأقل للاستثمار في التوقعات قبل وقوعها وليس بعد فوات الأوان. 

كأن نراهن مثلاً، كما نراهن على نتائج مباريات كرة القدم، أو أحصنة سباق الخيل، بأن الشخصية التي لا هي مكوّرة ولا مخروطية التي فوق رأسها غيمة هي فلانة الفلانية، ونضع مالاً في مكتب مراهنات عليها، ونحن وحظنا للعام الجديد، كما رأته عالمة الغيب وقارئة الكف وضاربة المندل، والمحللة الاستراتيجية ليلى عبد اللطيف. قد نربح، وقد نخسر،  فنجرب في العام المقبل. أما هكذا، بلا أي فائدة ترجى من التوقعات، فهذا فن للفن في غير مكانه. تطييبنا للمنجمين تطييب المستمعين لآهات أم كلثوم آن لها أن تصيبنا بالإحراج من أنفسنا، لأنها للأسف تجعلنا نبدو شعباً ساذجاً مصاباً بيأس عام وخيبة وإحباط مديدين وفقدان تام للأمل. كما أنها تفضح تخلفنا المخزي عن اللحاق بالركب العلمي للكوكب.

الأنكى من هذه الصورة المسيئة لنا، هو انقسامنا بين ميشال حايك وليلى عبد اللطيف، انقسامنا على ميشال عون وسمير جعجع مثلاً، أو على سلاح الحزب. وإذا كانت السياسة في لبنان أكثر غموضاً وخفة من توقعات ميشال وليلى، فهذا لا يعني أن يصير لهذين الإثنين أتباع ومريدون ينقسمون على أيهما أكثر مهارة في جلب المحبوب، والتنبؤ بمصير نيكولاس مادورو. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، كان يمكن في أي لحظة من السنة الفائتة سؤاله عن مصير الرفيق سيئ الحظ، وكان سيرسم كل سيناريوهات مستقبله وفق منطق مفهوم، لا أن يقول كما قال ميشال: “أصوات وأصداء وتداعيات حول مادورو واسمه وشخصه ومقربين منه”. فكل من قرأ عما حشده دونالد ترامب في الكاريبي من عتيد وعتاد حربيين، وعما ردده مراراً عما سيفعله بمادورو، يعلم أن آخر هموم اللاتيني المسكين في العام الجديد ستكون الأصوات والأصداء.

ومع أن ترامب الواضح هو الذي صدق في توقعاته، هرعنا نستعيد ما قاله الغامض ميشال حايك، ونبحث عما رآه عن الحرب القادمة علينا. ويا للهول، فقد تنبأ بـ”تلاشي الاجتياح الإسرائيلي وعودته” و”سلاماً يعقبه نفس عميق”، وتنبأ بأن “تضرب إسرائيل حيث تريد”. حقاً؟ تضرب حيث تريد؟ هذه هي النبوءة التي جعلنا الكون ننتظر ميشال حايك 14 مليار سنة كي يبشرنا بها؟