في كل مرة يعود فيها اسم فضل شاكر إلى الواجهة، يُعاد إنتاج السردية ذاتها تقريبًا: مطرب لبناني مشهور، انسحب من الفن، وانخرط في خطاب ديني متشدّد، وارتبط لاحقًا بمشهد اشتباك أهلي طائفي هزّ لبنان. وبين الإدانة والحنين إلى صوت المغني وحضوره، تضيع أسئلة أكثر عمقًا، وربما أكثر إزعاجًا: ماذا نفعل بالأطفال قبل أن نحاكمهم كبالغين؟ وما الذي يتركه الإيداع في مؤسسة رعائية في نفس طفل نشأ وهو يشعر أن وجوده عبء، وأن الحب مؤقت، وأن الرعاية الوالدية امتياز لا حق؟ ما هو هذا الإحساس باليتم فيما الأب والأم على قيد الحياة؟
لست هنا في معرض مساءلة العائلة التي اتخذت قرارًا بإيداع طفل هو فضل شاكر، قبل أكثر من أربعين عامًا، في مؤسسة رعائية. المساءلة هنا مباشرة حول ماهية المؤسسات الرعائية، ومعايير القبول فيها، ومسؤولية الدولة في هذا المسار.
في انتظار قرار المحكمة النهائي في قضية فضل شاكر، بعدما توالت الشهادات التي برأته من جرائم نُسبت إليه، والتي دفع ثمنها مسبقًا اعتزالًا ونفيًا وابتعادًا قسريًا عن عائلته، فهذه ليست محاولة لتبرئة أحد، ولا لتخفيف مسؤولية الخيارات المؤذية أو ربما العنيفة التي انتهجها في مساره.
إنها قراءة لمسارات إنسانية خارج الاختزال الأمني السهل، والعودة إلى نقطة يتم تجاهلها غالباً، أو ربما تُستحضر بوصفها تفاصيل مارقة، لكنها، من وجهة نظر التعمق في نظام الرعاية المؤسساتية، محطة مفصلية. هي خبرة حياة تعيد تشكيل علاقة من عاشها، ولو لفترة محدودة، بكل ما يحيط به من مفاهيم وقيم وإحساس بالقيمة الذاتية.
ما شكل هذه الطفولة التي تُبنى داخل جدران المؤسسات الرعائية؟
لقد حاول العمل التوثيقي الدرامي “يا غايب” إظهار هذا الجانب من شخصية فضل شاكر، ولو على استحياء، وهي محاولة تُحسب لهذا العمل الذي ساهم في إيقاظ بعض التساؤلات وتشكيل رأي عام يدعم سردية البراءة.
في هذا المسلسل، يبوح شاكر، وبكثير من العتب، بما خلّفته تجربة أن يكون يتيمًا، هو دونًا عن إخوته جميعًا، على الرغم من أنه ليس يتيمًا. ومضات من لحظة دخول فضل شاكر إلى دار الأيتام، بعد قرار من والديه بإلحاقه بها بسبب فقر العائلة. وصف شاكر إحساسه لحظتها بدقة، وشعوره بأن الدنيا أطبقت عليه. ومشهد سرقة الطعام من مخزن الدار ليتشاركه مع رفيق اليتم، وحديثه عن معاناته مع موعد النوم الإجباري على الرغم من أن الشمس لم تكن قد غابت بعد، هي تجارب يتشارك فيها فضل شاكر مع أطفال كثر اختبروا الرعاية المؤسساتية، حيث تُضبط مواقيت الأكل والاستيقاظ وحتى دخول الحمام على ساعة المشرف.
ولعل الفهم الحقيقي لخبرة دار الأيتام تجلّى حين عاد فضل شاكر لزيارة عائلته. يومها بقي وحيدًا في غرفة، بينما تقاسمت أمه وإخوته غرفة أخرى. هكذا استكمل فضل شاكر وحشته، فتكوّر على نفسه وحيدًا في غرفة، كما اعتاد أن يفعل في الدار. هل شعر فضل حينها بأن صلة ما انقطعت؟ بأنه عبء على العائلة؟ أم أنه اختار الوحشة واليتم كي يقوى على العودة إلى دار الأيتام؟ كيف لطفل أن يتعامل مع كل هذا الحزن وحده؟ كيف له أن يبيّن هذا الخيط الفاصل بين كونه محبوبًا وله مكانه في العائلة، وبين إيداعه في دار أيتام؟ كيف له أن يأكل ليسد جوعه؟ ومن يعوض له خسارات الانتماء، وحاجته إلى الحضن، وكرامة سُلبت منه؟
ليست خبرة فضل شاكر غريبة أو غير متوقعة، بل إنها تأتي في سياق كل الأبحاث التي وثّقت أثر المؤسسات الرعائية في تشكيل الهوية الشخصية لمن اختبرها. وفي محاولة متكررة لتفكيك الفكرة الشائعة عن “العمل الخيري”، التي تعتبر أن المؤسسات الرعائية “أنقذت” الأطفال لأنها أطعمتهم أو آوتهم عندما تخلّى الأهل عنهم، لا بد من النظر في أثر هذا الفهم الخاطئ في تشكيل نظرة الطفل إلى نفسه وقيمته الذاتية.
إذ إن المشكلة لا تكمن فقط في غياب العائلة، بل في طبيعة الأنظمة التي تُنتج أطفالًا يشعرون أنهم مدينون للحياة نفسها. أطفال يتعلمون باكرًا أن عليهم أن يكونوا ممتنين للبقاء، حتى لو كان هذا البقاء مصحوبًا بالوحدة والخوف والإذلال الصامت.
الرعاية المؤسساتية، خصوصًا حين تُبنى على الإحسان لا على الحقوق، لا تنتج فقط هشاشة اجتماعية، بل شكلًا من أشكال الجوع المزمن، ليس للأكل فقط، بل يتخطاه إلى البحث المضني عن إجابة لسؤال: “لماذا أنا هنا؟”. الطفل الذي يكبر داخل مؤسسة تُدير احتياجاته الأساسية، يتعلم أن الحب مشروط، وأن الانتماء هش، وأن القبول مرتبط بالطاعة والتكيّف.
وهنا يبدأ ما يمكن وصفه بـ”متلازمة الامتنان”.
ليست المتلازمة مرضًا نفسيًا بالمعنى الإكلينيكي، بل بنية تتشكل حين يُربّى الطفل على الشعور بأنه مدين باستمرار لمن قدّم له الحد الأدنى من الرعاية. يتحول الامتنان إلى عبء، ويصبح الطفل حذرًا من الاعتراض، خائفًا من الرفض، متعلّقًا بأي مساحة تمنحه شعورًا بالقيمة أو الاحتواء.
في كثير من أنظمة الرعاية، لا يُقال للأطفال صراحة إنهم عبء، لكنهم يشعرون بذلك يوميًا. في تفاصيل صغيرة: في الامتنان المطلوب منهم، وفي المقارنات، وفي التذكير المستمر بأن هناك من “تفضّل” عليهم بالرعاية. ومع الوقت، ينمو لدى بعضهم شعور عميق بأنهم لا يستحقون الحب لذاتهم، بل لما يقدّمونه للآخرين. وهذه الفكرة تحديدًا أساسية لفهم بعض المسارات المعقدة لاحقًا.
فالطفل الذي حُرم من الاحتواء الآمن، قد يكبر وهو يبحث عن معنى أكبر يحتوي ألمه. يبحث عن جماعة، أو قضية، أو خطاب يمنحه ما حُرم منه: الاعتراف والانتماء واليقين.
إقرأوا أيضاً:
في هذا السياق، يصبح الانخراط في “قضية المظلومين” أكثر من مجرد التزام سياسي أو أخلاقي. قد يتحول، أحيانًا، إلى محاولة لا واعية لترميم الذات. يصبح الدفاع عن الآخرين طريقة للدفاع عن الطفل الداخلي المهجور.
وكأن الإنسان يقول لنفسه: إذا استطعت إنقاذ الآخرين، فربما أستحق النجاة أنا أيضًا.
هنا تحديدًا تكمن إحدى أكثر النقاط تعقيدًا في فهم فضل شاكر وخياره الانتصار للشعب السوري عبر الانضمام إلى حركة الشيخ أحمد الأسير، خلال ذروة الظلم الموجّه ضد شعب أعزل، واستقواء حزب مسلح في الداخل اللبناني. فبعيدًا من الصورة العامة التي تُختزل غالباً بتحوّله من مطرب رومانسي إلى شخصية مرتبطة بالعنف والخطاب المتشدّد، لا يمكن أن تقتصر القراءة على زاوية العقيدة أو السياسة أو الأمن. تبرز الحاجة هنا إلى فهم خيار فضل شاكر ضمن إطار هذا البحث الإنساني الدفين عن المعنى والانتماء والقيمة الذاتية. ولعل فضل شاكر كان يبحث عن قضية، ودور أخلاقي، وصورة بطولية، وربما شعور بالاحتضان الجماعي، بعدما اختبر التخلّي.
قضية فضل شاكر تأتي في سياق ما وثّقه العمل البحثي الدؤوب في إعادة النظر في أثر الرعاية المؤسساتية، ولا سيما تلك التي مورست ضد أطفال وطفلات الشعوب الأصلية في كندا، ودول كثيرة اعتمدت نظام الرعاية المؤسساتية.
وقد قدمت هذه الأبحاث منظورًا أساسيًا لفهم كيف بإمكان الناجين والناجيات من العنف والتهميش ـ باعتبار أن الرعاية المؤسساتية هي شكل من أشكال العنف ـ أن يحوّلوا التجربة المؤلمة إلى أشكال من المناصرة وإعادة بناء المعنى، ليس بوصفها عملية نفسية فردية فقط، بل باعتبارها فعلًا علاقاتيًا وجماعيًا مرتبطًا بالانتماء والذاكرة والمسؤولية.
وضمن هذا الإطار، يمكن فهم انخراط بعض الناجين والناجيات في العمل المناصر بوصفه جزءًا من عملية إعادة ترميم الروابط الاجتماعية والهوية، حيث يصبح الفعل تجاه الآخرين وسيلة لإعادة نسج الانتماء الممزق بفعل الإقصاء الناتج من الإيداع في المؤسسة الرعائية.
كما تشير هذه الأبحاث إلى أن التعافي لا ينفصل عن الجماعة والأرض والعلاقات، وأنه لا يمكن اختزاله في نموذج فردي علاجي، بل هو عملية إعادة بناء للروابط التي فُكِّكت بنيويًا. وتؤكد الباحثة كاثرين ريتشاردسن، وهي من الشعوب الأصلية في كندا، في كتاباتها عن معنى الانتماء، ميل الناجين والناجيات إلى تحويل الألم إلى سردية رومانسية للخلاص. كما تؤكد أن العنف البنيوي والمؤسساتي ينتج غالباً شروطًا للانكسار، وبالتالي فإن فهم مسارات المناصرة لدى الناجين والناجيات يجب أن يبقى مرتبطًا بتحليل هذه البنى، لا فقط بتجربة الفرد الداخلية.
وقد يتحول الدفاع عن “المستضعفين” إلى مساحة لإعادة بناء الذات عبر البطولة أو التضحية أو الذوبان الكامل داخل القضية.
هذا لا يعني أن التعاطف مع المظلومين أو الالتزام بقضايا عادلة هو أمر مرضي. على العكس، فأشخاص كثر عاشوا الألم يصبحون أكثر حساسية تجاه معاناة الآخرين. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الجرح غير المعالَج إلى بوابة للاستقطاب، وحين يصبح الانتماء بديلًا من العلاج، واليقين بديلًا من الأسئلة.
في تلك اللحظة، يصبح الإنسان أكثر هشاشة أمام الشخصيات الكاريزمية، والخطابات المطلقة، والجماعات التي تقدّم نفسها بوصفها عائلة بديلة أو خلاصًا نهائيًا. وفي مراجعة لعلاقة فضل شاكر بالشيخ أحمد الأسير، ظهرت ملامح لهذه العلاقة “الأبوية/البنيوية”، التي ربما أشعرت فضل شاكر بنوع من الانتماء إلى عائلة أكبر وقضية أعظم.
وهنا سقط فضل شاكر في شرك متلازمة الامتنان مجددًا، إذ أراد الهروب إلى الأمام بأن يسبق من حوله، ليتصدر تعبيره عن قتل “فطيستين” المشهد العام. كان تعبيرًا طائفيًا مقيتًا، لكنه كان أيضًا صيدًا سهلًا للأجهزة ولدعاية سياسية قوية تمكنت من شيطنته بالكامل، ولم تكتفِ بمحاسبته على تعبير مسيء وتحريضي قاله في سياق صدام طائفي شهدته صيدا آنذاك.
ربما تكون أغنية أحمد قعبور، التي سُجلت بأصوات جميلة لأطفال دار الأيتام الإسلامية: “راحوا وما سألوا عني، أنا وحدي قاعد عم غني… متل الطفل الناطر عيد…”، أصدق ما يعبّر عن فضل شاكر الطفل عندما دخل دار الأيتام، وحين اعتزل، وحين انضم إلى الأسير، وبعدها عندما اختار الهروب إلى عين الحلوة.
على أمل أن تلقى قضيته العدالة التي تفترضها…
إقرأوا أيضاً:














