تبرّعت أسرة مختار قرية الصنوبر الذي قُتل في مجازر آذار/ مارس 2025، بقطعة أرض على أطراف القرية، حُفرت فيها عدّة حفر طولانية، ثم دُفنت غالبية جثث ضحايا المجزرة. حفر القبور وجهّز المقبرة رجال من القرى المجاورة التي لم تتعرّض لهجوم عنيف.
تقع قرية الصنوبر على الطريق الدولي الواصل بين اللاذقية وطرطوس في الساحل السوري، وقد تعرّضت لأعنف موجة عنف في آذار/ مارس الماضي، و فقدت العشرات من أبنائها، بحسب توثيق أهاليها أنفسهم، في حين أشارت تقارير إعلامية إلى سقوط أكثر من 200 ضحيّة.
حصلت عمليّة الدفن بعد وساطات بين وجهاء القرى والسلطات الأمنية، ووّريت الجثث في التراب ورُدمت، عدد الحفر كان أربعة بشكل طولي، وكلما امتلأت حفرة بالجثث، يتمّ الانتقال إلى الحفرة التالية حتى امتلأت الحفر جميعها، حسب أحد المشاركين في الدفن.

لاحقاً بمبادرة تطوّعية، تمّ تحسين المقبرة، بداية صُبّ الأسمنت، ورُسمت حدود كلّ حفرة، ونُصبت شواهد رخامية فوق الحفر.
لم يحصل فعلياً تأبين أو عزاء، نُشرت فقط صور على صفحات التواصل الاجتماعي للقبور، فبعدما تمّت تهيئة المقبرة ووضع الشواهد الرخامية، تبيّن أن بعضها يشير إلى أسماء عوائل كاملة، وبعضها يحتوي على قسم من العوائل، والقسم الآخر في حفرة أخرى، إضافة إلى وجود عدد من الجثث مجهولة الهويّة، ولم يتعرّف عليها أحد حتى اللحظة.

الموت رسمياً!
إحدى العائلات في قرية الصنوبر خسرت ثلاثة ذكور، كانت رفضت سابقاً تسجيل الوفاة بعدما سرت شائعة تقول إن حكومة دمشق تقوم بتسجيل الضحايا كـ”فلول”، ولاحقاً سرت شائعة أخرى مفادها أنه عند التسجيل يُكتب أن من قتل الضحايا هم الفلول.
في النهاية، أنهت العائلة الإجراءات الإدارية في سجلات النفوس، بعدما قصدت إحدى فتيات العائلة التي نجت من الموت، مخفر الشرطة الذي تتبع له قرية الصنوبر، بحكم أن مراكز الشرطة في الريف لم يتمّ تفعيلها بعد، وتمّ تنظيم ضبط شرطة لتثبيت واقعة الوفاة.
علماً أن الإجراء يحتاج إلى شاهدين وتقرير طبيب شرعي يفيد بحصول الوفاة، وبحكم أن الإجراء حصل بعد الدفن بعدّة أشهر، فمن الصعب على الطبيب الشرعي فحص الجثّة، وعليه أن يقدّم تقريره غيابياً بناء على أقوال الشهود وعلى مسؤوليته الخاصّة.

بحسب الضبط الذي حُرّر في مركز الشرطة، والذي حصلنا في “درج” على نسخة منه، فقد ذُكر أن هجوماً لـ”الفلول” استهدف حاجزاً للأمن العامّ عند جسر المزيرعة وحصل اشتباك في المنطقة، وعلى إثره في اليوم التالي دخلت “عصابات مسلّحة مجهولة ملثّمة، اقتادت ذكور العائلة خارج المنزل وقامت بقتلهم”.
وذكر تقرير الطبيب الشرعي أن الضحايا توفّوا بسبب “توقّف للقلب نتيجة طلق ناري في الرأس، أو في الصدر”، مع تنويع في تحديد مكان الرصاصة، بعدها يؤخذ الضبط إلى الأمن الجنائي، وهناك تُستكمل عمليّة تثبيت الواقعة، ليتمّ بعدها تحويل الأمر إلى مركز النفوس المدنية، حيث يتمّ في النهاية إصدار شهادة الوفاة.
سألنا عوائل أخرى، وذكروا لنا أنه لم يُشر ضبط الشرطة إلى عناصر مجهولة، إنما سجّل أن المتوفى قضى نتيجة رصاص عشوائي أثناء الاشتباكات مع “فلول النظام البائد”.
إقرأوا أيضاً:
ماذا تقول الأوراق؟
العائلة التي ذكرناها من قرية الصنوبر تمّ تسجيل ضبط الشرطة خاصّتها، بأن “عناصر مجهولة” هي من أطلقت الرصاص على ضحاياها، في حين أن عائلة أخرى من جبلة أخبرتنا أنها قامت بالإجراءات نفسها التي قامت بها العائلة السابقة، ولكنّ الفرق هنا أن الجهة التي قامت بإطلاق الرصاص هي “عناصر منفلتة غير منضبطة”، وهنا يبرز نمط آخر من أنماط توجيه الاتّهام أو نفيه. ولم تتجاوب معنا العائلة لاحقاً للحصول على صورة عن الضبط، واكتفت بإخبارنا أن عمليّة تثبيت واقعة الوفاة انتهت، وحصلت على شهادات الوفاة.
من ٧ آذار/ مارس حتى ١٢ منه، نُقلت جثث إلى المستشفيات الحكومية ووُضعت في البرادات حينها، وقام الأهالي لاحقاً بالحضور إليها وتسلّم الجثث. وقتها حصل معظم الأهالي على ورقة تسمّى (تقرير وفاة) كُتب على معظمها إمّا (توقّف قلب وتنفّس نتيجة طلق ناري في الرأس) أو (توقّف قلب وتنفّس نتيجة طلق ناري في الصدر).
وفعلياً هذا ما يحصل بشكل نظامي في المستشفيات، سواء في فترات النظام السابق أو حالياً، لا يتمّ تحديد الجهة التي قامت بعمليّة القتل في تقرير الوفاة، يتمّ فقط ذكر حصول الوفاة وسببها.
تداول كثير من الصفحات على السوشال ميديا أقاويل عن احتجاز جثث الضحايا من الصنوبر داخل المستشفيات، لحين توقيع ذويهم على ورقة أن الضحيّة (فلول أو قتله الفلول)، ولكنّ كلّ ذلك بقي أقاويل لم يستطع أحد إثبات صحّتها أو نفيها.
شواهد بلا أسماء
في قرية الصنوبر دُفنت غالبية الجثث في المقبرة الجماعية التي حُفرت، ولكن هناك بعض العوائل دفنت ضحاياها في فناءات المنازل أو في الأراضي الملاصقة لها، ورفضت نقلهم إلى المقبرة الجماعية. وفي الوقت نفسه، هناك من نقل ضحاياه إلى قرية كفرشمسين ودفنهم في مقبرتها، أو نقلهم إلى قراهم الأصلية.
ورغم التعرّف على كلّ الجثث في المقبرة، ما زال هناك عدد من الجثث مجهولة الهويّة، وتمّ التسجيل على شواهد الحُفر أسماء الذين تمّ التعرّف عليهم، أما من لم يتمّ التعرّف عليه فسُجّل “مجهول الهوية”، مع تسجيل تاريخ الوفاة.
في الصنوبر نفسها عُثر على عشر جثث في منطقة زراعية بعد نحو أسبوعين من المجزرة، نتيجة انبعاث رائحة قويّة في المنطقة، وتمّ دفنها في المقبرة الجماعية أيضاً.
عوائل على الحياد
كثير من أسر الضحايا في قرية الصنوبر لم تقم بالإجراءات الإدارية لتثبيت الوفاة، والأسباب هي نفسها لدى ذوي الضحايا: خوف من تسجيل أن الفلول قتلتهم، أو أنهم فلول أو تسجيلهم تحت بند رصاص عشوائي أو جهة مجهولة.
أغلب العائلات التي قابلناها ترفض ألا يُكتب السبب الحقيقي للوفاة على الإفادة، فالأهالي كانوا شهوداً على عمليّات القتل، وحالياً وصلوا ذروة اليأس فيما يخصّ هذا الموضوع، أمّا سلطات دمشق فلم تعتبر ضحايا آذار شهداء، في الوقت الذي اعتبرت عناصر جهاز الأمن ممّن قضوا في ٦/٣/٢٠٢٥ شهداء، والأهالي الذين امتنعوا عن توفية أبنائهم، يطالبون فقط بالتسمية، لأنها بمثابة اعتراف معنوي بخساراتهم.
الوعد المعلّق
بتاريخ ٩/٣/٢٠٢٥ خرج رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، معلناً حصول انتهاكات ومتوعّداً بمحاسبة كلّ المتورّطين، كاشفاً عن تشكيل لجنة لتقصّي الحقائق. اللجنة التي قامت بعملها وقابلت أسر الضحايا وسجّلت شهاداتهم دون نقصان، وهذا ما أكّده ذوو الضحايا في تعاملهم الحيادي معهم.
صدر التقرير الخاصّ باللجنة وتضمّن عدد الضحايا من كلّ الأطراف، ومن ضمن بنود التقرير ذكرت اللجنة أنها أوصت السلطات الحالية بتعويض المتضرّرين وجبر الضرر وجبر ذوي الضحايا، لكن حتى اللحظة هذه، لم ينفّذ شيء من التوصيات.
حصل الأهالي عن طريق مبادرات فردية أو مبادرات من قِبل المنظّمات الخيرية، على سلل إغاثية ومعونات فورية وترميم قسم من المنازل، إضافة إلى محاولات لتحسين سبل العيش. لكنّ هذه المساعدات تبقى عاجزة عن سدّ العجز الهائل الناتج عن الضرر الكبير، الذي لحق بالقرى المنكوبة.
يبقى شعور الأهالي اليوم أنهم مهملون من قِبل سلطة دمشق، لا بل يشعر بعضهم بأنهم يعاقبون مجدّداً رغم خسارتهم أرواح أحبّتهم، فبعد عام من أحداث العنف الدامية، ما تزال معظم منازل الصنوبر مهجورة، وفرص العيش فيها قليلة.
إقرأوا أيضاً:












