ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

قصّتي مع “السلام”… وقصّة الأردن مع إسرائيل ما بعد رابين

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

شاهدنا بأمّ أعيننا رابين يصافح الملك الحسين علناً، بعد عقود من اللقاءات السرّية. وفي اليوم التالي، دعانا الملك الحسين، أو “سيدنا” كما هو عُرف المخاطبة في المملكة، إلى مأدبة غداء ليشرح بنفسه رؤيته ومخاوفه في ضوء تحدّيات السلام بعد عقود من العداء.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في ظهيرة صيف رطبة من شهر تمّوز/ يوليو 1994، جلستُ إلى جانب عشرة صحافيين أردنيين داخل حديقة الورود الشهيرة في البيت الأبيض، على بعد خطوات من المكتب البيضاوي، لنسجّل لحظة كتابة التاريخ على أيدي الملك الحسين بن طلال، وإسحق رابين، وبيل كلينتون.

كنتُ في الحادية والثلاثين من عمري، ممتلئة حماسة ممزوجة بالرهبة من لقاء من صُنفوا بالأعداء كما تعلّمنا في المدرسة والبيت. دعانا الديوان الملكي لنكون شهوداً على توقيع “إعلان واشنطن”؛ الذي أنهى رسمياً حالة العداء بين الأردن وإسرائيل، ومهّد لمعاهدة وادي عربة بعد ثلاثة أشهر. ومع أنني كنت أحمل هوّية مراسلة لمكتب وكالة “رويترز” في الأردن، جلست هناك شاهدة أردنية بانحياز لوطني، الأردن. 

كان المشهد سريالياً، رؤساء وساسة ودبلوماسيون وصحافيون وقيادات أمنية وتلفزيونات إسرائيلية وعالمية يتلهّفون لتوثيق كلّ مصافحة. 

شاهدنا بأمّ أعيننا رابين يصافح الملك الحسين علناً، بعد عقود من اللقاءات السرّية. وفي اليوم التالي، دعانا الملك الحسين، أو “سيدنا” كما هو عُرف المخاطبة في المملكة، إلى مأدبة غداء ليشرح بنفسه رؤيته ومخاوفه في ضوء تحدّيات السلام بعد عقود من العداء. كعادته، كان على سجيّته، وأشعرنا أنه مدرك أن السلام قرار شائك محفوف بالألغام.

قال لنا يومها: “اخترت السلام لأني فهمت معنى الحرب”. تعابير وجهه عكست آماله وأحلامه ومعتقداته آنذاك. 

رافقت الوفد الأردني في المفاوضات المكوكية مع الوفود الإسرائيلية، التي عُقدت في مناطق حدودية، لتغطية الخبر بحياد، وأحياناً كثيرة كنت أعود إلى عمان بسيّارة يستقلّها الدكتور فايز الطراونة، رئيس الوفد الأردني وثلّة من رفاقه. 

اتّهمني رفاق المهنة بالتطبيع، فقط لأني أمارس عملي، وأغطّي اللقاءات المشتركة، بغضّ النظر عن عواطفي ومخاوفي وشكوكي.

في إحدى الرحلات لم أعثر على السائق العسكري، الذي أتيت معه في سيّارة رسمية بحسب الاتّفاق مع إسرائيل، وبعدما تقطّعت بي السبل، طلبت من الطراونة أن أعود معه، كانت سيّارته آخر السيّارات التي تغادر “بيت شين”، أي بيسان. 

جلست في المقعد الأمامي وصمتت، وفي المقعد الخلفي جلس الطراونة ونظيره الإسرائيلي الياكيم روبنشتاين، في طريقهما إلى عمان لحلّ سوء تفاهم. كانت طريقة حوارهما صدامية، وكنت في المقعد الأمامي أنصت إليهما، وأبتسم في سرّي لما يدور بينهما من حوار دبلوماسي غير صاخب.

شتّان ما بين الأمس واليوم

عندما تعقّدت الأمور وعلقت المفاوضات بين وفدي السلام في آب/ أغسطس، بسبب عدم الاتّفاق على مسائل تتعلّق بالحدود والمياه وملفّ اللاجئين وغيرها، لم يفقد المشاركون الأمل.

رفعوا توصياتهم إلى قادتهم الذين راجعوها وأقرّوها، وأصبحت جزءاً من المعاهدة التي وُقّعت في وادي عربة في موعدها. كانت هناك رغبة حقيقية في السير نحو مستقبل أفضل للأجيال الجديدة، التي لم تعش الماضي الأليم الممتلئ بالعداء.

لم يدم ذلك الحلم طويلاً 

في تشرين الثاني/ نوفمبر 1995، قُتل رابين برصاص متطرّف يميني إسرائيلي على وقع تجييش المتصهينين، فقط لأنه اختار أن يرسل وزير خارجيته شمعون بيريز ليوقّع اتّفاقية أوسلو الانتقالية مع عدو الأمس: رئيس “منظّمة التحرير الفلسطينية” ياسر عرفات. 

ماتت لحظة استثنائية في تاريخ منطقتنا، انحرف المسار تدريجياً، بدأت السياسة الداخلية في إسرائيل بالتغيّر، “الليكود” لم يعد فقط حزباً حاكماً، بل أصبح رهينة لتحالفات قومية ودينية متزمّتة عبر السنوات، اغتيل اليسار، واغتيلت معه الفكرة وشعلة الأمل. 

نصّ اتّفاق أوسلو على مرحلة انتقالية، وإقامة سلطة حكم ذاتي انتقالي فلسطينية لخمس سنوات، ومجلس تشريعي منتخب للشعب الفلسطيني في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، للوصول إلى تسوية نهائية بناء على قراري الأمم المتّحدة 242 و338، بما لا يتعدّى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية.

لم يحدث شيء بسبب بعض التحدّيات، منها قيام سلطة فلسطينية دمّرتها المحسوبيات، ونخرتها مزاعم الفساد بعد موت عرفات في باريس مسموماً بحسب مسؤولين أردنيين وفلسطينيين عاشوا تلك اللحظة.

أراضي الضفّة الغربية المحتلّة تتعرّض لقضم ممنهج، وتنكيل وتقطيع أوصال في تحدٍّ سافر للأردن، الذي رسم حدوده مع إسرائيل وليس مع الضفّة الغربية، لحين توقيع معاهدة سلام دائمة. 

وصاية الأردن على المقدّسات الإسلامية والمسيحية تتعرّض للانتهاك يومياً.

تسارع تهويد القدس، واشتعلت الحروب مع لبنان وغزّة، وصولاً إلى نهج تدمير هذا القطاع في أطول وأشرس مواجهة في تاريخ شرق المتوسط الحديث. 

وها هي إسرائيل تسير بخطى ثابتة نحو ضمّ ما تبقّى من أراضٍ فلسطينية محتلّة لتوسيع حدودها، وسط صمت دولي وغطاء أميركي مُريب، أقرب إلى الشراكة في نحر السلام. 

حرب الاحتلال المستعرة على غزّة منذ قرابة السنتين تبيد البشر والحجر، وتقتل عشرات الآلاف قصفاً وتهجيراً وتجويعاً، في تحدٍّ سافر للشرعيّة الدولية، وسط انتقادات خجولة من زعماء الغرب والعرب.

في الأثناء، ساءت العلاقات بين إسرائيل والأردن على المستوى السياسي، وإن استمرّت قوّية في بعض الجوانب الاقتصادية الرسمية، مثل اتّفاقية توفير الغاز والمياه للمملكة، وعلى محور الأمن والاستخبارات، لضمان أمن أطول حدود لإسرائيل مع دولة عربية، كما كانت عليه الحال قبل توقيع المعاهدة.

في تمّوز/ يوليو 2025، صوّت الكنيست الإسرائيلي بالغالبية على مشروع قانون رمزي يدعم فرض السيادة الإسرائيلية على الضفّة الغربية، بما فيها غور الأردن الغربي. وعلى رغم عدم إلزاميته، يعكس هذا القانون الاستفزازي توجّهاً استراتيجياً معلناً، بل هو مفروض على الأرض بقوّة المستوطنات والجيش الاستيطاني. 

القانون الذي يعدّ الضفّة الفلسطينية “جزءاً لا يتجزأ من الوطن التاريخي للشعب اليهودي”، ترافق مع تبريرات إسرائيل لمجازرها اليومية في غزّة بحجّة “الأمن القومي”.

نهاية خيار حلّ الدولتين

لكنّ قضم الأراضي وتطفيش السكّان يعنيان موت حلّ الدولتين، الذي راهن عليه الأردن لقيام دولة فلسطينية مستقلّة، بدلاً من قيامها على حساب دول الجوار مثل الأردن، ويعني فرض تسويات لن يقبلها الأردن كتهجير 350 ألف فلسطيني مقيم في الضفّة، يحملون الرقم الوطني (الجنسيّة الأردنية) واستعادة الحديث عن قيام دولة فلسطينية مقطّعة الأوصال تحاصرها إسرائيل، ما يعني أنها لن تكون قابلة للعيش من دون الاعتماد على الأردن. 

بدأ ساسة إسرائيل بطرح خيار الفيدرالية أو الكونفدرالية بين الدويلة والأردن، ما يهدّد الامن والاستقرار والنظام الحاكم الذي رفض هذه الطروحات مراراً وتكراراً.

 أما أوروبا، فمثل غالبية دول العالم المرتهنة أميركياً، العالم الذي يقف على قدميه ضدّ تجاوزات أي دولة أخرى، من عراق صدام حسين إلى ملالي إيران و”حزب الله” في لبنان و”حماس” في فلسطين، لكنّه يراقب ويستنكر بصوت خافت التطهير العرقي في غزّة، كجزء من الصهيونية التوسّعية قيد التنفيذ بإشراف بنيامين نتانياهو.

تحوّل سراب السلام إلى استيطان وحرب 

اليوم، عندما تُذكر معاهدة وادي عربة؛ الثانية مع الدولة العبرية بعد المصرية في عام 1979، تتصاعد الأسئلة: هل كانت كافية؟ هل ضمنت مصالح الأردن؟ هل كانت إسرائيل فعلاً مستعدّة للسلام؟ هل تسرّع الملك الحسين لدرء تداعيات اتّفاق أوسلو الذي وقّعه عرفات؟ على رغم أن الأردن شارك في مفاوضات السلام، التي انطلقت في مدريد، وسُمح للوفد الفلسطيني أن يشارك فيها منفصلاً، لكن تحت مظلّة أردنية شكّلت وفداً مشتركاً للمفاوضات قبل “طعنة أوسلو”.

شخصيّاً لم أعد أصدّق شيئاً

المفارقة المرّة أن المعاهدة التي وُقّعت لتأمين حدود الأردن وأمنه واستقراره، تحوّلت اليوم إلى خطر داهم يفوق سائر التحدّيات، أمام هذا البلد الذي يواجه ضائقة اقتصادية خانقة، وشحّ المياه، وتحدّي الفقر والبطالة، والواقع وسط جبهات مشتعلة وخطوط تماس جوّية. 

لم تعد إسرائيل تنظر إلى السلام بوصفه شراكة مع دولة جارة، بل كأداة لتكريس واقع الاحتلال، وفرض رؤى دينية قومية تُنكر حتى على الأردن دوره التاريخي في القدس والمقدّسات. الوصاية الهاشمية تواجه محاولات التهميش، وخطاب “الوطن البديل” يعود بشكل خفي في عقول صنّاع القرار الإسرائيلي.

الضفّة الغربية مهدّدة اليوم بالضمّ الكامل، ما يعني تفجير الجغرافيا والديموغرافيا الأردنية معاً. ووفق هذه المعطيات، لم يعد الأردن جاراً محايداً، بل بات طرفاً مهدّداً في كيانه السياسي والسكّاني والاقتصادي، فكلّ حجر يُبنى في مستوطنة هو تهديد مباشر لأمن الأردن. 

جنون الاستيطان، تهويد فلسطين، والقتل الممنهج بقصد التهجير،  ليست مجرّد ردود فعل أمنية أو سياسات ظرفية، بل مشروع أيديولوجي متكامل لقضم كلّ ما تبقّى من فلسطين، وفرض سيادة إسرائيلية دائمة من النهر إلى البحر.

تحت حكم بنيامين نتانياهو، تحوّلت إسرائيل إلى دولة فاشية في بنية القرار، ومارقة في سلوكها الدولي، وباتت رهينة لتحالف المستوطنين المتطرّفين، والحاخامات المتطرّفين والميليشيات العقائدية. شخصيّات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، التي كانت قبل عقدين تُصنّف ضمن الهامش المتطرّف والمنبوذ، باتت اليوم في قلب القرار السياسي والعسكري، وهي تتفاخر علناً بسياسات التطهير العرقي، وكرهها للعرب واحتقار القانون الدولي.

حكومة نتانياهو تعمل على تقويض استقلال القضاء، وتكميم الإعلام، وإشعال الحروب في الإقليم، فيما تغضّ الطرف عن تهديد الأردن والتجييش والعنف ضدّ الفلسطينيين والمقدّسات.

صارت إسرائيل بنظر جزء متزايد من المجتمع الدولي “دولة مارقة”، تخالف المواثيق والقرارات الأممية، ولا تقيم وزناً للردع الأخلاقي أو القانوني.

بين الأمس واليوم

بعد ثلاثة عقود تخلّلتها محطّات هدوء محدودة وعشرات المعارك، ما زلت مقتنعة بأن الملك الحسين كان صادقاً، ورابين كان راغباً في السلام، وأعتقد بأثر رجعي أننا خسرنا أكثر من رجلين؛ بل مفصلاً نادراً في تاريخ الإقليم، آمن فيه اثنان من خصوم الأمس بأن الحروب ليست قدراً.

من قتل رابين قتل آخر ومضات الأمل في تغيير شرق المتوسط.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
29.07.2025
زمن القراءة: 6 minutes

شاهدنا بأمّ أعيننا رابين يصافح الملك الحسين علناً، بعد عقود من اللقاءات السرّية. وفي اليوم التالي، دعانا الملك الحسين، أو “سيدنا” كما هو عُرف المخاطبة في المملكة، إلى مأدبة غداء ليشرح بنفسه رؤيته ومخاوفه في ضوء تحدّيات السلام بعد عقود من العداء.

في ظهيرة صيف رطبة من شهر تمّوز/ يوليو 1994، جلستُ إلى جانب عشرة صحافيين أردنيين داخل حديقة الورود الشهيرة في البيت الأبيض، على بعد خطوات من المكتب البيضاوي، لنسجّل لحظة كتابة التاريخ على أيدي الملك الحسين بن طلال، وإسحق رابين، وبيل كلينتون.

كنتُ في الحادية والثلاثين من عمري، ممتلئة حماسة ممزوجة بالرهبة من لقاء من صُنفوا بالأعداء كما تعلّمنا في المدرسة والبيت. دعانا الديوان الملكي لنكون شهوداً على توقيع “إعلان واشنطن”؛ الذي أنهى رسمياً حالة العداء بين الأردن وإسرائيل، ومهّد لمعاهدة وادي عربة بعد ثلاثة أشهر. ومع أنني كنت أحمل هوّية مراسلة لمكتب وكالة “رويترز” في الأردن، جلست هناك شاهدة أردنية بانحياز لوطني، الأردن. 

كان المشهد سريالياً، رؤساء وساسة ودبلوماسيون وصحافيون وقيادات أمنية وتلفزيونات إسرائيلية وعالمية يتلهّفون لتوثيق كلّ مصافحة. 

شاهدنا بأمّ أعيننا رابين يصافح الملك الحسين علناً، بعد عقود من اللقاءات السرّية. وفي اليوم التالي، دعانا الملك الحسين، أو “سيدنا” كما هو عُرف المخاطبة في المملكة، إلى مأدبة غداء ليشرح بنفسه رؤيته ومخاوفه في ضوء تحدّيات السلام بعد عقود من العداء. كعادته، كان على سجيّته، وأشعرنا أنه مدرك أن السلام قرار شائك محفوف بالألغام.

قال لنا يومها: “اخترت السلام لأني فهمت معنى الحرب”. تعابير وجهه عكست آماله وأحلامه ومعتقداته آنذاك. 

رافقت الوفد الأردني في المفاوضات المكوكية مع الوفود الإسرائيلية، التي عُقدت في مناطق حدودية، لتغطية الخبر بحياد، وأحياناً كثيرة كنت أعود إلى عمان بسيّارة يستقلّها الدكتور فايز الطراونة، رئيس الوفد الأردني وثلّة من رفاقه. 

اتّهمني رفاق المهنة بالتطبيع، فقط لأني أمارس عملي، وأغطّي اللقاءات المشتركة، بغضّ النظر عن عواطفي ومخاوفي وشكوكي.

في إحدى الرحلات لم أعثر على السائق العسكري، الذي أتيت معه في سيّارة رسمية بحسب الاتّفاق مع إسرائيل، وبعدما تقطّعت بي السبل، طلبت من الطراونة أن أعود معه، كانت سيّارته آخر السيّارات التي تغادر “بيت شين”، أي بيسان. 

جلست في المقعد الأمامي وصمتت، وفي المقعد الخلفي جلس الطراونة ونظيره الإسرائيلي الياكيم روبنشتاين، في طريقهما إلى عمان لحلّ سوء تفاهم. كانت طريقة حوارهما صدامية، وكنت في المقعد الأمامي أنصت إليهما، وأبتسم في سرّي لما يدور بينهما من حوار دبلوماسي غير صاخب.

شتّان ما بين الأمس واليوم

عندما تعقّدت الأمور وعلقت المفاوضات بين وفدي السلام في آب/ أغسطس، بسبب عدم الاتّفاق على مسائل تتعلّق بالحدود والمياه وملفّ اللاجئين وغيرها، لم يفقد المشاركون الأمل.

رفعوا توصياتهم إلى قادتهم الذين راجعوها وأقرّوها، وأصبحت جزءاً من المعاهدة التي وُقّعت في وادي عربة في موعدها. كانت هناك رغبة حقيقية في السير نحو مستقبل أفضل للأجيال الجديدة، التي لم تعش الماضي الأليم الممتلئ بالعداء.

لم يدم ذلك الحلم طويلاً 

في تشرين الثاني/ نوفمبر 1995، قُتل رابين برصاص متطرّف يميني إسرائيلي على وقع تجييش المتصهينين، فقط لأنه اختار أن يرسل وزير خارجيته شمعون بيريز ليوقّع اتّفاقية أوسلو الانتقالية مع عدو الأمس: رئيس “منظّمة التحرير الفلسطينية” ياسر عرفات. 

ماتت لحظة استثنائية في تاريخ منطقتنا، انحرف المسار تدريجياً، بدأت السياسة الداخلية في إسرائيل بالتغيّر، “الليكود” لم يعد فقط حزباً حاكماً، بل أصبح رهينة لتحالفات قومية ودينية متزمّتة عبر السنوات، اغتيل اليسار، واغتيلت معه الفكرة وشعلة الأمل. 

نصّ اتّفاق أوسلو على مرحلة انتقالية، وإقامة سلطة حكم ذاتي انتقالي فلسطينية لخمس سنوات، ومجلس تشريعي منتخب للشعب الفلسطيني في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، للوصول إلى تسوية نهائية بناء على قراري الأمم المتّحدة 242 و338، بما لا يتعدّى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية.

لم يحدث شيء بسبب بعض التحدّيات، منها قيام سلطة فلسطينية دمّرتها المحسوبيات، ونخرتها مزاعم الفساد بعد موت عرفات في باريس مسموماً بحسب مسؤولين أردنيين وفلسطينيين عاشوا تلك اللحظة.

أراضي الضفّة الغربية المحتلّة تتعرّض لقضم ممنهج، وتنكيل وتقطيع أوصال في تحدٍّ سافر للأردن، الذي رسم حدوده مع إسرائيل وليس مع الضفّة الغربية، لحين توقيع معاهدة سلام دائمة. 

وصاية الأردن على المقدّسات الإسلامية والمسيحية تتعرّض للانتهاك يومياً.

تسارع تهويد القدس، واشتعلت الحروب مع لبنان وغزّة، وصولاً إلى نهج تدمير هذا القطاع في أطول وأشرس مواجهة في تاريخ شرق المتوسط الحديث. 

وها هي إسرائيل تسير بخطى ثابتة نحو ضمّ ما تبقّى من أراضٍ فلسطينية محتلّة لتوسيع حدودها، وسط صمت دولي وغطاء أميركي مُريب، أقرب إلى الشراكة في نحر السلام. 

حرب الاحتلال المستعرة على غزّة منذ قرابة السنتين تبيد البشر والحجر، وتقتل عشرات الآلاف قصفاً وتهجيراً وتجويعاً، في تحدٍّ سافر للشرعيّة الدولية، وسط انتقادات خجولة من زعماء الغرب والعرب.

في الأثناء، ساءت العلاقات بين إسرائيل والأردن على المستوى السياسي، وإن استمرّت قوّية في بعض الجوانب الاقتصادية الرسمية، مثل اتّفاقية توفير الغاز والمياه للمملكة، وعلى محور الأمن والاستخبارات، لضمان أمن أطول حدود لإسرائيل مع دولة عربية، كما كانت عليه الحال قبل توقيع المعاهدة.

في تمّوز/ يوليو 2025، صوّت الكنيست الإسرائيلي بالغالبية على مشروع قانون رمزي يدعم فرض السيادة الإسرائيلية على الضفّة الغربية، بما فيها غور الأردن الغربي. وعلى رغم عدم إلزاميته، يعكس هذا القانون الاستفزازي توجّهاً استراتيجياً معلناً، بل هو مفروض على الأرض بقوّة المستوطنات والجيش الاستيطاني. 

القانون الذي يعدّ الضفّة الفلسطينية “جزءاً لا يتجزأ من الوطن التاريخي للشعب اليهودي”، ترافق مع تبريرات إسرائيل لمجازرها اليومية في غزّة بحجّة “الأمن القومي”.

نهاية خيار حلّ الدولتين

لكنّ قضم الأراضي وتطفيش السكّان يعنيان موت حلّ الدولتين، الذي راهن عليه الأردن لقيام دولة فلسطينية مستقلّة، بدلاً من قيامها على حساب دول الجوار مثل الأردن، ويعني فرض تسويات لن يقبلها الأردن كتهجير 350 ألف فلسطيني مقيم في الضفّة، يحملون الرقم الوطني (الجنسيّة الأردنية) واستعادة الحديث عن قيام دولة فلسطينية مقطّعة الأوصال تحاصرها إسرائيل، ما يعني أنها لن تكون قابلة للعيش من دون الاعتماد على الأردن. 

بدأ ساسة إسرائيل بطرح خيار الفيدرالية أو الكونفدرالية بين الدويلة والأردن، ما يهدّد الامن والاستقرار والنظام الحاكم الذي رفض هذه الطروحات مراراً وتكراراً.

 أما أوروبا، فمثل غالبية دول العالم المرتهنة أميركياً، العالم الذي يقف على قدميه ضدّ تجاوزات أي دولة أخرى، من عراق صدام حسين إلى ملالي إيران و”حزب الله” في لبنان و”حماس” في فلسطين، لكنّه يراقب ويستنكر بصوت خافت التطهير العرقي في غزّة، كجزء من الصهيونية التوسّعية قيد التنفيذ بإشراف بنيامين نتانياهو.

تحوّل سراب السلام إلى استيطان وحرب 

اليوم، عندما تُذكر معاهدة وادي عربة؛ الثانية مع الدولة العبرية بعد المصرية في عام 1979، تتصاعد الأسئلة: هل كانت كافية؟ هل ضمنت مصالح الأردن؟ هل كانت إسرائيل فعلاً مستعدّة للسلام؟ هل تسرّع الملك الحسين لدرء تداعيات اتّفاق أوسلو الذي وقّعه عرفات؟ على رغم أن الأردن شارك في مفاوضات السلام، التي انطلقت في مدريد، وسُمح للوفد الفلسطيني أن يشارك فيها منفصلاً، لكن تحت مظلّة أردنية شكّلت وفداً مشتركاً للمفاوضات قبل “طعنة أوسلو”.

شخصيّاً لم أعد أصدّق شيئاً

المفارقة المرّة أن المعاهدة التي وُقّعت لتأمين حدود الأردن وأمنه واستقراره، تحوّلت اليوم إلى خطر داهم يفوق سائر التحدّيات، أمام هذا البلد الذي يواجه ضائقة اقتصادية خانقة، وشحّ المياه، وتحدّي الفقر والبطالة، والواقع وسط جبهات مشتعلة وخطوط تماس جوّية. 

لم تعد إسرائيل تنظر إلى السلام بوصفه شراكة مع دولة جارة، بل كأداة لتكريس واقع الاحتلال، وفرض رؤى دينية قومية تُنكر حتى على الأردن دوره التاريخي في القدس والمقدّسات. الوصاية الهاشمية تواجه محاولات التهميش، وخطاب “الوطن البديل” يعود بشكل خفي في عقول صنّاع القرار الإسرائيلي.

الضفّة الغربية مهدّدة اليوم بالضمّ الكامل، ما يعني تفجير الجغرافيا والديموغرافيا الأردنية معاً. ووفق هذه المعطيات، لم يعد الأردن جاراً محايداً، بل بات طرفاً مهدّداً في كيانه السياسي والسكّاني والاقتصادي، فكلّ حجر يُبنى في مستوطنة هو تهديد مباشر لأمن الأردن. 

جنون الاستيطان، تهويد فلسطين، والقتل الممنهج بقصد التهجير،  ليست مجرّد ردود فعل أمنية أو سياسات ظرفية، بل مشروع أيديولوجي متكامل لقضم كلّ ما تبقّى من فلسطين، وفرض سيادة إسرائيلية دائمة من النهر إلى البحر.

تحت حكم بنيامين نتانياهو، تحوّلت إسرائيل إلى دولة فاشية في بنية القرار، ومارقة في سلوكها الدولي، وباتت رهينة لتحالف المستوطنين المتطرّفين، والحاخامات المتطرّفين والميليشيات العقائدية. شخصيّات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، التي كانت قبل عقدين تُصنّف ضمن الهامش المتطرّف والمنبوذ، باتت اليوم في قلب القرار السياسي والعسكري، وهي تتفاخر علناً بسياسات التطهير العرقي، وكرهها للعرب واحتقار القانون الدولي.

حكومة نتانياهو تعمل على تقويض استقلال القضاء، وتكميم الإعلام، وإشعال الحروب في الإقليم، فيما تغضّ الطرف عن تهديد الأردن والتجييش والعنف ضدّ الفلسطينيين والمقدّسات.

صارت إسرائيل بنظر جزء متزايد من المجتمع الدولي “دولة مارقة”، تخالف المواثيق والقرارات الأممية، ولا تقيم وزناً للردع الأخلاقي أو القانوني.

بين الأمس واليوم

بعد ثلاثة عقود تخلّلتها محطّات هدوء محدودة وعشرات المعارك، ما زلت مقتنعة بأن الملك الحسين كان صادقاً، ورابين كان راغباً في السلام، وأعتقد بأثر رجعي أننا خسرنا أكثر من رجلين؛ بل مفصلاً نادراً في تاريخ الإقليم، آمن فيه اثنان من خصوم الأمس بأن الحروب ليست قدراً.

من قتل رابين قتل آخر ومضات الأمل في تغيير شرق المتوسط.