500 دولار كانت كفيلة لإخراج (س.ح) من السجن في مناطق سيطرة “هيئة تحرير الشام”، فيما أمضى (و.ف) 3 أشهر سجن في مناطق سيطرة “الجيش الوطني” شمال حلب، أما القاسم المشترك بين المتهمين فهو ارتكابهما الجرم نفسه.
ألقت شرطة وزارة الداخلية في حكومة الإنقاذ التابعة للهيئة القبض على ( س.ح) بتهمة سرقة دراجة نارية في مدينة إدلب في شهر نيسان/ أبريل من العام 2024، وبعد 4 أيام صادقت محكمة الجزاء على تغريمه بمبلغ 500 دولار تعزير لجريمة السرقة تسدد لوزارة الداخلية، فيما يدفع المتهم ثمن الدراجة النارية لصاحبها ليتم الإفراج عنه بعد اعتقال دام 15 يوماً.
بطريقة مماثلة وجد (و.ف) نفسه في قبضة الشرطة العسكرية التابعة ل”الجيش الوطني” بعد اعتقاله متلبساً وفي حوزته دراجة نارية مسروقة في مدينة الراعي شمال حلب، وبعد جولات تحقيق استمرت أسبوعاً، قرر قاضي الجزاء في محكمة الراعي حبس المتهم 3 أشهر جزاء لسرقته الدراجة النارية، ولا يخرج إلا بعد إعادتها أو تسديد ثمنها لصاحبها.
على الرغم من أن مناطق شمال غرب سوريا خاضعة لسيطرة فصائل المعارضة، إلا أن حالة التشرذم وتعدد قوى السيطرة وصلت حتى إلى القضاء، ليبرز شكلان للقضاء والإدارات الشرطية والقوانين المتبعة في الفصل بين السكان من قبل المحاكم، التي يتولاها قضاة هم أيضاً متمايزون في ما بينهم كحال تمايز قوى السيطرة.
الشريعة وبراعة القاضي
أسست “هيئة تحرير الشام” من خلال ما يسمى وزارة العدل في حكومة الإنقاذ 4 محاكم في جسر الشغور وإدلب وسلقين وسرمدا، مقسمة كل منها إلى محاكم جزاء ونيابة عامة وجنايات وشرعية، إضافة إلى محكمة عسكرية ومحكمة اقتصادية في إدلب، بحسب المحامي حامد عبد المهيمن، إذ اعتمدت الهيئة في السنوات الأولى لنفوذها في إدلب على شرعيين أجانب وسوريين، وكان للأجانب ولا سيما المصريين والسعوديين السطوة الكبرى في المحاكم، ويعتمدون في أحكامهم على فقههم الشرعي ورأيهم الشخصي، ولا يتم تلاوة الحكم على المعتقل أو المتهم، إذ يكتفي القاضي فقط بمقابلة أطراف القضية وإيداع الجاني في السجن من دون أن يتسنى له توكيل محامٍ أو معرفة مدة حبسه أو القانون الذي استند إليه القاضي.
ما جاء على لسان المحامي عبد المهيمن تؤكده شهادة أروى المحمود في قضية زوجها المعتقل في العام 2016 في منطقة حارم، بتهمة سرقة أكبال كهرباء من أعمدة التوتر بعد تدمير محطة زيزون الكهربائية من قبل الطائرات الحربية الروسية وخروجها عن الخدمة، حيث تم عرض زوج أروى على قاضي تونسي يدعى أبو هاجر في محكمة سرمدا، ومنذ الجلسة الأولى حضرت أروى مع زوجها ليغيب الأخير عنها 7 أشهر من دون أن تعلم مدة محكوميته ومتى سيخرج من السجن، ومن دون السماح لها بزيارته، وعند سؤالها عن إمكانية توكيل محامٍ أجابها القاضي بعبارة “هذا عمل مخالف للشريعة فالقاضي هو المخول بدراسة القضية فقط”.
منذ العام 2020 اعتمدت “هيئة تحرير الشام” على السوريين في إدارة المحاكم، وتولي دور القضاء وتراجع وجود الأجانب، ومع تخريج الدفعة الأولى في كلية الحقوق والشريعة في جامعة إدلب وتعديل إدارة الجامعة لمنهاج كلية الحقوق ودمجها مع كلية الشريعة، أسست حكومة الإنقاذ ما يسمى بالمعهد العالي للقضاء بحسب القاضي مهند السفيان، حيث يتوجب على الشخص الراغب في العمل في القضاء في محاكم “تحرير الشام” الدراسة لفترة سنة واحدة في المعهد العالي للقضاء بعد تخرجه من كلية الشريعة والحقوق، حتى يتسنى له العمل في المحاكم، على أن يكون النص الذي يستمد منه الأحكام بعض من القانون السوري والباقي من الشريعة ورأي القاضي.
غرامات ونسب مالية
اعتمدت “هيئة تحرير الشام” على الغرامة المالية في القضايا الاجتماعية، كالسرقات والنصب والاحتيال وتعاطي المخدرات وترويجها بعد العام 2020 بحسب المحامي مجد الضاري، إذ يدفع متعاطي المخدرات مهما كان نوعها 500 دولار أميركي للخروج من السجن، والتاجر 5000 دولار، ويضاعف المبلغ في حال تم إلقاء القبض على المرتكب مرة أخرى.
ويرى المحامي الضاري أن أسلوب دفع الغرامات ربما يردع بعض المتهمين، لكنه يكون باباً لأشخاص آخرين لارتكاب الجرائم، لا سيما أنهم يعرفون تكلفتها مثل تاجر المخدرات ومتعاطيها، فقد أصبح لديهما معرفة ماذا سيلقيانه في السجن بعد تحقيق يتخلله ضرب لعدة أيام ومن ثم دفع غرامة مالية والخروج.
تقتنص محاكم “هيئة تحرير الشام” نسبة مئوية مبالغ حل الخلافات الكبرى بين السكان كقضايا القتل، إذا كان الحل عن طريق المحكمة، حيث تأخذ المحكمة نسبة 25% من المبلغ المدفوع من طرف ذوي الجاني إلى ذوي المجني عليه، وهذا ما أكدته شهادة غدير الإدلبي عند ارتكاب ابن عمه جريمة قتل واعتقاله من قبل جهاز الشرطة التابع للهيئة، إذ عرضت المحكمة حينها بعد مدة اعتقال طالت عامين أن يكون الحل عن طريق دفع دية لأهل الشخص المقتول، ويتقرر حينها أن مبلغ الدية 40 ألف دولار، بيد أن المبلغ لم يصل كاملاً إلى ذوي المجني عليه، بل وصلهم 30 ألفاً، حيث اقتطعت المحكمة التي أشرفت على الحل مبلغ 10 آلاف دولار.
تختص المحكمة العسكرية بالصراعات الناشبة بين الفصائل العسكرية المسيطرة على إدلب، وغالباً ما يكون قضاة هذه المحكمة من المقربين من الصف الأول والثاني ل”هيئة تحرير الشام”، ولا يكون حصولهم على إجازة في الحقوق شرطاً لتعيينهم، إنما ولاؤهم وأقدميتهم في الهيئة، وعلومهم الشرعية هي أساس توليهم هذا المنصب، الذي يعد من المناصب الحساسة بحسب المحامي عبد المهيمين، ويعود أخذ القرار في العقوبات إلى القاضي فقط ولا أحد سواه.
تتبع المحكمة العسكرية مباشرة ل”هيئة تحرير الشام” ولا يوجد ولاية عليها من قبل حكومة الإنقاذ، وكل قضاياها متعلقة بالصراعات بين الفصائل وقضايا “داعش” وعناصر النظام العسكريين والجماعات المناوئة لها المعتدلة منها والراديكالية.
المحامي غير مرغوب فيه
بعد العام 2020 فتحت محاكم “هيئة تحرير الشام” في إدلب الباب لعمل المحامين باستثناء المحكمة العسكرية، بحيث يكون عمل المحامي محصوراً بالمشاكل العقارية والميراث والمشاكل الاقتصادية بين السكان، ولا يسمح له بالإنابة عن موكله، إنما دوره تجميع الأدلة والفرضيات الداعمة لموكله وإدراجها في ملف القضية، ليطلع القاضي عليها، من دون أن يكون باستطاعته دخول غرفة التحقيق أو قاعات المحكمة مع المتهم أو الموكل.
سطوة عسكرية
مع تدخل القوات التركية منذ العام 2017 طرأت عدة تغييرات على الأجهزة القضائية والمحاكم في مناطق ريف حلب الشمالي الواقع تحت سيطرة “الجيش الوطني”، انتهت اليوم بمحاكم مدنية في عفرين وأعزاز والباب ومارع، وتعتمد في نظامها على القانون العربي الموحد والقانون السوري 1951، كشكل في معاملاتها وأحكامها الظاهرية بحسبب المحامي وردان الوردن، الذي يؤكد تدخل قيادات الفصائل في عمل المحاكم، عدا التوجيهات التركية لجهاز القضاء وبالذات للمحاكم العسكرية.
تعتمد محاكم ريف حلب الشمالي على موظفين وقضاة سوريين من حملة شهادات الحقوق الخاضعين لدورات قضاء عالية المستوى، وتقسم تلك المحاكم إلى بداية وصلح وجنايات وشرعية، تستقي كل قوانينها من القانون العربي الموحد والقانون السوري 1951 وتعديلاته المتلاحقة حتى عام 2011، باستثناء المحكمة العسكرية التي يكون التعيين فيها والقانون عائداً إلى قرارات القوات التركية بحسب ما جاء على لسان المحامي وردان.
لا تُعد محاكم شمال حلب الغرامة المالية حلاً في العقوبات وردع الجناة، بل تعتمد على أحكام السجن بما يتماشى مع القوانين الناصة لعملها، في الوقت الذي يكون تطبيق القانون على السكان العزل، أما المدعومين من قبل الفصائل العسكرية فغالباً ما تكون أحكامهم مخففة .
السجن مقامات
يقول أدهم المحملجي وهو معتقل سابق في سجن محكمة أعزاز بتهمة تهريب مواد غذائية من مناطق سيطرة “قسد”: “قرر القاضي سجني لمدة 9 أشهر بعد اعتقالي متلبساً من قبل جهاز الشرطة العسكرية، وأنا في سيارة تحمل مواد غذائية مهربة من دون الحصول على إذن، أمضيت المدة كلها في سجن أعزاز، والتقيت بما يقارب 10 أشخاص مرتبطين بفصائل عسكرية مثل: سليمان شاه والسلطان مراد وفرقة الحمزة، وكل جرائمهم تفوق جريمتي بأضعاف، أذكر أن اثنين منهم متهمان باغتصاب فتاة، وآخر متهم بمحاولة شروع بالقتل، وعلى الرغم من نطق القاضي بأحكام سجن بحقهم تصل إلى 5 سنوات، تم الإفراج عنهم بعد قضاء 3 أشهر وإبعادهم عن المنطقة من دون إشهار إطلاق سراحهم، فيما يقبع في السجن مئات الأشخاص الذين لا سند عسكرياً لهم”.
يؤكد المحملجي في حديثه ل”درج” أن “ممثلي الفصائل العسكرية يزورون السجن دائماً لتفقد عناصرهم أو من تربطهم بهم صلة، من دون أن يعترضهم أي حارس أو عنصر حماية، في الوقت الذي كان يمضي 3 أشهر لتتمكن عائلتي من الحصول على إذن زيارة”.
تتوزع المحاكم في مدن عفرين حيث سيطرة فصائل “أبو عمشة” و”الحمزات”، وأعزاز حيث “الفرقة الشامية”، ومارع حيث “السلطان مراد”، وهذه التشكيلات العسكرية لديها قنوات للوصول إلى مكامن الحياة المدنية بما فيها المحاكم، حيث تفرض قياداتها على المحاكم والقضاة إصدار أحكام محددة في قضايا تخصها أو تخص أشخاص مناهضين لها، لا سيما النشطاء والإعلاميين والحقوقيين، بحيث يتم إصدار الحكم بناء على رغبة المتنفذ العسكرية، بعيداً عن القانون واشتراطاته.
تختص المحاكم العسكرية في أعزاز ومارع وعفرين بمشاكل وقضايا العسكريين والجماعات المناهضة للوجود التركي في شمال حلب، وتعج بمعتقلين أكراد بتهم الانتماء إلى حزب العمال الكردستاني المعارض “pkk” وآخرين بتهم “داعش” و”القاعدة” وكل ناشط يعترض على السياسات التركية في المنطقة، وتدار من قبل الاستخبارات التركية التي تشرف على إصدار الأحكام وتسمية المحققين العسكريين والعاملين فيها.
تنفرد مدينة الراعي بوجود قصر عدلي بحسب القاضي علاء الدين ناصر، وقد تم إنشاؤه في أيلول/ سبتمبر من عام 2018، وما يُميزه عن باقي المحاكم في شمال حلب، أنه يضم محكمتي النقض والاستئناف الفريدتين في مناطق شمال حلب، التابع للجيش الوطني.
يبقى قادة الفصائل والمتنفذين عسكرياً خارج سلطة القضاء شمال حلب، ولا يحق لأي قاضٍ أو محكمة إصدار أمر باعتقال قائد فصيل أو مجموعة عسكرية، بالرغم من وجود سجلات حافلة للمتنفذين العسكريين بارتكاب جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان والاتجار بالمخدرات وتهريبها عبر الحدود.
لا قانون أمام سلطة العسكر
ما يميز محاكم حلب بحسب القاضي سراج الدرعاوي أن للمحامي نفوذاً كاملاً في محاكم شمال حلب، وله حق الإنابة عن موكله والدفاع عنه أمام القاضي، في حين لا يوجد مثل هذا في محاكم إدلب .
ويرى الدرعاوي أن للقضاء في إدلب ولاية على الكثير من الشخصيات القيادية في “هيئة تحرير الشام”، وهذا ما تم لمسه في الاعتقالات التي طاولت المئات من العناصر والقياديين في الهيئة في صيف العام الماضي بتهم العمالة والخيانة، وهو ما يمثل للسكان عامل رضى عن الواقع الأمني في إدلب خلافاً لمثيله في شمال حلب.
يقول القاضي المنشق عن محاكم النظام ( هـ.ق) إن “القضاء في شمال حلب وإدلب لا يزال ليناً وغير مرتبط بقانون واضح ودساتير معلومة، حيث كل جماعة تنفرد بتشريعات خاصة ونفوذ متعدد، وهذا لا يمكن أن يكون معياراً لاستقلالية القضاء، بل يبقيه ضمن دائرة القضاء الصوري الموجود لإضفاء شرعية على جماعات وحكومات الأمر الواقع، وتبيان تماسك دوائرها وعملها الحكومي في حين يكون القرار عسكرياً وفردياً في كل مناطق السيطرة في سوريا”.










