ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

قطار الصعيد … “نيل” مواز  أرهقته نيوليبرالية  عربات الـ”VIP”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“يمكن اعتبار قطار الصعيد مثل النيل؛ فهو يسير بمحاذاة النهر بطول الوادي، من القاهرة حتى أسوان. وفي الوقت نفسه، يؤدّي دور نهر النيل في عهد الفراعنة عندما كانوا يستخدمونه في نقل البضائع والتنقّل من الجنوب إلى الشمال”، يقول لافي، الباحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“زمان كان السفر بالنسبة لنا يعني القطر. لكن بعد ما أسعار التذاكر عليت، ولما تيجي تحجز ما تلاقيش قدّامك غير الروسي أو التالجو، بقيت أسافر 15 ساعة بأتوبيس سوبر جيت. على قدّ ما هو غالي، بس بقى أرخص من القطر، وعلى قدّ ما هو مُرهِق، بس هو أريح من القطر الروسي الدرجة التالتة”.

بهذه الكلمات يصف شادي محمد (32 عاماً)، المقيم في محافظة أسوان، والذي كان يسافر إلى القاهرة هو أسرته مضطرين، لأغراض العمل والعلاج والدراسة، كيف تغيّرت علاقته بقطار الصعيد الحكومي، نتيجة سياسة الدولة في رفع أسعار تذاكر القطارات وتراجع مستوى الراحة والخدمة على خط السكة الحديد الأكثر استخدامًا في مصر.

 في تموز/ يوليو 2025، استبدلت وزارة النقل عربات 4 قطارات من فئة الـ”VIP” تخدم خط الصعيد، بعربات من طراز الدرجة الثانية من النوع الروسي، الأقل جودة، ولكن بسعر أعلى. وفي الوقت نفسه، نُقلت عربات الـ”VIP” إلى خط القاهرة–الإسكندرية، وهي التي كانت الأكثر استخدامًا من أهالي الصعيد، ويفضّلونها لأنها أكثر راحة وتعينهم على تحمّل مسافة الرحلة التي تصل إلى 16 ساعة.

وفي ردّ على غضب الأهالي، نشرت الوزارة بيانًا، أكدت فيه أنها استبدلت العربات “نظرًا الى الإقبال الشديد على القطار الروسي لما يوفره من وسائل راحة”.

وبين غضب الأهالي ومزاعم الوزارة التي يُظهر الواقع عكسها، كانت الحادثة دالّةً على نظرة الدولة الى الصعيد، واستمرارًا لتهميشها المستمر له. وتسببت في موجة غضب كبيرة بين سكان ومستخدمي خط الصعيد، فيما لا يزال القطار الذي أُنشئ قبل 158 عاماً وسيلةَ نقل أساسية، لا بل شريان حياة  لسكان الصعيد الذين يعاني معظمهم من الفقر المدقع، إذ لا يزالون حتى اليوم يهاجرون من الوجه القبلي إلى القاهرة، للأسباب نفسها التي هاجر أسلافهم من أجلها وهي العمل والتعليم والعلاج، باستخدام الوسيلة ذاتها.

ويعتبر سكان الصعيد المصري الذين يقدر عددهم بنحو 28 مليون نسمة، دائمًا الحلقة الأضعف، ويسكنون في المحافظات الأكثر تهميشًا وإهمالًا، وفي الوقت نفسه هي الأكثر تأثرًا بالسياسات النيوليبرالية التي تتبعها الدولة منذ عام 2014، وتضمنت زيادةً تصل إلى 1263 في المئة خلال 10 سنوات في أسعار تذاكر عربات السكة الحديد في خط الصعيد، وفقًا لحسبة بسيطة.

قطار الصعيد.. الشقيق الملاصق للنيل

تمتد علاقة أهالي الصعيد بالقطار الى أكثر من قرن ونصف القرن من الزمان، منذ إنشاء خطوط السكك الحديد في مصر عام 1867، فقد كان القطار هو الوسيلة الرئيسية التي تربط أهالي الصعيد بالمركز (القاهرة والإسكندرية). وعلى مدار سنوات طويلة، وقبل إنشاء الطرق الحديثة، ارتبط أهالي الصعيد بالقطار ارتباطًا وثيقًا، إذ أصبح جزءًا من هويتهم، وصنعوا له الأغاني والأهازيج

 حضرت مشاهد القطار في المسلسلات والأفلام والروايات، بوصفه رابطاً بين عالمين، عالم المركز وعالم الريف، فكان إما تعبيراً عن الخروج والغربة الاضطرارية من الريف بالتوجه إلى المدينة، أو كوسيلة العودة إلي الوطن والأرض وحضن العائلة.

  وبين هذا وذاك، يرتسم الواقع الذي يعيشه معظم المصريين، ما جعل القطار جزءًا لا يتجزّأ من الوجدان المصري، وحالة التغريب التي يشعر بها أهالي الأرياف بعيدًا عن أرضهم التي يحبّونها، والظروف التي تفرض عليهم الهجرة بحثًا عن لقمة العيش.

يقول معاذ لافي، الباحث في العمران: “السكة الحديد جسر اجتماعي واقتصاديّ بين الإقليم الذي يسكن فيه نحو 39 في المئة من سكان مصر والحضر، لذلك فهو يتعدّى كونه مجرّد وسيلة مواصلات عادية يمكن التعامل معها بمنطق الربح والخسارة كما تفعل الدولة حاليًا؛ فهو ضروري لتماسك نسيج الدولة.

“يمكن اعتبار قطار الصعيد مثل النيل؛ فهو يسير بمحاذاة النهر بطول الوادي، من القاهرة حتى أسوان. وفي الوقت نفسه، يؤدّي دور نهر النيل في عهد الفراعنة عندما كانوا يستخدمونه في نقل البضائع والتنقّل من الجنوب إلى الشمال”، يقول لافي، الباحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

ويضيف: اليوم إذا نظرنا إلى خط سكة حديد الصعيد، نجده يربط الصعيد بالعاصمة، وفي الوقت نفسه، ومن خلال شقّه المحافظات من المنتصف ومروره داخل المراكز والقرى، نجده أيضًا يربط محافظات الوجه القبلي بعضها ببعض”.

 ساعدت شبكة السكة الحديد الراسخة التي تغطي محافظات وادي النيل، في مرحلة ما بعد التحديث، بعد ثورة يوليو عام 1952 ، و”الثورة الصناعية” الناصرية، في موجة هجرة ضخمة من ريف الوجه القبلي، تضمنت عشرات الآلاف من العمال في ريف الوجه القبلي للعمل في المصانع الجديدة في القاهرة وأطرافها، مستفيدين من وظائف مستقرة ووحدات سكنية مخصّصة لهم. وبفضل ذلك، أُنشئت مناطق صناعية ثقيلة ومدن، بخاصة في العاصمة وحولها، وأبرزها حلوان وشبرا الخيمة.

القطار المريح كما تراه وزارة النقل

في ظلّ تركز الوظائف والخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم في القاهرة الكبرى، سيظل القطار وسيلة حيوية لا غنى عنها لسكان الصعيد. فعلى سبيل المثال، تحتكر القاهرة عددًا من التخصصات العلاجية مثل المعهد القومي للكلى والمسالك البولية، والمعهد القومي للأورام، والمركز القومي للسموم؛ ما يعني أنه إذا مرض شخص في أسوان، فهو مضطرّ للسفر إلى القاهرة التي تبعد عنه نحو 850 كيلومترًا لتلقي العلاج. لذلك، فإن قطار الصعيد هنا ليس مجرد رفاهية. وفي رحلة الصعيد الطويلة والشاقة، تضيق الخيارات والهوامش: لا وقوف من دون تذاكر، لا نوم، لا قطارات مريحة، وبعد كل ذلك: تذاكر بأسعارٍ جنونية.

إذ إنّ السنوات الماضية وما صحبها من تضاعف أسعار التذاكر، وقيود مشددة في القطار، جعلت الأمر أكثر صعوبة. في حديث مع كاتب المقال مع محمد غريب، 27 سنة، من أسوان، والذي كان يستخدم القطار أثناء فترة الدراسة في الإسكندرية، ثم أصبح يستخدمه بعد الانتقال إلى القاهرة للعمل في مجال التقنيات بسبب عدم توافر فرص في هذا المجال في أسوان، يشتكي غريب من ارتفاع أسعار التذاكر التي تتراوح ما بين 380 إلى 900 جنيه في القطارات الجيدة. ويقول إنه عندما لا يتوافر حجز فيها يضطرّ إلى الحجز في القطار الروسي الدرجة الثالثة المرهق، والذي يصل أسوان في نحو 17 ساعة، تتخلّلها توقّفات عشوائية في منتصف الطريق بين المحطّات.

منذ نحو ثلاثة أشهر، وأثناء ذهابي مع أحد أقربائي إلى المنيا، أولى محافظات صعيد مصر، لتخليص بعض الأوراق، وبسبب أنه لم تكن معنا سيارة ولم نحجز في حافلات النقل التي تعمل بين المنيا والقاهرة، قصدنا القطار. وعندما وصلنا إلى المحطة، وجدنا أن أقرب قطار متوجّه سيكون القطار الروسي، أو ما يُطلق عليه “القشّاش”، كما وجدنا أن التذاكر متوافرة فقط في الدرجة الثالثة. سأعلم بعد ذلك من التجربة ومن الركاب الذين يستخدمونه أنه تقريباً “القطار الأسوأ على خط الصعيد”، ولكن لم يكن هناك أي خيار آخر.

عند رصيف محطة رمسيس، في انتظار القطار، وكما في عام 1867 حين أنشئ خط القاهرة- المنيا، الأول في خطوط القطار المصري، لا تزال خطوط السكك الحديد تربط سكان الصعيد بالخدمات الأساسية الغائبة عن مناطقهم. إذ تجد بجانبك وأنت واقف على رصيف المحطة، أناساً من كل الفئات، خصوصاً الفقيرة؛ أسر يبدو أنها كانت في القاهرة لتأدية عمل ما، تستشعر من وجوههم الغربة عن المكان والرغبة في الهروب، وانتظارهم عربة القطار لتخلصهم من الجحيم “القاهري” للعودة إلى قراهم في أسرع وقت. آخرون يبدون أقل توتراً وأكثر اعتياداً، ولكن في الوقت نفسه يبدون من أبناء الصعيد المقيمين أو العاملين في العاصمة وهم عائدون إلى “بلادهم” في زيارة، وجنود لا نعرف أين موقع خدماتهم في الجيش، ولكن سواء كانوا يؤدون خدمتهم في العاصمة أو محافظات الوجه البحري أو الصحراء الغربية أو سيناء، فإن محطة قطارات مصر “رمسيس” هي نقطة انطلاقهم إلى قراهم في جنوب مصر. كذلك يبدو أن كثراً من الواقفين بحقائبهم الكبيرة وأكياسهم الكثيرة ا ليسوا آتين من العاصمة فحسب بل ربما من  محافظات مختلفة حيث يقيمون. 

أن تسافر جالساً بزاوية قائمة

القطار الروسي المكيف، على رغم رداءته، فإن أسعار تذاكره مرتفعة. عندما ركبته في هذه المرة، فهمت ما سمعته عنه، وجدت مساند الكراسي بزاوية قائمة، والأربعة كراسٍ متجاورة ومقابلة لبعضها وغير قابلة للتحريك؛ ما يعني أن عليك أن تجلس بزاوية مستقيمة أو عمودية طوال الرحلة.

من حسن حظي أثناء سفري أنه كان يجلس أمامي رجلان؛ أحدهما يبدو في الخمسين من عمره، أخبرنا أنه يعمل مدرسًا في إحدى المدارس الخاصة في القاهرة وهو عائد في إجازة إلى قريته بأسيوط، والآخر شاب يبدو في بداية العشرين من عمره، ومن يده يمكن أن تعرف أنه عامل بناء.

 أمكننا أن نتحايل على هذه الورطة كما يفعل الناس الذين يركبون هذا القطار عادة، حيث بالاتفاق يدخل كل راكبين متقابلين أقدامهما بين بعضهما بعضًا، وهو  ما ليس  متاحًا لو جلست  سيدات.

قبل أن ينطلق القطار، دخل شابان وصعدا فوراً إلى مكان الحقائب ليناما. وعندما أتى الكمسري هددهما بأنه لو لم ينزلا سيفرض عليهما غرامة. أشار أحدهما للكمسري بيده وهو نائم ممسكًا بالتذكرة، لكن لم تنجح محاولته  في إقناع الكمسري الذي صرخ فيهما وتركهما ليستكمل عمله في الإتمام على التذاكر والتأكد من أن الجميع يحمل تذاكر، مع استعداده تغريم من لا يحمل، لينزل متأففاً، وعندما سألته عن سبب نومته فوق أخبرني أن ذلك أفضل من قعدة الكراسي، وقد جلس مضطرًا. وبعد ذلك، عرفنا أنه ذاهب إلى قنا، وأنه سيبقى في هذه الجلسة العقابية لنحو 10 ساعات هي طول الرحلة تقريبًا إلى المحافظة الجنوبية.

في منتصف الرحلة، أثناء قيامي ببعض التمشية، وجدت رجلًا عجوزًا يبدو أنه في الستين من عمره نائماً مفترشاً ورقة كرتون في المنطقة في آخر عربات القطار، أخبرني أن معه تذكرة، لكنه اضطر إلى فعل ذلك لأن لديه آلامًا في العمود الفقري ولا يستطيع الصمود على هذه الكراسي الرخامية، جالسًا طوال رحلته إلى سوهاج التي تستغرق نحو 7 ساعات. كما أخبرني أن الكرتونة التي ينام عليها استأجرها من أحد البائعين داخل القطار بـ15 جنيهًا، فيما يبدو أنه فعل معتاد وشبه مقنن، وليس غريبًا أو استثناءً، وأن كراسي القشاش المُتعبة لأهالي الصعيد أوجدت عملًا أو صناعة يُكتسب منها داخل القطار، تسمح للباحثين عن راحة بافتراش الأرض.

قديمًا، كان ركاب السكة الحديد – خصوصًا ركاب خط الصعيد – يتحايلون على دفع تذكرة القطار من خلال الوقوف داخل القطار أو بين العربات، حيث يرشون الكمسري بمبالغ صغيرة حتى يتركهم ويتغافل عنهم. وعندما أصبح الضغط والرقابة من الدولة أشد، وبالتالي الضغوط على الكمسري الذي كان يطاردهم ويمنعهم، وللهروب من قبضة وسلطة الكمسري، كان كثر منهم يلجأون إلى تسلق القطار من الجانب وهو يسير، أو حتى يتسلقون القطار من أعلى، في أخطر السلوكيات على حياة من يؤديها، لكنها كانت توفر عليهم أموال التذكرة التي كانوا في أمسّ الحاجة إليها.

أهالي الصعيد لا يستطيعون اللحاق بأسعار التذاكر

ظلّت أسعار تذاكر القطارات المكيّفة ثابتة تقريبًا منذ 2007، حتى جاءت الزيادة الأولى في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي في 2015، حيث ارتفع حينها سعر تذكرة القطار بمقدار 20 جنيهًا للدرجة الأولى، و10 جنيهات للدرجة الثانية. ومنذ ذلك الحين، مرّرت وزارة النقل، التي تُنشئ في الوقت نفسه مشروعات قطارات حديثة وفارهة في الصحراء بمليارات الدولارات عبر قروض أجنبية، زياداتٍ متعددة، بعضها مباشر وبعضها غير مباشر من دون إعلان، على خطوط السكة الحديد الحيوية. وكان أبرزها في عام 2020، حين ارتفعت أسعار تذاكر جميع أنواع القطارات بنسب تراوحت بين 25 و150 في المئة.

وفي الوقت الحالي، لحجز قطار مريح، لن يجد أهالي الصعيد أمامهم سوى اللجوء إلى قطار تالجو، على رغم أسعاره المرتفعة التي تفوق قدرتهم المادية؛ إذ تتراوح أسعاره من القاهرة إلى محافظات الصعيد بين 350 و900 جنيهًا، حسب المحافظة ودرجة القطار.

فيما تظهر الإحصاءات الرسمية، من خلال أحدث بيانات متوافرة عن  بحث الدخل والإنفاق لعام 2018، أن محافظات جاءت في مقدمة أفقر مناطق مصر: أسيوط 66.7 في المئة، سوهاج 59.6 في المئة، الأقصر 55.3 في المئة، المنيا 54 في المئة، أسوان 46.2 في المئة، قنا 41 في المئة، بني سويف 34.4 في المئة، والفيوم 26.4 في المئة. ومن المرجّح أن تكون هذه النسب قد ارتفعت مع تداعيات جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية التي تفاقمت منذ عام 2022.

تكشف هذه الأرقام بوضوح تحيّز السياسات التنموية لصالح المدن، على حساب الريف الذي يعاني تأخرًا شديدًا في التنمية. وتشير بيانات اليونيسف لعام 2024 إلى أن حوالى 43 في المئة من سكان ريف صعيد مصر يعيشون في فقر مدقع (غير قادرين على تلبية الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب)، وهو ما يعكس الفجوة الاجتماعية المتزايدة بين المركز والهامش.

تم إعداد هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة بـ «الأكاديمية البديلة للصحافة العربية» تحت إشراف بيسان الشيخ

إقرأوا أيضاً:

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
29.01.2026
زمن القراءة: 9 minutes

“يمكن اعتبار قطار الصعيد مثل النيل؛ فهو يسير بمحاذاة النهر بطول الوادي، من القاهرة حتى أسوان. وفي الوقت نفسه، يؤدّي دور نهر النيل في عهد الفراعنة عندما كانوا يستخدمونه في نقل البضائع والتنقّل من الجنوب إلى الشمال”، يقول لافي، الباحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

“زمان كان السفر بالنسبة لنا يعني القطر. لكن بعد ما أسعار التذاكر عليت، ولما تيجي تحجز ما تلاقيش قدّامك غير الروسي أو التالجو، بقيت أسافر 15 ساعة بأتوبيس سوبر جيت. على قدّ ما هو غالي، بس بقى أرخص من القطر، وعلى قدّ ما هو مُرهِق، بس هو أريح من القطر الروسي الدرجة التالتة”.

بهذه الكلمات يصف شادي محمد (32 عاماً)، المقيم في محافظة أسوان، والذي كان يسافر إلى القاهرة هو أسرته مضطرين، لأغراض العمل والعلاج والدراسة، كيف تغيّرت علاقته بقطار الصعيد الحكومي، نتيجة سياسة الدولة في رفع أسعار تذاكر القطارات وتراجع مستوى الراحة والخدمة على خط السكة الحديد الأكثر استخدامًا في مصر.

 في تموز/ يوليو 2025، استبدلت وزارة النقل عربات 4 قطارات من فئة الـ”VIP” تخدم خط الصعيد، بعربات من طراز الدرجة الثانية من النوع الروسي، الأقل جودة، ولكن بسعر أعلى. وفي الوقت نفسه، نُقلت عربات الـ”VIP” إلى خط القاهرة–الإسكندرية، وهي التي كانت الأكثر استخدامًا من أهالي الصعيد، ويفضّلونها لأنها أكثر راحة وتعينهم على تحمّل مسافة الرحلة التي تصل إلى 16 ساعة.

وفي ردّ على غضب الأهالي، نشرت الوزارة بيانًا، أكدت فيه أنها استبدلت العربات “نظرًا الى الإقبال الشديد على القطار الروسي لما يوفره من وسائل راحة”.

وبين غضب الأهالي ومزاعم الوزارة التي يُظهر الواقع عكسها، كانت الحادثة دالّةً على نظرة الدولة الى الصعيد، واستمرارًا لتهميشها المستمر له. وتسببت في موجة غضب كبيرة بين سكان ومستخدمي خط الصعيد، فيما لا يزال القطار الذي أُنشئ قبل 158 عاماً وسيلةَ نقل أساسية، لا بل شريان حياة  لسكان الصعيد الذين يعاني معظمهم من الفقر المدقع، إذ لا يزالون حتى اليوم يهاجرون من الوجه القبلي إلى القاهرة، للأسباب نفسها التي هاجر أسلافهم من أجلها وهي العمل والتعليم والعلاج، باستخدام الوسيلة ذاتها.

ويعتبر سكان الصعيد المصري الذين يقدر عددهم بنحو 28 مليون نسمة، دائمًا الحلقة الأضعف، ويسكنون في المحافظات الأكثر تهميشًا وإهمالًا، وفي الوقت نفسه هي الأكثر تأثرًا بالسياسات النيوليبرالية التي تتبعها الدولة منذ عام 2014، وتضمنت زيادةً تصل إلى 1263 في المئة خلال 10 سنوات في أسعار تذاكر عربات السكة الحديد في خط الصعيد، وفقًا لحسبة بسيطة.

قطار الصعيد.. الشقيق الملاصق للنيل

تمتد علاقة أهالي الصعيد بالقطار الى أكثر من قرن ونصف القرن من الزمان، منذ إنشاء خطوط السكك الحديد في مصر عام 1867، فقد كان القطار هو الوسيلة الرئيسية التي تربط أهالي الصعيد بالمركز (القاهرة والإسكندرية). وعلى مدار سنوات طويلة، وقبل إنشاء الطرق الحديثة، ارتبط أهالي الصعيد بالقطار ارتباطًا وثيقًا، إذ أصبح جزءًا من هويتهم، وصنعوا له الأغاني والأهازيج

 حضرت مشاهد القطار في المسلسلات والأفلام والروايات، بوصفه رابطاً بين عالمين، عالم المركز وعالم الريف، فكان إما تعبيراً عن الخروج والغربة الاضطرارية من الريف بالتوجه إلى المدينة، أو كوسيلة العودة إلي الوطن والأرض وحضن العائلة.

  وبين هذا وذاك، يرتسم الواقع الذي يعيشه معظم المصريين، ما جعل القطار جزءًا لا يتجزّأ من الوجدان المصري، وحالة التغريب التي يشعر بها أهالي الأرياف بعيدًا عن أرضهم التي يحبّونها، والظروف التي تفرض عليهم الهجرة بحثًا عن لقمة العيش.

يقول معاذ لافي، الباحث في العمران: “السكة الحديد جسر اجتماعي واقتصاديّ بين الإقليم الذي يسكن فيه نحو 39 في المئة من سكان مصر والحضر، لذلك فهو يتعدّى كونه مجرّد وسيلة مواصلات عادية يمكن التعامل معها بمنطق الربح والخسارة كما تفعل الدولة حاليًا؛ فهو ضروري لتماسك نسيج الدولة.

“يمكن اعتبار قطار الصعيد مثل النيل؛ فهو يسير بمحاذاة النهر بطول الوادي، من القاهرة حتى أسوان. وفي الوقت نفسه، يؤدّي دور نهر النيل في عهد الفراعنة عندما كانوا يستخدمونه في نقل البضائع والتنقّل من الجنوب إلى الشمال”، يقول لافي، الباحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

ويضيف: اليوم إذا نظرنا إلى خط سكة حديد الصعيد، نجده يربط الصعيد بالعاصمة، وفي الوقت نفسه، ومن خلال شقّه المحافظات من المنتصف ومروره داخل المراكز والقرى، نجده أيضًا يربط محافظات الوجه القبلي بعضها ببعض”.

 ساعدت شبكة السكة الحديد الراسخة التي تغطي محافظات وادي النيل، في مرحلة ما بعد التحديث، بعد ثورة يوليو عام 1952 ، و”الثورة الصناعية” الناصرية، في موجة هجرة ضخمة من ريف الوجه القبلي، تضمنت عشرات الآلاف من العمال في ريف الوجه القبلي للعمل في المصانع الجديدة في القاهرة وأطرافها، مستفيدين من وظائف مستقرة ووحدات سكنية مخصّصة لهم. وبفضل ذلك، أُنشئت مناطق صناعية ثقيلة ومدن، بخاصة في العاصمة وحولها، وأبرزها حلوان وشبرا الخيمة.

القطار المريح كما تراه وزارة النقل

في ظلّ تركز الوظائف والخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم في القاهرة الكبرى، سيظل القطار وسيلة حيوية لا غنى عنها لسكان الصعيد. فعلى سبيل المثال، تحتكر القاهرة عددًا من التخصصات العلاجية مثل المعهد القومي للكلى والمسالك البولية، والمعهد القومي للأورام، والمركز القومي للسموم؛ ما يعني أنه إذا مرض شخص في أسوان، فهو مضطرّ للسفر إلى القاهرة التي تبعد عنه نحو 850 كيلومترًا لتلقي العلاج. لذلك، فإن قطار الصعيد هنا ليس مجرد رفاهية. وفي رحلة الصعيد الطويلة والشاقة، تضيق الخيارات والهوامش: لا وقوف من دون تذاكر، لا نوم، لا قطارات مريحة، وبعد كل ذلك: تذاكر بأسعارٍ جنونية.

إذ إنّ السنوات الماضية وما صحبها من تضاعف أسعار التذاكر، وقيود مشددة في القطار، جعلت الأمر أكثر صعوبة. في حديث مع كاتب المقال مع محمد غريب، 27 سنة، من أسوان، والذي كان يستخدم القطار أثناء فترة الدراسة في الإسكندرية، ثم أصبح يستخدمه بعد الانتقال إلى القاهرة للعمل في مجال التقنيات بسبب عدم توافر فرص في هذا المجال في أسوان، يشتكي غريب من ارتفاع أسعار التذاكر التي تتراوح ما بين 380 إلى 900 جنيه في القطارات الجيدة. ويقول إنه عندما لا يتوافر حجز فيها يضطرّ إلى الحجز في القطار الروسي الدرجة الثالثة المرهق، والذي يصل أسوان في نحو 17 ساعة، تتخلّلها توقّفات عشوائية في منتصف الطريق بين المحطّات.

منذ نحو ثلاثة أشهر، وأثناء ذهابي مع أحد أقربائي إلى المنيا، أولى محافظات صعيد مصر، لتخليص بعض الأوراق، وبسبب أنه لم تكن معنا سيارة ولم نحجز في حافلات النقل التي تعمل بين المنيا والقاهرة، قصدنا القطار. وعندما وصلنا إلى المحطة، وجدنا أن أقرب قطار متوجّه سيكون القطار الروسي، أو ما يُطلق عليه “القشّاش”، كما وجدنا أن التذاكر متوافرة فقط في الدرجة الثالثة. سأعلم بعد ذلك من التجربة ومن الركاب الذين يستخدمونه أنه تقريباً “القطار الأسوأ على خط الصعيد”، ولكن لم يكن هناك أي خيار آخر.

عند رصيف محطة رمسيس، في انتظار القطار، وكما في عام 1867 حين أنشئ خط القاهرة- المنيا، الأول في خطوط القطار المصري، لا تزال خطوط السكك الحديد تربط سكان الصعيد بالخدمات الأساسية الغائبة عن مناطقهم. إذ تجد بجانبك وأنت واقف على رصيف المحطة، أناساً من كل الفئات، خصوصاً الفقيرة؛ أسر يبدو أنها كانت في القاهرة لتأدية عمل ما، تستشعر من وجوههم الغربة عن المكان والرغبة في الهروب، وانتظارهم عربة القطار لتخلصهم من الجحيم “القاهري” للعودة إلى قراهم في أسرع وقت. آخرون يبدون أقل توتراً وأكثر اعتياداً، ولكن في الوقت نفسه يبدون من أبناء الصعيد المقيمين أو العاملين في العاصمة وهم عائدون إلى “بلادهم” في زيارة، وجنود لا نعرف أين موقع خدماتهم في الجيش، ولكن سواء كانوا يؤدون خدمتهم في العاصمة أو محافظات الوجه البحري أو الصحراء الغربية أو سيناء، فإن محطة قطارات مصر “رمسيس” هي نقطة انطلاقهم إلى قراهم في جنوب مصر. كذلك يبدو أن كثراً من الواقفين بحقائبهم الكبيرة وأكياسهم الكثيرة ا ليسوا آتين من العاصمة فحسب بل ربما من  محافظات مختلفة حيث يقيمون. 

أن تسافر جالساً بزاوية قائمة

القطار الروسي المكيف، على رغم رداءته، فإن أسعار تذاكره مرتفعة. عندما ركبته في هذه المرة، فهمت ما سمعته عنه، وجدت مساند الكراسي بزاوية قائمة، والأربعة كراسٍ متجاورة ومقابلة لبعضها وغير قابلة للتحريك؛ ما يعني أن عليك أن تجلس بزاوية مستقيمة أو عمودية طوال الرحلة.

من حسن حظي أثناء سفري أنه كان يجلس أمامي رجلان؛ أحدهما يبدو في الخمسين من عمره، أخبرنا أنه يعمل مدرسًا في إحدى المدارس الخاصة في القاهرة وهو عائد في إجازة إلى قريته بأسيوط، والآخر شاب يبدو في بداية العشرين من عمره، ومن يده يمكن أن تعرف أنه عامل بناء.

 أمكننا أن نتحايل على هذه الورطة كما يفعل الناس الذين يركبون هذا القطار عادة، حيث بالاتفاق يدخل كل راكبين متقابلين أقدامهما بين بعضهما بعضًا، وهو  ما ليس  متاحًا لو جلست  سيدات.

قبل أن ينطلق القطار، دخل شابان وصعدا فوراً إلى مكان الحقائب ليناما. وعندما أتى الكمسري هددهما بأنه لو لم ينزلا سيفرض عليهما غرامة. أشار أحدهما للكمسري بيده وهو نائم ممسكًا بالتذكرة، لكن لم تنجح محاولته  في إقناع الكمسري الذي صرخ فيهما وتركهما ليستكمل عمله في الإتمام على التذاكر والتأكد من أن الجميع يحمل تذاكر، مع استعداده تغريم من لا يحمل، لينزل متأففاً، وعندما سألته عن سبب نومته فوق أخبرني أن ذلك أفضل من قعدة الكراسي، وقد جلس مضطرًا. وبعد ذلك، عرفنا أنه ذاهب إلى قنا، وأنه سيبقى في هذه الجلسة العقابية لنحو 10 ساعات هي طول الرحلة تقريبًا إلى المحافظة الجنوبية.

في منتصف الرحلة، أثناء قيامي ببعض التمشية، وجدت رجلًا عجوزًا يبدو أنه في الستين من عمره نائماً مفترشاً ورقة كرتون في المنطقة في آخر عربات القطار، أخبرني أن معه تذكرة، لكنه اضطر إلى فعل ذلك لأن لديه آلامًا في العمود الفقري ولا يستطيع الصمود على هذه الكراسي الرخامية، جالسًا طوال رحلته إلى سوهاج التي تستغرق نحو 7 ساعات. كما أخبرني أن الكرتونة التي ينام عليها استأجرها من أحد البائعين داخل القطار بـ15 جنيهًا، فيما يبدو أنه فعل معتاد وشبه مقنن، وليس غريبًا أو استثناءً، وأن كراسي القشاش المُتعبة لأهالي الصعيد أوجدت عملًا أو صناعة يُكتسب منها داخل القطار، تسمح للباحثين عن راحة بافتراش الأرض.

قديمًا، كان ركاب السكة الحديد – خصوصًا ركاب خط الصعيد – يتحايلون على دفع تذكرة القطار من خلال الوقوف داخل القطار أو بين العربات، حيث يرشون الكمسري بمبالغ صغيرة حتى يتركهم ويتغافل عنهم. وعندما أصبح الضغط والرقابة من الدولة أشد، وبالتالي الضغوط على الكمسري الذي كان يطاردهم ويمنعهم، وللهروب من قبضة وسلطة الكمسري، كان كثر منهم يلجأون إلى تسلق القطار من الجانب وهو يسير، أو حتى يتسلقون القطار من أعلى، في أخطر السلوكيات على حياة من يؤديها، لكنها كانت توفر عليهم أموال التذكرة التي كانوا في أمسّ الحاجة إليها.

أهالي الصعيد لا يستطيعون اللحاق بأسعار التذاكر

ظلّت أسعار تذاكر القطارات المكيّفة ثابتة تقريبًا منذ 2007، حتى جاءت الزيادة الأولى في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي في 2015، حيث ارتفع حينها سعر تذكرة القطار بمقدار 20 جنيهًا للدرجة الأولى، و10 جنيهات للدرجة الثانية. ومنذ ذلك الحين، مرّرت وزارة النقل، التي تُنشئ في الوقت نفسه مشروعات قطارات حديثة وفارهة في الصحراء بمليارات الدولارات عبر قروض أجنبية، زياداتٍ متعددة، بعضها مباشر وبعضها غير مباشر من دون إعلان، على خطوط السكة الحديد الحيوية. وكان أبرزها في عام 2020، حين ارتفعت أسعار تذاكر جميع أنواع القطارات بنسب تراوحت بين 25 و150 في المئة.

وفي الوقت الحالي، لحجز قطار مريح، لن يجد أهالي الصعيد أمامهم سوى اللجوء إلى قطار تالجو، على رغم أسعاره المرتفعة التي تفوق قدرتهم المادية؛ إذ تتراوح أسعاره من القاهرة إلى محافظات الصعيد بين 350 و900 جنيهًا، حسب المحافظة ودرجة القطار.

فيما تظهر الإحصاءات الرسمية، من خلال أحدث بيانات متوافرة عن  بحث الدخل والإنفاق لعام 2018، أن محافظات جاءت في مقدمة أفقر مناطق مصر: أسيوط 66.7 في المئة، سوهاج 59.6 في المئة، الأقصر 55.3 في المئة، المنيا 54 في المئة، أسوان 46.2 في المئة، قنا 41 في المئة، بني سويف 34.4 في المئة، والفيوم 26.4 في المئة. ومن المرجّح أن تكون هذه النسب قد ارتفعت مع تداعيات جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية التي تفاقمت منذ عام 2022.

تكشف هذه الأرقام بوضوح تحيّز السياسات التنموية لصالح المدن، على حساب الريف الذي يعاني تأخرًا شديدًا في التنمية. وتشير بيانات اليونيسف لعام 2024 إلى أن حوالى 43 في المئة من سكان ريف صعيد مصر يعيشون في فقر مدقع (غير قادرين على تلبية الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب)، وهو ما يعكس الفجوة الاجتماعية المتزايدة بين المركز والهامش.

تم إعداد هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة بـ «الأكاديمية البديلة للصحافة العربية» تحت إشراف بيسان الشيخ

إقرأوا أيضاً:

29.01.2026
زمن القراءة: 9 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية