ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

قطف العنب والأرواح معاً: مأساة العاملات المصريات في حقول المنوفيّة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

فتيات قرية السبانسة لم يكنّ في رحلة مدرسية، بل كنّ ذاهبات الى العمل مقابل أجر يومي بخس، بعدما عجزت السياسات الاقتصادية المصرية عن خلق فرص عمل للأسر في الريف، وفي ظل غياب برامج الحماية الاجتماعية التي تدفع بالأطفال إلى سوق العمل الزراعي من دون رقابة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يوم الجمعة الماضي، حذرت الأرصاد الجوية في مصر من ارتفاع في درجات الحرارة التي ستصل إلى 41 درجة مئوية في بعض المناطق، ودعت السائقين إلى توخي الحذر أثناء القيادة بسبب انتشار الشبورة المائية في الصباح الباكر، لكن النشرة الجوية كانت آخر ما يشغل فتيات قرية السنابسة في محافظة المنوفية.

صعدت إلي الميكروباص 22 فتاة بين طفلة ومراهقة، ليتوجهن إلي حقول العنب لجمعه باليومية، لا يعبأن بالقيظ اللاهب. الفتيات في القرى المصرية نشأن على ما نشأ عليه أجدادهن، أن “الإيد البطالة نجسة” و”البركة في التبكير” وضرورة السعي حتى لو كان هذا السعي لن يضع في أيديهن سوى أربعة دولارات يومياً. لا تعلم غالبية فتيات الريف شيئاً عن رفاهية حياة أهل القاهرة، وربما فتحت السوشيال ميديا عيونهن على خيرات القاهرة وعجائبها، لكن كما تربيتُ وتربى غيري من بنات الريف، أن “البندر حاجة وأحنا حاجة، ولا تؤتى الأرزاق بالحظوظ”.

قبل عودة البنات إلي منازلهن متعبات للاستعداد لليوم التالي، حدث شيء مباغت، مُتن ببساطة، وبشكل جماعي، 18 بنتاً وسائق دُهسوا وهم داخل الميكروباص تحت مقطورة! انقطع حبل وصلهم بالدنيا، ربما قبل أن يدركوا أنهم تعرضوا لحادث، أو كما وصفت إحدى الناجيات: ” أنا كنت بتكلم مع بنت خالي في الميكروباص بعدين محستش بحاجة ولا فاكرة حاجة، فتحت عيني لقيتني على الرصيف وشوفت جثث حواليا أغمي عليا وصحيت لقيت كل صحباتي وقرايبي، وشروق اللي كنت بكلمها ماتوا”.

رسمت بنات قرية السنابسة بمحافظة المنوفية المصرية سردية مأساوية سنتذكرها كلما سمعنا البائع ينادي على العنب البناتي، وكلما رأينا العنب مرتباً في الأقفاص بعناية. 

 سنتذكر ترتيب 18 فتاة في توابيت موت متراصة، بعدما جمعن العنب ورتبنه في الأقفاص، سنتذكر الـ130 جنيهاً في حقيبة كل فتاة منهن وقصة الادخار الحالم للفتات، ورحلة التعلم بالشقاء، الشقاء الذي قد يبني وعياً، لكنه قد يكون مجرد فخ منصوب فقط للفقراء، كي يقنعوا ويرضوا ويموتوا على خط الفقر أو على الطريق الإقليمي مدهوسين تحت حافلة ضخمة.

لا يمكن تجاوز دلالة العنب البناتي. هذا الاسم الذي تردده الألسنة في الريف والدلتا، يبدو للوهلة الأولى مجرد تصنيف تجاري أو زراعي، لكنه يحمل بعدًا ثقافيًا عميقًا، يكشف عن علاقة اللغة بالمجتمع، والجندر بالمحصول، والتسمية بالشكل والمضمون.

سُمّي العنب البناتي بهذا الاسم بسبب صغر حجم حبّاته، ونعومته، وزيادة حلاوته عن باقي أنواع العنب وخلوّه من البذور، وهي صفات يُنسب إليها مجازيًا طابع “الأنوثة” في المخيال الشعبي المصري، إذ يُقال إنه يشبه البنات. وقد شاع هذا الاسم في القرى المصرية.

في الحقول التي تعمل فيها مئات الفتيات لجني هذا العنب، تتماهى التسمية مع الواقع. فـ”البنات” قُطفن كما يُقطف العنب البناتي. سريعًا، وحُملن في صناديق صغيرة “توابيت” على أكتاف الأهالي.

على رغم أن العنب رمزاً للرخاء في الميثولوجيا والفن، إلا أن الفتيات اللواتي يقطفنه لا ينلن سوى فُتات الأجر. العمل يبدأ من السادسة صباحًا ويستمر حتى آخر النهار، تحت درجات حرارة تصل إلى 40 درجة مئوية، من دون استراحات منتظمة، ومن دون مرافق صحية.

المفارقة أن الدولة تُفاخر بارتفاع صادرات العنب المصري، الذي وصل إلى أكثر من 150 ألف طن سنويًا، لكن لا أحد يسأل: من قطف هذا العنب؟ وكيف؟ ووزارة الزراعة تُصدر بيانات عن جودة التصدير، ولا تذكر شيئًا عن ظروف العمال.

فيما يتباهى المسؤولون بزيادة صادرات مصر الزراعية، التي وصلت إلى 41 مليار دولار من ضمنها صادرات العنب، فإن المأساة تكمن في المفارقة. العائدات تتصاعد، بينما الأجور تتضاءل. القطاع الزراعي غير المنظم، والذي يعتمد على عمالة يومية رخيصة، يكرّس فقر القرى بدل أن يساهم في تنميتها.

الحكومة لا تخصص بشكل كاف من هذه العائدات لتطوير البنية التحتية للطرق الزراعية أو توفير وسائل نقل آمنة للعاملين والعاملات في القطاع الزراعي. 

وفي هذا المجال، تُجبر الفتيات على العمل بسرعة فائقة، إذ إن الأجر اليومي – الذي لا يتجاوز الـ130 جنيه مرتبط بعدد الصناديق التي يملأنها. وكل تأخير أو تباطؤ قد يُقابَل بخصومات أو طرد من العمل.

العاملات في المجال الزراعي لسن عاملات بالمعنى الحرفي، أي لسن كلهن سيدات لم يتلقّين تعليماً وليس لهن خيار سوى العمل في الحقول، بل شابات في مراحل دراسية مختلفة، وجامعيات، ولم يتسرّبن من التعليم، أي يمارسن العمل الى جانب الدراسة الجادة، ولكل منهن حلم وحكاية، لكن الديون والقروض والأزمة الاقتصادية الطاحنة في مصر، لا تعبأ بأحلام البنات.

وفقًا لتقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تعاني نسبة كبيرة من الأسر من دخل يقل عن الحد الأدنى لمستوى المعيشة. وفي ظل غياب فرص العمل، وارتفاع أسعار السلع، يصبح عمل الأبناء والقاصرات وسيلة دعم اقتصادي.

وعلى رغم أنّ القانون المصري يحظّر تشغيل الأطفال دون الـ15 عامًا، إلا أنّ هذا القانون غالبًا ما يُنتَهَك، سواء بعلم السلطات المحلية أو بغضّ الطرف عنها. 

قد يبدو أن الأسر هي من تدفع بناتها الى العمل، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. في القرى، الأسرة نفسها مهددة بالانهيار تحت ضغط الأسعار، وغياب الدعم، وانسحاب الدولة من الخدمات. يُنفق الأب دخله المحدود، والأم تؤازره بالإنفاق المحدود أيضاً، ويصبح دخل الفتاة والفتي عنصرًا أساسيًا في بقاء الأسرة.

تعمل الفتيات في بيئات لا تخضع للرقابة، ما يجعلهن عرضة للتحرش والاستغلال. بعض شهادات الناجيات تروي عن تحرش مشرفين أو سائقي عربات النقل وغيرهم في الحقول. 

فتيات قرية السبانسة لم يكنّ في رحلة مدرسية، بل كنّ ذاهبات الى العمل مقابل أجر يومي بخس، بعدما عجزت السياسات الاقتصادية المصرية عن خلق فرص عمل للأسر في الريف، وفي ظل غياب برامج الحماية الاجتماعية التي تدفع بالأطفال إلى سوق العمل الزراعي من دون رقابة.

حادثة المنوفية ليست مسؤولية سائق شاحنة فقط مثلما يحاول وزير النقل المصري تلخيصها، بل مسؤولية دولة تتغافل عن الفجوة الطبقية والجغرافية المتباينة بين المركز “القاهرة” والهوامش “الأقاليم”، والقصور في البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تحكم حياة الريف المصري. 

فالعوامل التي دفعت بفتيات يافعات إلى حقول العنب، ثم إلى حتفهن على طرق غير مؤهلة، هي نفسها التي تعكس خللاً عميقاً في توزيع الموارد، وتحديد الأولويات، وحماية الفئات الهشّة في المجتمع.

داس بيستي أم نوردن - NDR NDR | 05.12.2025

“ملفات دمشق”: “كان مستشفى الموت”

تكشف تحقيقات دولية الدور المركزي الذي لعبته المستشفيات العسكرية السورية في آلة القتل التابعة لنظام الأسد. وبعض الأطباء الذين عملوا في هذه المستشفيات يمارسون مهنتهم اليوم في ألمانيا.
30.06.2025
زمن القراءة: 4 minutes

فتيات قرية السبانسة لم يكنّ في رحلة مدرسية، بل كنّ ذاهبات الى العمل مقابل أجر يومي بخس، بعدما عجزت السياسات الاقتصادية المصرية عن خلق فرص عمل للأسر في الريف، وفي ظل غياب برامج الحماية الاجتماعية التي تدفع بالأطفال إلى سوق العمل الزراعي من دون رقابة.

يوم الجمعة الماضي، حذرت الأرصاد الجوية في مصر من ارتفاع في درجات الحرارة التي ستصل إلى 41 درجة مئوية في بعض المناطق، ودعت السائقين إلى توخي الحذر أثناء القيادة بسبب انتشار الشبورة المائية في الصباح الباكر، لكن النشرة الجوية كانت آخر ما يشغل فتيات قرية السنابسة في محافظة المنوفية.

صعدت إلي الميكروباص 22 فتاة بين طفلة ومراهقة، ليتوجهن إلي حقول العنب لجمعه باليومية، لا يعبأن بالقيظ اللاهب. الفتيات في القرى المصرية نشأن على ما نشأ عليه أجدادهن، أن “الإيد البطالة نجسة” و”البركة في التبكير” وضرورة السعي حتى لو كان هذا السعي لن يضع في أيديهن سوى أربعة دولارات يومياً. لا تعلم غالبية فتيات الريف شيئاً عن رفاهية حياة أهل القاهرة، وربما فتحت السوشيال ميديا عيونهن على خيرات القاهرة وعجائبها، لكن كما تربيتُ وتربى غيري من بنات الريف، أن “البندر حاجة وأحنا حاجة، ولا تؤتى الأرزاق بالحظوظ”.

قبل عودة البنات إلي منازلهن متعبات للاستعداد لليوم التالي، حدث شيء مباغت، مُتن ببساطة، وبشكل جماعي، 18 بنتاً وسائق دُهسوا وهم داخل الميكروباص تحت مقطورة! انقطع حبل وصلهم بالدنيا، ربما قبل أن يدركوا أنهم تعرضوا لحادث، أو كما وصفت إحدى الناجيات: ” أنا كنت بتكلم مع بنت خالي في الميكروباص بعدين محستش بحاجة ولا فاكرة حاجة، فتحت عيني لقيتني على الرصيف وشوفت جثث حواليا أغمي عليا وصحيت لقيت كل صحباتي وقرايبي، وشروق اللي كنت بكلمها ماتوا”.

رسمت بنات قرية السنابسة بمحافظة المنوفية المصرية سردية مأساوية سنتذكرها كلما سمعنا البائع ينادي على العنب البناتي، وكلما رأينا العنب مرتباً في الأقفاص بعناية. 

 سنتذكر ترتيب 18 فتاة في توابيت موت متراصة، بعدما جمعن العنب ورتبنه في الأقفاص، سنتذكر الـ130 جنيهاً في حقيبة كل فتاة منهن وقصة الادخار الحالم للفتات، ورحلة التعلم بالشقاء، الشقاء الذي قد يبني وعياً، لكنه قد يكون مجرد فخ منصوب فقط للفقراء، كي يقنعوا ويرضوا ويموتوا على خط الفقر أو على الطريق الإقليمي مدهوسين تحت حافلة ضخمة.

لا يمكن تجاوز دلالة العنب البناتي. هذا الاسم الذي تردده الألسنة في الريف والدلتا، يبدو للوهلة الأولى مجرد تصنيف تجاري أو زراعي، لكنه يحمل بعدًا ثقافيًا عميقًا، يكشف عن علاقة اللغة بالمجتمع، والجندر بالمحصول، والتسمية بالشكل والمضمون.

سُمّي العنب البناتي بهذا الاسم بسبب صغر حجم حبّاته، ونعومته، وزيادة حلاوته عن باقي أنواع العنب وخلوّه من البذور، وهي صفات يُنسب إليها مجازيًا طابع “الأنوثة” في المخيال الشعبي المصري، إذ يُقال إنه يشبه البنات. وقد شاع هذا الاسم في القرى المصرية.

في الحقول التي تعمل فيها مئات الفتيات لجني هذا العنب، تتماهى التسمية مع الواقع. فـ”البنات” قُطفن كما يُقطف العنب البناتي. سريعًا، وحُملن في صناديق صغيرة “توابيت” على أكتاف الأهالي.

على رغم أن العنب رمزاً للرخاء في الميثولوجيا والفن، إلا أن الفتيات اللواتي يقطفنه لا ينلن سوى فُتات الأجر. العمل يبدأ من السادسة صباحًا ويستمر حتى آخر النهار، تحت درجات حرارة تصل إلى 40 درجة مئوية، من دون استراحات منتظمة، ومن دون مرافق صحية.

المفارقة أن الدولة تُفاخر بارتفاع صادرات العنب المصري، الذي وصل إلى أكثر من 150 ألف طن سنويًا، لكن لا أحد يسأل: من قطف هذا العنب؟ وكيف؟ ووزارة الزراعة تُصدر بيانات عن جودة التصدير، ولا تذكر شيئًا عن ظروف العمال.

فيما يتباهى المسؤولون بزيادة صادرات مصر الزراعية، التي وصلت إلى 41 مليار دولار من ضمنها صادرات العنب، فإن المأساة تكمن في المفارقة. العائدات تتصاعد، بينما الأجور تتضاءل. القطاع الزراعي غير المنظم، والذي يعتمد على عمالة يومية رخيصة، يكرّس فقر القرى بدل أن يساهم في تنميتها.

الحكومة لا تخصص بشكل كاف من هذه العائدات لتطوير البنية التحتية للطرق الزراعية أو توفير وسائل نقل آمنة للعاملين والعاملات في القطاع الزراعي. 

وفي هذا المجال، تُجبر الفتيات على العمل بسرعة فائقة، إذ إن الأجر اليومي – الذي لا يتجاوز الـ130 جنيه مرتبط بعدد الصناديق التي يملأنها. وكل تأخير أو تباطؤ قد يُقابَل بخصومات أو طرد من العمل.

العاملات في المجال الزراعي لسن عاملات بالمعنى الحرفي، أي لسن كلهن سيدات لم يتلقّين تعليماً وليس لهن خيار سوى العمل في الحقول، بل شابات في مراحل دراسية مختلفة، وجامعيات، ولم يتسرّبن من التعليم، أي يمارسن العمل الى جانب الدراسة الجادة، ولكل منهن حلم وحكاية، لكن الديون والقروض والأزمة الاقتصادية الطاحنة في مصر، لا تعبأ بأحلام البنات.

وفقًا لتقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تعاني نسبة كبيرة من الأسر من دخل يقل عن الحد الأدنى لمستوى المعيشة. وفي ظل غياب فرص العمل، وارتفاع أسعار السلع، يصبح عمل الأبناء والقاصرات وسيلة دعم اقتصادي.

وعلى رغم أنّ القانون المصري يحظّر تشغيل الأطفال دون الـ15 عامًا، إلا أنّ هذا القانون غالبًا ما يُنتَهَك، سواء بعلم السلطات المحلية أو بغضّ الطرف عنها. 

قد يبدو أن الأسر هي من تدفع بناتها الى العمل، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. في القرى، الأسرة نفسها مهددة بالانهيار تحت ضغط الأسعار، وغياب الدعم، وانسحاب الدولة من الخدمات. يُنفق الأب دخله المحدود، والأم تؤازره بالإنفاق المحدود أيضاً، ويصبح دخل الفتاة والفتي عنصرًا أساسيًا في بقاء الأسرة.

تعمل الفتيات في بيئات لا تخضع للرقابة، ما يجعلهن عرضة للتحرش والاستغلال. بعض شهادات الناجيات تروي عن تحرش مشرفين أو سائقي عربات النقل وغيرهم في الحقول. 

فتيات قرية السبانسة لم يكنّ في رحلة مدرسية، بل كنّ ذاهبات الى العمل مقابل أجر يومي بخس، بعدما عجزت السياسات الاقتصادية المصرية عن خلق فرص عمل للأسر في الريف، وفي ظل غياب برامج الحماية الاجتماعية التي تدفع بالأطفال إلى سوق العمل الزراعي من دون رقابة.

حادثة المنوفية ليست مسؤولية سائق شاحنة فقط مثلما يحاول وزير النقل المصري تلخيصها، بل مسؤولية دولة تتغافل عن الفجوة الطبقية والجغرافية المتباينة بين المركز “القاهرة” والهوامش “الأقاليم”، والقصور في البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تحكم حياة الريف المصري. 

فالعوامل التي دفعت بفتيات يافعات إلى حقول العنب، ثم إلى حتفهن على طرق غير مؤهلة، هي نفسها التي تعكس خللاً عميقاً في توزيع الموارد، وتحديد الأولويات، وحماية الفئات الهشّة في المجتمع.

30.06.2025
زمن القراءة: 4 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية