أعادت الصحافية الأميركية ليندسي سنيل نشر فيديو يعود إلى سنة 2016، قبل احتجازها بأيّام لدى “جبهة النصرة”، ويظهر في التسجيل رجل ملثّم عرّفته سنيل لاحقاً بأنه محمّد قناطري، القائم بأعمال السفارة السورية في واشنطن، واتّهمته بأنه كان واحداً من المشاركين في خطفها واحتجازها.
لا يثبت الفيديو طبيعة دور القائم بالأعمال أو مقدار مسؤوليته، لكنّه أعاد ماضيه داخل “جبهة النصرة” إلى النقاش العامّ، خصوصاً أن سنيل نفسها قالت في تصريح لدرج أنها لا تمتلك دليلاً على تورطه في خطفها.
وسرعان ما تحوّل الاتّهام من سؤال عن واقعة محدّدة تحتاج إلى التحقيق، إلى حملة واسعة تناولت أهليته لتمثيل سوريا وماضيه داخل التنظيم. ومن هنا بدأ نقاش وحملات كبيرة تستهدف السلطة السورية الجديدة وشخصية قناطري نفسه، وأسئلة كبيرة عن الميليشيا والهويّة والتحوّل، وعن حقّ المجتمع في المساءلة وطبيعة الافتراضات والسياقات لحكّام سوريا الجديدة.
الميليشيا، الجسم الذي نعرفه، أين الغريب؟
هناك ملاحظة لا بدّ منها على الطريقة التي يجري فيها التعامل مع محمّد قناطري خاصّة، ومع الميليشيات التي وصلت إلى الحكم. هناك اعتبار أن الميليشيات أجسام غريبة اقتحمت دولة سورية كانت قبلها جمهورية طبيعية، هانئة ومستقرّة، لها حياة ووسائط سياسية تُمارس بشكل يومي ودوري، وجيش وطني ومؤسّسات تعمل بصورة مستقلّة. هذه الصورة تخفي أن الميليشيا لم تصل بعد انهيار الدولة فقط، إنما كانت واحدة من نتائج الطريقة التي بُنيت بها الدولة الأسدية نفسها، والطريقة التي انهارت بها لاحقاً.
لم يكن النظام السوري قد بنى أو حمى شروط الجمهورية ثم فقد السيطرة عليها. كان قد ضرب هذه الشروط خلال عقود امتدّت لخمسين عاماً. ألغى السياسة المستقلّة، وضيّق إمكان قيام الأحزاب والنقابات، وحوّل المؤسّسات العامّة إلى مواقع للولاء والمراقبة، وصنع بنية أمنية إبادية، وجعل الجيش مرتبطاً ببنية أمنية تقوم على الثقة والطائفية أكثر ممّا تقوم على المواطنة.
وعندما بدأت الثورة، لم يواجه النظام السوريين بوصفهم مواطنين لديهم مطالب سياسية، إنما عاملهم بوصفهم جماعات خطرة يجب إخضاعها بالإبادة. ثم وسّع الحرب وفتح البلاد أمام ميليشيات أجنبية ومحلّية، واعتمد على تشكيلات مسلّحة موازية للجيش. بعض الداعمين والصانعين للميليشيا أصبحوا نوّاباً في برلمان الأسد، وأصحاب عمل سياسي داخل السلطة، حتى صارت الميليشيا جزءاً من طريقة الدولة نفسها في الدفاع عن بقائها وإدارة عمليّاتها الاقتصادية. لذلك لا يمكن وضع الدولة في جهة والميليشيا في جهة أخرى، كأن الأولى تمثّل القانون والثانية تمثّل انهيار القانون وفكرة الدولة. النظام نفسه عمّم ونظّم منطق الميليشيا بشكل كلي قبل أن تصل الميليشيات المعارضة إلى الحكم.
الحالة كلها ليست غريبة. فالعالم في نهاية القرن العشرين لم يكن يتجه بالضرورة نحو دول ومجتمعات مستقرة، وما بدا ثورياً في حالات كثيرة كان في حقيقته حالة من التفكك الاجتماعي الناتج عن انهيار التنظيم السياسي. وحتى احتكار الدولة للسلاح لم يعد مضموناً، بعدما صار العنف في متناول تنظيمات لا تنتمي إلى الحكومات. يصف هذا التحول التاريخي واقعاً تصبح فيه الحدود بين الدولة والجماعة المسلحة أقل وضوحاً، ويغدو انهيار الدولة قابلاً لأن ينتج فاعلين مسلحين، بدل أن ينتج سياسة وحوكمة وإدارة وأناساً تقنوقراطيين في الحكم.
حين اندلعت الحرب، لم يكن أمام الشبّان أحزاب وهيئات كلاسيكية وطنية كبيرة، أو نقابات مستقلّة، أو مؤسّسات قادرة على الحماية وتمثيل غضبهم ومطالبهم. كانت التنظيمات المسلّحة الجهادية وغيرها هي الأجسام الأكثر حضوراً، بالتأكيد لم يكن الانضمام إليها حتمياً، لكنّه لم يكن أيضاً اختياراً حرّاً بين بدائل متساوية وفي مجتمع مفتوح، الأمر ذاته مع ميليشيات النظام، كالدفاع الوطني، الذي فتح أبوابه للمتطوّعين والمتعاقدين الذين ارتكب كثيرون منهم جرائم حرب موثّقة.
الحرب الأهلية أو الطائفية ذاتها لا تكسب عناصرها من الأفكار المجرّدة، أخلاقية كانت أو أيديولوجية، إنما تكسبهم كأبناء وإخوة وأصدقاء وأصحاب مطالب مشتركة. يدخل الشابّ إلى الفصيل لأن أباه اعتُقل، أو لأن أخاه قُتل، أو لأن قريته تتعرّض للقصف، أو لأنه يريد حماية أشخاص يعرفهم. وقد يدخل لأن التنظيم المسلّح صار المكان الوحيد الذي يمنحه شعوراً بأنه يستطيع الردّ، بعد أن كان الفرد أمام النظام عاجزاً عن حماية نفسه. ثم يتحوّل هذا الموقع الإنساني تدريجياً إلى موقع تنظيمي، أي يتمّ احتواؤه، ويتعلّم الشخص لغة جماعة ما وقواعدها، وقد يشارك داخلها في أفعال لم يكن يتخيّلها في بداية مساره.
هذا لا يجعل جرائم الميليشيات مشروعة، ولا يلغي مسؤولية الأفراد عمّا فعلوه، لكنّه يغيّر السؤال بشكل كلي. فلا يعود السؤال: كيف أصبح شخص عضواً في تنظيم يُوصف بأنه إرهابي؟ إنما: كيف تحوّل ناشط أو ابن عائلة أو شابّ من قرية سورية إلى عنصر داخل جماعة مسلّحة، وما الذي فعله تحديداً بعد دخوله إليها؟ هناك فرق بين فهم المسار وتعقيداته، والتبرئة من نتائج المسار برمّته.
لا تكفي سيرة محمّد قناطري السابقة في “جبهة النصرة” لإثبات مشاركته في خطف الصحافية، كما لا يكفي ظهوره في الفيديو لإعادة كتابة حياته كلها باعتبارها تاريخاً متّصلاً من الإرهاب. يجب التحقيق في علاقته بالحادثة، ومعرفة ما إذا كان قد شارك في قرار الخطف أو تنفيذه أو الاحتجاز، وما مقدار معرفته وسلطته في ذلك الوقت. لكنّ الحكم على الفعل شيء، وتحويل اسم التنظيم إلى تعريف نهائي للإنسان شيء آخر.
الحملة التي تصفه بـ”الإرهابي” بصورة مطلقة تقوم على افتراض أن الميليشيا عالم منفصل عن المجتمع، وأن عناصرها أشخاص خرجوا من خارج التاريخ السوري. لكنّ الميليشيات السورية مؤلّفة من أبناء المجتمع نفسه، ومن روابطه العائلية ومخاوفه وخساراته. وحين وصلت واحدة منها إلى السلطة، لم تصل جماعة مجهولة إلى بلد لا يعرفها، إنما وصل جزء من المجتمع كان قد تشكّل داخل الحرب ومع نظام إبادة مديد الأثر والفعل، ثم أصبح على رأس الدولة وأدواتها ومؤسّساتها.
المشكلة السياسية لا تكمن في أن أعضاء الميليشيات غرباء عن سوريا، إنما في أنهم انتقلوا من تنظيم مسلّح إلى سلطة عامّة من دون وجود عمليّة واضحة تفصل بين الموقعين. لم يُشرح للسوريين كيف جرت مراجعة الماضي، ولا كيف تحوّلت الولاءات التنظيمية الجهادية الخلاصية إلى وظائف في الدولة. هذا سؤال مشروع يختلف عن الإدانة العدمية للأفراد والسخرية منهم.
قناطري ليس تكراراً لماضيه
تتعامل الحملة على محمّد قناطري مع ماضيه كأنه حقيقة وماهية ثابتة يمكن نقلهما كاملتين إلى الحاضر. كان عضواً في “جبهة النصرة”، إذاً هو الآن الشخص نفسه بالمعنى السياسي والأخلاقي الكامل. ظهر في فيديو قديم بوصفه مقاتلاً ملثّماً، إذاً يجب أن يُقرأ ظهوره الحالي في السفارة السورية باعتباره استمراراً مطابقاً لذلك المقاتل. يفقد الزمن مكانه وقيمته في التحوّل والتغيير، ويصبح مجرّد مسافة فارغة بين ظهورين وصورتين للشخص نفسه.
لكنّ التكرار ليس إعادة ولا يعني تطابقاً. لا تعود الواقعة القديمة كما كانت، لأن عودتها تقع ضمن شروط واقع جديد وتنتج دلالات جديدة. محمّد قناطري الذي يظهر اليوم ممثّلاً للدولة ليس نسخة من محمّد قناطري الموجود في ريف حلب سنة 2016، كما أنه ليس شخصاً منفصلاً عنه بالكامل. هناك استمرارية دون شكّ، لكنّها تحمل اختلافات أحدثها الزمن والعمل والعلاقات وتغيّر التنظيم نفسه، وانتقال قناطري من النشاط السلمي إلى السلاح، ومن التنظيم المسلّح إلى الإدارة الإعلامية والسياسية، ثم إلى العمل الدبلوماسي.
المشكلة في وصفه بالإرهابي بصورة مطلقة هي في أن الوصف يضع الهويّة قبل أيّ اختلاف ممكن. نبدأ من كلمة جاهزة، ثم نعيد ترتيب حياته كلها كي تتطابق معها. يصبح نشاطه السلمي تمهيداً للإرهاب، ووجوده في الفصيل حقيقته النهائية، وعمله السياسي اللاحق مجرّد قناع. كل اختلاف يظهر في مساره يُعاد إخضاعه إلى الهويّة الأصلية التي قرّرنا أنها تفسّر الشخص كله.
ولا يعني الاختلاف أن الإنسان يستطيع التخلّص من ماضيه بمجرّد تغيير موقعه. محمّد قناطري الحالي يحمل آثار المقاتل السابق، كما يحمل الناشط السلمي الذي سبقه، ويحمل علاقته بالتنظيم وظروف ارتباطه به والسلطة التي انتقل إليها. الاختلاف وتغيّر الموقع لا يمحوان ما سبق، إنما يمنعان الماضي من أن يكون الشيء الوحيد الموجود فيه.
يمكن هنا التفريق بين تكرارين. التكرار الأوّل هو الذي تمارسه الحملة على قناطري، حين تعيد كلمة «إرهابي» في كل مرحلة من حياته، وتفترض أن الكلمة تحتفظ بالمعنى نفسه مهما تغيّر الزمن. أما التكرار الثاني فهو عودة الماضي أثراً وسؤالاً داخل الوظيفة الجديدة، لا عودته نسخة مطابقة عن نفسه.
إقرأوا أيضاً:
يجب ألا نسأل فقط: من كان محمّد قناطري؟ علينا أن نسأل أيضاً: ماذا صار؟ وكيف وقع هذا الانتقال؟ يمكن تعميم السؤال نفسه على شبّان سوريين من مختلف المنابع والطوائف تركوا الجامعة والتحقوا بالميليشيات المتنوعة لحماية أنفسهم وذويهم وعائلاتهم كلّ حسب وجهة نظره!،. ويبقى السؤال: ما الذي تغيّر في أفكاره وممارسته وعلاقته بالعنف؟ هل راجع ماضيه، أم نقل البنية التنظيمية القديمة إلى الدولة؟ هل أصبح فعلاً شخصاً سياسياً مختلفاً، أم تغيّرت الوظيفة وبقي منطق الميليشيا نفسه؟ وهل يستحقّ وظيفته بناءً على خبراته؟ وهل لا توجد طريقة أخرى لتعويض المقاتلين غير منحهم وظائف شديدة المدنية والحساسية؟
وينطبق الأمر نفسه على اتّهام الصحافية. لا يمكن تبرئة قناطري لأن شخصيّته الحالية تبدو مختلفة، كما لا يمكن إثبات مشاركته في الخطف لأننا عرفنا انتماءه التنظيمي. يجب تحديد الفعل نفسه: ماذا فعل خلال الاحتجاز؟ ماذا كان يعرف؟ هل ساعد في تحديد مكان الصحافية أو نقلها أو حراستها؟ وما مقدار سلطته داخل المجموعة؟ المسؤولية تتّصل بهذه الأفعال، لا بجوهر مفترض اسمه الإرهابي.
الحديث عن قناطري من هذا الموقع ليس دفاعاً عن الخطف ولا عن “جبهة النصرة”. إنه دفاع عن حقّ الإنسان في ألا يُعرّف بتطابق أبدي مع مرحلة واحدة من حياته، وهو في الوقت نفسه مطالبة بأكثر من تغيير الاسم والموقع. إذا كان قناطري مختلفاً اليوم، فيجب أن يظهر هذا الاختلاف في علاقته بالضحايا، وفي موقفه من الخطف والعنف والسلطة الدينية، وفي استعداده لشرح ماضيه وتحمّل مسؤوليته عن أفعال ارتكبها.
الحكم الأخلاقي السهل لا يصل إلينا نقيّاً ومنفصلاً عن الصراع السوري. خلفه تاريخ من القوّة والهزيمة والخوف والرغبة في التطهّر من ماضٍ لا يريد السوريون الاعتراف بأنه يخصّهم ويمسّهم جميعاً بدرجات مختلفة. عندما يصف سوري قناطري بأنه إرهابي مطلق، قد يكون كلامه إدانة لفعل حقيقي أو مطالبة مشروعة بالمساءلة، لكنّه قد يؤدّي أيضاً وظيفة أخرى، هي إبعاد الميليشيا عنه ووضعها كاملة في جسد شخص آخر، وكأن سوريا غريبة عن هذا التاريخ.
يصبح قناطري هو الميليشيوي فقط، كي يستطيع الناقد أن يظهر في صورة المواطن المدني الذي كان دائماً خارج عالم الميليشيات وصداها. ويصبح قناطري ابن الحرب وحده، بينما يتصرّف الآخر كأنه خرج منها بهويّة سياسية وقانونية مكتملة وشديدة النقاء. لكنّ الحرب السورية لم تترك مواطناً نقيّاً في جهة وميليشيوياً صافياً في جهة مقابلة. تركت مجتمعاً صارت فيه العائلة والطائفة والمنطقة والجماعات الجهادية وسائل للحماية والتمثيل والخلاص، بعدما فقدت الدولة، بفعل تنظيمها الإبادي، قدرتها على أن تكون وسيطاً عامّاً بين السوريين.
لا يعني ذلك أن كل السوريين حملوا السلاح، أو أنهم متساوون في المسؤولية، أو أن من بقي مدنياً يشبه من شارك في الخطف والقتل. المقصود أن الميليشيا لم تكن حادثاً غريباً يمكن عزله أخلاقياً عن بنية الدولة والمجتمع. كانت واحداً من الأشكال التي اتّخذها الصراع بعد تجريف السياسة. لذلك لا يمكن التعامل مع عناصرها كنوع بشري مختلف، والاستغراب من وصولهم إلى السلطة، وكأنهم ظهروا فجأة من خارج سوريا وحملوا الإرهاب في طبيعتهم قبل أن يدخلوا الحرب.
ومن خلال تسمية «الإرهابي» يمكن تجنّب السؤال الأصعب عن الطريقة التي صار بها الشابّ مقاتلاً. لماذا وصلت التنظيمات المسلّحة إلى القدرة على استيعاب الشبّان؟ وكيف استوعبت ثقافة الحياة وحوّلتها إلى ثقافة موت؟ لماذا منحتهم الفصائل مكاناً وشعوراً بالقوّة ودوراً في العالم، بينما لم تكن هناك مؤسّسات سياسية قادرة على تمثيل خوفهم وغضبهم؟ وكيف انتقل الصراع من مطالب سياسية إلى عالم يكتسب عناصره كأبناء وإخوة وأصدقاء يريدون حماية بعضهم أو الثأر لبعضهم أو تبنّي قيماً كبرى للجهاد؟
تختصر السخرية من قناطري هذه الأسئلة في صورة سهلة: رجل ملثّم إرهابي صار دبلوماسياً. لكنّها تهرب من الأسئلة الأكثر صدقية: كيف جرى الانتقال؟ ومن سمح به؟ وهل تغيّر قناطري فعلاً؟ وهل انفصلت الدولة نفسها عن منطق التنظيم؟ يكفي في السخرية أن يبدو المشهد مضحكاً أو فاضحاً، حتى لا نضطرّ إلى التفكير في البنى التي نقلت الميليشيا ورجالها وعلاقاتها إلى قيادة الدولة.
تنتج الحملة براءة أخلاقية للنقاد من خلال عدو واضح وتقليدي. يحتاج بعض المنتقدين إلى قناطري الشرير كي يظهروا هم في موقع المدنيين الجيدين. لا تُبنى هذه المدنية من المشاركة السياسية أو الدفاع عن القانون أو إنشاء المؤسّسات، إنما من نفي الآخر وإخراجه من الإنسانية السياسية والتاريخية. يصبح هو الإرهابي لأنهم يحتاجون إلى شخص يحمل عنهم تاريخ السلاح والانهيار. ويُعاد هنا سؤال تقليدي: هل من حمل السلاح سابقاً وحالياً في ظل ميليشيات محليّة إرهابيون؟ وهل من حمل السلاح دفاعاً عن نفسه في وجه الحملات الإبادية مُدان ؟
لا يعني نقد هذه الحملة قلب الحكم وتقديم قناطري بوصفه إنساناً صالحاً أو ضحيّة كاملة، أو تبرئته من فعل ما. سيكون ذلك استبدالاً لقيمة مغلقة بقيمة مغلقة أخرى. المطلوب منع الحكم من إخفاء تاريخه. يمكن مساءلة قناطري عن علاقته بخطف الصحافية، وعن موقعه داخل “جبهة النصرة”، وعن أهليته لتمثيل سوريا، لكن المساءلة تبدأ من الفعل والدليل، لا من إنتاج جواهر شريرة داخل سياق حرب أهلية طويلة، وجعلها تفسر كل شيء.
قناطري ليس خارج تاريخ الميليشيا السورية، لكنّه ليس ممثّلها الوحيد. تظهره الحملة كأن الماضي المسلّح اقتحم الحاضر المدني، مع أن الحاضر نفسه ما زال بلا مواطنة مكتملة، وبلا وسائط سياسية، وبلا مؤسّسات قادرة على تحويل الماضي إلى سرد منظّم وممكن، السؤال الأساسي يتعلّق بمنشأ الأحكام التي نصدرها، ومتى نحدّد مسؤولية الدولة والمجتمع عن صناعة السياق الذي نرى فيه الإرهاب؟
القضيّة ليست أن قناطري بريء لأن سوريا كانت حرباً أهلية وميليشيوية. القضيّة أن وصفه بالإرهابي بصورة عدمية يحجب أن الميليشيا لم تكن نقيضاً خارجياً للدولة السورية. إن وصول محمّد قناطري إلى موقع دبلوماسي لا يمحو ماضيه، لكنّه يفرض معرفة هذا الماضي بصورة أكثر دقّة. والمساءلة لا تعني أن يبقى كل من حمل السلاح محبوساً إلى الأبد داخل اسم التنظيم الذي انتمى إليه. تعني أن يشرح انتقاله، وأن يُسأل عن الأفعال المحدّدة التي يُتّهم بها، وأن يُمنح الضحايا حقّ الكلام، من دون أن تتحوّل العدالة إلى هويّة عقابية جديدة، ومن دون أن يقوم الفهم السوري لكل شيء على صنمية فكرية جامدة لا تقدّم أيّ فهم أو سياق.
إقرأوا أيضاً:











