تدخل العلاقة بين الرئيس التونسي قيس سعيّد والاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر مركزية نقابية في البلاد، فصلاً جديداً من التوتر. فبعد حرب كلامية استمرت لسنوات منذ تفرد سعيّد بكل السلطات، يتجه الطرفان نحو مواجهة مباشرة، يشهر فيها كلٌّ منهما أوراق الضغط الممكنة: يستغل الرئيس إمساكه بالسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية للضغط على الاتحاد، بينما يوظف الأخير قدرته على تحريك الشارع باعتباره قوة اجتماعية وازنة لا تفقد تأثيرها مهما عصفت بها الأزمات، فيبعث برسائل قوية إلى السلطة.
حين أعلن سعيّد إجراءات 25 تموز/ يوليو 2021، التي جمد بمقتضاها البرلمان وأقال الحكومة وحلّ غالبية الهيئات الدستورية، معلناً نظاماً رئاسياً بصلاحيات مفتوحة، وقف الاتحاد إلى جانبه في البداية، معتقداً أنه سيُصحّح المشهد السياسي المتردي عبر سياسة تشاركية مع المنظمات الكبرى وبعض الأحزاب المستبعدة من الحكم خلال العقد الذي تلا الثورة. لكن سرعان ما خاب ظنّ الاتحاد، إذ رفض سعيّد أي حوار حتى مع الاتحاد نفسه، على الرغم من محاولاته تقديم تصورات للحل السياسي وتشديده على أهمية الحوار بين مختلف مكونات المشهد السياسي والمدني.
تدريجياً، همّش الرئيس دور الاتحاد، وتجاهل فاعليته كطرف أساسي في الساحة التونسية. وإزاء ذلك، أدركت قياداته ألا شراكة ممكنة مع هذا النظام، وأنّ الرئيس يمضي بثبات نحو التفرد بالحكم وإقصاء كل المنظمات والأحزاب. فحاول الاتحاد التصدي عبر مواقف رافضة لاستفتاء الدستور والانتخابات التشريعية وسجن المنافسين السياسيين، وشارك في احتجاجات ضد سياسات سعيّد. لكن الأخير واصل تحييده، ليتصاعد التوتر بين الجانبين إلى ذروته في الأسابيع الماضية.
في 7 آب/ أغسطس، تظاهر عدد من أنصار سعيّد أمام مقر الاتحاد مطالبين بحلّه ومساءلة قياداته بتهم فساد ورشوة، وذلك عقب تصريحات للرئيس أعرب فيها عن غضبه من إضراب في قطاع النقل دام ثلاثة أيام وأدى إلى أزمة خانقة. أثارت هذه التحركات غضب قيادة الاتحاد، التي اعتبرتها «جريمة نكراء»، وتوعّدت بالتصدي لمحاولات استهداف المنظمة.
من جهته، قلّل سعيّد من خطورة ما حدث في بيان على صفحة الرئاسة، مؤكداً أنّ «المحتجين لم يكن في نيتهم لا الاقتحام ولا الاعتداء»، وأن قوات الأمن حمت المقر. لكنه شدد على أنّ «هناك ملفات يجب أن تفتح لأن الشعب يطالب بالمحاسبة»، في إشارة غير مباشرة إلى شبهات فساد تطاول قيادات الاتحاد، وهي تصريحات كرّرها في الأشهر الأخيرة.
بعد أربعة أيام، وتحديداً في 11 آب/ أغسطس، أصدرت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني، بإيعاز من سعيّد، سلسلة قرارات أبرزها منع التفرغ النقابي، وإلزام النقابيين المتفرغين بالعودة إلى وظائفهم الأصلية تحت طائلة المساءلة، إضافة إلى وقف الاقتطاع الآلي لاشتراكات الاتحاد من أجور العاملين. قرارات اعتبرها الاتحاد استهدافاً مباشراً له، وردّ عليها بتنظيم مسيرة حاشدة في 21 آب/ أغسطس شارك فيها الآلاف، في رسالة واضحة إلى السلطة مفادها أن الاتحاد ما زال قادراً على تحريك الشارع متى شاء، وأنه مستعد للذهاب نحو التصعيد، حتى الإضراب العام، إذا استمرت محاولات تهميشه.
يقدَّر عدد المنتسبين إلى الاتحاد بين 600 ألف ومليون فرد، ما يجعله القوة المنظمة الأولى في البلاد، والعنصر الأبرز في الاستقرار الداخلي، بفضل موارده المالية والتنظيمية وقدرته الكبيرة على تحريك الشارع.
إقرأوا أيضاً:
السيناريوهات…
في ظل حالة التأهب والتوتر المتصاعد بين الطرفين، يبدو المشهد متجهاً نحو مواجهة كبرى، لكن ثمة عوامل تدفع كلاً من سعيّد والاتحاد إلى خيار التهدئة والتسوية، لأن المواجهة المفتوحة لن تكون في مصلحة أي طرف، حتى وإن كان الرئيس يمتلك أوراق ضغط أكبر.
يدرك سعيّد أنّ الاقتصاد التونسي المنهك لا يحتمل إضراباً عاماً يقوده الاتحاد، وقد يضطر لتخفيف حدّة خطابه لتفادي شلّ القطاعات الحيوية. لكنه في المقابل قد يلجأ إلى تأليب الرأي العام ضد الاتحاد عبر تصويره كمعطّل لمصالح الدولة وضارب للاقتصاد، مستفيداً من شريحة واسعة تعتبر الاتحاد شريكاً في الأزمة بسبب كثرة الإضرابات. غير أنّ الرئيس لن يجازف بخوض مواجهة شعبية مباشرة مع الاتحاد، بعدما تبيّن له مراراً أنّه عاجز عن حشد أكثر من عشرات في مسيرات مؤيدة، في حين يستطيع الاتحاد تعبئة الآلاف في وقت قصير.
أما الاتحاد، فهو الآخر لا يرغب في التصعيد لاعتبارات عدّة. أولها، أنّ الأزمة الراهنة تتزامن مع أزمة داخلية حادّة منذ المؤتمر الاستثنائي في 2021، حين تم تعديل النظام الداخلي بما يسمح للأمين العام نور الدين الطبوبي بولاية ثالثة، ما أثار انقسامات عميقة وانشقاقات ما زالت تؤثر في تماسك المنظمة. هذا الضعف الداخلي يجعل الدخول في مواجهة مباشرة مع السلطة مغامرة محفوفة بالمخاطر.
ثانيها، أنّ سعيّد يلوّح باستمرار باللجوء إلى القضاء لملاحقة قيادات الاتحاد بتهم فساد، وهي ورقة يملك القدرة على تفعيلها في ظل سيطرته على الجهاز القضائي. وسواء كانت التهم حقيقية أو مفبركة، فإن سجن قيادات الاتحاد لن يلقى تعاطفاً شعبياً واسعاً، بخاصة مع الانتقادات المتزايدة للمنظمة باعتبارها منخرطة في السياسة ومعطّلة للاقتصاد.
لذلك، من المرجح أن تقتصر تحركات الاتحاد على أشكال الاحتجاج التقليدية، مثل المسيرات والمطالبة بالاستقلالية النقابية وتحسين الأجور، من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. كما أنّ بعض الأجنحة داخل الاتحاد القريبة من السلطة قد تدفع باتجاه التهدئة.
في المحصّلة، يبدو أن التوتر بين قيس سعيّد واتحاد الشغل سيستمر، لكن من دون تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تجرّ البلد إلى مواجهة كارثية لا يربح فيها أي طرف.














