ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كاظم الساهر إذ يدرّبنا على الاعتذار

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لقد وجد كثير من العراقيين في حديث الساهر قصّة تشبه قصصهم. قصّة إنسان دفع أثماناً باهظة من أجل تحقيق حلمه، ثم عاد ليتأمّل ما كسبه وما خسره. وجدوا فيه صورة الابن الذي يندم على تقصيره مع والديه، والأخ الذي يلاحقه فقد أحبّته، والمغترب الذي يحمل وطنه معه أينما ذهب، والإنسان الذي يبحث عن السلام الداخلي بعد سنوات طويلة من الركض.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في بعض اللحظات النادرة، لا يعود الفنّان مجرّد مطرب يملأ الفراغ بالموسيقى، ولكن يتحوّل إلى جزء من السيرة الشخصية لجمهوره، وإلى شاهد صامت على أعمار كاملة مضت بين الفرح والحزن، بين الحلم والانكسار. 

هكذا يظهر كاظم الساهر بالنسبة إلى أجيال من العراقيين والعرب، ليس مجرّد صاحب أغنيات شهيرة، بل ذاكرة حيّة تسكن البيوت والطرقات والسيّارات والمقاهي، وترافق الناس في محطّات الحبّ والفقد والانتظار.

حين نستمع إلى كاظم الساهر، لا نستمع إلى أغنية فقط، إنما إلى سنوات طويلة من حياتنا. نستعيد وجوه الذين غابوا، وأماكن لم تعد كما كانت، وأحلاماً حملناها ثم تركناها على قارعة الزمن. 

يذكّرنا بأنفسنا القديمة، بأخطائنا التي لم نستطع إصلاحها، وبالفرص التي مرّت دون أن نلتقطها. يذكّرنا بالحروب التي أكلت أعمارنا، نحن العراقيين، وبالغربة التي فرّقت العائلات، وبالفقد الذي صار جزءاً من الذاكرة الجماعية. ومع ذلك، يبقى في صوته شيء يشبه العزاء، وكأن تلك الآلام لم تكن عبثاً، بل أسهمت في تشكيلنا وصناعة شخصيّاتنا.

في ظهوره الأخير ضمن برنامج “ABtalks” مع الإعلامي الإماراتي أنس بوخش، لم يتحدّث كاظم الساهر بوصفه نجماً عربياً كبيراً أو فنّاناً حقّق شهرة استثنائية، لكن ظهر بصورة الإنسان الذي يحمل أثقال عمر طويل من التجارب والخسارات. بدا الحديث أقرب إلى مراجعة شخصية هادئة لمسيرة امتدّت عقوداً، وإلى تأمّلات في الحبّ والعائلة والنجاح والوحدة.

كشف الساهر خلال اللقاء عن قرار اتّخذه بعدم الزواج مجدّداً، مؤكّداً أن ذلك لا ينطلق من رفض لفكرة الزواج أو انتقاص من قيمته الإنسانية والاجتماعية، بل من قناعة شخصية تتعلّق بطريقة الحياة التي اختارها لنفسه في هذه المرحلة، وأوضح أن الاستقرار الذي يبحث عنه اليوم يرتبط بالهدوء والتركيز على مشروعه الفنّي أكثر من ارتباطه بأيّ شكل من أشكال الارتباط الرسمي.

لكن أكثر ما لفت الانتباه في حديثه لم يكن موقفه من الزواج، إنما اعترافاته المتعلّقة بالفقد والندم. فقد تحدّث بصراحة عن خسارة والديه واثنين من أشقائه وشقيقته وحبّه الأوّل وزوجته السابقة، وعن شعوره المستمرّ بالذنب بسبب انشغاله بالفنّ على حساب قضاء وقت أطول مع عائلته، وهي مشاعر لا تخصّه وحده، على العكس تمثّل تجربة إنسانية مشتركة يعيشها كثيرون حين يكتشفون متأخّرين أن النجاح المهني لا يستطيع دائماً تعويض الوقت الذي ضاع مع الأحبّة.

ولعلّ ما يستحقّ التوقّف عنده في حديث الساهر ليس شهرته ولا نجاحاته الفنّية، بل شجاعته في الاعتراف بالتقصير. ففي مجتمعات اعتادت أن تُقدّم الرجل بوصفه معصوماً من الخطأ أو متعالياً على الاعتذار، بدا الساهر وهو يراجع نفسه أمام الملايين نموذجاً مختلفاً للرجولة، رجولة لا تخجل من الاعتراف بما فات، ولا ترى في الاعتذار انتقاصاً من المكانة أو الهيبة.

الثقافة التي نحتاجها اليوم ليست ثقافة الإنجاز وحده، إنما ثقافة المراجعة والاعتراف. ثقافة أن يعترف الرجل بتقصيره تجاه أمّه التي استهلكت سنوات عمرها في منحه الحياة والطمأنينة، وأن يعترف بتقصيره تجاه المرأة في حياته، سواء كانت زوجة أو حبيبة أو أختاً أو ابنة، وأن ينظر إلى أحلامها وطموحاتها بوصفها حقوقاً إنسانية كاملة لا تفاصيل هامشية يمكن تأجيلها أو تجاهلها.

لقد علّمنا كاظم الساهر، من حيث أراد أو لم يرد، أن النضج الحقيقي يبدأ حين يملك الإنسان شجاعة مواجهة نفسه، فليس المهمّ أن ننجح فقط، بل أن نسأل أنفسنا عمّن دفع ثمن هذا النجاح معنا، وليس المهمّ أن نحبّ فقط، لكن أن نحترم من نحبّ، وأن نعترف بآلامه وخيباته، وأن نحاول تعويض ما أمكن تعويضه من تقصيرنا، فالأعمار تمضي سريعاً، وما يبقى في النهاية ليس عدد الإنجازات، بل مقدار الرحمة والوفاء والعدل الذي منحناه للآخرين وهم يشاركوننا رحلة الحياة.

ثمّة جانب في تجربة كاظم الساهر لا يقلّ حضوراً عن صوته وأغنياته، يتمثّل في تلك اللهفة الدائمة على العمل وكأنه ما يزال في بدايات الطريق. فعلى الرغم من مسيرة فنّية ممتدّة لعقود، وما حقّقه من حضور عربي واسع، وما تراكم حوله من جمهور ونجاحات، ما يلفت في شخصيّته هو تلك الروح التي تتعامل مع كل عمل جديد بوصفه تجربة أولى، لا امتداداً لمسار مكتمل ومضمون.

كأن كاظم الساهر، في كل مرّة يقف فيها أمام مشروع فنّي، يعود إلى لحظة البداية ذاتها، لحظة القلق الجميل، والبحث عن الكمال الفنّي، والرغبة في إثبات الذات مجدّداً، لا أمام الآخرين فقط، لكن أمام نفسه أيضاً. هذه اللهفة ليست طارئة، بل تبدو جزءاً من تكوينه الداخلي، وكأن الزمن لم ينجح في تهدئة ذلك الشغف الأوّل الذي صاحب انطلاقته.

وفي مرحلة عمرية متقدّمة من مسيرته، يواصل العمل بالحماسة ذاتها التي ترافق الفنّان الشابّ في أوّل خطواته، وكأنه يسعى في كل مرّة إلى تأكيد حضوره وتجديد شرعيته الفنّية أمام جمهوره، لا من باب الخوف من التراجع، لكن من باب الوفاء لفكرة الفنّ نفسها.

إن هذا الإصرار على الدقّة والانضباط، وتلك الرغبة المستمرّة في الإتقان،  جعلت من كاظم نموذجاً لفنّان لا يتعامل مع الشهرة كحالة استقرار، غير أن الشهرة عنده مسؤولية دائمة تتطلّب جهداً متجدّداً. وهكذا، دون أن يرفع شعارات، قدّم درساً عملياً في معنى الالتزام، وفي أن النجاح الحقيقي ليس لحظة وصول، بل طريقة مستمرّة في السير.

ويرى الكاتب كرّار سالم في حديث كاظم الساهر ملامح إنسان يعيد مراجعة مساره بعد عقود من التجربة، بعيداً عن صورة النجم المتألّق، وأقرب إلى رجل يواجه ما تبقّى من العمر بنظرة تأمّل هادئة، إذ لا تُقاس الرحلة بما تحقّق من منجزات فقط، وإنما بما تراكم فيها من خسارات وتضحيات تركت أثرها العميق في الداخل.

الذاكرة، في تصوّر سالم ليست فضاءً ساكناً، إنما كيان يزداد رسوخاً مع تقدّم السنّ، يفرض على الإنسان إعادة ترتيب أولوياته، ويفتح أمامه أسئلة جديدة حول ما كان يعدّه حقائق نهائية لا تقبل المراجعة. ومن هذا التصوّر، يبدو حديث الساهر عن طفولته وبداياته المتواضعة ليس مجرّد استرجاع لصور ماضية، وإنما بحث عن السكينة الأولى التي سبقت تعقيدات التجربة وثقل الزمن.

ويتوقّف سالم عند مفهوم العزلة في تجربة الساهر، غير أنها لا تبدو انسحاباً أو انكفاءً، إنما خيار واعٍ نحو فضاء إنساني أكثر نقاءً، يقوم على دائرة محدودة من الأشخاص الصادقين الذين يضفون على الحياة معناها وسط ازدحامها. ومع مرور الوقت تتبلور هذه القناعة بوصفها حصيلة طبيعية لمسار طويل مع العلاقات، إذ تتراجع وفرة المعارف أمام قيمة الصدق، ويتقدّم القليل الذي يصمد أمام كثرة عابرة لا تترك أثراً.

أما الكاتب والصحافي مروان الجبوري فيقول إن جيل الثمانينيات كان الجيل الذي وجد في كاظم الساهر صورته الخاصّة، بخلاف الأجيال السابقة التي تشكّل وعيها الموسيقي على أصوات كبيرة سبقت ظهوره.

ويستعيد الجبوري كيف نظر كثير من كبار السنّ في بدايات كاظم الساهر إلى ذلك الشابّ المختلف في مظهره وأسلوبه بشيء من الحذر، خشية تأثيره على أبنائهم. لكن الزمن أثبت، أنه لم يكن نموذجاً للتمرد السلبي أو الاستعراض الفارغ، بل نموذج لفنّان صنع مكانته بالاجتهاد والانضباط واحترام جمهوره.

كما يلفت إلى واحدة من أبرز السمات التي طبعت شخصيّة الساهر العامّة، وهي ابتعاده عن الخصومات الإعلامية وصراعات الوسط الفنّي. فعلى الرغم من مكانته الكبيرة، حافظ على مسافة واضحة بينه وبين الجدل اليومي الذي يستهلك كثيراً من المشاهير، وفضّل أن يتحدّث عبر أعماله أكثر من دخوله في معارك الكلام.

ويشرح الجبوري أن تجربة الفقر التي عاشها الساهر في بداياته لم تدفعه إلى اللهاث خلف المال أو الشهرة بأيّ ثمن، بل جعلته أكثر حرصاً على صورته الفنّية وعلى احترام نفسه وجمهوره، ولهذا بقي، في نظره، أحد أكثر الوجوه نصاعة في تاريخ الفنّ العراقي المعاصر.

أهمّية حديث كاظم الساهر لا تكمن في المعلومات التي كشفها فقط، بل في الطريقة التي استقبلها بها الجمهور. فالكثير من الفنّانين يتحدّثون عن حياتهم الشخصية، لكن قلّة منهم ينجحون في تحويل تجاربهم الفردية إلى مرآة يرى الناس فيها أنفسهم.

لقد وجد كثير من العراقيين في حديث الساهر قصّة تشبه قصصهم. قصّة إنسان دفع أثماناً باهظة من أجل تحقيق حلمه، ثم عاد ليتأمّل ما كسبه وما خسره. وجدوا فيه صورة الابن الذي يندم على تقصيره مع والديه، والأخ الذي يلاحقه فقد أحبّته، والمغترب الذي يحمل وطنه معه أينما ذهب، والإنسان الذي يبحث عن السلام الداخلي بعد سنوات طويلة من الركض.

ربما لهذا السبب ظلّ كاظم الساهر حالة مختلفة في الوجدان العراقي والعربي. فنجاحه لم يكن قائماً على الأغنية وحدها، لكن على قدرة نادرة في التعبير عن المشاعر الإنسانية الكبرى: الحبّ، والحنين، والفقد، والندم، والأمل. وهي مشاعر لا يحدّها زمن ولا جغرافيا.

وبينما يواصل “القيصر” رحلته الفنية، يبدو أن ما يبقى منه في ذاكرة الناس ليس فقط الألحان والكلمات، إنما الخيط الإنساني العميق الذي ربط صوته بحياتهم. فهناك فنّانون يحقّقون النجاح، وهناك فنّانون يصنعون الذكريات، أما كاظم الساهر فقد نجح في أن يصبح جزءاً من ذاكرة جيل كامل، وربما أكثر من جيل.

وفي حالة الاعترافات والتأمّلات والذكريات، يظلّ كاظم متمسّكاً بفكرة تبدو أقرب إلى الوصية الفنّية منها إلى مجرّد تصريح عابر، إذ يستبعد تماماً فكرة الاعتزال، وكأن العلاقة بينه وبين الغناء ليست مهنة يمكن التوقّف عنها، لكن قدر ومسار حياة لا ينفصل عن وجوده. فهو لا ينظر إلى الفنّ كمرحلة زمنية تُغلق عند حدّ معين، بل مرحلة مستمرّة تتجدّد ما دام في الصوت قدرة على العطاء، وما دام في الروح ما يمكن قوله للجمهور.

و يعبّر الساهر عن أمنية بسيطة في ظاهرها، عميقة في معناها، وهي أن يكون آخر صوت يرافقه في هذه الرحلة هو صوته، وأن يغادر خشبة المسرح كما دخلها أوّل مرّة، واقفاً أمام جمهوره، في لحظة امتزاج بين الفنّ والحياة، بين الوجود والوداع. إنها أمنية لا تحمل نزعة استعراضية، لكن تعكس ارتباطاً وجودياً بين الفنّان ومنصّته، وكأن المسرح بالنسبة إليه ليس مكاناً للعرض فقط، بل مساحة للمعنى الكامل لحياته.

وهنا يتجاوز حضور كاظم الساهر حدود التجربة الفنّية ليصبح درساً إنسانياً في الاستمرارية والوفاء للأحلام. فهو يعلّمنا أن الحلم الحقيقي لا يُغلق بمرور الزمن، ولا يتآكل أمام الشهرة أو التقدّم في العمر، إنما يبقى قابلاً للتجدّد ما دام الإنسان مؤمناً به. فإن إصراره على البقاء في قلب التجربة الفنّية يعلّمنا كيفية الثبات على أحلامنا، وكيف يمكن للإنسان أن يظلّ وفياً لما أحبّه حتى اللحظة الأخيرة من رحلته.

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
13.06.2026
زمن القراءة: 7 minutes

لقد وجد كثير من العراقيين في حديث الساهر قصّة تشبه قصصهم. قصّة إنسان دفع أثماناً باهظة من أجل تحقيق حلمه، ثم عاد ليتأمّل ما كسبه وما خسره. وجدوا فيه صورة الابن الذي يندم على تقصيره مع والديه، والأخ الذي يلاحقه فقد أحبّته، والمغترب الذي يحمل وطنه معه أينما ذهب، والإنسان الذي يبحث عن السلام الداخلي بعد سنوات طويلة من الركض.

في بعض اللحظات النادرة، لا يعود الفنّان مجرّد مطرب يملأ الفراغ بالموسيقى، ولكن يتحوّل إلى جزء من السيرة الشخصية لجمهوره، وإلى شاهد صامت على أعمار كاملة مضت بين الفرح والحزن، بين الحلم والانكسار. 

هكذا يظهر كاظم الساهر بالنسبة إلى أجيال من العراقيين والعرب، ليس مجرّد صاحب أغنيات شهيرة، بل ذاكرة حيّة تسكن البيوت والطرقات والسيّارات والمقاهي، وترافق الناس في محطّات الحبّ والفقد والانتظار.

حين نستمع إلى كاظم الساهر، لا نستمع إلى أغنية فقط، إنما إلى سنوات طويلة من حياتنا. نستعيد وجوه الذين غابوا، وأماكن لم تعد كما كانت، وأحلاماً حملناها ثم تركناها على قارعة الزمن. 

يذكّرنا بأنفسنا القديمة، بأخطائنا التي لم نستطع إصلاحها، وبالفرص التي مرّت دون أن نلتقطها. يذكّرنا بالحروب التي أكلت أعمارنا، نحن العراقيين، وبالغربة التي فرّقت العائلات، وبالفقد الذي صار جزءاً من الذاكرة الجماعية. ومع ذلك، يبقى في صوته شيء يشبه العزاء، وكأن تلك الآلام لم تكن عبثاً، بل أسهمت في تشكيلنا وصناعة شخصيّاتنا.

في ظهوره الأخير ضمن برنامج “ABtalks” مع الإعلامي الإماراتي أنس بوخش، لم يتحدّث كاظم الساهر بوصفه نجماً عربياً كبيراً أو فنّاناً حقّق شهرة استثنائية، لكن ظهر بصورة الإنسان الذي يحمل أثقال عمر طويل من التجارب والخسارات. بدا الحديث أقرب إلى مراجعة شخصية هادئة لمسيرة امتدّت عقوداً، وإلى تأمّلات في الحبّ والعائلة والنجاح والوحدة.

كشف الساهر خلال اللقاء عن قرار اتّخذه بعدم الزواج مجدّداً، مؤكّداً أن ذلك لا ينطلق من رفض لفكرة الزواج أو انتقاص من قيمته الإنسانية والاجتماعية، بل من قناعة شخصية تتعلّق بطريقة الحياة التي اختارها لنفسه في هذه المرحلة، وأوضح أن الاستقرار الذي يبحث عنه اليوم يرتبط بالهدوء والتركيز على مشروعه الفنّي أكثر من ارتباطه بأيّ شكل من أشكال الارتباط الرسمي.

لكن أكثر ما لفت الانتباه في حديثه لم يكن موقفه من الزواج، إنما اعترافاته المتعلّقة بالفقد والندم. فقد تحدّث بصراحة عن خسارة والديه واثنين من أشقائه وشقيقته وحبّه الأوّل وزوجته السابقة، وعن شعوره المستمرّ بالذنب بسبب انشغاله بالفنّ على حساب قضاء وقت أطول مع عائلته، وهي مشاعر لا تخصّه وحده، على العكس تمثّل تجربة إنسانية مشتركة يعيشها كثيرون حين يكتشفون متأخّرين أن النجاح المهني لا يستطيع دائماً تعويض الوقت الذي ضاع مع الأحبّة.

ولعلّ ما يستحقّ التوقّف عنده في حديث الساهر ليس شهرته ولا نجاحاته الفنّية، بل شجاعته في الاعتراف بالتقصير. ففي مجتمعات اعتادت أن تُقدّم الرجل بوصفه معصوماً من الخطأ أو متعالياً على الاعتذار، بدا الساهر وهو يراجع نفسه أمام الملايين نموذجاً مختلفاً للرجولة، رجولة لا تخجل من الاعتراف بما فات، ولا ترى في الاعتذار انتقاصاً من المكانة أو الهيبة.

الثقافة التي نحتاجها اليوم ليست ثقافة الإنجاز وحده، إنما ثقافة المراجعة والاعتراف. ثقافة أن يعترف الرجل بتقصيره تجاه أمّه التي استهلكت سنوات عمرها في منحه الحياة والطمأنينة، وأن يعترف بتقصيره تجاه المرأة في حياته، سواء كانت زوجة أو حبيبة أو أختاً أو ابنة، وأن ينظر إلى أحلامها وطموحاتها بوصفها حقوقاً إنسانية كاملة لا تفاصيل هامشية يمكن تأجيلها أو تجاهلها.

لقد علّمنا كاظم الساهر، من حيث أراد أو لم يرد، أن النضج الحقيقي يبدأ حين يملك الإنسان شجاعة مواجهة نفسه، فليس المهمّ أن ننجح فقط، بل أن نسأل أنفسنا عمّن دفع ثمن هذا النجاح معنا، وليس المهمّ أن نحبّ فقط، لكن أن نحترم من نحبّ، وأن نعترف بآلامه وخيباته، وأن نحاول تعويض ما أمكن تعويضه من تقصيرنا، فالأعمار تمضي سريعاً، وما يبقى في النهاية ليس عدد الإنجازات، بل مقدار الرحمة والوفاء والعدل الذي منحناه للآخرين وهم يشاركوننا رحلة الحياة.

ثمّة جانب في تجربة كاظم الساهر لا يقلّ حضوراً عن صوته وأغنياته، يتمثّل في تلك اللهفة الدائمة على العمل وكأنه ما يزال في بدايات الطريق. فعلى الرغم من مسيرة فنّية ممتدّة لعقود، وما حقّقه من حضور عربي واسع، وما تراكم حوله من جمهور ونجاحات، ما يلفت في شخصيّته هو تلك الروح التي تتعامل مع كل عمل جديد بوصفه تجربة أولى، لا امتداداً لمسار مكتمل ومضمون.

كأن كاظم الساهر، في كل مرّة يقف فيها أمام مشروع فنّي، يعود إلى لحظة البداية ذاتها، لحظة القلق الجميل، والبحث عن الكمال الفنّي، والرغبة في إثبات الذات مجدّداً، لا أمام الآخرين فقط، لكن أمام نفسه أيضاً. هذه اللهفة ليست طارئة، بل تبدو جزءاً من تكوينه الداخلي، وكأن الزمن لم ينجح في تهدئة ذلك الشغف الأوّل الذي صاحب انطلاقته.

وفي مرحلة عمرية متقدّمة من مسيرته، يواصل العمل بالحماسة ذاتها التي ترافق الفنّان الشابّ في أوّل خطواته، وكأنه يسعى في كل مرّة إلى تأكيد حضوره وتجديد شرعيته الفنّية أمام جمهوره، لا من باب الخوف من التراجع، لكن من باب الوفاء لفكرة الفنّ نفسها.

إن هذا الإصرار على الدقّة والانضباط، وتلك الرغبة المستمرّة في الإتقان،  جعلت من كاظم نموذجاً لفنّان لا يتعامل مع الشهرة كحالة استقرار، غير أن الشهرة عنده مسؤولية دائمة تتطلّب جهداً متجدّداً. وهكذا، دون أن يرفع شعارات، قدّم درساً عملياً في معنى الالتزام، وفي أن النجاح الحقيقي ليس لحظة وصول، بل طريقة مستمرّة في السير.

ويرى الكاتب كرّار سالم في حديث كاظم الساهر ملامح إنسان يعيد مراجعة مساره بعد عقود من التجربة، بعيداً عن صورة النجم المتألّق، وأقرب إلى رجل يواجه ما تبقّى من العمر بنظرة تأمّل هادئة، إذ لا تُقاس الرحلة بما تحقّق من منجزات فقط، وإنما بما تراكم فيها من خسارات وتضحيات تركت أثرها العميق في الداخل.

الذاكرة، في تصوّر سالم ليست فضاءً ساكناً، إنما كيان يزداد رسوخاً مع تقدّم السنّ، يفرض على الإنسان إعادة ترتيب أولوياته، ويفتح أمامه أسئلة جديدة حول ما كان يعدّه حقائق نهائية لا تقبل المراجعة. ومن هذا التصوّر، يبدو حديث الساهر عن طفولته وبداياته المتواضعة ليس مجرّد استرجاع لصور ماضية، وإنما بحث عن السكينة الأولى التي سبقت تعقيدات التجربة وثقل الزمن.

ويتوقّف سالم عند مفهوم العزلة في تجربة الساهر، غير أنها لا تبدو انسحاباً أو انكفاءً، إنما خيار واعٍ نحو فضاء إنساني أكثر نقاءً، يقوم على دائرة محدودة من الأشخاص الصادقين الذين يضفون على الحياة معناها وسط ازدحامها. ومع مرور الوقت تتبلور هذه القناعة بوصفها حصيلة طبيعية لمسار طويل مع العلاقات، إذ تتراجع وفرة المعارف أمام قيمة الصدق، ويتقدّم القليل الذي يصمد أمام كثرة عابرة لا تترك أثراً.

أما الكاتب والصحافي مروان الجبوري فيقول إن جيل الثمانينيات كان الجيل الذي وجد في كاظم الساهر صورته الخاصّة، بخلاف الأجيال السابقة التي تشكّل وعيها الموسيقي على أصوات كبيرة سبقت ظهوره.

ويستعيد الجبوري كيف نظر كثير من كبار السنّ في بدايات كاظم الساهر إلى ذلك الشابّ المختلف في مظهره وأسلوبه بشيء من الحذر، خشية تأثيره على أبنائهم. لكن الزمن أثبت، أنه لم يكن نموذجاً للتمرد السلبي أو الاستعراض الفارغ، بل نموذج لفنّان صنع مكانته بالاجتهاد والانضباط واحترام جمهوره.

كما يلفت إلى واحدة من أبرز السمات التي طبعت شخصيّة الساهر العامّة، وهي ابتعاده عن الخصومات الإعلامية وصراعات الوسط الفنّي. فعلى الرغم من مكانته الكبيرة، حافظ على مسافة واضحة بينه وبين الجدل اليومي الذي يستهلك كثيراً من المشاهير، وفضّل أن يتحدّث عبر أعماله أكثر من دخوله في معارك الكلام.

ويشرح الجبوري أن تجربة الفقر التي عاشها الساهر في بداياته لم تدفعه إلى اللهاث خلف المال أو الشهرة بأيّ ثمن، بل جعلته أكثر حرصاً على صورته الفنّية وعلى احترام نفسه وجمهوره، ولهذا بقي، في نظره، أحد أكثر الوجوه نصاعة في تاريخ الفنّ العراقي المعاصر.

أهمّية حديث كاظم الساهر لا تكمن في المعلومات التي كشفها فقط، بل في الطريقة التي استقبلها بها الجمهور. فالكثير من الفنّانين يتحدّثون عن حياتهم الشخصية، لكن قلّة منهم ينجحون في تحويل تجاربهم الفردية إلى مرآة يرى الناس فيها أنفسهم.

لقد وجد كثير من العراقيين في حديث الساهر قصّة تشبه قصصهم. قصّة إنسان دفع أثماناً باهظة من أجل تحقيق حلمه، ثم عاد ليتأمّل ما كسبه وما خسره. وجدوا فيه صورة الابن الذي يندم على تقصيره مع والديه، والأخ الذي يلاحقه فقد أحبّته، والمغترب الذي يحمل وطنه معه أينما ذهب، والإنسان الذي يبحث عن السلام الداخلي بعد سنوات طويلة من الركض.

ربما لهذا السبب ظلّ كاظم الساهر حالة مختلفة في الوجدان العراقي والعربي. فنجاحه لم يكن قائماً على الأغنية وحدها، لكن على قدرة نادرة في التعبير عن المشاعر الإنسانية الكبرى: الحبّ، والحنين، والفقد، والندم، والأمل. وهي مشاعر لا يحدّها زمن ولا جغرافيا.

وبينما يواصل “القيصر” رحلته الفنية، يبدو أن ما يبقى منه في ذاكرة الناس ليس فقط الألحان والكلمات، إنما الخيط الإنساني العميق الذي ربط صوته بحياتهم. فهناك فنّانون يحقّقون النجاح، وهناك فنّانون يصنعون الذكريات، أما كاظم الساهر فقد نجح في أن يصبح جزءاً من ذاكرة جيل كامل، وربما أكثر من جيل.

وفي حالة الاعترافات والتأمّلات والذكريات، يظلّ كاظم متمسّكاً بفكرة تبدو أقرب إلى الوصية الفنّية منها إلى مجرّد تصريح عابر، إذ يستبعد تماماً فكرة الاعتزال، وكأن العلاقة بينه وبين الغناء ليست مهنة يمكن التوقّف عنها، لكن قدر ومسار حياة لا ينفصل عن وجوده. فهو لا ينظر إلى الفنّ كمرحلة زمنية تُغلق عند حدّ معين، بل مرحلة مستمرّة تتجدّد ما دام في الصوت قدرة على العطاء، وما دام في الروح ما يمكن قوله للجمهور.

و يعبّر الساهر عن أمنية بسيطة في ظاهرها، عميقة في معناها، وهي أن يكون آخر صوت يرافقه في هذه الرحلة هو صوته، وأن يغادر خشبة المسرح كما دخلها أوّل مرّة، واقفاً أمام جمهوره، في لحظة امتزاج بين الفنّ والحياة، بين الوجود والوداع. إنها أمنية لا تحمل نزعة استعراضية، لكن تعكس ارتباطاً وجودياً بين الفنّان ومنصّته، وكأن المسرح بالنسبة إليه ليس مكاناً للعرض فقط، بل مساحة للمعنى الكامل لحياته.

وهنا يتجاوز حضور كاظم الساهر حدود التجربة الفنّية ليصبح درساً إنسانياً في الاستمرارية والوفاء للأحلام. فهو يعلّمنا أن الحلم الحقيقي لا يُغلق بمرور الزمن، ولا يتآكل أمام الشهرة أو التقدّم في العمر، إنما يبقى قابلاً للتجدّد ما دام الإنسان مؤمناً به. فإن إصراره على البقاء في قلب التجربة الفنّية يعلّمنا كيفية الثبات على أحلامنا، وكيف يمكن للإنسان أن يظلّ وفياً لما أحبّه حتى اللحظة الأخيرة من رحلته.

13.06.2026
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية