في الثقافة العربية السائدة، حظيت الأمّ دائماً بمرتبة شبه قدسية؛ فهي رمز العطاء غير المحدود، التضحية والصبر، والركن الأساسي لاستقرار الأسرة والمجتمع، لكنّ هذا التبجيل نفسه جعل الأمومة بمنأى عن أي تفكير نقدي أو مساءلة عميقة.
تتساءل الناقدة شيرين أبو النجا في مطلع كتابها “رحم العالم: أمومة عابرة للحدود” (2024) عمّا إذا كانت الأمومة تحتاج إلى كتاب كامل يتناولها. هذا السؤال للوهلة الأولى قد يبدو استنكارياً: أليس دور الأمّ معروفاً ومحدداً منذ الأزل في جميع الثقافات؟ غير أن أبو النجا تطرحه بصيغة استفهامية – تحريضية، كمن يريد كسر مسلّمات راسخة وفتح باب ظلّ موصداً. فهي تشير إلى أن التعامل المطمئن مع مفهوم الأمومة عبر التاريخ، حال دون تفكيكه أو إعادة تعريفه؛ حيث “لم تتردّد أي ثقافة في طرح تعريفات للأمومة تتّسم باليقين والثقة؛ ولم تتوانَ السلطات بأشكالها الأبوية المتعدّدة عن رسم الدور المثالي للأمّ وواجب الأبناء تجاهها”، وبذلك، وُضعت الأمومة ضمن إطار من الثوابت الأخلاقية والاجتماعية، التي نادراً ما يجري نقاشها خارج نطاق التمجيد.
تقول أبو النجا إن الثقافة العربية تحديداً “لم تسمح بتحويل الأمومة إلى سؤال بحثي مطلقاً، بل حرصت على تسييجها داخل إطار يختلط فيه الديني والمحرم والمقدّس والوطني ليبقى الأمر على ما هو عليه”.
بكلمات أخرى، جرى إحاطة مفهوم الأمومة بسياج أيديولوجي يجعل المساس به أو التساؤل حوله أمراً مستبعداً أو حتى مستهجناً، والمفارقة كما تشير الكاتبة، أنه برغم هذا التحصين، فإن حضور الأمّ متغلغل في كلّ مفاصل الثقافة: “لا يكاد يخلو كتاب من الإتيان على ذكر الأمّ، فهي شخصيّة رئيسة في السرد الروائي والأفلام والمسلسلات، وحاضرة بقوّة في السير الذاتية والتواريخ الشخصية، وهي ذات متعدّدة في أروقة المحاكم الجنائية ومحكمة الأسرة، وهي الأصل في قانون الأحوال الشخصية والإرث، وهي التي تربط العائلة بالمنزل، وهي المُحرِّض الأول على الختان، وهي الشخصيّة الأهمّ من العروس في حفل الزفاف، وهي التي تردّد الدعوات دائماً في صلاة الفجر لكلّ أبنائها”.
هذا الحضور الطاغي لم يصحبه تفكيك وتحليل؛ فالأمومة بقيت من المسلّمات التي لا تستفز العقل البحثي، ولا تدفع إلى السؤال أو التساؤل. هكذا أصبح خطاب الأمومة أشبه ما يكون بـ”القدر المقدّس” الذي يُمنع الاقتراب النقدي منه، مما أدّى إلى تكريس صور نمطية حول الأمّ ودورها عبر الأجيال.
وسط هذا الصمت البحثي الطويل، مثّل صدور كتاب الشاعرة المصرية إيمان مرسال “كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها”، نقطة تحوّل مهمّة سبقت “رحم العالم”. كتاب مرسال (الصادر عام 2017) جاء كسردية ذاتية ونفسية تبحث في ما وراء الصور المثالية للأمومة، وتنبش في مشاعر الذنب والخوف والتقصير التي تعيشها الأمهات في الظلّ، لقد ألقى ذلك الكتاب حجراً في مياه راكدة، فحرّك أسئلة كانت دفينة حول تجربة الأمومة الواقعية مقابل صورتها المتخيّلة.
تشير أبو النجا إلى أثر هذا المنجز بقولها إن صدور “كيف تلتئم”، كان بمثابة الحجر الذي حرّك الأفكار الساكنة المستكينة لفكرة ثابتة عن الأمومة، لقد أدرك الكثيرون آنذاك إمكانية طرق موضوع الأمومة إبداعياً ونقدياً من دون حرج. وتوضح أبو النجا نتائج ذلك الحدث المعرفي قائلة: “يمكن الكتابة عن الأمومة، ويمكن طرح كلّ الأسئلة عنها وحولها”، وبفضل هذا الزخم، تتابعت الأبحاث الأكاديمية والمقالات الشخصية التي تتناول الأمومة وتجاربها، مما هيّأ التربة الخصبة لكتاب أبو النجا ليأتي بوصفه تتويجاً لهذا المسار التفكيكي، هكذا يصبح “رحم العالم” المركز النظري الذي يستند إليه تفكيك خطاب الأمومة العربي الحديث، متّخذاً من سؤال البداية شرارة لانطلاق مراجعة جذرية وشاملة لهذا الخطاب.
القداسة كآلية ضبط
من أولى الأطروحات التي يستند إليها تفكيك أبو النجا لخطاب الأمومة، فكرة قداسة الأمّ كوسيلة للضبط الاجتماعي. فالثقافة الأبوية – عبر الإعلام والأدب والخطاب الديني – رسمت صورة مثالية للأمّ ورفعتها إلى مرتبة القداسة، بهدف إحكام السيطرة على دورها وسلوكها. تصف أبو النجا كيف يحرص الخطاب السائد على تنميط الأمّ كنموذج مُطلق للفضيلة، لا يُقبل خروجه عن الحدود المرسومة: “لا يتوانى الخطاب الإعلامي الحديث والمعاصر عن إضفاء القدسية على الأمّ، وهي دائماً أمّ واحدة ثابتة… هي دائماً الحنون، المعطاءة، الصبورة، المضحيّة، المتفانية، الراضية، الطيّبة، الكريمة، المتسامحة، المتحقّقة في سعادة الأبناء، المتوارية من أجل الأبناء. باختصار هي الأمّ الغائبة من أجل حضور الأبناء، الأمّ الحقيقية من وجهة النظر السائدة هي التي تتّسم بالغياب الكامل، ولا يتجلّى حضورها إلا في تطوّر الأبناء ونجاحهم، وفي حالة فشلهم… عليها أن تتحمّل اللوم”.
في هذه العبارة المكثفة تلخّص أبو النجا معايير الأمّ المثالية كما يراها الخطاب المجتمعي: أمّ تُفني ذاتها في سبيل الآخرين، وتُعرِّف نجاحها حصراً بنجاح أبنائها. إنها صورة تبدو في ظاهرها تمجيداً للأمّ، لكنّها في جوهرها آلية ضبط تُلزم النساء بنمط محدّد من الحياة والتفكير. فحين تُرفع الأمّ إلى مرتبة الكائن المقدّس المعصوم، تصبح مطالَبة ضمنياً بأن ترتقي إلى مستوى هذه الهالة المثالية دوماً؛ أي أن التضحية والتفاني المطلق ليسا خياراً بل واجب أخلاقي، وأي تقصير أو اختلاف عن هذا النموذج يُعدُّ خطيئة تُلام عليها المرأة. وبهذا تتحوّل قداسة الأمّ إلى سلاح ذي حدّين: فهي تكرّم الأمّ ظاهرياً، لكنّها تقمعها فعلياً عبر اشتراطات مستحيلة وإنكار فرديتها وحاجاتها الخاصّة. لقد هيمن خطاب “الأمّ القدّيسة” على المخيال الثقافي لدرجة أنه همّش أي تجربة أمومة مختلفة أو ناقصة عن المثال، واعتبرها خروجاً عن الطبيعة أو فشلاً شخصياً للأم نفسها.
لا يُغفل “رحم العالم” دور العامل الديني والقومي في تعزيز هذه القداسة الضابطة. فمن جهة، أضفى الفكر الديني طابعاً مقدّساً حرفياً على الأمومة (كأحاديث ترفع شأن الأمّ وتقارنها بالجنة) مما رسّخ في الوعي الجمعي حرمة أي نقد موجّه للأمّ أو دورها، ومن جهة أخرى، استخدمت الخطابات القومية صورة الأمّ كأيقونة وطنية: فالأمّ رمز للوطن في أدبيات المقاومة، وهي “أمّ الأبطال” التي قدّم أبناؤها أرواحهم فداءً للأرض. أصبح مألوفاً أن نرى في أدب الحروب والثورات صورة الأمّ الثكلى التي تزغرد لاستشهاد ابنها بدلاً من البكاء، في تمجيد مثالي لفكرة التضحية، هذه الصورة – وإن بدت تمجيداً للأمّ في دورها الجمعي – سلبتها حقّها الإنساني في الحزن والاعتراض، وجعلتها ترساً آخر في ماكينة الأيديولوجيا الوطنية.
تشير أبو النجا إلى أن تضافر الديني والمحلّي والقومي كرّس الأمومة كخطاب قيمي مغلق، تُلقَّن فيه المرأة مثالية الأمّ الخالدة التي “لا ترتبط بطبقة أو سياق سياسي… فهي دائماً المتفانية الصبورة المضحيّة… التي تتوارى من أجل الأبناء”، بهذا المعنى، أضحت قداسة الأمومة أداة لإبقاء المرأة تحت السيطرة الناعمة: فبدلاً من فرض القيود عليها بالقوّة، تُفرض عليها بتأنيب الضمير إن هي قصّرت عن مثال الأمّ القدّيسة.
الأدب كمرآة للأمّ
يعرض كتاب “رحم العالم” الأطروحة القائلة إن الأدب مرآة عاكسة لصورة الأمّ في المجتمع، وفي الوقت نفسه صانع لتلك الصورة. فالنتاج الأدبي عبر العصور حافل بصور نمطية للأمّ، كما أنه شهد اختراقات محدودة لصورة الأمّ التقليدية – اختراقات قوبلت بردود فعل نقدية كشفت مدى تجذّر المثال السائد.
تشير أبو النجا إلى علاقة جدلية بين الواقع والأدب في موضوع الأمومة؛ فالأمّ كدور اجتماعي ينعكس في الروايات والشعر، وهذه الأعمال الإبداعية بدورها تُعيد إنتاج الصورة الذهنية للأمّ وتكرّسها. تضرب أبو النجا أمثلة من كلا الأدبين العربي والعالمي: فمن الصعب إغفال شخصيّة أمينة في ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة، التي تجسّد نموذج الزوجة/ الأمّ المستسلمة للسلطة الذكورية؛ إذ نراها أماً محبّة ومتفانية في رعاية أبنائها، لكنّ حضورها يغيب تماماً أمام هيمنة الزوج وجبروته. وعلى النقيض، في رواية “الأمّ” (1906) لمكسيم غوركي نجد أمّاً من لحم ودم، تكابد الألم والخوف من أجل ابنها الثائر. أما في رواية “محبوبة” (1987) لتوني موريسون، فتقدّم لنا أمّاً تضحي بأغلى ما لديها – تقتل طفلتها بيدها – كي تنقذها من عبودية مستباحة المصير. هذه الأمّ الأخيرة تحوّلت في القراءة النقدية إلى رمز للمقاومة والثورة على الاستعباد، شأنها شأن شخصيّات أمومية أخرى في الأدب العالمي حوّلها النقد إلى رموز أكبر من حياتها الفردية.
غير أن النقد الأدبي العربي، كما توضح أبو النجا، نادراً ما يتعامل بحيادية مع صورة الأمّ الخارجة عن القالب المألوف. فقد اعتاد النقاد قراءة الأمومة وفق ثنائية نموذجية: الأمّ الفاضلة الملتزمة بالتقاليد مقابل الأمّ “السيّئة” التي تنحرف عن المتوقّع. ففي كثير من القراءات النقدية التقليدية، تتحوّل الأمّ المطابقة للمعايير إلى رمز يتجاوز فرديتها؛ إذ “تتحوّل الأمّ التي تلبّي المعايير المجتمعية وتؤكّد الصورة الذهنية الراسخة إلى رمز يفوق فردانيتها، فتصبح أمّاً حاضنة للوطن سواء كان منتصراً أو مهزوماً، ورمزاً للصمود والتضحية والأمل والعطاء. كما تفقد الأمّ سمات شخصيّتها الخاصّة لتتحوّل إلى علامة تدل على ما هو خارجها”.
من الأمثلة الشهيرة على ذلك قراءة شخصية حميدة في رواية “زقاق المدق” لنجيب محفوظ بوصفها رمزاً للوطن المستباح تحت الاستعمار، أو تلقيب صفية زغلول (زوجة الزعيم سعد زغلول) بـ”أمّ المصريين” في أدبيات ثورة 1919، حتى أضحت مصر نفسها تُلقَّب بـ”أمّ الدنيا”. في هذه الحالات، يُختزل كيان الأمّ الفرد في معنى جماعي خارجي؛ تصبح الأمّ فكرة أكثر منها شخصاً حقيقياً، أما حين يأتي الأدب بأمّ تختلف عن الصورة المثالية الراسخة في الوعي الجمعي، فإن النقد كثيراً ما يتّخذ موقف الدفاع عن النموذج السائد.
تذكر أبو النجا أن النقّاد حين واجهوا شخصيّات أمومية غير نمطية وصفوها بأنها نماذج “سلبية” أو “سيّئة”، وحاولوا تفسيرها إما كحالات شاذّة وإما كرموز مضادّة لتحذير المجتمع. وهكذا عمل الأدب والنقد معاً – في معظم التجارب – على ترسيخ أسطورة الأمّ المثالية أكثر من سعيهما إلى فهم الأمّ الواقعية بتعقيداتها وتنوّعاتها. لكنّ هذه العلاقة بين الأدب وصورة الأمّ لم تكن حتمية دائماً، وهنا بالضبط تتدخّل قراءة أبو النجا النقدية لتبيان كيف يمكن للأدب أن يكون أيضاً ساحة لتفكيك خطاب الأمومة، وليس مجرّد مرآة عاكسة له. فهي تبحث عن الأعمال الأدبية التي كسرت النمط، وعن القراءات النقدية الجديدة التي أعادت النظر في رمزية الأمّ وقدسيتها، وبهذا المعنى، يتحوّل الأدب في “رحم العالم” إلى مختبر لتحليل تمثيلات الأمومة: مرآة تعكس ما هو سائد، وفي الوقت نفسه عدسة مكبّرة تكشف نقاط الانكسار والضعف في صورة الأمّ المهيمنة.
المقارنة العابرة للثقافات
يعتمد منهج أبو النجا في “رحم العالم” على مقاربة عابرة للثقافات تسعى إلى كسر الحدود الجغرافية والفكرية في دراسة الأمومة، فهي تربط بين أمثلة ونصوص من الشرق والغرب، لتبيان أن خطاب الأمومة بكلّ ما فيه من قداسة وصراعات ليس حكراً على مجتمع بعينه، وإن اختلفت تمظهراته تبعاً للسياقات التاريخية.
في الفصل الأول من الكتاب، تعقد أبو النجا مقارنة جريئة بين اثنتين من المفكّرات: الفرنسية سيمون دو بوفوار (التي تناولت المرأة والأمومة في كتابها “الجنس الآخر”) والمغربية فاطمة المرنيسي (التي اشتبكت مع الإرث الأبوي في المجتمع الإسلامي) ورغم تباعد البيئتين، تكشف أبو النجا تشابهات لافتة في التحدّيات التي واجهتها كلتاهما كامرأتين: قيود الطبقة الاجتماعية، وهيمنة الخطاب الديني، وضيق فضاء الحرّية المتاح للمرأة.
نشأت المرنيسي في مجتمع تقليدي محافظ، حيث تختلط الأعراف القبلية بالدين في رسم حدود دور الأمّ والزوجة، مما جعل تمرّدها الفكري أشبه باختراق جدار صلب من التناقضات الأبوية. على الجانب الآخر، وُلِدت دو بوفوار في كنف الطبقة البرجوازية الفرنسية بعيد الحرب العالمية الأولى، وكانت معركتها مختلفة السياق: التحرّر من سيطرة الأمّ/ العائلة على أفكارها وخياراتها الحياتية. ومع ذلك، تجمع المرنيسي وبوفوار هواجس مشتركة حول تحرّر المرأة من أسر الدور الأمومي الإلزامي، وتستنتج أبو النجا أن العوائق البنيوية التي كبّلت الامرأتين تتقاطع – رغم اختلاف الزمن والمكان – في جوهرها، مما يدلّ على عالمية الإشكاليات المتعلّقة بالأمومة تحت النظام الأبوي.
هذه المنهجية المقارِنة تستمرّ عبر فصول الكتاب الأخرى. ففي فصل بعنوان “الأمّ المهزومة أو المأزومة”، تحللّ أبو النجا روايتين متباعدتين جغرافياً: رواية “مخمل” للكاتبة الفلسطينية حزامة حبايب، ورواية “عشر نساء” للتشيلية مارثيلا سيرانو. على السطح قد يبدو الرابط بعيداً بين مخيّمات اللجوء الفلسطينية وأحياء تشيلي تحت الديكتاتورية العسكرية، لكن التحليل يكشف اشتراكهما في رسم معاناة المرأة/ الأمّ تحت وطأة القهر المجتمعي.
في “مخمل” يتحوّل جسد المرأة في المخيّم إلى ميدان لتفريغ غضب الرجال وإحباطاتهم، وتصير الأمّ هناك كائناً مسحوقاً يفقد سلطة القرار على جسده وحياته، وبالمثل، تعرض “عشر نساء” حكايات لأمّهات تشيليات عشن القمع السياسي والاجتماعي، فدُفعن إلى الهامش وفقدن الشعور بذواتهن تحت ثقل الواجبات اليومية الروتينية. تربط أبو النجا بين العالمين لتُظهر أن عنف المنظومة الذكورية – سواء تجلّى في الاحتلال واللجوء أو في الديكتاتورية والقمع – يُنتج آثاراً متشابهة على الأمومة: أمّهات مهزومات ينغلِقْن على الألم أو يتحوّلن إلى آلات أداء وظيفي بلا صوت ذاتي. هذه المقارنة العابرة للحدود تُبرز فجوات متماثلة في بنية السلطة: حيثما وجدت سلطة أبوية مستبدّة، ستتولّد أمّهات مأزومات ومقهورات وإن اختلفت التفاصيل.
وتشير أبو النجا إلى أنه برغم تغيّر مفهوم الأمومة في المجتمعات الغربية خلال العقود الأخيرة – بفضل نضالات الحركات النسوية والتحرّرية – لم يتغيّر بالقدر نفسه في المجتمعات العربية، التي بقيت رازحة تحت تأثير استعمار خارجي مستمرّ وهيمنة فكر ديني تقليدي. ففي الغرب، بدأ منذ سبعينيات القرن العشرين تفكيك الصورة التقليدية للأمومة على يد مفكّرات مثل دوروثي دنرشتاين ونانسي تشودوروف وأدريان ريتش، حيث طرحن مفهوم الأمومة كبناء ثقافي قابل للتغيير، وليس غريزة بيولوجية حتمية، وشهدت تلك الفترة قيام شبكات دعم للأمّهات وتغيير في القوانين وسياسات العمل لإعطاء الأمّ استقلالية واعتباراً لاحتياجاتها الخاصّة.
أما في أغلب المجتمعات العربية، فقد تأخّر مثل هذا التحوّل لأسباب مركّبة: تاريخ من الاستعمار أضعف حركة التطوّر الاجتماعي الداخلية، وسلطة مؤسّسات دينية واجتماعية رسّخت دور الأمّ التقليدي كجزء من الهوّية الوطنية والدينية التي لا يجوز المساس بها، وبالتالي بقيت الأمومة في خطابنا الثقافي فكرة ثابتة مقارنة بما أصابها من إعادة نظر في أماكن أخرى من العالم.
هذا لا يعني غياب محاولات التغيير محلّياً؛ فقد ظهرت أصوات نسوية عربية حاولت إعادة تعريف دور الأمّ منذ عقود (مثل كتابات نوال السعداوي عن الأمومة والجسد) لكنّها ظلّت محاصرة بالتوجّس والرفض من التيار العامّ. أبو النجا، بمنهجها المقارن، تُعيد إحياء هذه المحاولات ضمن سياق فكري أوسع، فتضع التجربة العربية جنباً إلى جنب مع نظيرتها الغربية لتبيان نقاط التشابه والاختلاف في قمع الأمّ وتحرّرها. إنها تسعى إلى “خلخلة الفصل الثابت بين الشمال والجنوب” في تناول موضوع الأمومة، بحيث لا يتمّ التعامل مع قضايا الأمّ العربية وكأنها منعزلة وفريدة، بل كجزء من سياق عالمي يمكن فهمه عبر التواصل مع تجارب الآخرين. هذه الرؤية العابرة للثقافات تمنح الكتاب عمقه وثراءه: فهو لا يكتفي برصد ما يقوله خطاب الأمومة هنا أو هناك، بل يكشف لماذا تشكّل على هذا النحو المتشابه في جوهره على امتداد الجغرافيا الإنسانية.
من يملك صورة الأمّ؟
لا يقتصر جهد أبو النجا في “رحم العالم” على جمع الأمثلة وعقد المقارنات، بل يتجاوز ذلك إلى بناء بنية نقدية متماسكة لتفكيك خطاب الأمومة من الداخل. تستخدم الكاتبة أدوات النقد النسوي وما بعد الكولونيالي لفحص الخطاب السائد، كاشفةً عن تناقضاته الداخلية وآليات اشتغاله التي أبقت الأمومة في إطار الأسطورة. من أبرز هذه الأدوات السؤال المفتوح: إذ تعمد أبو النجا إلى طرح سلسلة من الأسئلة النقدية في متن الكتاب، بعضها صريح والآخر ضمني، بهدف زعزعة اليقينيات. فهي تسأل – مثلاً – ما إذا كان هناك حقّاً ما يُقال عن الأمّ خارج القوالب الجاهزة، وهل الأمومة تجربة شخصية فريدة أم فكرة ثقافية عامّة؟ وهل دور الأمّ غريزي طبيعي أم وظيفة اجتماعية مُختلَقة؟
مثل هذه التساؤلات تقود القارئ إلى مساحة من الشك المنتج، الذي يمهّد لإجابات متعدّدة لا إجابة واحدة، وبالفعل، تعترف الكاتبة في ختام رحلتها بأنها كلما تعمّقت في البحث ظهرت لها أسئلة أخرى أكثر تعقيداً؛ لذا آثرت أن تترك باب التساؤل مفتوحاً بدلاً من تقديم إجابات جاهزة ونهائية. إن استراتيجية تفكيكية كهذه – قائمة على الإرجاء والتساؤل الدائم – تهدف إلى إبقاء خطاب الأمومة في حالة حراك وحوار مستمرّ، بدلاً من كونه لوحة ثابتة معلّقة على جدار التاريخ.
تعتمد أبو النجا كذلك على أسلوب تفكيك الثنائيات ضمن خطاب الأمومة. فثنائية الأمّ الصالحة/ الأمّ السيّئة، والأمّ الطبيعية/ الأمّ غير الطبيعية، هي ثنائيات مبثوثة بعمق في ثقافتنا. تقوم الكاتبة بكشف جذور هذه التقسيمات وتبيان أنها مصطنعة إلى حدّ كبير، أفرزتها ظروف اجتماعية وتاريخية محدّدة. فعندما يصنّف المجتمع أمّاً ما بأنها “سيّئة” لمجرّد خروجها عن نموذج التفاني المطلق (كأمّ عبّرت عن طموح شخصي أو تمرّدت على دورها التقليدي) فإن المشكلة ليست في تلك الأمّ بل في معيار التقييم ذاته.
تنبهنا أبو النجا إلى أن أصحاب التفكير النمطي بفكرة الأمومة، واعتبارها غريزة أو فطرة لا اختياراً، يرفضون التعامل مع الأمومة بمرونة كافية ولا يتفهّمون الاختلاف. تحت وطأة خطاب نمطي ذكوري كهذا، يتمّ وصم كلّ أمّ مختلفة بأنها ناقمة وغير طبيعية. هذا النقد الحادّ يكشف عن قلب الأطروحة التفكيكية: إذ ينبغي لنا أن ندرك أن الكثير مما نظنّه “طبيعياً” في أمومتنا إنما هو بناء ثقافي تاريخي قابل للتغيير، وعندما نحطّم صنمية النموذج الواحد للأمومة، سنرى أمامنا طيفاً واسعاً من الإمكانيات والتجارب الأمومية المتنوّعة، لكلّ منها شرعيتها وقيمتها الخاصّة.
ومن التقنيات اللافتة التي تستخدمها أبو النجا لفهم آليات السلطة في خطاب الأمومة، تحليلها لنمط “الأمّ الأبوية”، والأمّ الأبوية كما تصفها هي المرأة/ الأمّ التي تستبطن قيم النظام الأبوي، وتتحوّل هي نفسها إلى حارس له. تشرح أبو النجا هذا النمط بقولها: “هكذا تكون الأمّ الأبوية أشدّ قسوة من الأب ذاته، فالأخير يوكل إليها مهمّة الحفاظ على أركان السلطة وإبقاء الخطاب المهيمن براقاً. بذلك تتحوّل الأمّ أحياناً إلى أهمّ دعائم السلطة الأبوية”. إن الأمّ الأبوية هنا هي التي تربّي أبناءها وبناتها على المنظومة التقليدية الصارمة نفسها، وتغرس فيهم طاعة السلطة الذكورية وقيمها من دون تساؤل.
قد تبدو هذه المرأة ظاهرياً أمّاً حريصة على مصلحة أبنائها، لكنّها في الحقيقة تُعيد إنتاج القمع المجتمعي عبر دورها. تضرب أبو النجا أمثلة أدبية على الأمّ الأبوية، مثل بعض شخصيّات نوال السعداوي التي صوّرت أمّهات يقمعن بناتهن بسلطة مستمدّة من قيم المجتمع الأبوي. كما تستشهد بقصّة “الأمّ الكبيرة” لماركيز التي حكمت بلدتها بيد من حديد لعقود، لتُظهر كيف يمكن للأمّ – حين تتبنّى دور الحارس للنظام – أن تمتلك السلطة بأبعادها كافّة (الأجساد، والأفكار، واللغة، والدولة بحسب القصّة).
بهذه القراءة، لا يعود الاستبداد حكراً على الرجال؛ فالنظام الأبوي يستعين أحياناً بالأمّ نفسها كجندي مخلص يبقي منظومته حيّة عبر الأجيال. هذا التحليل المعمّق لنموذج “الأمّ الأبوية” يكشف جانباً خفيّاً من خطاب الأمومة: فالقداسة المزعومة للأمّ تُستخدم أحياناً لتبرير أفعال قمعية تمارسها الأمّ ذاتها باسم المصلحة والفضيلة، وهنا تطرح أبو النجا سؤالاً إشكالياً: كيف يمكن للأمّ أن تكون أداة تحرير وفي الوقت نفسه أداة قمع؟ الإجابة تكمن في فهمنا للأمومة كخطاب مزدوج: فهو يمنح الأمّ قوّة معنوية عالية المقام، لكنّه يشترط عليها استخدام تلك القوّة في خدمة النظام القائم وليس لتغييره.
صدى لا ينتهي: أسئلة الأمومة المفتوحة
مع اقتراب كتاب “رحم العالم” من نهايته، تختار شيرين أبو النجا ألا تُسدل الستار بإجابات قطعية، بل بسلسلة جديدة من التساؤلات التي تترك صدى عميقاً في ذهن القارئ. فهي تتساءل في الخاتمة: هل يمكن اختتام كتاب عن الأمومة؟ وتقرّ بأن الرحلة البحثية قادتها من سؤال إلى آخر، ومن قضيّة إلى أخرى، حتى أدركت أن محاولة وضع نقطة في نهاية السطر للأمومة ضرب من التعجّل. فالأمومة ليست مفهوماً جامداً يمكن الإحاطة به دفعة واحدة؛ إنها “ليست أمّاً واحدة، أو معنى يمكن حصره، فهي جزء متغيّر من علاقات متغيّرة تجعلها تتشكّل تبعاً لهذه العلاقات، وليس في معزل عنها”. بهذا المعنى، الأمومة عملية ديناميكية وليست حالة ثابتة. كلّ أمّ تُعيد تعريف الأمومة بطريقتها وفق ظروفها وعلاقاتها، وفي المقابل، كلّ خطاب يحاول تقديم الأمومة كفطرة موحّدة وقالب ثابت، إنما يغفل حقيقة التنوّع الهائل الكامن في التجربة الأمومية الإنسانية.
تُنبّه أبو النجا إلى أن الإصرار على نموذج وحيد مثالي للأمومة يخلق توتراً اجتماعياً ونفسياً هائلاً. فمن جهة، تظلّ النساء اللواتي لا ينطبق عليهن هذا النموذج يشعرن بالذنب والنقص، ومن جهة أخرى يُنظر إليهن بعين الريبة والانتقاد. وتخلص إلى أن تفكيك خطاب الأمومة السائد ليس مجرّد تمرين نظري، بل هو عمل تحرّري يفتح فضاء للأمهات كي يحكين حكاياتهنّ الخاصّة ويعبّرن عن أنفسهن بلا خوف من وصمة الفشل أو الأنانية.
إن صدى خطاب التفكيك الذي يقترحه “رحم العالم” يتردّد في كلّ تلك الأصوات الجديدة التي بدأت تظهر في الأدب والفنّ والإعلام، تتناول الأمومة بصدق وواقعية، وتكشف مساحات مهملة من تجربة الأمّ النفسية والجسدية والاجتماعية. فبعد عقود طويلة من التنميط والتقديس، بتنا نسمع ونقرأ عن أمومة مختلفة: أمومة فيها ضعف وإنهاك إلى جانب القوّة والعطاء؛ أمومة فيها رغبات شخصيّة وطموحات لا تتعارض مع حبّ الأبناء؛ أمومة فيها نساء حقيقيات من لحم ودم، لا ملائكة أسطورية ولا آلات تضحية.
لا شكّ في أن كتاب شيرين أبو النجا يمثّل نقطة تحوّل مركزية في مسار تفكيك خطاب الأمومة العربي، فهو يُشكّل متناً نظرياً رصيناً يستند إلى كمّ هائل من الأمثلة والنماذج، ويقدّم قراءة نقدية مقارنة تتحدّى الفجوات بين الشرق والغرب في تناول قضايا المرأة والأمّ، والأهمّ أنه يزيح القناع عن سلطوية الكثير من الأفكار المحيطة بالأمومة، التي بدت لزمن طويل وكأنها حقائق خالدة.
بعد قراءة “رحم العالم” لن يعود سؤال “هل هناك ما يُقال عن الأمّ؟” سؤالاً استنكارياً أبداً؛ فقد أثبتت أبو النجا أن هناك الكثير مما يُقال ويجب أن يُقال عن الأمّ، بل عن الأمّهات بتجاربهن المتعدّدة وأصواتهن المكتومة التي آن الأوان لتستعاد. إن خطاب الأمومة العربي، كما تكشفه أبو النجا، لم يعد ذلك الخطاب الأحادي المطمئن خلف قداسته؛ لقد أصبح ساحة للنقاش وإعادة النظر، بفضل هذا الكتاب وما أثاره وسيثيره من أسئلة. وفي هذا الصدى المتواصل للأسئلة تكمن القيمة الحقيقية لـ”رحم العالم”: إنه ليس مجرّد دراسة عن الأمومة، بل دعوة جريئة إلى تحرير الأمّ – والمرأة عموماً – من أسر الخطابات الجاهزة، وإلى البدء بحوار جديد، أكثر إنسانية وصدقاً، حول واحدة من أكثر التجارب الإنسانية جوهرية وتعقيداً.
إقرأوا أيضاً:









