ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

كتب قديمة: سحر ولعنات وذكريات منسيّة! 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

قليل جداً ممّا اشتريت من كتب مستعملة من خارج مصر، وجدت فيه خطّ قلم أو أثراً لتخطيط أو تشويهاً، هذا أكثره مع الأسف فيما اشتريت هنا، وأحياناً بحبر جافّ يستحيل إزالته يحيل القراءة عذاباً. كقارئ لا أودّ أن يقرّر سابقي ما المهمّ، أو أن يترك لي تعليقاً من عنده، بل لا أريد حتى رؤية اسمه، أمّا إذا ترك لي ورقة بمائة دولار فأنا جدُّ ممنون!

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

قبل سبعة أعوام أخذني عملي إلى العاصمة الأميركية لأربعة أشهر. كعادتي كان همّي الأوّل تفقّد كل مكان تُباع فيه الكتب، وسرعان ما اكتشفت مكتبة ضخمة تبيع الجديد والقديم منها على حدّ سواء، ولها اسم لطيف: “كتب القصّة التالية”، أو Second Story Books. 

“أغرت” على المكتبة هذه مراراً، بينما شنّت هي ومحالّ ووسائل أخرى لبيع الكتب الحرب الضروس على كل ما تيسّر لي من مال، حتى غادرت بلاد العمّ سام مُفلساً وإن محمّلاً بآلاف الصفحات المطبوعة. بعض ما في “كتب القصّة التالية” ممهور بتوقيع مؤلّفه، بعضها طبعات قديمة نادرة، وغيرها كتب عادية مستعملة. 

لكنّ المفاجأة اللطيفة التي وجدتها في كتاب ممّا اشتريت، وكان هذا بعد عودتي، ورقة بمائة دولار أميركي. الكنز الصغير هذا ألهمني تكرار البحث في ما أبتاعه من كتب مستعملة. أمّا المال فلم أنل منه المزيد، لكنّني وجدت تواريخ وقصصاً ونوادر متروكة بين ثنايا الصفحات، خاصّة أنني سقطت مؤخّراً (برغبتي، لا طائل من الإنكار) ضحيّة لعدد من تجّار الكتب المستعملة، وقد برع  أصدقائي الجدد هؤلاء في الحفاظ على إفلاسي الدائم، اللهمّ إلا من المزيد من الكتب.

  إهداء على ظهر غلاف مجلّد جمع مختارات من القصص القصيرة، كان من أكثر ما وجدت مدعاة للسخرية والأسى في آن معاً. عنوان الكتاب: “راوي الحكايات: مائة قصّة قصيرة من الولايات المتّحدة، إنجلترا، فرنسا، روسيا وألمانيا”. وقعت على السفر الثمين في دكان لبيع الكتب المستعملة في العاصمة الأسكتلندية قبل سنوات، حيث اقتنصته بثمن زهيد. علماً أن عدداً من نصوص الكتاب ألّفها اسكتلنديون، لكنّ العنوان لا يذكر بلدهم، بل يتوقّف عند إنجلترا ويختزل فيها كل بريطانيا. المقدّمة خطّها أحد أعظم مؤلّفي القصص القصيرة والروايات: الإنجليزي سومرست موم (1874 – 1965). وجدت  بعد الغلاف مكتوباً بخطّ اليد: “عيد ميلاد سعيد وتمنّيات بأمسيات شتوية كثيرة لطيفة، أعرف أن هذا الكتاب سيمنحها لك (أو لكِ؟)، مع محبّتي… هانا،  الأحد  16 يوليو 1939”. 

بعد تاريخ هذا التوقيع بسبعة أسابيع بالضبط، يوم الأحد 3 أيلول/ سبتمبر 1939، أعلنت كل من فرنسا وبريطانيا الحرب على ألمانيا النازية بعد غزو هذه الأخيرة لبولندا، وهكذا بدأت الحرب العالمية الثانية. ثم بعد ذلك بعام، لثمان أشهر متوالية، من أيلول/ سبتمبر 1940 حتى أيّار/ مايو 1941، لم تكد أيّ من مدن بريطانيا تسلم من غارات سلاح الجو الألماني شديدة الشراسة، فيما عُرف اصطلاحاً بالـ Blitz. 

تُرى كيف كان إحساس صاحب الكتاب أو صاحبته كلما نظر فيه بعد ذلك؟ أيّ شؤم هذا الذي اقترن بتمنّيات “هانا” الطيّبة؟ وأيّ قسوة تلك التي يخبّئها الغيب لنا أحياناً؟ لكن لنكن أكثر صراحة، هل هناك من تودّون أن تُهدوه هذا الكتاب مع التمنّيات الطيّبة نفسها؟ 

لكن الأكثر مدعاة للضحك وللأسف والسخرية في الوقت نفسه، على ندرة اختلاط هذه المشاعر، كان في صفحات نسخة من “مشكاة الأنوار”،  أحد مؤلّفات الفقيه والمتصوّف الكبير أبو حامد الغزالي (عاش 1058- 1111 ميلادية)، الذي اشتريته مستعملاً، في طبعة محقّقة ومشروحة تعود للعام 1964 (كان ثمن بيعها الأصلي خمسة وثلاثين قرشاً حسب المكتوب عليها، وهو رقم كبير لذاك الزمن)، حيث وجدت ورقة فيها قصيدتان، لم يكن الخطّ مقروءاً في كل السطور.

 هذه هي القصيدة الأولى، كما استطعت قراءتها (الأوضح من الاثنين):

أُسميت مصباحاً فوالله ما أرى سوى أنك الظلماء في الليلة الشؤم 

وأحسب أن الله قد رام عبرة بخلقك ممسوخاً وفي غاية اللؤم

وآية هذا الظنّ أنك جاهل       ونسبك بين الناس خلق ذي ظلم 

وقد جمع الله الجوّاد بفضله عليك خصائص القرد من طبع ومن وسم

ففصَلك تفكيراً من غير تعقل وشكّلك ممسوخاً من غير ما ظلم

لعمري لقد أوتيت ما أنت أهله سوى فصلهم إيّاك عن عالم البُهم

ثم يستطرد صاحبنا المجهول، بعد فراغ  في الورقة،  فتعرف أن “مصباح” كان، على ما يظهر، رئيسه، ناظر المدرسة (وضعت نقاطاً محلّ ما عجزت عن قراءته أو حتى تخمينه):

لنا ناظر فيه الأعاجيب كلها فلو قلت شاة ما بعدت عن القصدِ

ولو قلت جحشاً يغيظه أخو هوى أحسنت ففيه الضعف في غاية الحدِّ

ولو قلت ثوراً ربما جاز مرّة إذا مُسخ الثور … إلى قرد

….

وكم ثائر من ظلمه وهو صامت       ويقسم” لا والله” في غاية الجدّ

وعندي أن الحلف منه مصدق فما إن لديه من قضاء ولا ردّ

فما الظلم من عند ذاك وإنما من السائس المحظوظ جاء على عمد

بغضّ النظر عن عدم وضوح القصيدة الثانية، ورداءة الخطّ التي تكاد تجعل من المستحيل قراءة بعض ما فيها، واضح تماماً أيّ صورة رام شاعرنا المجهول رسمها إلى الحدّ الذي تشعر فيه بالأسف، لفرط قسوة وصفه لـ”مصباح” قبحاً وجهلاً وضعفاً! وبينما الشعر لا يمكن وصفه بالجودة، واضح أن صاحب الكلمات تمتّع بتمكّن من اللغة يندر اليوم، حتى بين من يفترض فيهم امتلاك مفاتيح العربية، علماً أنني ربما أخطأت قراءة بعض الكلمات لعدم وضوح النصّ المخطوط. أمّا كيف انتهت الورقة هذه داخل كتاب فيما يبدو أنه مكتبة مدرسة؟ وإن صحّ ذلك، لِمَ وُجد هذا الكتاب المعقّد في علوم التصوّف وما يرتبط بها من فقه اللغة وتفسير القرآن في مكتبة مدرسة؟ وهل كان مقصوداً أن تبقى القصيدتان “رسالة في زجاجة”؟ أم أن كاتبها نسيهما؟ وكيف كان شكل هذا “المصباح” المسكين؟ هذه أسئلة لا أظنّ لها إجابات. 

لا الطبّ ولا الأعشاب من اهتماماتي، ناهيك بالسحر الذي اقترن بعلوم التداوي لقرون طويلة. لكنّ صديقاً طلب مني أن أعينه في البحث عن طبعة قديمة  “كاملة” لتذكرة داود الأنطاكي، الطبيب المشهور الذي عاش ومات في القرن السادس عشر الميلادي. لم أفهم ما الغرض من نسخة “قديمة”، ولا ما عناه صديقي بالنسخة “الكاملة”. اسم الكتاب الشهير الكامل: “تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب”، ما كنت أجهله أن الكتاب لا يحتوي فقط على آلاف الوصفات للعلاج بالأعشاب، كما كان شأن الطبّ آنذاك، لكنّه أيضاً فيه الكثير من التفصيل لوسائل استعمال السحر، لأغراض طبّية وغير طبّية. حين تصفّحته وجدت ما يتحدّث عن استخدام هذه المادّة أو تلك، أو القطعة من هذا الحيوان أو ذاك، للبرء من مرض  أو عرض، أو لتحسين حالة الجسم البشري عموماً. 

لكنّني أيضاً وجدت جداول من حروف وأرقام يفترض فيها أن تحقّق هذا الغرض أو ذاك، ورقى ووصفات وطلاسم وأدعية. وشملت هذه، مثلاً لا حصراً،  وسائل لتسهيل السفر أو منع سفر شخص محدّد، وكذلك طرقاً لاصطياد قلب النساء أو الرجال بارتداء ريشة هذا الطائر أو وضع تلك البذور في الملابس. 

ومن الطريف والمقزّز في آن معاً، حسب هذا الكتاب، أن من أراد الفوز بقلب امرأة فعليه أن يجعلها تشرب ماء غسل به قدميه، والعكس صحيح حسب الكتاب على ما أذكر. إن صحّ هذا، كم هو صحّي ترك كل مسعى لاهتمام الجنس الآخر! أيضاً حوى الكتاب أدعية لا يبدو أنها تخالف العقيدة الإسلامية في شيء، وكذلك صفحات عن النجوم والأفلاك وتأثيراتها على الناس.

 لكن ما وجدته أكثر جذباً للاهتمام، كان المخطوط في الهوامش وعلى ظهر صفحة غلاف الكتاب بيد مالك سابق، ولا أعرف إن كان كله مستقى من الكتاب أم من خارجه. بعض هذا كان عن أعمال سحرية لتفريق الزوجين، وكيفية إبطالها، وبعضه كان للحماية من الحسد، وتفصيلات لكيفية الانتقام ممّن أراد بالسحر شرّاً لغيره، هذا عدا قائمة بما في الكتاب من الوصفات، مقرونة بأرقام الصفحات، التي تذكر طرقاً لإثارة الشهوة عند الرجال والنساء (ممّا يؤكّد عندي أن المالك كان رجلاً). 

بعدما رأيت ما رأيت في الكتاب المطبوع في عشرينيات القرن الماضي كاملاً (عكس طبعات أحدث اختصرته)، كان كل همّي التخلّص منه بأسرع ما يمكن، فما أدراني ما صاحب هذا السفر العتيق من لعنات لا يعلمها إلا الله. عرض صديقي الذي اشتريت له الكتاب أن يصوّر منه ما يهمّه من صفحات ويعيده إلي، لكنّني أصررت أن “أهديه” الكتاب، ثم بذلت أقصى الجهد لتقليل كل تعامل معه دون إغضابه، وحفظنا الله وإيّاكم!

عدا المكتوب على صفحات الكتب وهوامشها من سحر ولعنات، أو ما خُطّ للحماية منها، وورقة النقد الوحيدة التي وجدتها، وهجاء المسكين مصباح، وجدت أوراقاً من أصناف أخرى. إحداها كانت قائمة بما عُرض في ” مهرجان الفيلم السويدي” بتاريخ آذار/ مارس 1982، وحدّدت الورقة مكان طلب الدعوات لحضور المهرجان في مقرّ “مجلّة السينما والناس”، وعرض الأفلام في ” قاعة النيل أمام بنك مصر” وسط القاهرة. 

مجلّة “السينما والناس” توقّفت عن الصدور قبل نهاية الألفية على حدّ علمي.  لست خبيراً في السينما، لكنّ قائمة الأفلام المعروضة لم أجد شيئاً عنها على صفحات الإنترنت، ممّا دفعني للاعتقاد أن أيّاً من هذه الأفلام لم يحظَ باعتباره من كلاسيكيات السينما السويدية، ناهيك بالعالمية. لكن لا شكّ عندي في أن “أسبوع الفيلم السويدي” وجد مهتمّين من هواة الفنّ السابع، حتى وإن كان عددهم محدوداً. 

كتاب آخر اشتريته جديداً لكن لسبب ما جزء من تغليفه كان أوراقاً حكومية تعود لستينيات القرن الماضي. الكتاب درّة اللغة العربية وأهمّ معاجمها: لسان العرب لابن منظور الأفريقي (1232- 1311 ميلادية)، الفقيه والعلّامة اللغوي العبقري الذي خدم في ديوان إنشاء سلطنة المماليك في القاهرة، ثم كأحد قضاة دولتهم في طرابلس.  

أعدت تجليد أجزاء نسختي التسعة، بعدما سحبت من الغلاف الأصلي لأحدها ورقة كُتب عليها “بلدية القاهرة، الإدارة العامّة للتنظيم”، و”البلدية” هي ما أصبحت المجالس المحلّية والأحياء لاحقاً في مصر. 

مطبوع على الورقة في الركن الأيمن “الرجا توريد المهمّات الآتي بيانها بعد”، وفي يسارها “استمارة رقم 202 تنظيم”، ثم في المنتصف مع خطّ أسفلها “موصى عليه”. لكن واضح أن “التوصية” لم تعنِ الكثير، فالخانات أدنى هذه العناوين فارغة. أما خانات الجدول الفارغة فكانت كالتالي: “الكميّة”، “الوحدة”، “اسم الصنف”، “السعر”، “القيمة”؛ لاحظ اختلاف “السعر” عن “القيمة”، وتحت “السعر” و”القيمة” كُتبت وحدتا التقييم “جنيه” ثم “ملّيم”. 

والملّيم كان الوحدة الأدنى مالياً، فالجنيه المصري من مائة قرش، وكل قرش من عشرة ملّيمات، من ثَم كان الجنيه ألف ملّيم. مع الانخفاض المتواصل لقيمة الجنيه سقط الملّيم أوّلاً قبل بضعة عقود، ثم القروش بوحداتها المختلفة (واحد، خمسة، عشرة، خمسة وعشرين وخمسين)، حتى الجنيه منفرداً قلّ استخدامه بشدّة اليوم حتى كاد ينعدم، لكنّ ذكرى الملّيم بقيت في هذه الورقة التي أتتني مصادفة.

وعلى عكس فراغ الجانب المطبوع من الورقة، على ظهرها خطّ  أزرق باهت:  “استمارة 418 ” بتاريخ  20 / 9 / 1964. ثم كلمات أخرى غير مقروءة تتوسّطها أرقام أوضح، أظنّها أرقام المزيد من الاستمارات أو تسلسل للطلبات أو المهام (1292 بالرصاص، ثم وسط النصّ المبهم 197). عدا المكتوب بالرصاص أو بحبر أحمر (مقروناً بإمضاء)، الخطّ هنا كُتب بـ”الكاربون” وهذه آليّة ماتت اليوم. 

كان الموظّف إذا رغب في نسخة ممّا يكتب يضع شريحة “كاربون” زرقاء بين ورقتين، ويكتب على الأولى فيظهر ما يكتبه بخطّ أزرق على الثانية. استمرّ الاستخدام الواسع لهذه الآليّة ربما حتى مطلع الألفية، أمّا الآن وكل شيء إلكتروني وقابل للتصوير فقلّما تراها. ثم أدنى هذا كله كُتبت كلمات بالرصاص غير واضح منها إلا أوّلها: “ورد”،  ثم آخرها، وهذا اسم شخص: “فرج حنفي” ثم تاريخ: ” 18/10/64″. 

من هو فرج حنفي؟ هل من علاقة بينه وبين صاحبنا المسكين مصباح؟ عدا أنهما عاشا في الزمن نفسه؟  أمّا ماذا طلبت تلك الاستمارة؟ وإلى أيّ مسار أدّت؟ وماذا تخبرنا هذه الخانات والكلمات والخطوط عن البيروقراطية المصرية العتيدة؟ وكيف انتهت الورقة غلافاً لكتاب بعدستين عاماً؟ هذه كلها أسئلة لا إجابات عنها.

وجدت قطعاً من ذكريات أخرى عن أسعار وأكلات ومصروفات. ممّا تعثّرت به “كوبون” بقيمة خمسة جنيهات انتهت صلاحيته في السابع من تمّوز/ يوليو 2012، من سلسلة مطاعم قاهرية معروفة. هذا المطعم ليس رخيصاً، وزبائنه من الميسورين، ولم تكن الخمسة جنيهات آنذاك لتغطي تكلفة وجبة أو حتى تقترب من ذلك، ولكنّها كانت تخفيضاً لا بأس به في السعر. أمّا اليوم، وبعد ثلاثة عشر عاماً ونيف من انتهاء صلاحية هذا “الكوبون”، فخمسة جنيهات لا تكفي لشراء شطيرة (ساندويتش) واحدة من الفول، الوجبة الشعبية الأساس في مصر. 

أيضاً في كتاب تذكرة داود الذي ذكرته أعلاه، عدا الوصفات السحرية للزواج والغرام، وجدت في الهامش “قائمة” بـ”جهاز” عروس مؤرّخة في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وحرصاً على صحّة القارئ سأمتنع عن ذكر مجموع تكلفة الجهاز، فقط سأخبركم أنه أقلّ من ألف جنيه مصري.

أوّل عهدي بالكتب المستعملة كان خلال الدراسة في بريطانيا، من جهة ميزانية الطالب المحدودة تحضّ على البحث عن خيارات أرخص، ومن جهة أخرى أيّ مكان يجمع كتباً للبيع ويتيح التصفّح متعة خاصّة لكل محبّ للقراءة. ساعتها كان لدي قلم في نهايته ختّامة باسمي، أتاني هدية ممّن يعرف هوسي بالكتب. آثار هذا الختم ما زالت على العشرات من كتبي، لكنّني ولله الحمد، فقدته. لِمَ أترك اسمي مطبوعاً على إرث، الطبيعي فيه أن يواصل الترحال من يد لأخرى بقينا نحن أم رحلنا؟ 

قليل جداً ممّا اشتريت من كتب مستعملة من خارج مصر، وجدت فيه خطّ قلم أو أثراً لتخطيط أو تشويهاً، هذا أكثره مع الأسف فيما اشتريت هنا، وأحياناً بحبر جافّ يستحيل إزالته يحيل القراءة عذاباً. كقارئ لا أودّ أن يقرّر سابقي ما المهمّ، أو أن يترك لي تعليقاً من عنده، بل لا أريد حتى رؤية اسمه، أمّا إذا ترك لي ورقة بمائة دولار فأنا جدُّ ممنون! 

18.04.2026
زمن القراءة: 9 minutes

قليل جداً ممّا اشتريت من كتب مستعملة من خارج مصر، وجدت فيه خطّ قلم أو أثراً لتخطيط أو تشويهاً، هذا أكثره مع الأسف فيما اشتريت هنا، وأحياناً بحبر جافّ يستحيل إزالته يحيل القراءة عذاباً. كقارئ لا أودّ أن يقرّر سابقي ما المهمّ، أو أن يترك لي تعليقاً من عنده، بل لا أريد حتى رؤية اسمه، أمّا إذا ترك لي ورقة بمائة دولار فأنا جدُّ ممنون!

قبل سبعة أعوام أخذني عملي إلى العاصمة الأميركية لأربعة أشهر. كعادتي كان همّي الأوّل تفقّد كل مكان تُباع فيه الكتب، وسرعان ما اكتشفت مكتبة ضخمة تبيع الجديد والقديم منها على حدّ سواء، ولها اسم لطيف: “كتب القصّة التالية”، أو Second Story Books. 

“أغرت” على المكتبة هذه مراراً، بينما شنّت هي ومحالّ ووسائل أخرى لبيع الكتب الحرب الضروس على كل ما تيسّر لي من مال، حتى غادرت بلاد العمّ سام مُفلساً وإن محمّلاً بآلاف الصفحات المطبوعة. بعض ما في “كتب القصّة التالية” ممهور بتوقيع مؤلّفه، بعضها طبعات قديمة نادرة، وغيرها كتب عادية مستعملة. 

لكنّ المفاجأة اللطيفة التي وجدتها في كتاب ممّا اشتريت، وكان هذا بعد عودتي، ورقة بمائة دولار أميركي. الكنز الصغير هذا ألهمني تكرار البحث في ما أبتاعه من كتب مستعملة. أمّا المال فلم أنل منه المزيد، لكنّني وجدت تواريخ وقصصاً ونوادر متروكة بين ثنايا الصفحات، خاصّة أنني سقطت مؤخّراً (برغبتي، لا طائل من الإنكار) ضحيّة لعدد من تجّار الكتب المستعملة، وقد برع  أصدقائي الجدد هؤلاء في الحفاظ على إفلاسي الدائم، اللهمّ إلا من المزيد من الكتب.

  إهداء على ظهر غلاف مجلّد جمع مختارات من القصص القصيرة، كان من أكثر ما وجدت مدعاة للسخرية والأسى في آن معاً. عنوان الكتاب: “راوي الحكايات: مائة قصّة قصيرة من الولايات المتّحدة، إنجلترا، فرنسا، روسيا وألمانيا”. وقعت على السفر الثمين في دكان لبيع الكتب المستعملة في العاصمة الأسكتلندية قبل سنوات، حيث اقتنصته بثمن زهيد. علماً أن عدداً من نصوص الكتاب ألّفها اسكتلنديون، لكنّ العنوان لا يذكر بلدهم، بل يتوقّف عند إنجلترا ويختزل فيها كل بريطانيا. المقدّمة خطّها أحد أعظم مؤلّفي القصص القصيرة والروايات: الإنجليزي سومرست موم (1874 – 1965). وجدت  بعد الغلاف مكتوباً بخطّ اليد: “عيد ميلاد سعيد وتمنّيات بأمسيات شتوية كثيرة لطيفة، أعرف أن هذا الكتاب سيمنحها لك (أو لكِ؟)، مع محبّتي… هانا،  الأحد  16 يوليو 1939”. 

بعد تاريخ هذا التوقيع بسبعة أسابيع بالضبط، يوم الأحد 3 أيلول/ سبتمبر 1939، أعلنت كل من فرنسا وبريطانيا الحرب على ألمانيا النازية بعد غزو هذه الأخيرة لبولندا، وهكذا بدأت الحرب العالمية الثانية. ثم بعد ذلك بعام، لثمان أشهر متوالية، من أيلول/ سبتمبر 1940 حتى أيّار/ مايو 1941، لم تكد أيّ من مدن بريطانيا تسلم من غارات سلاح الجو الألماني شديدة الشراسة، فيما عُرف اصطلاحاً بالـ Blitz. 

تُرى كيف كان إحساس صاحب الكتاب أو صاحبته كلما نظر فيه بعد ذلك؟ أيّ شؤم هذا الذي اقترن بتمنّيات “هانا” الطيّبة؟ وأيّ قسوة تلك التي يخبّئها الغيب لنا أحياناً؟ لكن لنكن أكثر صراحة، هل هناك من تودّون أن تُهدوه هذا الكتاب مع التمنّيات الطيّبة نفسها؟ 

لكن الأكثر مدعاة للضحك وللأسف والسخرية في الوقت نفسه، على ندرة اختلاط هذه المشاعر، كان في صفحات نسخة من “مشكاة الأنوار”،  أحد مؤلّفات الفقيه والمتصوّف الكبير أبو حامد الغزالي (عاش 1058- 1111 ميلادية)، الذي اشتريته مستعملاً، في طبعة محقّقة ومشروحة تعود للعام 1964 (كان ثمن بيعها الأصلي خمسة وثلاثين قرشاً حسب المكتوب عليها، وهو رقم كبير لذاك الزمن)، حيث وجدت ورقة فيها قصيدتان، لم يكن الخطّ مقروءاً في كل السطور.

 هذه هي القصيدة الأولى، كما استطعت قراءتها (الأوضح من الاثنين):

أُسميت مصباحاً فوالله ما أرى سوى أنك الظلماء في الليلة الشؤم 

وأحسب أن الله قد رام عبرة بخلقك ممسوخاً وفي غاية اللؤم

وآية هذا الظنّ أنك جاهل       ونسبك بين الناس خلق ذي ظلم 

وقد جمع الله الجوّاد بفضله عليك خصائص القرد من طبع ومن وسم

ففصَلك تفكيراً من غير تعقل وشكّلك ممسوخاً من غير ما ظلم

لعمري لقد أوتيت ما أنت أهله سوى فصلهم إيّاك عن عالم البُهم

ثم يستطرد صاحبنا المجهول، بعد فراغ  في الورقة،  فتعرف أن “مصباح” كان، على ما يظهر، رئيسه، ناظر المدرسة (وضعت نقاطاً محلّ ما عجزت عن قراءته أو حتى تخمينه):

لنا ناظر فيه الأعاجيب كلها فلو قلت شاة ما بعدت عن القصدِ

ولو قلت جحشاً يغيظه أخو هوى أحسنت ففيه الضعف في غاية الحدِّ

ولو قلت ثوراً ربما جاز مرّة إذا مُسخ الثور … إلى قرد

….

وكم ثائر من ظلمه وهو صامت       ويقسم” لا والله” في غاية الجدّ

وعندي أن الحلف منه مصدق فما إن لديه من قضاء ولا ردّ

فما الظلم من عند ذاك وإنما من السائس المحظوظ جاء على عمد

بغضّ النظر عن عدم وضوح القصيدة الثانية، ورداءة الخطّ التي تكاد تجعل من المستحيل قراءة بعض ما فيها، واضح تماماً أيّ صورة رام شاعرنا المجهول رسمها إلى الحدّ الذي تشعر فيه بالأسف، لفرط قسوة وصفه لـ”مصباح” قبحاً وجهلاً وضعفاً! وبينما الشعر لا يمكن وصفه بالجودة، واضح أن صاحب الكلمات تمتّع بتمكّن من اللغة يندر اليوم، حتى بين من يفترض فيهم امتلاك مفاتيح العربية، علماً أنني ربما أخطأت قراءة بعض الكلمات لعدم وضوح النصّ المخطوط. أمّا كيف انتهت الورقة هذه داخل كتاب فيما يبدو أنه مكتبة مدرسة؟ وإن صحّ ذلك، لِمَ وُجد هذا الكتاب المعقّد في علوم التصوّف وما يرتبط بها من فقه اللغة وتفسير القرآن في مكتبة مدرسة؟ وهل كان مقصوداً أن تبقى القصيدتان “رسالة في زجاجة”؟ أم أن كاتبها نسيهما؟ وكيف كان شكل هذا “المصباح” المسكين؟ هذه أسئلة لا أظنّ لها إجابات. 

لا الطبّ ولا الأعشاب من اهتماماتي، ناهيك بالسحر الذي اقترن بعلوم التداوي لقرون طويلة. لكنّ صديقاً طلب مني أن أعينه في البحث عن طبعة قديمة  “كاملة” لتذكرة داود الأنطاكي، الطبيب المشهور الذي عاش ومات في القرن السادس عشر الميلادي. لم أفهم ما الغرض من نسخة “قديمة”، ولا ما عناه صديقي بالنسخة “الكاملة”. اسم الكتاب الشهير الكامل: “تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب”، ما كنت أجهله أن الكتاب لا يحتوي فقط على آلاف الوصفات للعلاج بالأعشاب، كما كان شأن الطبّ آنذاك، لكنّه أيضاً فيه الكثير من التفصيل لوسائل استعمال السحر، لأغراض طبّية وغير طبّية. حين تصفّحته وجدت ما يتحدّث عن استخدام هذه المادّة أو تلك، أو القطعة من هذا الحيوان أو ذاك، للبرء من مرض  أو عرض، أو لتحسين حالة الجسم البشري عموماً. 

لكنّني أيضاً وجدت جداول من حروف وأرقام يفترض فيها أن تحقّق هذا الغرض أو ذاك، ورقى ووصفات وطلاسم وأدعية. وشملت هذه، مثلاً لا حصراً،  وسائل لتسهيل السفر أو منع سفر شخص محدّد، وكذلك طرقاً لاصطياد قلب النساء أو الرجال بارتداء ريشة هذا الطائر أو وضع تلك البذور في الملابس. 

ومن الطريف والمقزّز في آن معاً، حسب هذا الكتاب، أن من أراد الفوز بقلب امرأة فعليه أن يجعلها تشرب ماء غسل به قدميه، والعكس صحيح حسب الكتاب على ما أذكر. إن صحّ هذا، كم هو صحّي ترك كل مسعى لاهتمام الجنس الآخر! أيضاً حوى الكتاب أدعية لا يبدو أنها تخالف العقيدة الإسلامية في شيء، وكذلك صفحات عن النجوم والأفلاك وتأثيراتها على الناس.

 لكن ما وجدته أكثر جذباً للاهتمام، كان المخطوط في الهوامش وعلى ظهر صفحة غلاف الكتاب بيد مالك سابق، ولا أعرف إن كان كله مستقى من الكتاب أم من خارجه. بعض هذا كان عن أعمال سحرية لتفريق الزوجين، وكيفية إبطالها، وبعضه كان للحماية من الحسد، وتفصيلات لكيفية الانتقام ممّن أراد بالسحر شرّاً لغيره، هذا عدا قائمة بما في الكتاب من الوصفات، مقرونة بأرقام الصفحات، التي تذكر طرقاً لإثارة الشهوة عند الرجال والنساء (ممّا يؤكّد عندي أن المالك كان رجلاً). 

بعدما رأيت ما رأيت في الكتاب المطبوع في عشرينيات القرن الماضي كاملاً (عكس طبعات أحدث اختصرته)، كان كل همّي التخلّص منه بأسرع ما يمكن، فما أدراني ما صاحب هذا السفر العتيق من لعنات لا يعلمها إلا الله. عرض صديقي الذي اشتريت له الكتاب أن يصوّر منه ما يهمّه من صفحات ويعيده إلي، لكنّني أصررت أن “أهديه” الكتاب، ثم بذلت أقصى الجهد لتقليل كل تعامل معه دون إغضابه، وحفظنا الله وإيّاكم!

عدا المكتوب على صفحات الكتب وهوامشها من سحر ولعنات، أو ما خُطّ للحماية منها، وورقة النقد الوحيدة التي وجدتها، وهجاء المسكين مصباح، وجدت أوراقاً من أصناف أخرى. إحداها كانت قائمة بما عُرض في ” مهرجان الفيلم السويدي” بتاريخ آذار/ مارس 1982، وحدّدت الورقة مكان طلب الدعوات لحضور المهرجان في مقرّ “مجلّة السينما والناس”، وعرض الأفلام في ” قاعة النيل أمام بنك مصر” وسط القاهرة. 

مجلّة “السينما والناس” توقّفت عن الصدور قبل نهاية الألفية على حدّ علمي.  لست خبيراً في السينما، لكنّ قائمة الأفلام المعروضة لم أجد شيئاً عنها على صفحات الإنترنت، ممّا دفعني للاعتقاد أن أيّاً من هذه الأفلام لم يحظَ باعتباره من كلاسيكيات السينما السويدية، ناهيك بالعالمية. لكن لا شكّ عندي في أن “أسبوع الفيلم السويدي” وجد مهتمّين من هواة الفنّ السابع، حتى وإن كان عددهم محدوداً. 

كتاب آخر اشتريته جديداً لكن لسبب ما جزء من تغليفه كان أوراقاً حكومية تعود لستينيات القرن الماضي. الكتاب درّة اللغة العربية وأهمّ معاجمها: لسان العرب لابن منظور الأفريقي (1232- 1311 ميلادية)، الفقيه والعلّامة اللغوي العبقري الذي خدم في ديوان إنشاء سلطنة المماليك في القاهرة، ثم كأحد قضاة دولتهم في طرابلس.  

أعدت تجليد أجزاء نسختي التسعة، بعدما سحبت من الغلاف الأصلي لأحدها ورقة كُتب عليها “بلدية القاهرة، الإدارة العامّة للتنظيم”، و”البلدية” هي ما أصبحت المجالس المحلّية والأحياء لاحقاً في مصر. 

مطبوع على الورقة في الركن الأيمن “الرجا توريد المهمّات الآتي بيانها بعد”، وفي يسارها “استمارة رقم 202 تنظيم”، ثم في المنتصف مع خطّ أسفلها “موصى عليه”. لكن واضح أن “التوصية” لم تعنِ الكثير، فالخانات أدنى هذه العناوين فارغة. أما خانات الجدول الفارغة فكانت كالتالي: “الكميّة”، “الوحدة”، “اسم الصنف”، “السعر”، “القيمة”؛ لاحظ اختلاف “السعر” عن “القيمة”، وتحت “السعر” و”القيمة” كُتبت وحدتا التقييم “جنيه” ثم “ملّيم”. 

والملّيم كان الوحدة الأدنى مالياً، فالجنيه المصري من مائة قرش، وكل قرش من عشرة ملّيمات، من ثَم كان الجنيه ألف ملّيم. مع الانخفاض المتواصل لقيمة الجنيه سقط الملّيم أوّلاً قبل بضعة عقود، ثم القروش بوحداتها المختلفة (واحد، خمسة، عشرة، خمسة وعشرين وخمسين)، حتى الجنيه منفرداً قلّ استخدامه بشدّة اليوم حتى كاد ينعدم، لكنّ ذكرى الملّيم بقيت في هذه الورقة التي أتتني مصادفة.

وعلى عكس فراغ الجانب المطبوع من الورقة، على ظهرها خطّ  أزرق باهت:  “استمارة 418 ” بتاريخ  20 / 9 / 1964. ثم كلمات أخرى غير مقروءة تتوسّطها أرقام أوضح، أظنّها أرقام المزيد من الاستمارات أو تسلسل للطلبات أو المهام (1292 بالرصاص، ثم وسط النصّ المبهم 197). عدا المكتوب بالرصاص أو بحبر أحمر (مقروناً بإمضاء)، الخطّ هنا كُتب بـ”الكاربون” وهذه آليّة ماتت اليوم. 

كان الموظّف إذا رغب في نسخة ممّا يكتب يضع شريحة “كاربون” زرقاء بين ورقتين، ويكتب على الأولى فيظهر ما يكتبه بخطّ أزرق على الثانية. استمرّ الاستخدام الواسع لهذه الآليّة ربما حتى مطلع الألفية، أمّا الآن وكل شيء إلكتروني وقابل للتصوير فقلّما تراها. ثم أدنى هذا كله كُتبت كلمات بالرصاص غير واضح منها إلا أوّلها: “ورد”،  ثم آخرها، وهذا اسم شخص: “فرج حنفي” ثم تاريخ: ” 18/10/64″. 

من هو فرج حنفي؟ هل من علاقة بينه وبين صاحبنا المسكين مصباح؟ عدا أنهما عاشا في الزمن نفسه؟  أمّا ماذا طلبت تلك الاستمارة؟ وإلى أيّ مسار أدّت؟ وماذا تخبرنا هذه الخانات والكلمات والخطوط عن البيروقراطية المصرية العتيدة؟ وكيف انتهت الورقة غلافاً لكتاب بعدستين عاماً؟ هذه كلها أسئلة لا إجابات عنها.

وجدت قطعاً من ذكريات أخرى عن أسعار وأكلات ومصروفات. ممّا تعثّرت به “كوبون” بقيمة خمسة جنيهات انتهت صلاحيته في السابع من تمّوز/ يوليو 2012، من سلسلة مطاعم قاهرية معروفة. هذا المطعم ليس رخيصاً، وزبائنه من الميسورين، ولم تكن الخمسة جنيهات آنذاك لتغطي تكلفة وجبة أو حتى تقترب من ذلك، ولكنّها كانت تخفيضاً لا بأس به في السعر. أمّا اليوم، وبعد ثلاثة عشر عاماً ونيف من انتهاء صلاحية هذا “الكوبون”، فخمسة جنيهات لا تكفي لشراء شطيرة (ساندويتش) واحدة من الفول، الوجبة الشعبية الأساس في مصر. 

أيضاً في كتاب تذكرة داود الذي ذكرته أعلاه، عدا الوصفات السحرية للزواج والغرام، وجدت في الهامش “قائمة” بـ”جهاز” عروس مؤرّخة في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وحرصاً على صحّة القارئ سأمتنع عن ذكر مجموع تكلفة الجهاز، فقط سأخبركم أنه أقلّ من ألف جنيه مصري.

أوّل عهدي بالكتب المستعملة كان خلال الدراسة في بريطانيا، من جهة ميزانية الطالب المحدودة تحضّ على البحث عن خيارات أرخص، ومن جهة أخرى أيّ مكان يجمع كتباً للبيع ويتيح التصفّح متعة خاصّة لكل محبّ للقراءة. ساعتها كان لدي قلم في نهايته ختّامة باسمي، أتاني هدية ممّن يعرف هوسي بالكتب. آثار هذا الختم ما زالت على العشرات من كتبي، لكنّني ولله الحمد، فقدته. لِمَ أترك اسمي مطبوعاً على إرث، الطبيعي فيه أن يواصل الترحال من يد لأخرى بقينا نحن أم رحلنا؟ 

قليل جداً ممّا اشتريت من كتب مستعملة من خارج مصر، وجدت فيه خطّ قلم أو أثراً لتخطيط أو تشويهاً، هذا أكثره مع الأسف فيما اشتريت هنا، وأحياناً بحبر جافّ يستحيل إزالته يحيل القراءة عذاباً. كقارئ لا أودّ أن يقرّر سابقي ما المهمّ، أو أن يترك لي تعليقاً من عنده، بل لا أريد حتى رؤية اسمه، أمّا إذا ترك لي ورقة بمائة دولار فأنا جدُّ ممنون!