ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“كتيبة جنين”: هل يكفي “مشروع الشهادة” لمواجهة إسرائيل؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
عدي مجيد

الطريقة التي تعاملت فيها السلطة في شوارع مخيم جنين، والتي تشبه إلى حد بعيد تكتيكات الجيش الإسرائيلي، سواء عند اقتحامه المخيم إبان الانتفاضة الثانية، أو ما يقوم به حالياً في غزّة بعد الاجتياح البري، توحي بمحاولتها استعراض قدراتها أمام إسرائيل وأميركا تحديداً، وبأنها لا تقل أمنياً عن قدرات الجيش الإسرائيلي في التعامل مع هذه القضايا.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في مطلع شهر كانون الأول/ ديسمبر اعتقلت السلطة الفلسطينيّة كلاً من إبراهيم طوباسي وعماد أبو الهيجا من “كتيبة جنين”، فردّت الأخيرة باحتجاز سيارات تابعة للسلطة للمطالبة بالإفراج عنهما؛ الأمر الذي رفضته السلطة، وأعلنت إطلاق عملية أسمتها “حماية وطن”، تهدف بحد زعمها إلى “إعادة الأمن والاستقرار وإنقاذ حياة المواطنين من الفلتان الأمني المتزايد”. في حين تقول “كتيبة جنين” إن السلطة الفلسطينية تريد “جنين بلا سلاح مقاومة”.

أثناء العملية الأمنية اغتالت السلطة القيادي في “كتيبة جنين” يزيد جعايصة وعدداً من المدنيين، لتشتعل الأحداث التي لم تنجح أي وساطة محلية وشعبية في احتوائها، وسط تمسّك السلطة بخروج المقاتلين من المخيم أو تسليم سلاحهم.

تُشير المعطيات، إلى أن هذه العملية تأتي بقرار فلسطيني بحت، وليس كنتيجة للتنسيق الأمني مع الجانب الإسرائيلي، فعلى الرغم من أن أجهزة الأمن الإسرائيلية ترى أن نجاح عملية السلطة في جنين هو مصلحة أمنية لإسرائيل؛ إلا أن رئيس الأركان هرتسي هاليفي أوصى القيادة السياسية بعدم نقل أسلحة إلى السلطة الفلسطينية، وهي التوصية التي حظيت بدعم من وزير الدفاع يسرائيل كاتس، قبل أن يوافق عليها رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، هذا برغم أن الولايات المتحدة مارست ضغطاً كبيراً على إسرائيل، وطالبتها بمد السلطة بأسلحة وذخائر ومركبات مصفحة.

يتقاطع هذا الاستنتاج مع إشارتين لافتتين بدرتا من السلطة؛ الأولى سعيها الدؤوب منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر لتسلّم إدارة غزة في مرحلة “اليوم التالي للحرب”، والتأكيد أنها قادرة على بسط سيطرتها هناك، وهو أمر شابه عدم ثقة أي طرف بقدرتها على ذلك، بسبب سجّلها السيئ في الضفة، حيث إضافة إلى السخط الشعبي، فالسلاح والعمليات والمقاومة ما زالت نشطة، ومن أهم من تصدّر المشهد هو “كتيبة جنين”. 

أما الإشارة الثانية فأتت على لسان المتحدث باسم قوات الأمن الفلسطينية أنور رجب لـ”واشنطن بوست” حول العملية الأمنية في جنين، التي وصفها برد على “كل هذه الأفعال والسياسات التي تقوّض عمل السلطة الفلسطينية، وهذه الجماعات تعطي إسرائيل ذريعة لتنفيذ مخططاتها في الضفة الغربية”. 

ما سبق يعني أن السلطة حريصة على الظهور كمؤسسة قادرة على بسط نفوذها وإدارة الملفات الأمنية الصعبة، وفي الوقت ذاته لا تريد أن تظهر شعبياً بأنها تتصدى “للمقاومة”، وتنجز أعمال إسرائيل، ومن هنا أتى إصرارها على وصف ما يدور في جنين بعملية “ضد الخارجين عن القانون” لا “فصائل مقاومة”.

استعراض للقوة… لكن أمام من؟

الطريقة التي تعاملت فيها السلطة في شوارع مخيم جنين، والتي تشبه إلى حد بعيد تكتيكات الجيش الإسرائيلي، سواء عند اقتحامه المخيم إبان الانتفاضة الثانية، أو ما يقوم به حالياً في غزّة بعد الاجتياح البري، توحي بمحاولتها استعراض قدراتها أمام إسرائيل وأميركا تحديداً، وبأنها لا تقل أمنياً عن قدرات الجيش الإسرائيلي في التعامل مع هذه القضايا، فعمدت إلى اقتحام مستشفى جنين الحكومي بحثاً عن مطلوبين مصابين، ويتمركز قناصتها على سطوح المباني ويطلقون النار على كل ما يتحرك، وقطعت الماء والكهرباء عن أحياء في المخيم وفرضت حصاراً مطبقاً عليه؛ ولم تتوانَ عن استخدام السلاح في ظل وجود مدنيين، ما أدى إلى سقوط العشرات بين جريح وقتيل. 

“كتيبة جنين” التابعة لـ”سرايا القدس”، الجناح العسكري لحركة “الجهاد الإسلامي”، نشأت عام 2021 في مخيم جنين شمال الضفة الغربية في أعقاب أحداث عملية نفق الحرية، التي نجحَ خلالها ستة معتقلين في الهروب من سجن جلبوع الإسرائيلي، حيث عملت على إرباك حواجز التفتيش، التي أنشأها الجيش الإسرائيلي وتأمين أماكن لإيواء الأسرى في المخيم، والدفاع عن مدينة جنين ضد أي اقتحام إسرائيلي، قبل أن تنتشر نشاطاتها لتشمل مدناً أخرى، وهي أمور كان من المفترض أن تكون منوطة بالسلطة الفلسطينية، التي وفق المعاهدات والاتفاقيات الدولية مسؤولة عن هذه المناطق، ومن واجبها تأمين الحماية لشعبها؛ ومن الطبيعي أن يؤدي غياب السلطة عن تنفيذ مسؤولياتها، إلى ولادة ما أسمتهم “خارجين عن القانون”، لملء هذا الفراغ الوجودي في حياة المواطن الفلسطيني. 

وإذ يُعاب على السلطة عدم استخدام قوّتها ضد اقتحامات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، الأمر الذي يستخدمه فصيل مثل “كتيبة جنين” لتبرير تمسّكه بحمل السلاح للدفاع عن المنطقة والمواطنين، فإن أسئلة كثيرة تُطرح حول قدرة السلاح على خدمة القضية الفلسطينية أو حماية الفلسطينيين، خصوصاً بعد ما حلّ بالمقاومة في غزة ولبنان بُعيد عملية “طوفان الأقصى”، وما نتج منها من دمار كبير وخسائر بشرية واقتصادية وعسكرية لا يمكن تعويضها.

عودة سؤال السلاح الفلسطيني

تاريخياً؛ كان الكفاح المسلح هو الدعوة الجامعة للحركة الوطنية الفلسطينية منذ نشوئها، لكن نتائجه لم تكن غالباً متناسبة مع حجم الأهداف والطموحات والوعود، وبدلاً من ذلك أثبت خلال خمسين عاماً (من 1936 ولغاية 1988) عجزه عن تحرير أي شبر بالقوة، سواء من خلال الجيوش النظامية التي هُزمت في النكبة والنكسة، أو من خلال العمل الفدائي الذي سبق ولحق بهذه الحروب، وانتهى بقبول تسوية أوسلو التي جاءت بنودها دون جميع المبادئ والأهداف، التي تبنتها حركة الكفاح المسلّح طوال هذا الوقت. 

وإن كانت هذه الحقبة انتهت ببقاء فلسطين محتلّة والأسرى في السجون ورقاب المواطنين في قبضة الجيش الإسرائيلي، فإن مرحلة جديدة من الكفاح المسلّح تعود إلى المشهد من بوابة الجهاد والحركات الإسلامية؛ التي اتّضح أنها لم تدرس تجارب من سبقوها، ولم تتصرف وفقاً لإمكاناتها، واتّكلت على روح التضحية “مشروع شهادة” أكثر من أي شيء آخر، فيما افتقد العمل المسلّح استراتيجية سياسية واضحة، فدخل الساحة الفلسطينية عبر العمليات التفجيرية، التي كانت نتائجها أقل من قدرة الفلسطينيين على تحمّل تبعاتها؛ وبالتالي استُدرج الفلسطيني مرة أخرى من ميدان الدبلوماسية والتفاوض والمواثيق الدولية، إلى ميدان الصراع العسكري الذي تتفوق فيه إسرائيل، كما أثبتت التجربة ويقول المنطق، ما ساهم في زيادة كلفة المقاومة الشعبية “الانتفاضتين الأولى والثانية” على الشعب، بدلاً من تحقيق مكاسب سياسية. 

أما ما يتعلّق بقضية تحرير غزة بقوة السلاح، فالواقع يقول إن الفلسطينيين في غزة، من نواحٍ عدة عملية وسياسية وقانونية، أضحوا في سجن كبير يديرون أنفسهم داخله، ومرتهنين لإسرائيل بالماء والكهرباء والغاز والصحة وحركة الأموال والاتصالات ومناحي الحياة كافة؛ وبدلاً من اعتبار غزة منطقة محاصرة تعاني ضعف الموارد وصعوبة العيش والاعتداءات الإسرائيلية، تمَّ تصديرها باعتبارها “منطقة محررّة”، تملك مقاتلين وصواريخ وطائرات مسيّرة قادرة على إحداث توازن عسكري وفرض معادلة رعب، بينما الواقع يقول إن إسرائيل لو أرادت الانسحاب تحت وقع الهزائم العسكرية وتعداد القتلى، لانسحبت من الضفة حيث مُنيت هناك بالنصيب الأكبر من هذه الخسائر. 

يشير الكاتب مجد كيالي في كتابه “نقاش السلاح”، إلى أن إسرائيل بقيادة شارون حينها، وعلى الرغم من أن خسائرها في الضفة أكبر بكثير من تلك التي في غزة، إلا أنه أصرّ على عدم الانسحاب من الضفة، بل على  تعزيز الوجود الإسرائيلي فيها، ما يعني أن انسحابه من غزة بشكل أحادي تم للتحرر من عبء السيطرة على مليوني فلسطيني في منطقة ضيقة لا تفيد بشيء، مع ترك الفلسطينيين ليقلعوا شوكهم بأيديهم، أو ليتصارعوا في ما بينهم، مع فرضه الحصار على غزة، وهو ما حدث فعلاً في الاقتتال الداخلي بين “فتح” و”حماس” والمرحلة التي تلته.

وبعيداً من جدليّة انتصار المقاومة وتحرير غزة بالسلاح التي ناقشناها آنفاً، فإن الوعي السياسي السائد يقدّم الكفاح المسلّح، باعتباره “بديهية” للفلسطينيين جميعاً أو يقيناً أو مقدساً يحرّم المسّ بها ومناقشتها ونقدها وتجاوزها، على رغم أنها تحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى النقاش والتفحّص، بخاصة أنها لم تثبت نجاعتها في مسيرة الفلسطينيين الكفاحية، حتى بعد تجربة عمرها أكثر من نصف قرن؛ وإن كانت السلطة تتذرّع في عمليتها في جنين بحماية المدنيين من توريطهم في حرب مع إسرائيل، فإن “كتيبة جنين” أو غيرها من فصائل المقاومة، يجب أن تأتي برد فعل إيجابي من جانبها، خصوصاً بعد ما انتهى إليه “طوفان الأقصى” في غزة، الذي يشير بشكل قاطع إلى أن خيار السلاح يجب أن يخضع لنقاش جدّي وصادق وعلمي، حول مدى ملاءمته للواقع ولأحوال الفلسطينيين وقدراتهم وإمكاناتهم، بعيداً عن الجانب المعنوي والعاطفي والتخوين والاتهام بالعمالة، فالضفة لا تحتمل مواجهة مسلّحة تسمح لإسرائيل بإعادة احتلالها، كما أعادت احتلال غزة، فقد تكون هذه النهاية بالنسبة الى القضية الفلسطينية.

رنا زيد - كاتبة وشاعرة فلسطينية سورية | 09.05.2026

عن “السبي الجاهلي”: ما أرى لك عقلاً يا عروة بن الورد!

كم يشبه زمن عروة بن الورد، الزمن السوري الحالي، زمن من دون قانون قضائي واضح، زمن المهانة والإذلال لكلّ من اختلف عمّن يحكم سوريا اليوم في الطائفة، أو في المذهب، أو الهيئة.
07.01.2025
زمن القراءة: 6 minutes

الطريقة التي تعاملت فيها السلطة في شوارع مخيم جنين، والتي تشبه إلى حد بعيد تكتيكات الجيش الإسرائيلي، سواء عند اقتحامه المخيم إبان الانتفاضة الثانية، أو ما يقوم به حالياً في غزّة بعد الاجتياح البري، توحي بمحاولتها استعراض قدراتها أمام إسرائيل وأميركا تحديداً، وبأنها لا تقل أمنياً عن قدرات الجيش الإسرائيلي في التعامل مع هذه القضايا.

في مطلع شهر كانون الأول/ ديسمبر اعتقلت السلطة الفلسطينيّة كلاً من إبراهيم طوباسي وعماد أبو الهيجا من “كتيبة جنين”، فردّت الأخيرة باحتجاز سيارات تابعة للسلطة للمطالبة بالإفراج عنهما؛ الأمر الذي رفضته السلطة، وأعلنت إطلاق عملية أسمتها “حماية وطن”، تهدف بحد زعمها إلى “إعادة الأمن والاستقرار وإنقاذ حياة المواطنين من الفلتان الأمني المتزايد”. في حين تقول “كتيبة جنين” إن السلطة الفلسطينية تريد “جنين بلا سلاح مقاومة”.

أثناء العملية الأمنية اغتالت السلطة القيادي في “كتيبة جنين” يزيد جعايصة وعدداً من المدنيين، لتشتعل الأحداث التي لم تنجح أي وساطة محلية وشعبية في احتوائها، وسط تمسّك السلطة بخروج المقاتلين من المخيم أو تسليم سلاحهم.

تُشير المعطيات، إلى أن هذه العملية تأتي بقرار فلسطيني بحت، وليس كنتيجة للتنسيق الأمني مع الجانب الإسرائيلي، فعلى الرغم من أن أجهزة الأمن الإسرائيلية ترى أن نجاح عملية السلطة في جنين هو مصلحة أمنية لإسرائيل؛ إلا أن رئيس الأركان هرتسي هاليفي أوصى القيادة السياسية بعدم نقل أسلحة إلى السلطة الفلسطينية، وهي التوصية التي حظيت بدعم من وزير الدفاع يسرائيل كاتس، قبل أن يوافق عليها رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، هذا برغم أن الولايات المتحدة مارست ضغطاً كبيراً على إسرائيل، وطالبتها بمد السلطة بأسلحة وذخائر ومركبات مصفحة.

يتقاطع هذا الاستنتاج مع إشارتين لافتتين بدرتا من السلطة؛ الأولى سعيها الدؤوب منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر لتسلّم إدارة غزة في مرحلة “اليوم التالي للحرب”، والتأكيد أنها قادرة على بسط سيطرتها هناك، وهو أمر شابه عدم ثقة أي طرف بقدرتها على ذلك، بسبب سجّلها السيئ في الضفة، حيث إضافة إلى السخط الشعبي، فالسلاح والعمليات والمقاومة ما زالت نشطة، ومن أهم من تصدّر المشهد هو “كتيبة جنين”. 

أما الإشارة الثانية فأتت على لسان المتحدث باسم قوات الأمن الفلسطينية أنور رجب لـ”واشنطن بوست” حول العملية الأمنية في جنين، التي وصفها برد على “كل هذه الأفعال والسياسات التي تقوّض عمل السلطة الفلسطينية، وهذه الجماعات تعطي إسرائيل ذريعة لتنفيذ مخططاتها في الضفة الغربية”. 

ما سبق يعني أن السلطة حريصة على الظهور كمؤسسة قادرة على بسط نفوذها وإدارة الملفات الأمنية الصعبة، وفي الوقت ذاته لا تريد أن تظهر شعبياً بأنها تتصدى “للمقاومة”، وتنجز أعمال إسرائيل، ومن هنا أتى إصرارها على وصف ما يدور في جنين بعملية “ضد الخارجين عن القانون” لا “فصائل مقاومة”.

استعراض للقوة… لكن أمام من؟

الطريقة التي تعاملت فيها السلطة في شوارع مخيم جنين، والتي تشبه إلى حد بعيد تكتيكات الجيش الإسرائيلي، سواء عند اقتحامه المخيم إبان الانتفاضة الثانية، أو ما يقوم به حالياً في غزّة بعد الاجتياح البري، توحي بمحاولتها استعراض قدراتها أمام إسرائيل وأميركا تحديداً، وبأنها لا تقل أمنياً عن قدرات الجيش الإسرائيلي في التعامل مع هذه القضايا، فعمدت إلى اقتحام مستشفى جنين الحكومي بحثاً عن مطلوبين مصابين، ويتمركز قناصتها على سطوح المباني ويطلقون النار على كل ما يتحرك، وقطعت الماء والكهرباء عن أحياء في المخيم وفرضت حصاراً مطبقاً عليه؛ ولم تتوانَ عن استخدام السلاح في ظل وجود مدنيين، ما أدى إلى سقوط العشرات بين جريح وقتيل. 

“كتيبة جنين” التابعة لـ”سرايا القدس”، الجناح العسكري لحركة “الجهاد الإسلامي”، نشأت عام 2021 في مخيم جنين شمال الضفة الغربية في أعقاب أحداث عملية نفق الحرية، التي نجحَ خلالها ستة معتقلين في الهروب من سجن جلبوع الإسرائيلي، حيث عملت على إرباك حواجز التفتيش، التي أنشأها الجيش الإسرائيلي وتأمين أماكن لإيواء الأسرى في المخيم، والدفاع عن مدينة جنين ضد أي اقتحام إسرائيلي، قبل أن تنتشر نشاطاتها لتشمل مدناً أخرى، وهي أمور كان من المفترض أن تكون منوطة بالسلطة الفلسطينية، التي وفق المعاهدات والاتفاقيات الدولية مسؤولة عن هذه المناطق، ومن واجبها تأمين الحماية لشعبها؛ ومن الطبيعي أن يؤدي غياب السلطة عن تنفيذ مسؤولياتها، إلى ولادة ما أسمتهم “خارجين عن القانون”، لملء هذا الفراغ الوجودي في حياة المواطن الفلسطيني. 

وإذ يُعاب على السلطة عدم استخدام قوّتها ضد اقتحامات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، الأمر الذي يستخدمه فصيل مثل “كتيبة جنين” لتبرير تمسّكه بحمل السلاح للدفاع عن المنطقة والمواطنين، فإن أسئلة كثيرة تُطرح حول قدرة السلاح على خدمة القضية الفلسطينية أو حماية الفلسطينيين، خصوصاً بعد ما حلّ بالمقاومة في غزة ولبنان بُعيد عملية “طوفان الأقصى”، وما نتج منها من دمار كبير وخسائر بشرية واقتصادية وعسكرية لا يمكن تعويضها.

عودة سؤال السلاح الفلسطيني

تاريخياً؛ كان الكفاح المسلح هو الدعوة الجامعة للحركة الوطنية الفلسطينية منذ نشوئها، لكن نتائجه لم تكن غالباً متناسبة مع حجم الأهداف والطموحات والوعود، وبدلاً من ذلك أثبت خلال خمسين عاماً (من 1936 ولغاية 1988) عجزه عن تحرير أي شبر بالقوة، سواء من خلال الجيوش النظامية التي هُزمت في النكبة والنكسة، أو من خلال العمل الفدائي الذي سبق ولحق بهذه الحروب، وانتهى بقبول تسوية أوسلو التي جاءت بنودها دون جميع المبادئ والأهداف، التي تبنتها حركة الكفاح المسلّح طوال هذا الوقت. 

وإن كانت هذه الحقبة انتهت ببقاء فلسطين محتلّة والأسرى في السجون ورقاب المواطنين في قبضة الجيش الإسرائيلي، فإن مرحلة جديدة من الكفاح المسلّح تعود إلى المشهد من بوابة الجهاد والحركات الإسلامية؛ التي اتّضح أنها لم تدرس تجارب من سبقوها، ولم تتصرف وفقاً لإمكاناتها، واتّكلت على روح التضحية “مشروع شهادة” أكثر من أي شيء آخر، فيما افتقد العمل المسلّح استراتيجية سياسية واضحة، فدخل الساحة الفلسطينية عبر العمليات التفجيرية، التي كانت نتائجها أقل من قدرة الفلسطينيين على تحمّل تبعاتها؛ وبالتالي استُدرج الفلسطيني مرة أخرى من ميدان الدبلوماسية والتفاوض والمواثيق الدولية، إلى ميدان الصراع العسكري الذي تتفوق فيه إسرائيل، كما أثبتت التجربة ويقول المنطق، ما ساهم في زيادة كلفة المقاومة الشعبية “الانتفاضتين الأولى والثانية” على الشعب، بدلاً من تحقيق مكاسب سياسية. 

أما ما يتعلّق بقضية تحرير غزة بقوة السلاح، فالواقع يقول إن الفلسطينيين في غزة، من نواحٍ عدة عملية وسياسية وقانونية، أضحوا في سجن كبير يديرون أنفسهم داخله، ومرتهنين لإسرائيل بالماء والكهرباء والغاز والصحة وحركة الأموال والاتصالات ومناحي الحياة كافة؛ وبدلاً من اعتبار غزة منطقة محاصرة تعاني ضعف الموارد وصعوبة العيش والاعتداءات الإسرائيلية، تمَّ تصديرها باعتبارها “منطقة محررّة”، تملك مقاتلين وصواريخ وطائرات مسيّرة قادرة على إحداث توازن عسكري وفرض معادلة رعب، بينما الواقع يقول إن إسرائيل لو أرادت الانسحاب تحت وقع الهزائم العسكرية وتعداد القتلى، لانسحبت من الضفة حيث مُنيت هناك بالنصيب الأكبر من هذه الخسائر. 

يشير الكاتب مجد كيالي في كتابه “نقاش السلاح”، إلى أن إسرائيل بقيادة شارون حينها، وعلى الرغم من أن خسائرها في الضفة أكبر بكثير من تلك التي في غزة، إلا أنه أصرّ على عدم الانسحاب من الضفة، بل على  تعزيز الوجود الإسرائيلي فيها، ما يعني أن انسحابه من غزة بشكل أحادي تم للتحرر من عبء السيطرة على مليوني فلسطيني في منطقة ضيقة لا تفيد بشيء، مع ترك الفلسطينيين ليقلعوا شوكهم بأيديهم، أو ليتصارعوا في ما بينهم، مع فرضه الحصار على غزة، وهو ما حدث فعلاً في الاقتتال الداخلي بين “فتح” و”حماس” والمرحلة التي تلته.

وبعيداً من جدليّة انتصار المقاومة وتحرير غزة بالسلاح التي ناقشناها آنفاً، فإن الوعي السياسي السائد يقدّم الكفاح المسلّح، باعتباره “بديهية” للفلسطينيين جميعاً أو يقيناً أو مقدساً يحرّم المسّ بها ومناقشتها ونقدها وتجاوزها، على رغم أنها تحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى النقاش والتفحّص، بخاصة أنها لم تثبت نجاعتها في مسيرة الفلسطينيين الكفاحية، حتى بعد تجربة عمرها أكثر من نصف قرن؛ وإن كانت السلطة تتذرّع في عمليتها في جنين بحماية المدنيين من توريطهم في حرب مع إسرائيل، فإن “كتيبة جنين” أو غيرها من فصائل المقاومة، يجب أن تأتي برد فعل إيجابي من جانبها، خصوصاً بعد ما انتهى إليه “طوفان الأقصى” في غزة، الذي يشير بشكل قاطع إلى أن خيار السلاح يجب أن يخضع لنقاش جدّي وصادق وعلمي، حول مدى ملاءمته للواقع ولأحوال الفلسطينيين وقدراتهم وإمكاناتهم، بعيداً عن الجانب المعنوي والعاطفي والتخوين والاتهام بالعمالة، فالضفة لا تحتمل مواجهة مسلّحة تسمح لإسرائيل بإعادة احتلالها، كما أعادت احتلال غزة، فقد تكون هذه النهاية بالنسبة الى القضية الفلسطينية.

07.01.2025
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية